التفاسير

< >
عرض

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
٢٠
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢١
تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
٢٢
ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ
٢٣
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٢٤
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٢٥
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
٢٦
وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
٢٧
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ
٢٨
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
٢٩
وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ
٣٠
-الشورى

انوار التنزيل واسرار التأويل

{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ} ثوابها شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل ولذلك قيل: الدنيا مزرعة الآخرة، والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه. {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } فنعطه بالواحد عشراً إلى سبعمائة فما فوقها. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } شيئاً منها على ما قسمنا له. {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } إذ الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى.

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ } بل ألهم شركاء، والهمزة للتقرير والتقريع وشركاؤهم شياطينهم. {شَرَعُواْ لَهُمْ } بالتزيين. {مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا. وقيل شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم بما تدينوا به، أو صور من سنة لهم. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين الكافرين والمؤمنين، أو المشركين وشركائهم. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقرىء «أن» بالفتح عطفاً على كلمة {ٱلْفَصْلِ } أي {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } وتقدير عذاب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا، فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة.

{تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } في القيامة. {مُشْفِقِينَ } خائفين. {مِمَّا كَسَبُواْ } من السيئات. {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } أي وباله لاحق بهم أشفقوا أو لم يشفقوا. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ } في أطيب بقاعها وأنزهها. {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم. {ذٰلِكَ } إشارة إلى المؤمنين. {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا.

{ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي « يُبَشّرُ» من بشره وقرىء «يُبَشّرُ» من أبشره. {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة. {أَجْراً } نفعاً منكم. {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي تودوني لقرابتي منكم، أو تودوا قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى: لا أسألكم أجراً قط ولكني أسألكم المودة، و {فِى ٱلْقُرْبَىٰ } حال منها أي {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ } ثابتة في ذوي {ٱلْقُرْبَىٰ } متمكنة في أهلها، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث "الحب في الله والبغض في الله" روي: أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال: "علي وفاطمة وابناهما" وقيل {ٱلْقُرْبَىٰ } التقرب إلى الله أي إلا أن تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح، وقرىء «إلا مودة في القربى». {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } ومن يكتسب طاعة سيما حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومودته لهم. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } في الحسنة بمضاعفة الثواب، وقرىء «يزد» أي يزد الله وحسنى. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لمن أذنب. {شَكُورُ} لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة.

{أَمْ يَقُولُونَ } بل أيقولون. {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } افترى محمد بدعوى النبوة أو القرآن. {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } استبعاد للافتراء عن مثله بالإِشعار على أنه إنما يجترىء عليه من كان مختوماً على قلبه جاهلاً بربه، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترىء بالافتراء عليه. وقيل يختم على قلبك يمسك القرآن أو الوحي عنه، أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم. {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } استئناف لنفي الافتراء عما يقوله بأنه لو كان مفترى لمحقه إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه أو بوعده، بمحو باطلهم وإثبات حقه بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له، وسقوط الواو من {يمح} في بعض المصاحف لاتباع اللفظ كما في قوله تعالى: { وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ }

[الإسراء: 11] {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } بالتجاوز عما تابوا عنه، والقبول يعدى إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإِبانة، وقد عرفت حقيقة التوبة. وعن علي رضي الله تعالى عنه: هي اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإِعادة، ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } صغيرها وكبيرها لمن يشاء. {وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ} فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة، وقرأ الكوفيون غير أبي بكر «ما تفعلون» بالتاء.

{وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما حذف في { وَإِذَا كَالُوهُمْ } [المطففين: 3] والمراد إجابة الدعاء أو الإِثابة على الطاعة، فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام "أفضل الدعاء الحمد لله" أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها. {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} على ما سألوا واستحقوا واستوجبوا له بالاستجابة. {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل.

{وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ } لتكبروا وأفسدوا فيها بطراً، أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وهذا على الغالب، وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية. {وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ } بتقدير. {مَا يَشَاء } كما اقتضته مشيئته. {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم فيقدر لهم ما يناسب شأنهم. روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت. وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا.

{وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم «يُنَزّلُ» بالتشديد. {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } أيسوا منه، وقرىء بكسر النون. {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان. {وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ} الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته. {ٱلْحَمِيدِ } المستحق للحمد على ذلك.

{وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإنها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم. {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} عطف على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أو الـ {خلقُ}. {مِن دَابَّةٍ } من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب، أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيها في الجملة. {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ} أي في أي وقت يشاء. {قَدِيرٌ } متمكن منه و {إِذَا } كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع.

{وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } فبسبب معاصيكم، والفاء لأن {مَا} شرطية أو متضمنة معناه، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} من الذنوب فلا يعاقب عليها. والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه.