التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٩٩
وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ
١٠٠
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٠١
ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
١٠٢
لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ
١٠٣
قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
١٠٤
وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
١٠٥
-الأنعام

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء} من السحاب أو من جانب السماء. {فَأَخْرَجْنَا} على تلوين الخطاب. {بِهِ} بالماء. {نَبَاتَ كُلّ شَيْء} نبت كل صنف من النبات والمعنى: إظهار القدرة في إنبات الأنواع المختلفة المفننة المسقية بماء واحد كما في قوله سبحانه وتعالى: {يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ } ونفضل بعضها على بعض في الأكل. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} من النبات أو الماء. {خُضْرًا} شيئاً أخضر يقال أخضر وخضر كأعور وعور، وهو الخارج من الحبة المتشعب. {نُّخْرِجُ مِنْهُ } من الخضر. {حَبّاً مُّتَرَاكِباً } وهو السنبل. {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوٰنٌ } أي وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان، أو من النخل شيء من طلعها قنوان، ويجوز أن يكون من النخل خبر قنوان ومن طلعها بدل منه والمعنى: وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو الأعذاق جمع قنو كصنوان جمع صنو. وقرىء بضم القاف كذئب وذؤبان وبفتحها على أنه اسم جمع إذ ليس فعلان من أبنية الجمع. {دَانِيَةٌ } قريبة من المتناول، أو ملتفة قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها. {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ } عطف على نبات كل شيء. وقرأ نافع بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثم جنات أو من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على {قِنْوٰنٌ } إذ العنب لا يخرج من النخل. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } أيضاً عطف على نبات أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم. {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } حال من الرمان، أو من الجميع أي بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه في الهيئة والقدر واللون والطعم. {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ} أي ثمر كل واحد من ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء والميم، وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب، أو ثمار ككتاب وكتب. {إِذَا أَثْمَرَ} إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلاً لا يكاد ينتفع به. {وَيَنْعِهِ} وإلى حال نضجه أو إلى نضيجة كيف يعود ضخماً ذا نفع ولذة، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت. وقيل جمع يانع كتاجر وتجر. وقرىء بالضم وهو لغة فيه ويانعه. {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لآيات دالة على وجود القادر الحكيم وتوحيده، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به والرد عليه فقال.

{وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ} أي الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله. وسماهم جناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم، أو الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية. ومفعولا {جَعَلُواْ} {للَّهِ شُرَكَاء} والجن بدل من {شُرَكَاء } أو {شُرَكَاء} الجن و {لِلَّهِ} متعلق بـ {شُرَكَاء }، أو حال منه وقرىء {ٱلْجِنَّ} بالرفع كأنه قيل: من هم فقيل الجن، و {ٱلْجِنَّ} بالجر على الإِضافة للتبيين. {وَخَلَقَهُمْ} حال بتقدير قد، والمعنى وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق. وقرىء {وَخَلَقَهُمْ} عطفاً على {ٱلْجِنَّ} أي وما يخلقونه من الأصنام، أو على شركاء أي وجعلوا له اختلافهم للإِفك حيث نسبوه إليه. {وَخَرَقُواْ لَهُ} افتعلوا وافتروا له. وقرأ نافع بتشديد الراء للتكثير. وقرىء «وحرفوا» أي وزوروا. {بَنِينَ وَبَنَاتٍ} فقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت العرب الملائكة بنات الله. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه ويروا عليه دليلاً، وهو في موضع الحال من الواو، أو المصدر أي خرقاً بغير علم. {سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } وهو أن له شريكاً أو ولداً.

{بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أو إلى الظرف كقولهم: ثبت الغدر بمعنى أنه عديم النظير فيهما، وقيل معناه المبدع وقد سبق الكلام فيه، ورفعه على الخبر والمبتدأ محذوف أو على الابتداء وخبره. {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي من أين أو كيف يكون له ولد. {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} يكون منها الولد. وقرىء بالياء للفصل أو لأن الاسم ضمير الله أو ضمير الشأن. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا تخفى عليه خافية، وإنما لم يقل به لتطرق التخصيص إلى الأول، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: (الأول) أنه من مبدعاته السموات والأرضون، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء نظيره ولا نظير له فلا ولد. (والثاني) أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين والله سبحانه وتعالى منزه عن المجانسة. (والثالث) أن الولد كفؤ الوالد ولا كفؤ له لوجهين: الأول أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه. والثاني أنه سبحانه وتعالى لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره بالإِجماع.

{ذٰلِكُمْ} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ. {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض بدلاً أو صفة والبعض خبراً. {فَٱعْبُدُوهُ} حكم مسبب عن مضمونها فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء وَكِيلٌ} أي وهو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم ورقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها.

{لاَّ تُدْرِكُهُ} أي لا تحيط به. {ٱلأَبْصَـٰرِ} جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها واستدل به المعتزلة على امتناع الرؤية وهو ضعيف، إذ ليس الإِدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عاماً في الأوقات فلعله مخصوص ببعض الحالات ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه مع أن النفي لا يوجب الامتناع. {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} يحيط علمه بها. {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار، ويجوز أن يكون من باب اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها.

{قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها لدلالة لأنها تجلي لها الحق وتبصرها به. {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي أبصر الحق وآمن به. {فَلِنَفْسِهِ} أبصر لأن نفعه لها. {وَمَنْ عَمِيَ} عن الحق وضل. {فَعَلَيْهَا} وباله. {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وإنما أنا منذر والله سبحانه وتعالى هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها، وهذا كلام ورد على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام.

{وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} ومثل ذلك التصريف نصرف، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف، وهو نقل الشيء من حال إلى حال. {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} أي وليقولوا درست صرفنا واللام لام العاقبة، والدرس القراءة والتعليم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، وابن عامر ويعقوب درست من الدروس أي قدمت هذه الآيات وعفت كقولهم أساطير الأولين. وقرىء {دَرُسْتَ} بضم الراء مبالغة في درست ودرست على البناء للمفعول بمعنى قرئت، أو عفيت ودارست بمعنى درست أو دارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم، وجاز إضمارهم بلا ذكر لشهرتهم بالدراسة، ودرسن أي عنون ودرس أي درس محمد صلى الله عليه وسلم ودارسات أي قديمات أو ذوات درس كقوله تعالى: {فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. {وَلِنُبَيّنَهُ} اللام على أصله لأن التبيين مقصود التصريف والضمير للآيات باعتبار المعنى، أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوماً أو للمصدر. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون به.