التفاسير

< >
عرض

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ
١٣٤
قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
١٣٥
وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
١٣٦
وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
١٣٧
وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
١٣٨
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ
١٣٩
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
١٤٠
-الأنعام

انوار التنزيل واسرار التأويل

{إِنَّمَا تُوعَدُونَ} من البعث وأحواله. {لأَتٍ} لكائن لا محالة. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} طالبكم به. {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} على غاية تمكنكم واستطاعتكم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة. وقرأ أبو بكر عن عاصم «مكاناتكم» بالجمع في كل القرآن وهو أمر تهديد، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم. {إِنّى عَـٰمِلٌ} ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعاً عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي به، إليه، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} إن جعل {مِنْ} استفهامية بمعنى أينا تكون له عاقبة الدار الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار، فمحلها الرفع وفعل العلم معلق عنه وإن جعلت خبرية فالنصب بـ {تَعْلَمُونَ} أي فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة الدار، وفيه مع الإِنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب، وتنبيه على وثوق المنذر بأنه محق. وقرأ حمزة والكسائي «يكون» بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة.

{وَجَعَلُواْ} أي مشركوا العرب. {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} خلق. {مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ} روي: أنهم كانوا يعينون شيئاً؟ من حرث ونتائج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئاً منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حباً لآلهتهم. وفي قوله {مِمَّا ذَرَأَ} تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جماداً لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وفي قوله {بِزَعْمِهِمْ} تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله به. وقرأ الكسائي بالضم في الموضعين وهو لغة فيه وقد جاء فيه الكسر أيضاً كالود والود. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} حكمهم هذا.

{وَكَذٰلِكَ} ومثل ذلك للتزيين في قسمة القربان. {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ} بالوأد ونحرهم لآلهتهم. {شُرَكَاؤُهُمْ} من الجن أو من السدنة، وهو فاعل {زُيّنَ}. وقرأ ابن عامر {زُيّنَ} على البناء للمفعول الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقوله:

فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَة زَجَّ القلوصِ أَبِي مُزَادَه

وقرىء بالبناء للمفعول وجر أولادهم ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه {زُيّنَ}. {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم بالإِغواء. {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين والعاقبة إن كان من السدنة. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } ما فعل المشركون ما زين لهم، أو الشركاء التزيين أو الفريقان جميع ذلك. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} افتراءهم أو ما يفترونه من الإِفك.

{وَقَالُواْ هَـٰذِهِ } إشارة إلى ما جعل لآلهتهم. {أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } حرام فعل بمعنى مفعول، كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى. وقرىء {حِجْرٍ} بالضم وحرج أي مضيق. {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء} يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء. {بِزَعْمِهِمْ } من غير حجة. {وَأَنْعَـٰمٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا} يعني البحائر والسوائب والحوامي. {وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} في الذبح وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها، وقيل لا يحجون على ظهورها. {ٱفْتِرَاء عَلَيْهِ} نصب على المصدر لأن ما قالوا تقول على الله سبحانه وتعالى، والجار متعلق بـ {قَالُواْ} أو بمحذوف هو صفة له أو على الحال، أو على المفعول له والجار متعلق به أو بالمحذوف. {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} بسببه أو بدله.

{وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ} يعنون أجنة البحائر والسوائب. {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا} حلال للذكور خاصة دون الإِناث إن ولد حيًا لقوله: {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء } فالذكور والإِناث فيه سواء وتأنيث الخالصة للمعنى فإن ما في معنى الأجنة ولذلك وافق عاصم في رواية أبي بكر بن عامر في تكن بالتاء، وخالفه هو وابن كثير في {مَيْتَةً} فنصب كغيرهم، أو التاء فيه للمبالغة كما في رواية الشعر أو هو مصدر كالعافية وقع موقع الخالص. وقرىء بالنصب على أنه مصدر مؤكد والخبر {لِّذُكُورِنَا}، أو حال من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي ولا على صاحبها المجرور. وقرىء «خالصن» بالرفع والنصب و {خَالِصَةٌ} بالرفع والإِضافة إلى الضمير على أنه بدل من ها أو مبتدأ ثان والمراد به ما كان حياً، والتذكير في فيه لأن المراد بالميتة ما يعم الذكر والأنثى فغلب الذكر. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي جزاء وصفهم الكذب على الله سبحانه وتعالى في التحريم والتحليل من قوله: { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ } [النحل: 62] {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.

{قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ} يريد بهم العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر. وقرأ ابن كثير وابن عامر {قَـٰتِلُواْ} بالتشديد بمعنى التكثير. {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله سبحانه وتعالى رازق أولادهم لا هم، ويجوز نصبه على الحال أو المصدر. {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} من البحائر ونحوها. {ٱفْتِرَاء عَلَى ٱللَّهِ} يحتمل الوجوه المذكورة في مثله. {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} إلى الحق والصواب.