التفاسير

< >
عرض

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
١٣٧
وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
١٣٨
إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٣٩
قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٤٠
-الأعراف

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} بالاستبعاد وذبح الأبناء من مستضعفيهم. {مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا} يعني أرض الشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا في نواحيها. {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} بالخصب وسعة العيش. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى إِسْرءيلَ } ومضت عليهم واتصلت بالانجاز عدته إياهم بالنصرة والتمكين وهو قوله تعالى: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ } [القصص: 5] إلى قوله: { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } [القصص: 6] وقرىء «كلمات ربك» لتعدد المواعيد {بِمَا صَبَرُواْ} بسبب صبرهم على الشدائد. {وَدَمَّرْنَا} وخربنا. {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} من القصور والعمارات. {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} من الجنات أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وأبو بكر هنا وفي «النحل» {يَعْرِشُونَ} بالضم. وهذا آخر قصة فرعون وقومه.

وقوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ} وَمَا بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن مَنَّ الله عليهم بالنعم الجسام، وأراهم من الآيات العظام تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى منهم، وإيقاظاً للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. روي: أن موسى عليه الصلاة والسلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً. {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ} فمروا عليهم. {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} يقيمون على عبادتها، قيل كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل، والقوم كانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم. وقيل من لخم، وقرأ حمزة والكسائي {يعكفون} بالكسر. {قَالُواْ يَا مُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا} مثالاً نعبده. {كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ} يعبدونها، وما كافة للكاف. {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ما صدر عنهم بعد ما رأوا من الآيات الكبرى عن العقل.

{إِنَّ هَـؤُلآء} إشارة إلى القوم. {مُتَبَّرٌ} مكسر مدمر. {مَّا هُمْ فِيهِ} يعني أن الله يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضاً {وَبَـٰطِلٌ} مضمحل. {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام بإيقاع {هَـؤُلاء} اسم {إن} والإِخبار عما هم فيه بالتبار وعما فعلوا بالبطلان، وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبراً لأن للتنبيه على أن الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة، وأن الإِحباط الكلي لازب لما مضى عنهم تنفيراً وتحذيراً عما طلبوا.

{قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا} أطلب لكم معبوداً. {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء معاملتهم حيث قابلوا تخصيص الله إياهم من أمثالهم لما لم يستحقوه تفضلاً بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته.