التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٧
-آل عمران

تفسير القرآن العظيم

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلاَْخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة: {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ} أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظ لهم منها {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: برحمة منه لهم، يعني: لا يكلمهم الله كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:

(الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال: علي بن مدرك: أخبرني، قال: سمعت أبا زرعة عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال: "المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان" ، ورواه مسلم وأهل السنن من حديث شعبة به.

(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن أبي الأحمس، قال: لقيت أباذر، فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أما إنه لا يخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما سمعته منه، فما الذي بلغك عني؟ قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله. قال: قلته وسمعته، قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: "الرجل يلقى العدو في فئة، فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنُّوا أن يمسوا الأرض، فينزلون، فيتنحى أحدهم يصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه، فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن" قلت: من هؤلاء الذين يشنؤهم الله؟ قال: "التاجر الحلاف، أو قال: البائع الحلاف، والفقير المحتال، والبخيل المنان" غريب من هذا الوجه.

(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جربر بن حازم، حدثنا عدي بن عدي، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي، هو ابن عميرة الكندي، قال: خاصم رجل من كندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس، رجلاً من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرىء القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين كاذبة؛ ليقتطع بها مال أحد، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان" قال رجاء: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: "الجنة" . قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها، ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي به.

(الحديث الثالث) قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مالَ امرىء مسلم، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان" . فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك؛ كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني أرضي، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألك بينة؟" قلت: لا. فقال لليهودي: "احلف" . فقلت: يا رسول الله، إذاً يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} الآية، أخرجاه من حديث الأعمش.

(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان" قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيَّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر كانت لي في يده، فجحدني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه" قال: قلت: يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان" قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} الآية.

(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رِشْدين، عن زَبَّان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن لله تعالى عباداً لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم" قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: "متبرىء من والديه راغب عنهما، ومتبرىء من ولده، ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم، وتبرأ منهم" .

(الحديث الخامس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام، يعني: ابن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، يعني: السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلاً أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} الآية، ورواه البخاري من غير وجه عن العوام.

(الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، يعني: كاذباً، ورجل بايع إماماً، فإن أعطاه وفى له، وإن لم يعطه لم يف له" . ورواه أبو داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.