التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
٣٥
-الأحزاب

تفسير القرآن العظيم

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إِلا ونداؤه على المنبر، وأنا أسرح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إِلى حجرتي حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإِذا هو يقول عند المنبر: "يا أيها الناس إِن الله تعالى يقول: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ}" إِلى آخر الآية، وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد به مثله.

(طريق أخرى عنها) قال النسائي أيضاً: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سويد، أخبرنا عبد الله بن شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يانبي الله مالي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية.

(طريق أخرى) قال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها: يارسول الله يذكر الرجال ولانذكر، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية.

(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سيار بن مظاهر العنزي، حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم ماله يذكر المؤمنين ولايذكر المؤمنات؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية، وحدثنا بشر حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذكركن الله تعالى في القرآن، ولم نذكر بشيء، أما فينا ما يذكر؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية، فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه؛ لقوله تعالى: { قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 14]. وفي "الصحيحين": "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فيسلبه الإيمان، ولايلزم من ذلك كفره بإِجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه كما قررناه أولاً في شرح البخاري.

وقوله تعالى: {وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ} القنوت: هو الطاعة في سكون؛ { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ } [الزمر: 9] وقال تعالى: { وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } [الروم: 26] { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَٰكِعِينَ } [آل عمران: 43] { وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } [البقرة: 238] فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إِليها، وهو الإيمان، ثم القنوت ناشىء عنهما، {وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ} هذا في الأقوال، فإِن الصدق خصلة محمودة، ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرب عليهم كذبة، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، "عليكم بالصدق فإِن الصدق يهدي إِلى البر، وإِن البر يهدي إِلى الجنة، وإِياكم والكذب، فإِن الكذب يهدي إِلى الفجور، وإِن الفجور يهدي إِلى النار، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

والأحاديث فيه كثيرة جداً، {وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ} هذه سجية الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم مابعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها، {وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته؛ كما في الحديث: "اعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه، فإِنه يراك" ، {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَـٰتِ} الصدقة هي الإحسان إِلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم، ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال؛ طاعة لله، وإِحساناً إِلى خلقه. وقد ثبت في "الصحيحين": "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إِلا ظله ــــ فذكر منهم ــــ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وفي الحديث الآخر: "والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار" . والأحاديث في الحث عليها كثيرة جداً له موضع بذاته، {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ} وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه: "والصوم زكاة البدن" أي: يزكيه ويطهره، وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعاً وشرعاً؛ كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، دخل في قوله تعالى: {وٱلصَّـٰئِمِينَ وٱلصَّـٰئِمَـٰتِ} ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإِنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء" ناسب أن يذكر بعده: {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} أي: عن المحارم والمآثم، إِلا عن المباح؛ كما قال عز وجل: { وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } [المؤمنون: 5 ــــ 7].

وقوله تعالى: {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا محمد بن جابر عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كُتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات" وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قلت: يارسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات" قال: قلت: يارسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دماً، لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه" .

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إِبراهيم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فأتى على جمدان، فقال: "هذا جمدان، سيروا، فقد سبق المفردون" قالوا: وما المفردون؟ قال صلى الله عليه وسلم "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات" ثم قال صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: والمقصرين؟ قال صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين" تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم دون آخره.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: إِنه بلغني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ماعمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله عز وجل" وقال معاذ رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غداً فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟" قالوا: بلى يارسول الله، قال صلى الله عليه وسلم "ذكر الله عز وجل" .

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِن رجلاً سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجراً يارسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم "أكثرهم لله تعالى ذكراً" قال: فأي الصائمين أكثر أجراً؟ قال صلى الله عليه وسلم "أكثرهم لله عزّ وجل ذكراً" ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك يقول رسول الله: "أكثرهم لله ذكراً" فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أجل" . وسنذكر إِن شاء الله تعالى بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [الأحزاب: 41 ــــ 42] الآية، إِن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم، أي: إن الله تعالى قد أعد لهم، أي: هيأ لهم مغفرة منه لذنوبهم، وأجراً عظيماً، وهو الجنة.