التفاسير

< >
عرض

وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
٣٦
-النساء

تفسير القرآن العظيم

يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "أتدري ما حق الله على العباد؟" قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" ، ثم قال: "أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم" ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيراً ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}، وكقوله: { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } [الإسراء: 23] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء؛ كما جاء في الحديث: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة" ، ثم قال تعالى: {وَالْيَتَـٰمَىٰ} وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم، والحنو عليهم، ثم قال: {وَٱلْمَسَـٰكِينِ} وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ضرورتهم، وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة. وقوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ}، يعني الذي بينك وبينه قرابة، {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ}: الذي ليس بينك وبينه قرابة، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل ابن حيان وقتادة، وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله: والجار ذي القربى: يعني: الجار المسلم، والجار الجنب، يعني: اليهودي و النصراني، رواه ابن جرير وابن أبي جاتم، وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى، يعني: المرأة. وقال مجاهد أيضاً في قوله: والجار الجنب، يعني: الرفيق في السفر، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر، وبالله المستعان.

(الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمداً يحدث عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر به.

(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل، زاد الترمذي: وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد، به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(والحديث الثالث) قال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره" ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، وقال: حسن غريب.

(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يشبع الرجل دون جاره" ، تفرد به أحمد.

(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ما تقولون في الزنا؟" قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره" ، قال: "ما تقولون في السرقة؟" قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره" تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" . قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" .

(الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا هشام عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم، ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام، قال: "ولقد رأيته؟" قلت: نعم، قال: "أتدري من هو؟" ، قلت: لا، قال: "ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ثم قال: "أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام" .

(الحديث السابع) قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر، يعني: المدني، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل من العوالي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف، قال الرجل: يا رسول الله، من هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال: "وقد رأيته؟" قال: نعم، قال: "لقد رأيت خيراً كثيراً، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه" . تفرد به من هذا الوجه، وهو شاهد للذي قبله.

(الحديث الثامن) قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقاً، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقاً، فأما الجار الذي له حق واحد، فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان، فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم" قال البزار: لا نعلم أحداً روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك.

(الحديث التاسع) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد الله، عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك باباً" ، ورواه البخاري من حديث شعبة به.

(الحديث العاشر) روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن، فزاد: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فجعل الناس يتمسحون بوضوئه، فقال: "ما يحملكم على ذلك" ؟ قالوا: حب الله ورسوله. قال: "من سره أن يحب الله ورسوله، فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤد الأمانة إذا ائتمن" .

(الحديث الحادي عشر) قال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول خصمين يوم القيامة جاران" وقوله تعالى: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} قال الثوري: عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود، قالا: هي المرأة، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات، نحو ذلك، وقال ابن عباس وجماعة: هو الضعيف. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر، وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفرـ وأما ابن السبيل، فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازاً في السفر، وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق، فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان. وقوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة، أسير في أيدي الناس، فلهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم" فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بَحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة" ورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح، ولله الحمد.

وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم" رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" رواه مسلم أيضاً. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه" أخرجاه، ولفظه للبخاري، ولمسلم: "فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً، فليضع في يده أكلة أو أكلتين" . وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، فأعينوهم" أخرجاه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}، أي: مختالا في نفسه، معجباً متكبراً، فخوراً على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض، قال مجاهد في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} يعني: متكبراً {فَخُوراً} يعني: يَعُدُّ ما أعطي، وهو لا يشكر الله تعالى، يعني: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك، وقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيىء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، وتلا: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} الآية، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، وتلا: { وَبَرّاً بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } [مريم: 32]. وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور، وقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم عن الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم: "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة" ، فقال: أجل، فلا أخالني أكذب على خليلي، ثلاثاً، قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور، أو ليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل؟ ثم قرأ الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}. وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بَلْهُجَيم، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: "إياك وإسبال الإزار؛ فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة" .