التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ
١٠٦
فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠٧
ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
١٠٨
-المائدة

تفسير القرآن العظيم

اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون، وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير: بل هو محكم، ومن ادعى نسخه، فعليه البيان، فقوله تعالى: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} هذا هو الخبر لقوله: شهادة بينكم، فقيل: تقديره: شهادة اثنين، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان. وقوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ} وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. وقوله: {مِنكُمْ} أي: من المسلمين. قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} قال: من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نحو ذلك. قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى ذلك {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي: من أهل الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما.

وقوله: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد ابن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب، ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نحو ذلك. وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: منكم، أن المراد: من قبيلة الموصي، يكون المراد ههنا: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي: من غير قبيلة الموصي. وروى ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله.

وقوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: سافرتم {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية؛ كما صرح بذلك شريح القاضي. قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية، ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله. وقد روي نحوه عن الإمام أحمد بن حنبلرحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة، فقالوا: لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضاً.

وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السنة: أنه لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض، وعمل الناس بها، رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن جرير: اختلف في قوله: {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} هل المراد به: أن يوصي إليهما، أو يشهدهما؟ على قولين: (أحدهما): أن يوصي إليهما؛ كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، قال: سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية. قال: هذا رجل سافر، ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين، دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، وفيه انقطاع. (والقول الثاني): أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما، اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة؛ كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء، كما سيأتي ذكرهما آنفاً إن شاء الله، وبه التوفيق.

وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال: (لأنا لا نعلم حكماً يحلف فيه الشاهد) وهذا لايمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جارياً على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص، بشهادة خاصة، في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور مالم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرينة الريبة، حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. وقوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ} قال العوفي: قال ابن عباس: يعني: صلاة العصر، وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني: صلاة المسلمين. وقال السدي، عن ابن عباس: يعني: صلاة أهل دينهما. وروي عن عبد الرزاق، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة. وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد. والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} أي: فيحلفان بالله {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا، فيحلفان حينئذ بالله {لاَ نَشْتَرِى بِهِ} أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان {ثَمَنًا} أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي: ولو كان المشهود عليه قريباً لنا لا نحابيه {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} أضافها إلى الله تشريفاً لها، وتعظيماً لأمرها، وقرأ بعضهم: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} مجروراً على القسم، رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي، وحكي عن بعضهم أنه قرأها: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} والقراءة الأولى هي المشهورة {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلأَثِمِينَ} أي: إن فعلنا شيئاً من ذلك؛ من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها، أو كتمها بالكلية.

ثم قال تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا، أو غلَّا شيئاً من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} هذه قراءة الجمهور {ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} وروي عن علي وأبيَ والحسن البصري أنهم قرؤوها: {استحقّ عليهم الأولان} وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقرأ بعضهم، ومنهم ابن عباس: {من الذين استحق عليهم الأوَّلين}. وقرأ الحسن: {من الذين استحق عليهم الأوَّلان} حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك، أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال، {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} أي: لقولنا إنهما خانا، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} أي: فيما قلنا فيهما من الخيانة، {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل، فيدفع برمته إليهم؛ كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام، وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين ابن زياد، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان، يعني: أبا صالح مولى أم هانىء بنت أبي طالب، عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} قال: برىء الناس منها غيري، وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له: بديل بن أبي مريم، بتجارة، معه جام من فضة: يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات، أخذنا ذلك الجام، فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله، دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، قلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة، تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فنزلت: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} فقام عمرو ابن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء، وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، به، فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء، ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث، هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى: أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى: أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانىء.

وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة مخوَّصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} الآية، وكذا رواه أبو داود عن الحسن ابن علي عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة، وأحمد بن أبي القاسم الكوفي، قيل: إنه صالح الحديث.

وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين، منهم: عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف، وصحتها، ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضاً ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا عن الشعبي: أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال: فحضرته الوفاة، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، يعني: أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتها، ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بدقوقا، وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخراً، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.

وقال أسباط عن السدي في الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} في السفر {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية، وعرفوا ما لصاحبهم، تركوهما، وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: كأني أنظر إلى العلجين حتى انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت، وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن أستحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمناً، ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين، إن صاحبهم بهذا أوصى، وإن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك، {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ}. رواه ابن جرير.

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أنهما قالا في هذه الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين، فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة، قبل قولهما، وإن اتهموهما، حلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كتمنا، ولا كذبنا، ولا خنا، ولا غيرنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء، فحلفا: بالله إن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد، فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} يقول: من الأولياء، فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم، وهو مذهب الإمام أحمدرحمه الله .

وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي؛ من تحليف الشاهدين الذميين، واستريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله: {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله، ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إن ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}، ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: في جميع أموركم، {وَٱسْمَعُواْ} أي: وأطيعوا، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.