التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
١٧٥
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
١٧٦
سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ
١٧٧
-الأعراف

تفسير القرآن العظيم

قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن الأعمش، ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } الآية قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعوراء. وكذا رواه شعبة وغير واحد عن منصور به وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب. قال قتادة: وقال كعب: كان رجلاً من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيماً ببيت المقدس مع الجبارين. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه: هو رجل من أهل اليمن يقال له: بلعم، آتاه الله آياته فتركها، وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى عليه السلام. وقال سفيان بن عيينة: عن حصين عن عمران بن الحارث عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وكذا قال مجاهد وعكرمة. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل عن مغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال: هو بلعام. وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. وقال شعبة: عن يعلى بن عطاء عن نافع بن عاصم عن عبد الله بن عمرو في قوله: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا } الآية قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت، وقد روي من غير وجه عنه، وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه؛ فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة، قبحه الله. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه، فإن له أشعاراً ربانية وحكماً وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي نمر، حدثنا سفيان عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } قال: هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدة، قال: فلك واحدة، فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله، فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها، رغبت عنه، وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها، فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، وذهبت الدعوات الثلاث، وتسمى البسوس، غريب، وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعام، وكان يعلم اسم الله الأكبر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة، ولا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم، ولا يصح، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم - يعني: بالجبارين - ومن معه أتاه - يعني: بلعم - أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: { فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } الآية. وقال السدي: إن الله لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً } بعث يوشع بن نون نبياً، فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبي، وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام، فكان عالماً يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين، وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، وكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء؛ لعظمهن، فكان ينكح أتاناً له، وهو الذي قال الله تعالى: { فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } وقوله تعالى: { فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي: استحوذ عليه وعلى أمره، فمهما أمره امتثل وأطاعه، ولهذا قال: { فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } أي: من الهالكين الحائرين البائرين. وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام، حدثنا الحسن، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة، يعني: ابن اليمان رضي الله عنه، حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك" قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك، المرمي أو الرامي؟ قال: "بل الرامي" إسناد جيد، والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين، ولم يرم بشيء سوى الإرجاء، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.

وقوله تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } يقول تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا } أي: لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها { وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } أي: مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى، وقال أبو الراهرية في قوله تعالى: { وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } قال: تراءى له الشيطان على علوة من قنطرة بانياس، فسجدت الحمارة لله، وسجد بلعام للشيطان، وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد، وقال الإمام أبو جعفر بن جريررحمه الله : وكان من قصة هذا الرجل ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه أنه سئل عن هذه الآية: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا } فحدث عن سيار: أنه كان رجلاً يقال له بلعام، وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، أو قال: الشام، قال: فرعب الناس منه رعباً شديداً، فأتوا بلعام، فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال: حتى أوامر ربي، أو: حتى أؤامر، قال: فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم؛ فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه: إني قد آمرت ربي في الدعاء عليهم، وإني قد نهيت، فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم، فقال: حتى أوامر ربي، فوامر فلم يحر إليه بشيء، فقال: قد وامرت فلم يحر إليّ بشيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى وجيشه، أو نحواً من ذا إن شاء الله، قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه أيضاً ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا في الزنا هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء تستقبلهم، فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، قال: ففعلوا فأخرجوا النساء تستقبلهم، قال: وكان للملك ابنة، فذكر من عظمها ما الله أعلم به، قال: فقال أبوها، أو بلعام: لا تمكني نفسك إلا من موسى، قال: ووقعوا في الزنا، قال: فأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسه، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى، فقال: إن منزلتي كذا وكذا، إن من حالي كذا وكذا، فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها مكنيه، قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح، فيطعنهما. قال: وأيده الله بقوة، فانتظمهما جميعاً، ورفعهما على رمحه، فرآهما الناس - أو كما حدث - قال: وسلط الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً. قال أبو المعتمر: فحدثني سيار: أن بلعاماً ركب حمارة له حتى إذا أتى المعلولي، أو قال: طريقاً من المعلولي، جعل يضربها ولا تتقدم، وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه، قال: فنزل وسجد له، قال الله تعالى: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } قال: فحدثني بهذا سيار ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره (قلت): هو بلعام، ويقال: بلعم بن باعوراء، ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن باعور بن شهتوم بن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران، ويقال: بن حران بن آزر، وكان يسكن قرية من قرى البلقاء، قال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه، له ذكر في القرآن، ثم أورد من قصته نحواً مما ذكرناه ها هنا، أورده عن وهب وغيره، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن سالم أبي النضر أنه حدث: أن موسى عليه السلام لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن، فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حسبان، فلما سار عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها، حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به، فضربها، حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها يضربها، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا مالا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبتى - ابنة صور رأس أمته - برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها، وأتى بها موسى، وقال: إني أظنك ستقول: هذا حرام عليك، قال: أجل هي حرام عليك، لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبته، فوقع عليها، وأرسل الله عز وجل الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحييه، وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلل لهم يقول: عشرون ألفاً في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى؛ لا عتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحييه، والبكر من كل أموالهم وأنفسها؛ لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـثَايَـٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وقوله تعالى: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } اختلف المفسرون في معناه، فعلى سياق ابن إسحاق عن سالم عن أبي النضر: أن بلعاماً اندلع لسانه على صدره، فتشبيهه بالكلب في لهثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر، وقيل: معناه: فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه إلى الإيمان وعدم الدعاء كالكلب في لهثه في حالتيه، إن حملت عليه وإن تركته، هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه كما قال تعالى: { { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [البقرة: 6] { { ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } [التوبة: 80] ونحو ذلك، وقيل: معناه: أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى، فهو كثير الوجيب، فعبر عن هذا بهذا، نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره، وقوله تعالى: { فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ } يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ } أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته؛ بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران عليه السلام، ولهذا قال: { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علماً، وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته؛ كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه، فلم يعلم به العباد، أحل الله به ذلاً في الدنيا موصولاً بذل الآخرة. وقوله: { سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } يقول تعالى: ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه، صار شبيهاً بالكلب، وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" وقوله: { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } أي: ما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.