التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
١٠
يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
١١
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٢
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
١٣
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٤
وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥
وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
١٦
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
١٧
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
-النحل

فتح القدير

لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات، أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: {هُوَ ٱلَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء } أي: من جهة السماء، وهي السحاب {مَاء } أي: نوعاً من أنواع الماء، وهو المطر {لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } يجوز أن يتعلق {لكم} بـ {أنزل} أو هو خبر مقدّم، وشراب مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لماء، {وَمِنْهُ } في محل نصب على الحال، والشراب: اسم لما يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى: أن الماء النازل من السماء قسمان: قسم يشربه الناس، ومن جملته ماء الآبار والعيون، فإنه من المطر لقوله: { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } [الزمر: 21] وقسم يحصل منه شجر ترعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر، لأن التركيب يدل على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد من الشجر في الآية الكلأ، وقيل: الشجر: كل ماله ساق كقوله تعالى: { وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمٰن: 6]. والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له، وجب أن يكون الشجر ماله ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز {فِيهِ تُسِيمُونَ } أي: في الشجر ترعون مواشيكم، يقال: سامت السائمة تسوم سوماً رعت فهي سائمة، وأسمتها، أي: أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم: الإبعاد في المرعى. قال الزجاج: أخذ من السومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها. {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ } قرأ أبو بكر عن عاصم "ننبت" بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، أي: ينبت الله لكم بذلك الماء الذي أنزله من السماء، وقدّم الزرع لأنه أصل الأغذية التي يعيش بها الناس، وأتبعه بالزيتون لكونه فاكهة من وجه وإداما من وجه لكثرة ما فيه من الدّهن، وهو جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها: زيتونة. ثم ذكر النخيل لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف الفواكه، وجمع الأعناب لاشتمالها على الأصناف المختلفة، ثم أشار إلى سائر الثمرات فقال: {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقرأ أبيّ بن كعب "ينبت لكم به الزرع" يرفع الزرع وما بعده {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي: الإنزال والإنبات {لآيَةً } عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرّد بالربوبية {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته.

{وَسَخَّر لَكُمُ الليل والنهار} معنى تسخيرهما للناس: تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم، يتعاقبان دائماً، كالعبد الطائع لسيده لا يخالف ما يأمره به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه. وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم، فإنها تجري على نمط متحد يستدل بها العباد على مقادير الأوقات، ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان. ومعنى مسخرات: مذللات. وقرأ ابن عامر وأهل الشام: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع على الابتداء والخبر. وقرأ الباقون بالنصب عطفاً على {الليل والنهار}، وقرأ حفص عن عاصم برفع {النجوم} على أنه مبتدأ وخبره {مسخرات بِأَمْرِهِ} وعلى قراءة النصب في مسخرات يكون حالاً مؤكدة، لأن التسخير قد فهم من قوله: {وَسَخَّرَ }؛ وقرأ حفص في رواية برفع مسخرات مع نصب ما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مسخرات، {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التسخير {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: يعملون عقولهم في هذه الآثار الدالة على وجود الصانع وتفرّده، وعدم وجود شريك له. وذكر الآيات لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. وجمعها ليطابق قوله {مسخرات}؛ وقيل: إن وجه الجمع هو أن كلا من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها، بخلاف ما تقدّم من الإنبات، فإنه آية واحدة، ولا يخلو كل هذا عن تكلف، والأولى أن يقال: إن هذه المواضع الثلاثة التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار، وللإفراد باعتبار، فلم يجرها على طريقة واحدة افتناناً وتنبيهاً على جواز الأمرين وحسن كل واحد منهما.

{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } أي: خلق يقال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً: خلقهم، فهو ذارىء، ومنه الذرّية، وهي: نسل الثقلين، وقد تقدّم تحقيق هذا، وهو معطوف على النجوم رفعاً ونصباً، أي: وسخر لكم ما ذرأ في الأرض. فالمعنى: أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية. وانتصاب {مختلفاً ألوانه} على الحال، و{ألوانه}: هيئاته ومناظره، فإن ذرء هذه الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكلّ في الطبيعة الجسمية آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرّده {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التسخير لهذه الأمور {لآيَةً } واضحة {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فإن من تذكر اعتبر، ومن اعتبر، استدلّ على المطلوب، قيل: وإنما خصّ المقام الأوّل بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة. وخصّ المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة، وإراحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحداينة فلا عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة. فمن شك بعد ذلك، فلا حسّ له. وفي هذا من التكلف ما لا يخفى. والأولى: أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدّم في إفراد الآية في البعض، وجمعها في البعض الآخر. وبيانه أن كلا من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر، ولذكر التعقل، ولذكر التذكر، لاعتبارات ظاهرة غير خفية. فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن لا يوجد في التعبير بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة.

{وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ } امتنّ الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيد وجواهر، لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه من الدلالة على وحدانية الربّ سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه لعباده في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية والبحرية، فأرشدهم إلى النظر والاستدلال بالآيات المتنوّعة المختلفة الأمكنة إتماماً للحجة، وتكميلاً للإنذار، وتوضيحاً لمنازع الاستدلال، ومناطات البرهان، ومواضع النظر والاعتبار، ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } المراد به: السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } أي: لؤلؤاً ومرجاناً كما في قوله سبحانه: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [الرحمٰن: 22] وظاهر قوله: {تَلْبَسُونَهَا } أنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان أي: يجعلونه حلية لهم كما يجوز للنساء، ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله: {تَلْبَسُونَهَا } بقوله تلبسه نساؤهم، لأنهنّ من جملتهم، أو لكونهنّ يلبسنها لأجلهم، وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلاّ النساء خاصة، فإن ذلك ممنوع من جهة كونه تشبهاً بهنّ، وقد ورد الشرع بمعنه لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان.

{وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ } أي: ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدرها. ومخر السفينة: شقها الماء بصدرها. قال الجوهري: مخر السابح: إذا شقّ الماء بصدره، ومخر الأرض: شقها للزراعة، وقيل: مواخر جواري، وقيل: معترضة. وقيل: تذهب وتجيء، وقيل: ملججة. قال ابن جرير: المخر في اللغة: صوت هبوب الريح، ولم يقيد بكونه في ماء {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } معطوف على {تستخرجوا}، وما بينهما اعتراض، أو على علة محذوفة تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، أو على تقدير فعل ذلك لتبتغوا أي: لتتجروا فيه، فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم، اعترفتم بنعمته عليكم فشكرتم ذلك باللسان والأركان. قيل: ولعلّ وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من حيث أن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير مزاولة أسباب السفر، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالك، ويمكن أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من كون فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له.

ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد، المفيدة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى وآية كبرى، فقال: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } أي: جبالاً ثابتة، يقال: رسا يرسو: إذا ثبت وأقام، قال الشاعر:

فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع

{أَن تَمِيدَ بِكُمْ } أي: كراهة أن تميد بكم على ما قاله البصريون، أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون، والميد: الاضطراب يميناً وشمالاً، ماد الشيء يميد ميداً تحرّك، ومادت الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر {وَأَنْهَـٰراً } أي: وجعل فيها أنهاراً، لأن الإلقاء، ها هنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } [طه: 39]. {وَسُبُلاً } أي: وجعل فيها سبلاً وأظهرها وبينها لأجل تهتدون بها في أسفاركم إلى مقاصدكم. والسبل: الطرق {وَعَلامَـٰتٍ } أي: وجعل فيها علامات، وهي معالم الطرق، والمعنى: أنه سبحانه جعل للطرق علامات يهتدون بها {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } المراد بالنجم: الجنس، أي: يهتدون به في سفرهم ليلاً. وقرأ ابن وثاب "وبالنجم" بضم النون والجيم، ومراده: النجوم فقصره، أو هو جمع نحو كسقف وسقف. وقيل: المراد بالنجم هنا: الجدي والفرقدان قاله الفراء؛ وقيل: الثريا، وقيل: العلامات الجبال، وقيل: هي النجوم، لأن من النجوم ما يهتدى به، ومنها ما يكون علامة لا يهتدى بها. وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار؛ وقيل: هو الاهتداء إلى القبلة، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعمّ من ذلك. قال الأخفش: ثمّ الكلام عند قوله {وعلامات}، وقوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } كلام منفصل عن الأول؛ ثم لما عدّد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: {أَفَمَن يَخْلُقُ } هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } شيئاً منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها، وهو هذه الأصنام التي تعبدونها وتجعلونها شركاء لله سبحانه. وأطلق عليها لفظ «من» إجراء لها مجرى أولى العلم جرياً على زعمهم بأنها آلهة، أو مشاكلة لقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ } لوقوعها في صحبته، وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى، وما أحقهم بذلك، فإنهم جعلوا بعض المخلوقات شريكاً لخالقه تعالى الله عما يشركون.{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرّده بالربوبية وبديع صنعته فتستدلون بها على ذلك، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرّد التذكر لها.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات، التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم، قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } وقد مرّ تفسير هذا في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدير بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك فكيف يطيق حصر بعض نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها؟.

يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظيم نعمك معترفة بالعجز عن بادية الشكر لشيء منها، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير بالشكر لك، فتجاوز عنا واغفر لنا وأسبل ذيول سترك على عوارتنا فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرّد التقصير في شكر نعمك، فكيف بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك، وما أحسن ما قال من قال:

العفو يرجى من بني آدم فكيف لا يرجى من الربّ

فقلت مذيلاً لهذا البيت الذي هو قصر مشيد:

فإنه أرأف بي منهم حسبي به حسبي به حسبي

وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيراً إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم وإدرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تتحركون بها. اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكلّ لسان في كل زمان، وعدد ما سيشكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان، فقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك، وإن رأيت منها شيئاً على بعض خلقك لم أرَ عليه بقيتها، فأني أطيق شكرك وكيف أستطيع بادية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها؟ فكيف أستطيع شكر نوع من أنواعها؟

ثم بين لعباده بأنه عالم بجميع ما يصدر منهم، لا تخفى عليه منه خافية فقال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } أي: تضمرونه من الأمور {وَمَا تُعْلِنُونَ } أي: تظهرونه منها. وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ، وتنبيه على أنّ الإلٰه يجب أن يكون عالماً بالسرّ والعلانية، لا كالأصنام التي يعبدونها، فإنها جمادات لا شعور لها بشيء من الظواهر فضلاً عن السرائر فكيف يعبدونها؟.

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } قال: ما خلق لكم في الأرض مختلفاً من الدواب، والشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } يعني: حيتان البحر {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } قال: هذا اللؤلؤ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } قال: هو السمك وما فيه من الدواب. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر، قال: ليس في الحلى زكاة، ثم قرأ {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا }. أقول: وفي هذا الاستدلال نظر، والذي ينبغي التعويل عليه أن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف، ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدلّ على وجوب الزكاة فيها.

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مَوَاخِرَ } قال: جواري. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة {مَوَاخِرَ } قال: تشقّ الماء بصدرها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك {مَوَاخِرَ } قال: السفينتان تجريان بريح واحدة مقبلة ومدبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } قال: هي التجارة.

وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {رَوَاسِىَ } قال: الجبال، {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } قال: حتى لا تميد بكم، كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقرّ، فأصبحوا صبحاً وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتاداً في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَسُبُلاً } قال: السبل هي الطرق بين الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب عن قتادة {وَسُبُلاً } قال: طرقاً {وَعَلامَـٰتٍ } قال: هي النجوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في الآية قال: علامات النهار الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الكلبي {وَعَلامَـٰتٍ } قال: الجبال: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس {وَعَلامَـٰتٍ } يعني: معالم الطرق بالنهار {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } يعني بالليل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } قال: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تُخلق شيئاً، ولا تملك لأهلها ضرّاً ولا نفعاً.