التفاسير

< >
عرض

قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً
٤٢
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً
٤٣
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
٤٤
وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً
٤٥
وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً
٤٦
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً
٤٧
ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً
٤٨
-الإسراء

فتح القدير

قوله: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ }. قرأ ابن كثير، وحفص: {يقولون} بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب للقائلين بأن مع الله آلهة أخرى، وإذن: جواب عن مقالتهم الباطلة وجزاء لـ"لو" {لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ } وهو الله سبحانه. {سَبِيلاً }: طريقاً للمغالبة والممانعة كما تفعل الملوك مع بعضهم البعض من المقاتلة والمصاولة؛ وقيل: معناه إذن لابتغت الآلهة إلى الله القربة والزلفة عنده، لأنهم دونه، والمشركون إنما اعتقدوا أنها تقرّبهم إلى الله. والظاهر المعنى الأول، ومثل معناه قوله سبحانه: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء: 22]. ثم نزه تعالى نفسه، فقال: {سُبْحَـٰنَهُ } والتسبيح: التنزيه، وقد تقدّم، {وَتَعَالَىٰ } متباعد {عَمَّا يَقُولُونَ } من الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة {عُلُوّاً} أي: تعالياً، ولكنه وضع العلوّ موضع التعالي كقوله: { وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأرْضِ نَبَاتاً } [نوح: 17]. ثم وصف العلوّ بالكبر مبالغة في النزاهة، وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين الغني المطلق، والفقير المطلق، مباينة لا تعقل الزيادة عليها. ثم بين سبحانه جلالة ملكه وعظمة سلطانه فقال: {يُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } قرىء بالمثناة التحتية في يسبح، وبالفوقية، وقال: {فيهنّ} بضمير العقلاء لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء، وقد أخبر سبحانه عن السموات والأرض بأنها تسبحه، وكذلك من فيها من مخلوقاته الذين لهم عقول وهم الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي لا تعقل، ثم زاد ذلك تعميماً وتأكيداً فقال: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } فشمل كل ما يسمى شيئاً كائناً ما كان، وقيل: إنه يحمل قوله: {وَمَن فِيهِنَّ } على الملائكة والثقلين، ويحمل {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } على ما عدا ذلك من المخلوقات.

وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا؟ فقالت طائفة: ليس بمخصوص، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة، لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدلّ غيره بأن الله خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره. والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله سبحانه هذا التسبيح الذي معناه التنزيه وإن كان البشر لا يسمعون ذلك ولا يفهمونه، ويؤيد هذا قوله سبحانه: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فإنه لو كان المراد تسبيح الدلالة لكان أمراً مفهوماً لكل أحد، وأجيب: بأن المراد بقوله {لاَّ تَفْقَهُونَ } الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار. وقالت طائفة: إن هذا العموم مخصوص بالملائكة والثقلين دون الجمادات، وقيل: خاص بالأجسام النامية فيدخل النباتات، كما روي هذا القول عن عكرمة والحسن وخصا تسبيح النباتات بوقت نموها لا بعد قطعها. وقد استدلّ لذلك بحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على قبرين... وفيه: ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين، وقال: "إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا". ويؤيد حمل الآية على العموم قوله: { إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } [صۤ: 18]. وقوله: { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [البقرة: 74]. وقوله: { وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } [مريم: 90]، ونحو ذلك من الآيات. وثبت في الصحيح أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام، وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حديث حنين الجذع، وحديث: أن حجراً بمكة كان يسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكلها في الصحيح، ومن ذلك تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه وسلم، ومدافعة عموم هذه الآية بمجرّد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله سبحانه ويؤمن بما جاء من عنده. ومعنى {إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } إلاّ يسبح متلبساً بحمده {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }. قرأ الحسن، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف (تسبح) بالمثناة الفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيدة {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فمن حلمه الإمهال لكم وعدم إنزال عقوبته عليكم، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب منكم. ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن وما يقع من سامعيه فقال: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } جعلنا بينك يا محمد وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً أي: إنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرّون بك ولا يرونك، ذكر معناه الزجاج وغيره، ومعنى {مستوراً}: ساتر. قال الأخفش: أراد ساتراً، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمشئوم وميمون، وإنما هو شائم ويامن؛ وقيل: معنى {مستوراً}: ذا ستر، كقولهم: سيل مفعم: أي: ذو إفعام، وقيل: هو حجاب لا تراه الأعين فهو مستور عنها، وقيل: حجاب من دونه حجاب فهو مستور بغيره، وقيل: المراد بالحجاب: المستور الطبع والختم. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } الأكنة: جمع كنان. وقد تقدّم تفسيره في الأنعام، وقيل: هو حكاية لما كانوا يقولونه، من قولهم: { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } [البقرة: 88] { وفي آذننا وقر ومن بينا وبينك حجاب } [فصلت: 5]. و {أَن يَفْقَهُوهُ } مفعول لأجله، أي: كراهة أن يفقهوه، أو لئلا يفقهوه، أي: يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني {وفي آذانهم وقرا} أي: صمماً وثقلاً، وفي الكلام حذف، والتقدير: أن يسمعوه. ومن قبائح المشركين أنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر الله سبحانه، فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس، ولهذا قال الله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} أي: واحداً غير مشفوع بذكر آلهتهم، فهو مصدر وقع موقع الحال {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } هو مصدر، والتقدير: هربوا نفوراً، أو نفروا نفوراً؛ وقيل: جمع نافر كقاعد وقعود. والأوّل أولى. ويكون المصدر في موضع الحال أي: ولوا نافرين. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } أي: يستمعون إليك متلبسين به من الاستخفاف بك وبالقرآن واللغو في ذكرك لربك وحده، وقيل: الباء زائدة والظرف في {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } متعلق بـ {أعلم} أي: نحن أعلم وقت يستمعون إليك بما يستمعون به، وفيه تأكيد للوعيد، وقوله: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } متعلق بأعلم أيضاً، أي: ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم، وقد كانوا يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء، {يقول} بدل من {إذ هم نجوى}. {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } أي: يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم: ما تتبعون إلاّ رجلاً سحر فاختلط عقله وزال عن حدّ الاعتدال. قال ابن الأعرابيّ: المسحور الذاهب العقل الذي أفسد، من قولهم: طعام مسحور إذا أفسد عمله، وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها؛ وقيل: المسحور: المخدوع، لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأنهم زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتعلم من بعض الناس، وكانوا يخدعونه بذلك التعليم. وقال أبو عبيدة: معنى {مسحوراً} أن له سحراً، أي: رئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم، وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره، وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور، ومنه قول امرىء القيس:

أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب

أي: نغذى ونعلل. قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسرّوه بالوجوه الواضحة. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأمْثَالَ } أي قالوا تارة: إنك كاهن، وتارة ساحر، وتارة شاعر، وتارة مجنون {فضّلواْ } عن طريق الصواب في جميع ذلك {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له لا أصل الطعن، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه؛ وقيل: لا يستطيعون مخرجاً لتناقض كلامهم كقولهم: ساحر مجنون.

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } قال: على أن يزيلوا ملكه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمٰن بن قرط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: "سمعت تسبيحاً من السمٰوات العلى مع تسبيح كثير سبحت السمٰوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلوّ بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى" . وأخرج ابن مردويه عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدّة فقال: "أطت السماء ويحقها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلاّ فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده" . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلائق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق " قال الله تعالى: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }. وأخرج أحمد، وابن مردويه من حديث ابن عمر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: ما من عبد سبّح تسبيحة إلاّ سبّح ما خلق الله من شيء، قال الله {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } قال ابن كثير: إسناده فيه ضعف. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قرصت نملة نبياً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحي الله إليه: من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح" . وأخرج النسائي، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال: "نقيقها تسبيح" . وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } قال: الزرع يسبح وأجره لصاحبه، والثوب يسبح ويقول الوسخ: إن كنت مؤمناً فاغسلني إذن. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: كل شيء يسبح إلاّ الكلب والحمار. وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحيه ويقول: ما صِيد من صيدٍ ولا عضد من شجرة إلاّ بما ضيعت من التسبيح. وأخرجه أحمد في الزهد، وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر الصديق فذكره من قوله غير مرفوع. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود بمعنى بعضه. وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي الدرداء بمعناه. وأخرج ابن عساكر من حديث أبي رهم نحوه. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: هذه الآية في التوراة كقدر ألف آية {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } قال: في التوراة تسبح له الجبال ويسبح له الشجر، ويسبح له كذا ويسبح له كذا. وأخرج أحمد، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: صلى داود ليلة حتى أصبح، فلما أصبح وجد في نفسه سروراً، فنادته ضفدعة: يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاء. وأخرج البيهقي في الشعب عن صدقة بن يسار قال: كان داود في محرابه فأبصر دودة صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله فقالت: يا داود، أتعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك الله، قال الله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }. وفي الباب أحاديث وروايات عن السلف فيها التصريح بتسبيح جميع المخلوقات. وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أسماء بنت أبي بكر قال: لما نزلت { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } [المسد: 1] أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول:

مذمماً أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا

ورسول الله جالس وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به كما قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم ترَ النبيّ فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا وربّ هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } قال: الحجاب المستور: أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا قراءته ولا يرونه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } قال: الشياطين. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.