التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
١٤
وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ
١٥
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
١٦
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ
١٧
فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ
١٨
فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ
١٩
وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢٠
فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٢١
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
٢٢
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
٢٣
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
٢٤
-القصص

فتح القدير

قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } قد تقدّم الكلام في بلوغ الأشدّ في الأنعام، وقد قال ربيعة ومالك: هو الحلم لقوله تعالى: { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً } [النساء: 6] الآية، وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري وغيرهما. وقيل: الأشدّ ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين، والاستواء: من الثلاثين إلى الأربعين، وقيل: الاستواء هو بلوغ الأربعين، وقيل: الاستواء: إشارة إلى كمال الخلقة، وقيل: هو بمعنى واحد، وهو ضعيف؛ لأن العطف يشعر بالمغايرة {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } الحكم: الحكمة على العموم، وقيل: النبوّة. وقيل: الفقه في الدين. والعلم: الفهم، قاله السديّ. وقال مجاهد: الفقه. وقال ابن إسحاق: العلم بدينه ودين آبائه، وقيل: كان هذا قبل النبوّة، وقد تقدّم بيان معنى ذلك في البقرة {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } أي مثل ذلك الجزاء الذي جزينا أمّ موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر، وصدّقت بوعد الله نجزي المحسنين على إحسانهم، والمراد العموم.

{وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ } أي ودخل موسى مدينة مصر الكبرى. وقيل: مدينة غيرها من مدائن مصر، ومحل قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } النصب على الحال إما من الفاعل، أي مستخفياً، وإما من المفعول. قيل: لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون، وفشا ذلك منه، فأخافوه، فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلاّ مستخفياً. قيل: كان دخوله بين العشاء والعتمة، وقيل: وقت القائلة. قال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم، فكان منه ما حكى الله سبحانه بقوله: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ } أي ممن شايعه على دينه، وهم بنو إسرائيل {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } أي من المعادين له على دينه، وهم قوم فرعون {فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ } أي طلب منه أن ينصره، ويعينه على خصمه {عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوّهِ } فأغاثه؛ لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل. قيل: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي؛ ليحمل حطباً لمطبخ فرعون، فأبى عليه، واستغاث بموسى {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ } الوكز: الضرب بجمع الكف، وهكذا اللكز واللهز. وقيل: اللكز على اللحى، والوكز على القلب. وقيل: ضربه بعصاه. وقرأ ابن مسعود "فلكزه"، وحكى الثعلبي: أن في مصحف عثمان: "فنكزه" بالنون، قال الأصمعي: "نكزه" بالنون: ضربه، ودفعه. قال الجوهري: اللكز الضرب على الصدر. وقال أبو زيد: في جميع الجسد يعني: أنه يقال له: لكز، واللهز: الضرب بجميع اليدين في الصدر، ومثله عن أبي عبيدة {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } أي قتله، وكل شيء أتيت عليه، وفرغت منه: فقد قضيت عليه، ومنه قول الشاعر:

قد عضه فقضى عليه الأشجع

قيل: لم يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه، فأتى ذلك على نفسه، ولهذا قال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل؛ لأنه لم يكن إذ ذاك مأموراً بقتل الكفار. وقيل: إن تلك الحالة حالة كفّ عن القتال لكونه مأموناً عندهم، فلم يكن له أن يغتالهم. ثم وصف الشيطان بقوله: {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } أي: عدوّ للإنسان يسعى في إضلاله، ظاهر العداوة والإضلال. وقيل: إن الإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى عمل المقتول لكونه كافراً مخالفاً لما يريده الله. وقيل: إنه إشارة إلى المقتول نفسه يعني: أنه من جند الشيطان وحزبه. ثم طلب من الله سبحانه: أن يغفر له ما وقع منه: {قَالَ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ } الله {لَهُ } ذلك {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } ووجه استغفاره: أنه لم يكن لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر، وقيل: إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين، أو أراد إني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر؛ لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به، ومعنى {فَٱغْفِرْ لِي}: فاستر ذلك عليّ لا تطلع عليه فرعون، وهذا خلاف الظاهر فإن موسى عليه السلام ما زال نادماً على ذلك خائفاً من العقوبة بسببه، حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح. وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوّة. وقيل: كان ذلك قبل بلوغه سنّ التكليف، وإنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء، ولا شك أنهم معصومون من الكبائر، والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل.

ثم لما أجاب الله سؤاله، وغفر له ما طلب منه مغفرته، قال: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } هذه الباء يجوز أن تكون باء القسم والجواب مقدر أي: أقسم بإنعامك عليّ لأتوبنّ، وتكون جملة: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } كالتفسير للجواب وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً. ويجوز أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف، أي اعصمني بسبب ما أنعمت به عليّ، ويكون قوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً } مترتباً عليه، ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى، وتوصل إلى إنعامه بإنعامه، و «ما» في قوله: {بِمَا أَنْعَمْتَ } إما موصولة، أو مصدرية، والمراد بما أنعم به عليه: هو ما آتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع، وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر، أو مظاهرته على ما فيه إثم. قال الكسائي، والفراء: ليس قوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } خبراً بل هو دعاء، أي فلا تجعلني يا ربّ ظهيراً لهم. قال الكسائي، وفي قراءة عبد الله: "فلا تجعلني يا ربّ ظهيراً للمجرمين" وقال الفراء: المعنى: اللهم فلن أكون ظهيراً للمجرمين. وقال النحاس: إن جعله من باب الخبر أوفى وأشبه بنسق الكلام.

{فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي، و{خائفاً} خبر {أصبح} ويجوز أن يكون حالاً، والخبر: {في المدينة}، و{يترقب} يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانية، وأن يكون بدلاً من {خائفاً}، ومفعول {يترقب} محذوف، والمعنى: يترقب المكروه أو يترقب الفرح {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } إذا هي الفجائية، والموصول مبتدأ، وخبره: {يستصرخه} أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل قبطياً آخر، أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس، والاستصراخ: الاستغاثة، وهو من الصراخ، وذلك أن المستغيث يصوّت، ويصرخ في طلب الغوث، ومنه قول الشاعر:

كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الجواب له قرع الظنابيب

{قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } أي بين الغواية، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته، ولا تطيقه. وقيل: إنما قال له هذه المقالة؛ لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر. {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } أي يبطش بالقبطي الذي هو عدوّ لموسى، وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما، وقد تقدّم معنى يبطش، واختلاف القراء فيه. {قَالَ يَـامُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } القائل هو الإسرائيلي لما سمع موسى يقول له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } ورآه يريد أن يبطش بالقبطي ظن أنه يريد أن يبطش به، فقال لموسى: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } فلما سمع القبطي ذلك أفشاه، ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي، هكذا قال جمهور المفسرين. وقيل: إن القائل: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي، وهذا هو الظاهر، وقد سبق ذكر القبطي قبل هذا بلا فصل؛ لأنه هو المراد بقوله عَدُوٌّ لَّهُمَا، ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم عنه أن المؤمن بموسى المستغيث به المرّة الأولى، والمرّة الأخرى هو الذي أفشى عليه، وأيضاً إن قوله: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ } لا يليق صدور مثله إلاّ من كافر، و"إن" في قوله: {إِن تُرِيدُ } هي النافية، أي ما تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض، قال الزجاج: الجبار في اللغة: الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار. وقيل: الجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب، والقتل، ولا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ } أي الذين يصلحون بين الناس.

{وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ } قيل: المراد بهذا الرجل: حزقيل، وهو مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم موسى، وقيل: اسمه شمعون، وقيل: طالوت، وقيل: شمعان. والمراد بأقصى المدينة: آخرها وأبعدها، و{يسعى} يجوز أن يكون في محل رفع صفة لرجل، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال، لأن لفظ رجل وإن كان نكرة فقد تخصص بقوله: مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ، {قَالَ يَـامُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } أي يتشاورون في قتلك، ويتآمرون بسببك. قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك، وقال أبو عبيد: يتشاورون فيك ليقتلوك: يعني: أشراف قوم فرعون. قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا، أي أمر بعضهم بعضاً، نظيره قوله: { وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } [الطلاق: 6] قال النمر بن تولب:

أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كـل حادثة يؤتمر

{فَٱخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } في الأمر بالخروج، واللام للبيان؛ لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } فخرج موسى من المدينة حال كونه خائفاً من الظالمين مترقباً لحوقهم به، وإدراكهم له، ثم دعا ربه بأن ينجيه مما خافه قائلاً: {رَبّ نَجّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي خلصني من القوم الكافرين، وادفعهم عني، وحلّ بيني وبينهم {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } أي نحو مدين قاصداً لها. قال الزجاج: أي سلك في الطريق الذي تلقاء مدين فيها. انتهى. يقال: داره تلقاء دار فلان، وأصله من اللقاء، ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون، ولهذا خرج إليها {قَالَ عَسَىٰ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين.

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } أي وصل إليه، وهو الماء الذي يستقون منه {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ } أي وجد على الماء جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم، ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد، وقد يطلق على البلوغ إليه، وإن لم يدخل فيه، وهو المراد هنا، ومنه قول زهير:

فلما وردنا الماء زرقا حمامه

وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله: { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [مريم: 71] وقيل: مدين اسم للقبيلة لا للقرية، وهي غير منصرفة على كلا التقديرين. {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } أي من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء منها، وقيل: معناه: في موضع أسفل منهم {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ } أي تحبسان أغنامهما من الماء حتى يفرغ الناس، ويخلو بينهما وبين الماء، ومعنى الذود: الدفع، والحبس، ومنه قول الشاعر:

أبيت على باب القوافي كأنما أذود بها سرباً من الوحش نزّعا

أي: أحبس، وأمنع، وورد الذود بمعنى الطرد، ومنه قول الشاعر:

لقد سلبت عصاك بنو تميم فما تدري بأي عصى تذود

أي: تطرد {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } أي: قال موسى للمرأتين: ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ والخطب: الشأن، قيل: وإنما يقال: ما خطبك لمصاب، أو مضطهد، أو لمن يأتي بمنكر {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء } أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء، وينصرفوا منه حذراً من مخالطتهم، أو عجزاً عن السقي معهم. قرأ الجمهور: {يصدر} بضم الياء، وكسر الدال مضارع أصدر المتعدّى بالهمزة. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صدر يصدر لازماً، فالمفعول على القراءة الأولى محذوف، أي يرجعون مواشيهم، والرعاء جمع راع. قرأ الجمهور: {الرعاء} بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة، فلذلك استوى فيه الواحد، والجمع. وقرىء: "الرعاء" بالضم اسم جمع. وقرأ طلحة بن مصرف: "نسقى" بضم النون من أسقى {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } عالي السن، وهذا من تمام كلامهما، أي لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، فلذلك احتجنا، ونحن امرأتان ضعيفتان أن نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك فلما سمع موسى كلامهما {سقى لهما} رحمة لهما، أي سقى أغنامهما لأجلهما، "ثم" لما فرغ من السقي لهما {تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظّلّ } أي: انصرف إليه، فجلس فيه. قيل: كان هذا الظل ظل سمرة هنالك. ثم قال لما أصابه من الجهد، والتعب منادياً لربه {إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ } أيّ خير كان {فَقِيرٌ } أي محتاج إلى ذلك. قيل: أراد بذلك الطعام، واللام في: {لِمَا أَنزَلْتَ } معناها: إلى. قال الأخفش: يقال: هو فقير له، وإليه.

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والمحاملي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } قال: ثلاثاً وثلاثين سنة {وَٱسْتَوَىٰ } قال: أربعين سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال: الأشد: ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين، والاستواء: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضاً في قوله: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } قال: نصف النهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني، عنه أيضاً في الآية قال: ما بين المغرب والعشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ } قال: إسرائيلي {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } قال: قبطي {فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ } الإسرائيلي {عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوّهِ } القبطي {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } قال: فمات، قال: فكبر ذلك على موسى. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } قال: هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الذي استنصره هو الذي استصرخه. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: من قتل رجلين فهو جبار، ثم تلا هذه الآية: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ }، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: خرج موسى خائفاً يترقب جائعاً ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين، و {عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ }، وامرأتان جالستان بشياههما، فسألهما: {مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } قال: فهل قربكما ماء؟ قالتا: لا، إلاّ بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر، قال: فانطلقا، فأريانيها، فانطلقتا معه، فقال بالصخرة بيده، فنحاها، ثم استقى لهم سجلاً واحداً فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظّلّ فَقَالَ رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }، فسمعتا، قال: فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما فأخبرتاه، فقال لإحداهما: انطلقي فادعيه، فأتت، فقالت: {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فمشت بين يديه، فقال لها: امشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحلّ لي أن أرى منك ما حرّم الله عليّ، وأرشديني الطريق {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـئجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} قال لها أبوها: ما رأيت من قوّته وأمانته؟ فأخبرته بالأمر الذي كان، قالت: أما قوّته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلاّ النفر. وأما أمانته فقال: امشي خلفي وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحلّ لي منك ما حرّمه الله.

قيل لابن عباس: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أبرّهما وأوفاهما.

وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: إن موسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلاّ عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين، قال: ما خطبكما؟ فحدّثتاه، فأتى الحجر، فرفعه وحده، ثم استقى فلم يستق إلاّ ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم، فرجعت المرأتان إلى أبيهما، فحدّثتاه، وتولى موسى إلى الظلّ فقال: {ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}. قال: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَاء} واضعة ثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء خرّاجة ولاجة {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فقام معها موسى، فقال لها: إمشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها قصّ عليه، فقالت إحداهما: {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين} قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوّته؟ قالت: أما قوّته فرفعه الحجر ولا يطيقه إلاّ عشرة رجال، وأما أمانته فقال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق؛ فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك، فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، فقال: {إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } إلى قوله: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ} أي في حسن الصحبة، والوفاء بما قلت {قَالَ } موسى: {ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} قال: نعم، قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} فزوَّجه، وأقام معه يكفيه ويعمل في رعاية غنمه، وما يحتاج إليه، وزوجه صفوراً وأختها شرفاً، وهما اللتان كانتا تذودان. قال ابن كثير بعد إخراجه لطرق من هذا الحديث: إن إسناده صحيح. والسلفع من النساء الجريئة السليطة.

وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } قال: ورد الماء حيث ورد، وإنه لتتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثماني ليالٍ، ولم يكن له طعام إلاّ ورق الشجر، وخرج حافياً، فما وصل إليها حتى وقع خفّ قدمه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً قال: {تَذُودَانِ }: تحبسان غنمهما حتى ينزع الناس، ويخلو لهما البئر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً قال: لقد قال موسى: {ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شقّ تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدّة الجوع. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: ما سأل إلاّ الطعام. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: سأل فلقاً من الخبز يشدّ بها صلبه من الجوع.