التفاسير

< >
عرض

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١٨
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٩
فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
٢٠
-آل عمران

فتح القدير

قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ } أي: بين وأعلم. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء، ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبيّن، وقال أبو عبيدة: شهد الله بمعنى قضى، أي: أعلم. قال ابن عطية: وهذا مردود من جهات، وقيل: إنها شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله، ووحيه بشهادة الشاهد في كونها مبينة. وقوله {أنه} بفتح الهمزة. قال المبرد: أي: بأنه ثم حذفت الباء، كما في أمرتك الخير، أي: بالخير. وقرأ ابن عباس: «إنه» بكسر الهمزة بتضمين {شهد} معنى "قال". وقرأ أبو المهلب: «شهداء لله» بالنصب على أنه حال من الصابرين، وما بعده، أو على المدح: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } عطف على الاسم الشريف، وشهادتهم إقرارهم بأنه لا إلٰه إلا الله. وقوله: {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } معطوف أيضاً على ما قبله، وشهادتهم بمعنى الإيمان منهم، وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لا بدّ من حمل الشهادة على معنى يشمل شهادة الله، وشهادة الملائكة، وأولي العلم. وقد اختلف في أولي العلم هؤلاء من هم؟ فقيل: هم الأنبياء؛ وقيل: المهاجرون، والأنصار، قاله ابن كيسان. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب، قاله مقاتل. وقيل: المؤمنون كلهم، قاله السدي، والكلبي، وهو الحق إذ لا وجه للتخصيص. وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة، ومنقبة نبيلة؛ لقربهم باسمه، واسم ملائكته، والمراد بأولي العلم هنا: علماء الكتاب، والسنة، وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب العزيز، والسنة المطهرة.

وقوله: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } أي: العدل، أي: قائماً بالعدل في جميع أموره، أو مقيماً له، وانتصاب {قائماً} على الحال من الاسم الشريف. قال في الكشاف: إنها حال مؤكدة كقوله: { وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا } [البقرة: 91] وجاز إفراده سبحانه بذلك دون ما هو معطوف عليه من الملائكة، وأولي العلم لعدم اللبس، وقيل: إنه منصوب على المدح. وقيل: إنه صفة لقوله: {إِلَـهٍ } أي: لا إلٰه قائماً بالقسط، إلا هو، أو هو حال من قوله: {إِلاَّ هُوَ } والعامل فيه معنى الجملة. وقال الفراء: هو منصوب على القطع؛ لأن أصله الألف، واللام، فلما قطعت نصب كقوله: { وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا } [النحل: 52] ويدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود "القائم بالقسط". وقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تكرير لقصد التأكيد؛ وقيل: إن قوله: {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } كالدعوى، والأخيرة كالحكم. وقال جعفر الصادق الأولى وصف، وتوحيد، والثانية رسم، وتعليم. وقوله: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } مرتفعان على البدلية من الضمير، أو الوصفية لفاعل شهد لتقرير معنى الوحدانية.

قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ }. قرأه الجمهور بكسر إن على أن الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقريء بفتح أن. قال الكسائي: أنصبهما جميعاً يعني قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ } وقوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الدين عند الله الإسلام. قال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان، وإن كانا في الأصل متغايرين، كما في حديث جبريل الذي بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإسلام، ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين، وغيرهما ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر، وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة. قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود، والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم. قال الأخفش: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا صلى الله عليه وسلم نبياً أم لا؟ وقيل اختلافهم في نبوّة عيسى، وقيل: اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء. قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي: بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام {فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فيجازيه، ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله: {فإن الله} مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم، والتهديد لهم.

قوله: {فَإنْ حَاجُّوكَ } أي: جادلوك بالشبه الباطلة، والأقوال المحرّفة، {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي: أخلصت ذاتي لله، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان، وأجمعها للحواس، وقيل: الوجه هنا بمعنى: القصد. وقوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } عطف على فاعل أسلمت، وجاز للفصل. وأثبت نافع، وأبو عمرو، ويعقوب الياء في {اتبعن} على الأصل، وحذفها الآخرون اتباعاً لرسم المصحف، ويجوز أن تكون "الواو" بمعنى "مع" والمراد بالأميين هنا: مشركو العرب. وقوله: {ءأَسْلَمْتُمْ } استفهام تقريري يتضمن الأمر، أي: أسلموا، كذا قاله ابن جرير، وغيره. وقال الزجاج: {ءأَسْلَمْتُمْ } تهديد، والمعنى: أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام، فهل علمتم بموجب ذلك أم لا؟ تبكيتا لهم، وتصغيراً لشأنهم في الإنصاف، وقبول الحق. وقوله: {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } أي: ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر، وفازوا بخير الدنيا، والآخرة {وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي: أعرضوا عن قبول الحجة، ولم يعملوا بموجبها {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أي: فإنما عليك أن تبلغهم ما أنزل إليك، ولست عليهم بمسيطر، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والبلاغ مصدر. وقوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } فيه وعد ووعيد لتضمنه أنه عالم بجميع أحوالهم.

وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } قال: بالعدل. وأخرج أيضاً، عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } قال: الإسلام شهادة أن لا إلٰه إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه لا يقبل غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: لم يبعث الله رسولاً إلا بالإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: كان حول البيت ستون وثلثمائة صنم لكل قبيلة من قبائل العرب صنم، أو صنمان، فأنزل الله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } الآية، فأصبحت الأصنام كلها قد خرّت، سجداً للكعبة. وأخرج ابن السني في عمل اليوم، والليلة، وأبو منصور الشحامي في الأربعين، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } إلى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران: 26، 27] هن معلقات بالعرش ما بينهن، وبين الله حجاب، يقلن: يا ربّ تهبطنا إلى أرضك، وإلى من يعصيك؟ قال الله: إني حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان منه، وإلا أسكنته حظيرة القدس، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو، ونصرته منه" . وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً نحوه، وفيه: "لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان منه، وأسكنته جنة الفردوس، ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة" . وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن السني، عن الزبير بن العوام قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فقال: "وأنا على ذلك من الشاهدين" ولفظ الطبراني «وأنا أشهد أن لا إلٰه إلا أنت العزيز الحكيم». وأخرج ابن عدي، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان، وضعفه، والخطيب في تاريخه، وابن النجار عن غالب القطان؛ قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام، فتهجد من الليل، فمرّ بهذه الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إلى قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } فقال: وأنا أشهد بما شهد به الله، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي وديعة عند الله، قالها مراراً، فقلت: لقد سمع فيها شيئاً، فسألته فقال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله: عبدي عهد إليَّ، وأنا أحق من وفيَّ بالعهد أدخلوا عبدي الجنة" . وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: بنو إسرائيل. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {بَغْياً بَيْنَهُمْ } يقول: بغياً على الدنيا، وطلب ملكها، وسلطانها. فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {فَإنْ حَاجُّوكَ } قال: إن حاجك اليهود، والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: اليهود، والنصارى {وَٱلأمّيّينَ } قال: هم: الذين لا يكتبون.