التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٦
تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
-آل عمران

فتح القدير

قوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ }. قال الخليل، وسيبويه، وجميع البصرين: إن أصل اللهم: يا الله، فلما استعلمت الكلمة دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا بدله هذه الميم المشددة، فجاءوا بحرفين، وهما الميمان عوضاً من حرفين، وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي: ضمة الاسم المنادي المفرد. وذهب الفراء، والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم: يا ألله أمنا بخير، فحذف، وخلط الكلمتان، والضمة التي في الهاء هي: الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل، وسيبويه، قال الكوفين، وقد يدخل حرف النداء على اللهم، وأنشدوا في ذلك قول الراجز:

غفرت أو عذبت يا اللهما

وقول الآخر:

وَمَا عَلَيْكِ أنْ تَقُولي كُلَّمَا سَبَّحتِ أوْ هللتَ يَاللَّهُمـا

وقول الآخر:

إني إذَا مَـا حَدَث ألَمَّـا أقَولُ يَاللَّهُـم ياللهـما

قالوا: ولو كان الميم عوضاً من حرف النداء لما اجتمعتا. قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله. قال النضر بن شميل: من قال: اللهم، فقد دعا الله بجميع أسمائه. قوله: {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } أي: مالك جنس الملك على الإطلاق، ومالك منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان، أي: يا مالك الملك، ولا يجوز عنده أن يكون، وصفاً لقوله: {ٱللَّهُمَّ } لأن الميم عنده تمنع الوصفية. وقال محمد بن يزيد المبرد، وإبراهيم بن السري الزجاج: إنه صفة لاسم الله تعالى، وكذلك قوله تعالى: { قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } [الزمر: 46]. قال أبو علي الفارسي: وهو مذهب المبرد، وما قاله سيبويه أصوب، وأبين، وذلك لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف نحو غاق، وما أشبهه. قال الزجاج: والمعنى مالك العباد، وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا، والآخرة، وقيل: الملك هنا: النبوة، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد، والظاهر: شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } أي: من تشاء إيتاءه إياه {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } نزعه منه. والمراد بما يؤتيه من الملك، وينزعه هو نوع من أنواع ذلك الملك العام.

قوله: {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } أي: في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، يقال عزّ: إذا غلب، ومنه: { وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } [صۤ: 23]. وقوله: {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } أي: في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، يقال ذلّ يذلّ ذلاً: إذا غلب وقهر. وقوله: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } تقديم الخبر للتخصيص، أي: بيدك الخير لا بيد غيرك، وذكر الخير دون الشرّ؛ لأن الخير بفضل محض بخلاف الشرّ، فإنه يكون جزاء لعمل وصل إليه. وقيل: لأن كلّ شرّ من حيث كونه من قضائه سبحانه هو: متضمن للخير، فأفعاله كلها خير، وقيل: إنه حذف، كما حذف في قوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81] وأصله بيدك الخير والشرّ، وقيل: خص الخير؛ لأن المقام مقام دعاء. قوله: {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل لما سبق، وتحقيق له.

قوله: {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } أي: تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، وقيل: المعنى تعاقب بينهما، ويكون زوال أحدهما، ولوجاً في الآخر. قوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ } قيل: المراد: إخراج الحيوان، وهو حيّ من النطفة، وهي ميتة، وإخراج النطفة، وهي ميتة من الحيوان، وهو حيّ، وقيل المراد: إخراج الطائر، وهو حي من البيضة، وهي ميتة، وإخراج البيضة، وهي ميتة من الدجاجة، وهي حية، وقيل المراد: إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: بغير تضييق، ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً.

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس، والروم في أمته، فنزلت الآية. وأخرج الطبراني، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } إلى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } وأخرج ابن أبي الدنيا، والطبراني، عن معاذ «أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً عليه، فعلمه أن يتلو هذه الآية، ثم يقول: "رحمن الدنيا، والآخرة، ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما، وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين" . وأخرج الطبراني في الصغير من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك" فذكره، وإسناده جيد، وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [آل عمران: 18] بعض فضائل هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } قال: النبوة.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود في قوله: {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ } الآية، قال: تأخذ الصيف من الشتاء، وتأخذ الشتاء من الصيف {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } تخرج الرجل الحيّ من النطفة الميتة {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ } تخرج النطفة الميتة من الرجل الحيّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ } قال: ما نقص من النهار تجعله في الليل، وما نقص من الليل تجعله في النهار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {تُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } قال: تخرج النطفة الميتة من الحي، ثم تخرج من النطفة بشراً حياً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة {تُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } قال: هي البيضة تخرج من الحيّ، وهي: ميتة، ثم يخرج منها الحيّ. وأخرج ابن جرير عنه قال: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمن عبد حيّ الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن سلمان الفارسي، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عنه مرفوعاً نحوه، وأخرجه أيضاً عنه، أو عن ابن مسعود، مرفوعاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عبيد الله بن عبد الله: «أن خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "من هذه؟" قيل: خالدة بنت الأسود، قال: "سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت" وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافراً. وأخرج ابن سعد، عن عائشة مثله.