التفاسير

< >
عرض

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
٣٨
فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
٣٩
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
٤٠
قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ
٤١
وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٤٢
يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ
٤٣
ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
٤٤
-آل عمران

فتح القدير

قوله: {هُنَالِكَ } ظرف يستعمل للزمان والمكان، وأصله للمكان، وقيل: إنه للزمان خاصة، وهناك للمكان، وقيل: يجوز استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، واللام للدلالة على البعد، والكاف للخطاب. والمعنى: أنه دعا في ذلك المكان الذي هو قائم فيه عند مريم، أو في ذلك الزمان أن يهب الله له ذرية طيبة، والذي بعثه على ذلك ما رآه من ولادة حنة لمريم، وقد كانت عاقراً، فحصل له رجاء الولد، وإن كان كبيراً، وامرأته عاقراً، أو بعثه على ذلك ما رآه من فاكهة الشتاء في الصيف، والصيف في الشتاء عند مريم؛ لأن من أوجد ذلك في غير وقته يقدر على إيجاد الولد من العاقر، وعلى هذا يكون هذا الكلام قصة مستأنفة سيقت في غضون قصة مريم لما بينهما من الارتباط. والذرية: النسل، يكون للواحد، ويكون للجمع، ويدل على أنها هنا للواحد. قوله: { فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } [مريم: 5] ولم يقل أولياء، وتأنيث طِّيبة لكون لفظ الذرية مؤنثاً.

قوله: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } قرأ حمزة، والكسائي: «فناداه»، وبذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود. وقرأ الباقون: «فنادته الملائكة»، قيل: المراد هنا جبريل، والتعبير بلفظ الجمع عن الواحد جائز في العربية، ومنه: "ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ " [آل عمران: 173]؛ وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو الظاهر من إسناد الفعل إلى الجمع والمعنى الحقيقي مقدّم، فلا يصار إلى المجاز إلا لقرينة. قوله: {وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية، و {يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ } صفة لقوله: {قَائِمٌ } أو خبر ثان لقوله: {وَهُوَ }. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ } قريء بفتح أنّ، والتقدير بأن الله، وقريء بكسرها على تقدير القول. وقرأ أهل المدينة "يبشرك" بالتشديد. وقرأ حمزة بالتخفيف. وقرأ حميد بن قيس المكي بكسر الشين، وضم حرف المضارعة. قال الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد، والقراءة الأولى هي التي وردت كثيراً في القرآن، ومنه { فَبَشِّرْ عِبَادِ } [الزمر: 17] { فَبَشّرْهُم بِمَغْفِرَةٍ } [يۤس: 11] { فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ } [هود: 71] { قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } [الحجر: 55] وهي: قراءة الجمهور. والثانية: لغة أهل تهامة، وبها قرأ أيضاً عبد الله بن مسعود، والثالثة من أبشر يبشر إبشاراً. ويحيـى ممتنع إما لكونه أعجمياً أو لكون فيه وزن الفعل، كيعمر مع العلمية. قال القرطبي حاكياً عن النقاش: كان اسمه في الكتاب الأول حنا. انتهى. والذي رأيناه في مواضع من الإنجيل أنه يوحنا. قيل: سمي بذلك؛ لأن الله أحياه بالإيمان، والنبوّة. وقيل: لأن الله أحيا به الناس بالهدى. والمراد هنا: التبشير بولادته، أي: يبشرك بولادة يحيـى.

وقوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } أي: بعيسى عليه السلام، وسمي كلمة الله؛ لأنه كان بقوله سبحانه "كن"، وقيل: سمي كلمة الله؛ لأن الناس يهتدون به، كما يهتدون بكلام الله. وقال أبو عبيد: معنى: {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } بكتاب من الله، قال: والعرب تقول أنشدني كلمته، أي: قصيدته، كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان، فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته. انتهى. ويحيـى أوّل من آمن بعيسى، وصدّق، وكان أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل: بستة أشهر. والسيد: الذي يسود قومه. قال الزجاج: السيد: الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. والحصور: أصله من الحصر، وهو الحبس، يقال حصرني الشيء، وأحصرني: إذا حبسني، ومنه قول الشاعر:

وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أنْ تكون تَبَاعَدتْ عَلَيْكَ وَلا أن أحْصَرتك شُغولُ

والحصور: الذي لا يأتي النساء، كأنه يحجم عنهن، كما يقال رجل حصور، وحصير: إذا حبس رفده، ولم يخرجه، فيحيـى عليه السلام كان حصوراً عن إتيان النساء، أي: محصوراً لا يأتيهنّ، كغيره من الرجال، إما لعدم القدرة على ذلك، أو لكونه يكف عنهنّ منعاً لنفسه عن الشهوة مع القدرة. وقد رجّح الثاني بأن المقام مقام مدح، وهو لا يكون إلا على أمر مكتسب يقدر فاعله على خلافه، لا على ما كان من أصل الخلقة، وفي نفس الجبلة. وقوله: {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: ناشئاً من الصالحين، لكونه من نسل الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين، كما في قوله: { وَإِنَّهُ فِى ٱلأخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } [البقرة: 130]. قال الزجاج: الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم، قوله: {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } ظاهر هذا أن الخطاب منه لله سبحانه، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة، وذلك لمزيد التضرّع، والجدّ في طلب الجواب، عن سؤاله، وقيل: إنه أراد بالربّ جبريل، أي: يا سيدي، قيل: وفي معنى هذا الاستفهام، وجهان: أحدهما أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر، أو من غيرها؟ وقيل: معناه بأيّ سبب استوجب هذا، وأنا، وامرأتي على هذه الحال؟ والحاصل أنه استبعد حدوث الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما؛ لأنه كان يوم التبشير كبيراً، قيل: في تسعين سنة، وقيل: ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته في ثمان وتسعين سنة، ولذلك قال: {وََقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} أي: والحال ذلك، جعل الكبر، كالطالب له لكونه طليعة من طلائع الموت، فأسند الفعل إليه. والعاقر: التي لا تلد، أي: ذات عقر على النسب، ولو كان على الفعل لقال عقيرة، أي: بها عقر يمنعها من الولد، وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد دعائه بأن يهب الله له ذرية طِّيبة، ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم استعظاماً لقدرة الله سبحانه لا لمحض الاستبعاد، وقيل: إنه قد مرّ بعد دعائه إلى وقت يشاء ربه أربعون سنة، وقيل: عشرون سنة، فكان الاستبعاد من هذه الحيثية. قوله: {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } أي: يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو: إيجاد الولد من الشيخ الكبير، والمرأة العاقر، والكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإشارة إلى مصدر يفعل، أو الكاف في محل رفع على أنها خبر، أي: على هذا الشأن العجيب شأن الله، ويكون قوله: {يَفْعَلُ مَا يَشَاء } بياناً له، أو الكاف في محل نصب على الحال، أي: يفعل الله الفعل كائناً مثل ذلك.

قوله: {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } أي: علامة أعرف بها صحة الحبل، فأتلقى هذه النعمة بالشكر {قال آيتك ألا تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } أي: علامتك أن تحبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره من الأذكار، ووجه جعل الآية هذا؛ لتخلص تلك الأيام لذكر الله سبحانه شكراً على ما أنعم به عليه، وقيل: بأن ذلك عقوبة من الله سبحانه له بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه، حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين. والرمز في اللغة: الإيماء بالشفتين، أو العينين، أو الحاجبين، أو اليدين، وأصله الحركة، وهو: استثناء منقطع، لكون الرمز من غير جنس الكلام، وقيل: هو متصل على معنى أن الكلام ما حصل به الافهام من لفظ، أو إشارة، أو كتابة، وهو بعيد. والصواب الأوّل، وبه قال الأخفش، والكسائي. قوله: {وَسَبّحْ } أي: سبحه {بِٱلْعَشِىّ } وهو: جمع عشية، وقيل: هو واحد، وهو: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل، وهو ضعيف جداً {وَٱلإبْكَـٰرِ } من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة.

قوله: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ} الظرف متعلق بمحذوف، كالظرف الأول {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ } اختارك {وَطَهَّرَكِ } من الكفر، أو من الأدناس على عمومها {وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } قيل: هذا الاصطفاء الآخر غير الاصطفاء الأوّل، فالأوّل هو: حيث تقبلها بقبول حسن، والآخر لولادة عيسى. والمراد بالعالمين هنا قيل: نساء عالم زمانها، وهو الحق، وقيل: نساء جميع العالم إلى يوم القيامة، واختاره الزجاج، وقيل: الاصطفاء الآخر تأكيد للاصطفاء الأول، والمراد بهما جميعاً: واحد.

قوله: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ} أي: أطيلي القيام في الصلاة، أو أديميه؛ وقد تقدّم الكلام على معاني القنوت، وقدّم السجود على الركوع، لكونه أفضل، أو لكون صلاتهم لا ترتيب فيها مع كون الواو لمجرد الجمع بلا ترتيب. وقوله: {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ } ظاهره أن ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة. وقيل: المعنى: أنها تفعل مثل فعلهم، وإن لم تصلّ معهم.

والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما سبق من الأمور التي أخبره الله بها. والوحي في اللغة: الإعلام في خفاء، يقال وحي، وأوحى بمعنى. قال ابن فارس: الوحي الإشارة، والكتابة، والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى تعلمه. قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي: تحضرنهم يعني المتنازعين في تربية مريم، وإنما نفي حضوره عندهم مع كونه معلوماً؛ لأنهم أنكروا الوحي، فلو كان ذلك الإنكار صحيحاً لم يبق طريق للعلم به إلا المشاهدة، والحضور، وهم لا يدّعون ذلك، فثبت كونه، وحياً مع تسليمهم أنه ليس ممن يقرأ التوراة، ولا ممن يلابس أهلها. والأقلام جمع قلم، من قلمه: إذا قطعه، أي: أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: قداحهم {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } أي: يحضنها، أي: يلقون أقلامهم؛ ليعلموا أيهم يكفلها، وذلك عند اختصامهم في كفالتها، فقال زكريا: هو: أحق بها لكون خالتها عنده، وهي أشيع أُخت حنة أمّ مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها لكونها بنت عالمنا، فاقترعوا، وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري على أن من وقف قلمه، ولم يجر مع الماء، فهو صاحبها، فجرت أقلامهم، ووقف قلم زكريا، وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها.

وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: لما رأى زكريا ذلك، يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، عند مريم قال: إن الذي أتى بهذا مريم في غير زمانه قادر أن يرزقني ولداً، فذلك حين دعا ربه. وأخرج ابن عساكر، عن الحسن نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي: {ذُرّيَّةً طَيّبَةً } يقول: مباركة.

وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال: في قراءة ابن مسعود: "فناداه جبريل، وهو قائم يصلي في المحراب"، وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } أي: جبريل. وأخرج ابن المنذر، عن السدي قال: المحراب المصلى. وقد أخرج الطبراني، والبيهقي، عن ابن عمرو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا هذه المذابح" يعني: المحاريب. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى" وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة؛ قال: إنما سمي يحيـى؛ لأن الله أحياه بالإيمان. وأخرجوا، عن ابن عباس قال: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } قال: عيسى بن مريم هو: الكلمة. وأخرج ابن جرير، من طريق ابن جريج، عنه قال: كان يحيـى، وعيسى ابني الخالة، وكانت أم يحيـى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه، وهو: أوّل من صدق بعيسى. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَسَيّدًا } قال: حليماً تقياً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال: السيد الكريم على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن المسيب قال: السيد الفقيه العالم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَسَيّدًا وَحَصُورًا } قال: السيد الحليم، والحصور الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد، عن سعيد بن جبير في الحصور مثله. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان ذكره مثل هدبة الثوب" وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، من وجه آخر، عن ابن عمرو موقوفاً، وهو أقوى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي قال: اسم أم يحيـى أشيع.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {ٱجْعَل لِّى ءايَةً } قال: بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {آيتك ألاّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } قال: إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، فبشرته بيحيـى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: الرمز بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: الرمز الإشارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } قال: العشيّ ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار أوّل الفجر.

وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" . وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون" . وأخرج ابن مردويه، عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج نحوه، أحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم، من حديثه مرفوعاً، وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام" وفي المعنى أحاديث كثيرة، وكلها تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها، لا نساء جميع العالم. ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر، عن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أربع نسوة سادات نساء عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالماً فاطمة" .

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أطيلي الركوع يعني: القيام. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير {ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أخلصي. وأخرج عن قتادة قال: أطيعي ربك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} قال: إن مريم لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها. قال الله لمحمد: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: ألقوا أقلامهم في الماء، فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا، فكفلها زكريا. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج، أن الأقلام هي التي يكتبون بها التوراة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عطاء: أنها القداح.