التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ
١٤٩
أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
١٥٠
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
١٥١
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٥٢
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ
١٥٣
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
١٥٤
أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
١٥٥
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
١٥٦
فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٥٧
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
١٥٨
سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٥٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٦٠
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
١٦١
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ
١٦٢
إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ
١٦٣
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
١٦٤
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ
١٦٥
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ
١٦٦
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ
١٦٧
لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ
١٦٨
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٦٩
فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
١٧٠
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ
١٧١
إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ
١٧٢
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ
١٧٣
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ
١٧٤
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
١٧٥
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
١٧٦
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ
١٧٧
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ
١٧٨
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
١٧٩
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٨٠
وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٨١
وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٨٢
-الصافات

فتح القدير

لما كانت قريش، وقبائل من العرب يزعمون: أن الملائكة بنات الله أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع، والتوبيخ، فقال: {فَٱسْتَفْتِهِمْ } يا محمد، أي: استخبرهم {أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } أي: كيف يجعلون لله، على تقدير صدق ما زعموه من الكذب أدنى الجنسين، وأوضعهما، وهو: الإناث، ولهم أعلاهما، وأرفعهما، وهم: الذكور، وهل هذا إلا حيف في القسمة لضعف عقولهم، وسوء إدراكهم؟ ومثله قوله: { أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } [النجم: 21، 22] ثم زاد في توبيخهم، وتقريعهم. فقال: {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ } فأضرب عن الكلام الأوّل إلى ما هو أشدّ منه في التبكيت، والتهكم بهم، أي: كيف جعلوهم إناثاً، وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم، وهذا كقوله: { وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } [الزخرف: 19] فبيّن سبحانه: أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، ولا دلّ دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم.

ثم أخبر سبحانه عن كذبهم، فقال: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فبيّن سبحانه أن قولهم هذا هو من الإفك، والافتراء من دون دليل، ولا شبهة دليل، فإنه لم يلد، ولم يولد. قرأ الجمهور {ولد الله} فعلاً ماضياً مسنداً إلى الله. وقرىء بإضافة ولد إلى الله على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: يقولون الملائكة ولد الله، والولد بمعنى: مفعول يستوي فيه المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث. ثم كرر سبحانه تقريعهم، وتوبيخهم، فقال: {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري، وقد حذف معها همزة الوصل استغناء به عنها. وقرأ نافع في رواية عنه، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء، وتسقط درجاً، ويكون الاستفهام منوياً قاله الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن اصطفى، وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول. وعلى تقدير عدم الاستفهام، والبدل. فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء: أن التوبيخ يكون باستفهام، وبغير استفهام كما في قوله: { أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } [الأحقاف: 20]، وقيل: هو على إضمار القول {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب: استفهمهم أوّلاً عما استقرّ لهم، وثبت استفهام بإنكار، وثانياً استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى: أيّ شيء ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات، وهم: القسم الذي تكرهونه، ولكم بالبنين، وهم: القسم الذي تحبونه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى: ألا تعتبرون، وتتفكرون، فتتذكرون بطلان قولكم {أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ } أي: حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ، وانتقال من تقريع إلى تقريع. {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي: فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه، أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة، ويشتمل عليها.

{وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } قال أكثر المفسرين: إن المراد بالجنة هنا: الملائكة، قيل لهم: جنة، لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: هم بطن من بطون الملائكة يقال لهم: الجنة. وقال أبو مالك: إنما قيل لهم؛ الجنة؛ لأنهم خزّان على الجنان. والنسب الصهر. قال قتادة، والكلبي: قالوا: لعنهم الله: إن الله صاهر الجنّ، فكانت الملائكة من أولادهم؛ قالا: والقائل بهذه المقالة اليهود. وقال مجاهد، والسدّي، ومقاتل: إن القائل بذلك كنانة، وخزاعة قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن، فزوّجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. ثم ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي: علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون النار، ويعذبون فيها. وقيل: علمت الجنة أنفسهم يحضرون للحساب. والأوّل أولى، لأن الإحضار إذا أطلق، فالمراد العذاب. وقيل: المعنى: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة. ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } أو هو حكاية لتنزيه الملك لله عزّ وجلّ عما وصفه به المشركون، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } منقطع، والتقدير: لكن عباد الله المخلصين بريئون عن أن يصفوا الله بشيء من ذلك. وقد قرىء بفتح اللام، وكسرها، ومعناهما ما بيناه قريباً. وقيل: هو استثناء من المحضرين، أي: إنهم يحضرون النار إلا من أخلص، فيكون متصلاً لا منقطعاً، وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة.

ثم خاطب الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص، فقال: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ } أي: فإنكم، وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بفاتنين على الله بإفساد عباده، وإضلالهم، وعلى متعلقة بفاتنين. والواو في {وما تعبدون} إما للعطف على اسم إن، أو هو بمعنى: مع، وما موصولة، أو مصدرية، أي: فإنكم،والذي تعبدون، أو وعبادتكم، ومعنى: {فاتنين}: مضلين، يقال: فتنت الرجل، وأفتنته، ويقال: فتنه على الشيء، وبالشيء كما يقال: أضله على الشيء، وأضله به. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فتنته، وأهل نجد يقولون: أفتنته، ويقال: فتن فلان على فلان امرأته، أي: أفسدها عليه، فالفتنة هنا بمعنى: الإضلال، والإفساد. قال مقاتل: يقول: ما أنتم بمضلين أحداً بآلهتكم إلا من قدَر الله له أن يصلى الجحيم، «وما» في {وَمَا أَنتُمْ } نافية و {أَنتُمْ } خطاب لهم، ولمن يعبدونه على التغليب. قال الزجاج: أهل التفسير مجمعون فما علمت أن المعنى: ما أنتم بمضلين أحداً إلا من قدّر الله عزّ وجلّ عليه أن يضلّ، ومنه قول الشاعر:

فردّ بفتنته، كيده عليه، وكان لنا فاتناً

أي: مضلاً {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } قرأ الجمهور {صال} بكسر اللام؛ لأنه منقوص مضاف حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وحمل على لفظ من، وأفرد كما أفرد هو. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة بضم اللام مع واو بعدها، وروي عنهما: أنهما قرآ بضم اللام بدون واو. فأما مع الواو فعلى أنه جمع سلامة بالواو حملاً على معنى: من، وحذفت نون الجمع للإضافة، وأما بدون الواو، فيحتمل أن يكون جمعاً، وإنما حذفت الواو خطاً كما حذفت لفظاً، ويحتمل أن يكون مفرداً، وحقه على هذا كسر اللام. قال النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون: إنه لحن؛ لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة، والمعنى: أن الكفار وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله، إلا من هو من أهل النار، وهم المصرّون على الكفر، وإنما يصرّ على الكفر من سبق القضاء عليه بالشقاوة، وإنه ممن يصلى النار، أي: يدخلها.

ثم قال الملائكة مخبرين للنبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }، وفي الكلام حذف، والتقدير: وما منا أحد، أو وما منا ملك إلا له مقام معلوم في عبادة الله. وقيل: التقدير: وما منا إلا من له مقام معلوم، رجح البصريون التقدير الأوّل، ورجح الكوفيون الثاني. قال الزجاج: هذا قول الملائكة، وفيه مضمر. المعنى: وما منا ملك إلا له مقام معلوم. ثم قالوا: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } أي: في مواقف الطاعة. قال قتادة: هم: الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } أي: المنزّهون لله المقدّسون له عما أضافه إليه المشركون. وقيل: المصلون، وقيل: المراد بقولهم {المسبحون}: مجموع التسبيح باللسان، وبالصلاة، والمقصود أن هذه الصفات هي: صفات الملائكة، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } هذا رجوع إلى الإخبار عن المشركين، أي: كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } أي: كتاباً من كتب الأوّلين كالتوراة، والإنجيل {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي: لأخلصنا العبادة له، ولم نكفر به، و"إن" في قوله: {وَإِن كَانُواْ } هي: المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير شأن محذوف، واللام هي: الفارقة بينها، وبين النافية، أي: وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون إلخ، والفاء في قوله: {فَكَفَرُواْ بِهِ } هي: الفصيحة الدالة على محذوف مقدّر في الكلام. قال الفراء: تقديره: فجاءهم محمد بالذكر، فكفروا به، وهذا على طريق التعجب منهم {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي: عاقبة كفرهم، ومغبته، وفي هذا تهديد لهم شديد.

وجملة {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } مستأنفة مقرّرة للوعيد، والمراد بالكلمة: ما وعدهم الله به من النصر، والظفر على الكفار. قال مقاتل: عنى بالكلمة: قوله سبحانه: { كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [المجادلة: 21] وقال الفراء: سبقت كلمتنا بالسعادة لهم، والأولى تفسير هذه الكلمة بما هو مذكور هنا، فإنه قال: {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } فهذه هي الكلمة المذكورة سابقاً، وهذا تفسير لها، والمراد بجند الله: حزبه، وهم الرسل، وأتباعهم. قال الشيباني: جاء هنا على الجمع: يعني: قوله {لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } من أجل أنه رأس آية، وهذا الوعد لهم بالنصر، والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو: انتصارهم على الأعداء، وغلبتهم لهم، فخرج الكلام مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال، وفي كل موطن كما قال سبحانه: { وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [القصص: 83].

ثم أمر الله سبحانه رسوله بالإعراض عنهم، والإغماض عما يصدر منهم من الجهالات، والضلالات، فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } أي: أعرض عنهم إلى مدّة معلومة عند الله سبحانه، وهي: مدة الكف عن القتال. قال السدّي، ومجاهد: حتى نأمرك بالقتال. وقال قتادة: إلى الموت، وقيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى يوم فتح مكة، وقيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } أي: وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب بالقتل، والأسر، فسوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار، وعبر بالإبصار عن قرب الأمر، أي: فسوف يبصرون عن قريب. وقيل: المعنى: فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. ثم هددهم بقوله سبحانه: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } كانوا يقولون من فرط تكذيبهم: متى هذا العذاب؟ {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } أي: إذا نزل عذاب الله لهم بفنائهم، والساحة في اللغة: فناء الدار الواسع. قال الفراء: نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل، قيل: المراد به نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم يوم فتح مكة. قرأ الجمهور {نزل} مبنياً للفاعل. وقرأ عبد الله بن مسعود على البناء للمفعول، والجار والمجرور قائم مقام الفاعل {فَسَاء صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، والمخصوص بالذم محذوف، أي: صباحهم. وخصّ الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه. ثم كرر سبحانه ما سبق تأكيداً للوعد بالعذاب، فقال: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ }، وحذف مفعول أبصر ها هنا، وذكره أوّلاً إما لدلالة الأوّل عليه، فتركه هنا اختصاراً، أو قصداً إلى التعميم للإيذان بأن ما يبصره من أنواع عذابهم لا يحيط به الوصف. وقيل: هذه الجملة المراد بها: أحوال القيامة، والجملة الأولى المراد بها: عذابهم في الدنيا، وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد، بل من باب التأسيس.

ثم نزّه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم، فقال: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } العزّة: الغلبة، والقوة، والمراد: تنزيهه عن كل ما يصفونه به مما لا يليق بجنابه الشريف، وربّ العزّة بدل من ربك. ثم ذكر ما يدلّ على تشريف رسله، وتكريمهم، فقال: {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } أي: الذين أرسلهم إلى عباده، وبلغوا رسالاته، وهو من السلام الذي هو: التحية. وقيل: معناه: أمن لهم، وسلامة من المكاره {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إرشاد لعباده إلى حمده على إرسال رسله إليهم مبشرين، ومنذرين، وتعليم لهم كيف يصنعون عند إنعامه عليهم، وما يثنون عليه به. وقيل: إنه الحمد على هلاك المشركين، ونصر الرسل عليهم، والأولى أنه حمد لله سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين كما يفيده حذف المحمود عليه، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرّر في علم المعاني، والحمد هو: الثناء الجميل بقصد التعظيم.

وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } قال: فإنكم يا معشر المشركين، وما تعبدون يعني: الآلهة {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ } قال: بمضلين {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } يقول: إلا من سبق في علمي أنه سيصلى الجحيم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية يقول: إنكم لا تضلون أنتم، ولا أضلّ منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الجحيم. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم.

وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه أيضاً في قوله: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } قال: الملائكة {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } قال: الملائكة {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } قال: الملائكة. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، وذلك قول الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ }" . وأخرج محمد بن نصر، وابن عساكر عن العلاء بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: "أطت السماء، وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع، أو ساجد" ، ثم قرأ {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ }. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن من السمٰوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا، وعليه جبهة ملك، أو قدماه قائماً، أو ساجداً، ثم قرأ {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ }. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله" . وقد ثبت في الصحيح، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصفوا كما تصفّ الملائكة عند ربهم، فقالوا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟ قال: "يقيمون الصفوف المقدّمة، ويتراصون في الصف"

وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } قال: لما جاء المشركين من أهل مكة ذكر الأوّلين، وعلم الآخرين كفروا بالكتاب {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال: صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وقد خرجوا بالمساحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد، والخميس، فقال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين" الحديث. وأخرج ابن سعد، وابن مردويه من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سلمتم على المرسلين، فسلموا عليّ، فإنما أنا بشر من المرسلين" . وأخرج ابن مردويه من طريق أبي العوام، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً نحوه بأطول منه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن مردويه، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا أراد أن يسلم من صلاته قال: «{سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }». وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كنا نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة بقوله: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ } إلى آخر الآية. وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد. وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال دبر كل صلاة: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ثلاث مرات، فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر" . وأخرج حميد بن زنجويه في ترغيبه من طريق الأصبغ بن نباتة عن عليّ بن أبي طالب نحوه.