التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ
١١
وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ
١٢
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٣
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤
وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ
١٦
-الأحقاف

فتح القدير

قوله: {قُلْ أَرَءيْتُمْ } أي: أخبروني {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } يعني: ما يوحى إليه من القرآن، وقيل المراد: محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن كان مرسلاً من عند غير الله، وقوله: {وَكَفَرْتُمْ بِهِ } في محل نصب على الحال بتقدير قد، وكذلك قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } والمعنى: أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله والحال أنكم قد كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل العالمين بما أنزل الله في التوراة على مثله، أي: القرآن من المعاني الموجودة في التوراة، المطابقة له من إثبات التوحيد، والبعث والنشور وغير ذلك، وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ. وقال الجرجاني: مثل صلة، والمعنى: وشهد شاهد عليه أنه من عند الله، وكذا قال الواحدي، {فَـئَامَنَ } الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله، ومن جنس ما ينزله على رسله، وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، كما قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة وغيرهم، وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع، وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة، فيكون المراد بالشاهد: رجلاً من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة وصدقه، واختار هذا ابن جرير، وسيأتي في آخر البحث ما يترجح به أنه عبد الله بن سلام، وأن هذه الآية مدنية لا مكية. وروي عن مسروق أن المراد بالرجل: موسى عليه السلام، وقوله: {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } معطوف على شهد، أي: آمن الشاهد، واستكبرتم أنتم عن الإيمان {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فحرمهم الله سبحانه الهداية؛ لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومن فقد هداية الله له ضلّ.

وقد اختلف في جواب الشرط ماذا هو؟ فقال الزجاج: محذوف، تقديره: أتؤمنون، وقيل: قوله: {فآمن واستكبرتم} وقيل: محذوف، تقديره: فقد ظلمتم لدلالة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } عليه، وقيل تقديره: فمن أضلّ منكم، كما في قوله: { أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أضل } } الآية [فصلت: 52]. وقال أبو علي الفارسي تقديره: أتأمنون عقوبة الله؟ وقيل: التقدير: ألستم ظالمين؟ ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من أقاويلهم الباطلة فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: لأجلهم، ويجوز أن تكون هذه اللام هي لام التبليغ {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } أي: لو كان ما جاء به محمد من القرآن والنبوّة خيراً ما سبقونا إليه؛ لأنهم عند أنفسهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة، ولم يعلموا أن الله سبحانه يختصّ برحمته من يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، ويصطفي لدينه من يشاء {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بالإيمان {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ }، فجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم، كما قالوا أساطير الأوّلين، والعامل في "إذ" مقدّر، أي: ظهر عنادهم، ولا يجوز أن يعمل فيه {فَسَيَقُولُونَ } لتضادّ الزمانين، أعني: المضيّ والاستقبال ولأجل الفاء أيضاً، وقيل: إن العامل فيه فعل مقدّر من جنس المذكور، أي: لم يهتدوا به، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ } قرأ الجمهور بكسر الميم من (من) على أنها حرف جرّ، وهي مع مجرورها خبر مقدّم، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال، أو هي مستأنفة، والكلام مسوق لردّ قولهم: {هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } فإن كونه قد تقدّم القرآن كتاب موسى، وهو التوراة وتوافقا في أصول الشرائع يدلّ على أنه حقّ، وأنه من عند الله، ويقتضي بطلان قولهم. وقرىء بفتح ميم "من" على أنها موصولة ونصب كتاب، أي: وآتينا من قبله كتاب موسى، ورويت هذه القراءة عن الكلبي {إَمَامًا وَرَحْمَةً } أي: يقتدى به في الدين، ورحمة من الله لمن آمن به، وهما منتصبان على الحال، قاله الزجاج وغيره. وقال الأخفش على القطع، وقال أبو عبيدة: أي: جعلناه إماماً ورحمة {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدّقٌ } يعني: القرآن فإنه مصدّق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ولغيره من كتب الله، وقيل: مصدّق للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وانتصاب {لّسَاناً عَرَبِيّاً } على الحال الموطئة، وصاحبها الضمير في مصدّق العائد إلى كتاب، وجوّز أبو البقاء أن يكون مفعولاً لمصدّق، والأوّل أولى، وقيل: هو على حذف مضاف أي: ذا لسان عربيّ، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم {لّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قرأ الجمهور {لينذر} بالتحتية على أن فاعله ضمير يرجع إلى الكتاب أي: لينذر الكتاب، الذين ظلموا، وقيل: الضمير راجع إلى الله، وقيل: إلى الرسول، والأوّل أولى. وقرأ نافع، وابن عامر، والبزي بالفوقية على أن فاعله النبي صلى الله عليه وسلم، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، وقوله: {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } في محل نصب عطفاً على محل {لينذر}. وقال الزجاج: الأجود أن يكون في محل رفع أي: وهو بشرى، وقيل: على المصدرية لفعل محذوف، أي: وتبشر بشرى، وقوله: {لّلْمُحْسِنِينَ } متعلق ببشرى {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } أي: جمعوا بين التوحيد والاستقامة على الشريعة، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة السجدة {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } الفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } المعنى: أنهم لا يخافون من وقوع مكروه بهم، ولا يحزنون من فوات محبوب، وأن ذلك مستمر دائم. {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } أي: أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة التي هي دار المؤمنين حال كونهم {خَـٰلِدِينَ فِيهَا }، وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام، والاستقرار في الجنة على الأبد، مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوّف إلى ما عداه {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله، وترك معاصيه. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } قرأ الجمهور {حسناً} بضم الحاء، وسكون السين. وقرأ عليّ، والسلمي بفتحهما، وقرأ ابن عباس، والكوفيون {إحساناً} وقد تقدّم في سورة العنكبوت: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } [العنكبوت: 8] من غير اختلاف بين القراء، وتقدّم في سورة الأنعام، وسورة بني إسرائيل { وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } [الإسراء: 23، الأنعام: 151] فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء في هذه الآية، وعلى جميع هذه القراءات، فانتصابه على المصدرية، أي: وصيناه أن يحسن إليهما حسناً، أو إحساناً، وقيل: على أنه مفعول به بتضمين وصينا معنى: ألزمنا، وقيل: على أنه مفعول له {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } قرأ الجمهور {كرها} في الموضعين بضم الكاف. وقرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز بفتحهما. قال الكسائي: وهما لغتان بمعنى واحد. قال أبو حاتم: الكره بالفتح لا يحسن؛ لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال: لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلاّ التي في سورة البقرة: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [البقرة: 216] وقيل: إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره. وإنما ذكر سبحانه حمل الأمّ ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، والمعنى: أنها حملته ذات كره، ووضعته ذات كره، ثم بيّن سبحانه مدّة حمله وفصاله فقال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } أي: مدتهما هذه المدّة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع، أي: يفطم عنه. وقد استدلّ بهذه الآية على أن أقلّ الحمل ستة أشهر؛ لأن مدّة الرضاع سنتان، أي: مدّة الرضاع الكامل، كما في قوله: { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } [البقرة: 233] فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدّة الحمل، وأكثر مدّة الرضاع. وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدّة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك. قرأ الجمهور {وفصاله} بالألف، وقرأ الحسن، ويعقوب، وقتادة، والجحدري (وفصله) بفتح الفاء، وسكون الصاد بغير ألف، والفصل والفصال بمعنى: كالفطم والفطام، والقطف والقطاف {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي: بلغ استحكام قوّته وعقله، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بدّ من تقدير جملة تكون حتى غاية لها، أي: عاش واستمرّت حياته حتى بلغ أشدّه، قيل: بلغ عمره ثماني عشرة سنة، وقيل: الأشد: الحلم قاله الشعبي، وابن زيد. وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين، والأوّل أولى لقوله: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً }، فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد. قال المفسرون: لم يبعث الله نبياً قط إلاّ بعد أربعين سنة {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } أي: ألهمني. قال الجوهري: استوزعت الله فأوزعني، أي: استلهمته فألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } أي: ألهمني شكر ما أنعمت به عليّ من الهداية، وعلى والديّ من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً. وقيل: أنعمت عليّ بالصحة والعافية، وعلى والديّ بالغنى والثروة، والأولى عدم تقييد النعمة عليه، وعلى أبويه بنعمة مخصوصة {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } أي: وألهمني أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه مني {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } أي: اجعل ذرّيتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، وقد روي أنها نزلت في أبي بكر، كما سيأتي في آخر البحث {إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } من ذنوبي {وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي: المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الإنسان المذكور، والجمع لأنه يراد به الجنس، وهو مبتدأ، وخبره: {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } من أعمال الخير في الدنيا، والمراد بالأحسن: الحسن، كقوله: { وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم } [الزمر: 55] وقيل: إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به: ما يثاب العبد عليه من الأعمال، لاما لا يثاب عليه كالمباح فإنه حسن، وليس بأحسن {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ } فلا نعاقبهم عليها. قرأ الجمهور (يتقبل، ويتجاوز) على بناء الفعلين للمفعول، وقرأ حمزة، والكسائي بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز الغفران، وأصله من جزت الشئ: إذا لم تقف عليه، ومعنى {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ }: أنهم كائنون في عدادهم منتظمون في سلكهم، فالجارّ والمجرور في محل النصب على الحال كقولك: أكرمني الأمير في أصحابه أي: كائناً في جملتهم، وقيل: إن "في" بمعنى "مع" أي: مع أصحاب الجنة، وقيل: إنهما خبر مبتدأ محذوف أي: هم في أصحاب الجنة {وَعْدَ ٱلصّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة؛ لأن قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ } إلخ في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي: وعدهم الله وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسن الرسل في الدنيا.

وقد أخرج أبو يعلى، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه عن عوف بن مالك الأشجعي: انطلق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إلٰه إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، يحطّ الله تعالى عن كل يهوديّ تحت أديم السماء الغضب الذي عليه" ، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم فلم يجبه أحد ثلاثاً، فقال: "أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى آمنتم أو كذبتم" ، ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد فأقبل، فقال ذلك الرجل: أيّ رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود، فقالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدّك، قال: فإني أشهد بالله أنه النبيّ الذي تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل، قالوا: كذبت، ثم ردّوا عليه وقالوا شراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبتم لن يقبل منكم قولكم" ، فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله وأنا وابن سلام، فأنزل الله {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } إلى قوله: {لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وصححه السيوطي. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: "إنه من أهل الجنة" إلاّ لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: نزل فيّ آيات من كتاب الله نزلت فيّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ }، ونزل فيّ { قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } [الرعد: 43]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: عبد الله بن سلام. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية، فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ ونحن ونحن، فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }. وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله: يقال لها: زنيرة، وكان عمر يضربها على الإسلام، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الآية. وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة، يقولون: لو كان خيراً ما جعلهم الله أوّل الناس فيه" .

وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل قوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ } الآية إلى قوله: {وَعْدَ ٱلصّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في أبي بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لم تظلم؟ قال: كيف؟ قلت اقرأ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } { وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233] كم الحول؟ قال: سنة، قلت: كم السنة؟ قال: اثنا عشر شهراً، قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان؛ ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدّم ما شاء، فاستراح عمر إلى قولي. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه كان يقول: إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهراً، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر، فحولان كاملان، لأن الله يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً }. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصدّيق {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } الآية، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعاً وإخوته، وولده كلهم، ونزلت فيه أيضاً { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ } } [الليل: 5] إلى آخر السورة.