التفاسير

< >
عرض

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
٦٦
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٦٧
وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
٦٨
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
٦٩
وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧١
وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
-الأنعام

فتح القدير

.

قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } الضمير راجع إلى القرآن، أو إلى العذاب. وقومه المكذبون: هم قريش. وقيل: كل معاند، وجملة: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } في محل نصب على الحال، أي كذبوا بالقرآن، أو العذاب، والحال أنه حق. وقرأ ابن أبي عبلة "وكذبت" بالتاء {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي لست بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها. وقيل: وهذه الآية منسوخة بآية القتال. وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم في وسعه.

قوله: {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } أي لكل شيء وقت يقع فيه. والنبأ: الشيء الذي ينبأ عنه. وقيل المعنى: لكل عمل جزاء. قال الزجاج: يجوز أن يكون وعيداً لهم بما ينزل بهم في الدنيا. وقال الحسن: هذا وعيد من الله للكفار، لأنهم كانوا لا يقرّون بالبعث {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ذلك بحصوله ونزوله بهم، كما علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوعدهم به.

قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له. والخوض: أصله في الماء ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها بغمرات الماء، فاستعير من المحسوس للمعقول. وقيل: هو مأخوذ من الخلط، وكل شيء خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل: خلطه. والمعنى: إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء فدعهم، ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في حديث مغاير له، أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله إلى غاية هي الخوض في غير ذلك.

وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة، الذين يحرّفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردّون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإن إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقلّ الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزّهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر.

وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه، وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها، علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرّمات، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه، فيعمل بذلك مدّة عمره ويلقى الله به معتقداً أنه من الحق، وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر.

قوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } «إما» هذه هي الشرطية وتلزمها غالباً نون التأكيد ولا تلزمها نادراً، ومنه قول الشاعر:

إما يصبك عدوّ في منازلة يوماً فقل كيف يستعلي وينتصر

وقرأ ابن عباس «ينسينك» بتشديد السين، ومثله قول الشاعر:

وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل

والمعنى: إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد بعد الذكرى إذا ذكرت {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي الذين ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها. قيل: وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد التعريض لأمته لتنزّهه عن أن ينسيه الشيطان. وقيل: لا وجه لهذا، فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" ونحو ذلك.

قوله: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } أي ما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء. وقيل المعنى: ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شيء، وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين من المؤمنين في مجالسة الكفار إذا اضطروا إلى ذلك كما سيأتي عند ذكر السبب. قيل: وهذا الترخيص كان في أوّل الإسلام، وكان الوقت وقت تقية، ثم نزل قوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِه } [النساء: 140] فنسخ ذلك، قوله: {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ } "ذكرى" في موضع نصب على المصدر، أو رفع على أنها مبتدأ، وخبرها محذوف، أي ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، والمعنى على الاستدراك من النفي السابق: أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز. أما على التفسير الأوّل: فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما على التفسير الثاني: فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الخوض في آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم. وأما جعل الضمير للمتقين فبعيد جدّاً.

قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعباً ولهواً، ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت، وإن كنت مأموراً بإبلاغهم الحجة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. وقيل المعنى: أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعباً ولهواً، كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها.

وقيل: المراد بالدين هنا العيد، أي اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً، وجملة: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } معطوفة على {ٱتَّخَذُواْ } أي غرّتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا: { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [المؤمنون: 37].

قوله: {وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } الضمير في"بِهِ" للقرآن أو للحساب. والإبسال: تسليم المرء نفسه للهلاك، ومنه أبسلت ولدي، أي رهنته في الدم، لأن عاقبة ذلك الهلاك. قال النابغة:

ونحن رهناً بالأُفاقة عامراً بما كان في الدرداء رهناً فأبسلا

أي فهلك، والدرداء: كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم، فالمعنى: وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت، أي ترتهن وتسلم للهلكة، وأصل الإبسال: المنع، ومنه شجاع باسل، أي ممتنع من قرنه.

قوله: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } العدل هنا: الفدية. والمعنى: وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك، وفاعل {يُؤْخَذْ } ضمير يرجع إلى العدل، لأنه بمعنى المفدى به كما في قوله: { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [البقرة: 48]. وقيل: فاعله {منها}، لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه الفعل. وكل عدل منصوب على المصدر، أي عدلاً كل عدل، والإشارة بقوله {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتخذين دينهم لعباً ولهواً، وحبره {الذين أبسلوا بما كسبوا} أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً هم الذين سلموا للهلاك بما كسبوا، و{لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: كيف حال هؤلاء؟ فقيل: لهم شراب من حميم، وهو الماء الحارّ، ومثله قوله تعالى: { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ } [الحح: 19] وهو هنا: شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم.

قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } أمره الله سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة، والاستفهام للتوبيخ، أي كيف ندعوا من دون الله أصناماً لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن إردنا منها نفعاً، ولا نخشى ضرّها بوجه من الوجوه، ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا } عطف على {ندعوا}. والأعقاب: جمع عقب، أي كيف ندعو من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها. قال أبو عبيدة: يقال لمن ردّ عن حاجته ولم يظفر بها: قد ردّ على عقبيه. وقال المبرّد:

تعقب بالشر بعد الخير

وأصله من المعاقبة والعقبى، وهما ما كان تالياً للشيء واجباً أن يتبعه، ومنه { وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف: 128]، ومنه عقب الرجل، ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب.

قوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأرْضِ } هوى يهوى إلى الشيء أسرع إليه. وقال الزجاج: هو من هوى النفس، أي زين له الشيطان هواه، و{ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } هوت به، والكاف في {كَٱلَّذِى } إما نعت مصدر محذوف، أي نردّ على أعقابنا ردّاً كالذي، أو في محل نصب على الحال من فاعل نردّ، أي نردّ حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين، أي ذهبت به مردة الجنّ بعد أن كان بين الإنس. قرأ الجمهور «استهوته» وقرأ حمزة {استهواه} على تذكير الجمع. وقرأ ابن مسعود والحسن "استهواه ٱلشَّيْطَـٰنِ" وهو كذلك في قراءة أبيّ، و{حَيْرَانَ } حال، أي حال كونه متحيراً تائهاً لا يدري كيف يصنع؟ والحيران: هو الذي لا يهتدي لجهة، قود حار يحار حيرة وحيرورة: إذا تردّد، وبه سمى الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائراً.

قوله: {لَهُ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } صفة لحيران، أو حالية، أي له رفقة يدعونه إلى الهدى يقولون له: ائتنا فلا يجيبهم ولا يهتدي بهديهم. قوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } أمره الله سبحانه بأن يقول لهم: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } أي دينه الذي ارتضاه لعباده {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وما عداه باطل { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } [آل عمران: 85]. {وَأُمِرْنَا } معطوف على الجملة الإسمية، أي من جملة ما أمره الله بأن يقوله، واللام في {لِنُسْلِمَ } هي لام العلة، والمعلل هو الأمر، أي أمرنا لأجل نسلم لربّ العالمين. وقال الفراء: المعنى أمرنا بأن نسلم، لأن العرب تقول أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنى. وقال النحاس: سمعت ابن كيسان يقول هي لام الخفض.

قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ } معطوف على {لنسلم} على معنى وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا، ويجوز أن يكون عطفاً على {يدعونه} على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى، ويدعونه أن أقيموا {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فكيف تخالفون أمره {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } خلقاً {بِٱلْحَقّ } أو حال كون الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة؟ قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } أي واذكر يوم يقول "كن فيكون"، أو واتقوا يوم يقول: كن فيكون. وقيل: هو عطف على الهاء في {وَٱتَّقُوهُ }. وقيل: إن {يوم} ظرف لمضمون جملة {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } والمعنى: وأمره المتعلق بالأشياء الحق، أي المشهود له بأنه حق. وقيل: {قوله} مبتدأ، و{الحق} صفة له و{يَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } خبره مقدّماً عليه، والمعنى: قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول كن فيكون. وقيل: إن {قوله} مرتفع {بيكون}، و{الحق} صفته، أي يوم يقول كن يكون قوله الحق. وقرأ ابن عامر "فَنَكُونَ" بالنون، وهو إشارة إلى سرعة الحساب. وقرأ الباقون بالياء التحتية وهو الصواب.

قوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } الظرف منصوب بما قبله، أي له الملك في هذا اليوم. وقيل: هو بدل من اليوم الأوّل، والصور: قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء، والثانية للإنشاء، وكذا قال الجوهري: إن الصور القرن، قال الراجز:

لقد نطحناهم غداة الجمعين نطحاً شديداً لا كنطح الصَّورَيْن

والصور بفتح الصاد وبكسرها لغة، وحكي عن عمرو بن عبيد أنه قرأ "يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ" بتحريك الواو، جمع صورة، والمراد: الخلق. قال أبو عبيدة: وهذا وإن كان محتملاً يردّ بما في الكتاب والسنة. وقال الفراء: كن فيكون، يقال: إنه للصور خاصة، أي ويوم يقول للصور كن فيكون. قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } رفع {عالم} على أنه صفة للذي خلق السموات والأرض، ويجوز أن يرتفع على إضمار مبتدأ، أي هو عالم الغيب والشهادة، وروي عن بعضهم أنه قرأ «ينفخ» بالبناء للفاعل، فيجوز على هذه القراءة أن يكون الفاعل {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } ويجوز أن يرتفع بفعل مقدّر كما أنشد سيبويه:

ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح

أي يبكيه مختبط. وقرأ الحسن والأعمش "عَـٰلِم" بالخفض على البدل من الهاء في {لَهُ ٱلْمُلْكُ }. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في جميع ما يصدر عنه {ٱلْخَبِيرُ } بكل شيء.

وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } يقول: كذبت قريش بالقرآن {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } وأما الوكيل فالحفيظ، وأما {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } فكان نبأ القوم استقرّ يوم بدر بما كان بعدهم من العذاب. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } قال: نسخ هذه الآية آية السيف { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة 5]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } قال: فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا } قال: يستهزئون بها، نهى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم وذلك قول الله: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن سيرين أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن محمد بن علي قال: إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج أبو الشيخ، عن مقاتل قال: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزءوا، فقال المسلمون: لا تصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ أيضاً عن السديّ أنه قال: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف.

وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } قال: نسخت هذه الآية المكية بالآية المدنية، وهي قوله: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا } الآية [النساء: 140]. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن مجاهد {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } إن قعدوا ولكن لا يقعدوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، عن عمر بن عبد العزيز، أنه أتى بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال: لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } قال: هو مثل قوله: { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } [المدثر: 11] يعني أنه للتهديد. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، عن قتادة، في هذه الآية قال: نسختها آية السيف. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه في قوله: {لَعِباً وَلَهْواً } قال: أكلاً وشرباً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أَن تُبْسَلَ } قال: أن تفضح، وفي قوله: {أُبْسِلُواْ } قال: فضحوا وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه في قوله: {أَن تُبْسَلَ } قال: تسلم، وفي قوله: {أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } قال: أسلموا بجرائرهم.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله. وقوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأرْضِ } يقول: أضلته، وهم الغيلان يدعونه باسمه، واسم أبيه، وجدّه، فيتبعها ويرى أنه في شيء فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشاً. فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } قال: هو الرجل لا يستجيب لهدى الله، وهو الرجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق وضلّ عنه، و {لَهُ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس يقول: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } والضلالة ما تدعو إليه الجن.

وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه" والأحاديث الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ها هنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } يعني: إِن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.