التفاسير

< >
عرض

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
١٣٧
وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
١٣٨
إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٣٩
قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٤٠
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
١٤١
-الأعراف

فتح القدير

.

قوله: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ } يعني: بني إسرائيل {ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } أي يذلون ويمتهون بالخدمة لفرعون وقومه {مَشَـٰرِقَ ٱلأرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } منصوبان بأورثنا. وقال الكسائي والفراء: إن الأصل في مشارق الأرض ومغاربها، جهات مغربها، ثم حذفت في فنصبا. والأوّل أظهر، لأنه يقال أورثته المال. والأرض هي مصر والشام، ومشارقها جهات مشرقها. ومغاربها، وهي التي كانت لفرعون وقومه من القبط. وقيل: المراد جميع الأرض؛ لأن داود وسليمان من بني إسرائيل، وقد ملكا الأرض. قوله: {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } صفة للمشارق والمغارب. وقيل: صفة الأرض. والمباركة فيها إخراج الزرع والثمار منها على أتمّ ما يكون، وأنفع ما يتفق.

قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ } أي مضت واستمرت على التمام، والكلمة هي: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } [القصص: 5]، وهذا وعد من الله سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء والاستيلاء على أملاكهم. و{الحسنى} صفة للكلمة. وهي تأنيث الأحسن. وتمام هذه الكلمة {عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من فرعون وقومه.

قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } التدمير الإهلاك، أي أهلكنا بالخراب ما كانوا يصنعونه من العمارات {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم «يعرشُون» بضم الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «يُعَرّشون» بتشديد الراء وضم حرف المضارعة. وقرأ الباقون بكسر الراء مخففة، أي ما كانوا يعرشونه من الجنات، ومنه قوله تعالى: { وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } [الأنعام: 141] وقيل: معنى يعرشون يبنون، يقال عرش يعرش أي بنى يبني.

قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } هذا شروع في بيان ما فعله بنو إسرائيل بعد الفراغ مما فعله فرعون وقومه. ومعنى جاوزنا ببني إسرائيل البحر: جزناه بهم وقطعناه. وقرىء «جوزنا» بالتشديد، وهو بمعنى قراءة الجمهور {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قرأ حمزة والكسائي «يعكفون» بكسر الكاف، وقرأ الباقون بضمها. يقال عكف يعكف، ويعكف بمعنى أقام على الشيء ولزمه، والمصدر منها عكوف. قيل: هؤلاء القوم الذين آتاهم بنو إسرائيل هم من لخم كانوا نازلين بالرقة، كانت أصنامهم تماثيل بقر. وقيل: كانوا من الكنعانيين {قَالُواْ } أي بنو إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل {يٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا } أي صنماً نعبده كائناً كالذي لهؤلاء القوم، فالكاف متعلق بمحذوف وقع صفة لـ {إلهاً}، فأجاب عليهم موسى، و {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وصفهم بالجهل، لأنهم قد شاهدوا من آيات الله ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله. ولكن هؤلاء القوم، أعني بني إسرائيل، أشد خلق الله عناداً وجهلاً وتلوّناً. وقد سلف في سورة البقرة بيان ما جرى منهم من ذلك. ثم قال لهم موسى {إِنَّ هَـؤُلآء } يعني القوم العاكفين على الأصنام {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } التبار: الهلاك. وكل إناء منكسر فهو متبر، أي أن هؤلاء هالك ما هم فيه مدمّر مكسر. والذي هم فيه هو: عبادة الأصنام. أخبرهم بأن هذا الدين الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمّر لا يتمّ منه شيء.

قوله: {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم للأصنام. قال في الكشاف: وفي إيقاع {هؤلاء} اسماً لإن، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها، وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرّضون للتبار، وأنه لا يعدوهم ألبتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحبوا. قوله: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا } الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي كيف أطلب لكم غير الله إلٰهاً تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي البعض منه؟ والمعنى: أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبداً. وإدخال الهمزة على {غير} للإشعار بأن المنكر هو كون المبتغى غيره سبحانه إلٰهاً، و{غير} مفعول للفعل الذي بعده. و{إلٰهاً} تمييز أو حال. وجملة: {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنه فضلكم على العالمين من أهل عصركم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، وإخراجكم من الذلّ والهوان إلى العزّ والرفعة، فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره؟

قوله: {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } أي: واذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون، بعد أن كانوا مالكين لكم، يستعبدونكم فيما يريدونه منكم، ويمتهنونكم بأنواع الامتهانات. هذا على أن هذا الكلام محكيّ عن موسى. وأما إذا كان في حكم الخطاب لليهود الموجودين في عصر محمد، فهو بمعنى: اذكروا إذ أنجينا أسلافكم من آل فرعون. وجملة: {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } في محل نصب على الحال، أي أنجيناكم من آل فرعون حال كونهم {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ }. ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه مما أنجاهم منه. وجملة: {يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } مفسرة للجملة التي قبلها، أو بدل منها، وقد سبق بيان ذلك. والإشارة بقوله: {وَفِى ذٰلِكُمْ } إلى العذاب: أي في هذا العذاب، الذي كنتم فيه {بَلاء } عليكم {مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } وقيل: الإشارة إلى الإنجاء، والبلاء النعمة، والأوّل أولى.

وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله: {مَشَـٰرِقَ ٱلأرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } قال: الشام. وأخرج هؤلاء عن قتادة مثله. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن عبد الله بن شوذب، قال: هي فلسطين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ } قال: ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قال: يبنون.

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قال: لخم وجذام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، في الآية قال: تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر. فذلك كان أوّل شأن العجل ليكون لله عليهم الحجة، فينتقم منهم بعد ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجعل لنا إلٰهاً كما لهم آلهة} إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم" وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه مرفوعاً، وكثير ضعيف جدّاً.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {مُتَبَّرٌ } قال: خسران. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال: هلاك.