التفاسير

< >
عرض

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ
٤٦
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٤٧
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٤٨
قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ
٤٩
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ
٥٠
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
٥١
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
٥٢
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ
٥٣
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٥٤
أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٥٥
هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٥٦
-يونس

تفسير المنار

هذه الآيات تتمة الرد على المشركين في تكذيب ما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله من العقاب الذي سبق في الآية 39 وما بعدها.
{وإما نرينك بعض الذي نعدهم} هذه جملة شرطية زيدت ((ما)) في حرف الشرط ((إن)) ونون التوكيد في فعله فكان توكيده مزدوجا، والمراد بالآية تأكيد وقوع ما وعد الله هؤلاء المشركين من العقاب في الدنيا والآخرة بشرطه فيهما، لا يتخلف منهما شيء في جملتهما، سواء أرى الله النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض القسم الأول منه وشاهده، أم توفاه قبل إرادته إياه فإبهام الله تعالى إياه للحكمة المقتضية له في أوائل البعثة من جهة قربه أو بعده ورؤيته - صلى الله عليه وسلم - له وعدم رؤيته لا يفيدهم شيئا، وسنبين هذه الحكمة في إبهامه.
فالمعنى: وإن نرينك أيها الرسول بعض الذي نعدهم من العقاب في الدنيا فذاك - وفيه إشارة إلى أنه سيريه بعضه لا كله، {أو نتوفينك} بقبضك إلينا قبل إراءتك إياه {فإلينا مرجعهم} وعلينا حسابهم حيث يكون القسم الثاني منه وهو عقاب الآخرة، ويجوز أن يجعل هذا جواب الشرط بقسميه، والمعنى: فإلينا وحدنا يرجع أمرهم في الحالين {ثم الله شهيد على ما يفعلون} بعدك أو مطلقا فيجزيهم به على علم وشهادة حق، والمراد أنه لا فائدة لهم مما حكاه تعالى عنهم في تربصهم موت النبي - صلى الله عليه وسلم - واستراحتهم من دعوته ونذره بموته كما تراه في سورة الطور وآخر سورة طه، فالعذاب واقع ما له من دافع.
وقد ورد بمعنى هذه الآية قوله تعالى:
{ فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون } [غافر: 77] ويليها آية بمعنى الآية التي تلي هذه ذكر فيها الرسل وكون آياتهم بإذن الله لا من كسبهم، والقضاء على أقوامهم بالهلاك بعدها، ومنها قوله بعد آية في إرسال الرسل وكون آياتهم إنما هي بإذن الله ولكل أجل كتاب: { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } [الرعد: 40] وما بعدها في معنى السياق الذي هنا، وقوله: { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون } [الزخرف: 41، 42] وقبلها: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين } [الزخرف: 40] وهو بمعنى ما قبل هذه أيضا.
وقد أبهم أمر عذاب الدنيا في كل هذه الآيات وآيات أخرى، فلم يصرح بأنه سيقع بهم ما وقع بالأمم التي كذبت الرسل من قبلهم وهو عذاب الاستئصال، ولكنه أشار إليه في قوله:
{ قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } [المؤمنون: 93، 94] أي كما هي سنتك في رسلك الأولين، وقد أجاب الله دعاءه فقال: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33].
وحكمة هذا الإبهام التخويف من جميع أنواع الوعيد، مع علمه تعالى أن عذاب الاستئصال لن يقع على قومه - صلى الله عليه وسلم - ; لأن شرطه أن يجيئهم ما اقترحوا من آية كونية ويصروا بعده التكذيب، ولن يقع، ولكن في آية يونس هذه إشارة إلى أن الله تعالى سيري رسوله بعد نزولها بعض الذي يعدهم لا كله، وقد أنجز له ذلك فأراه ما نزل بهم من القحط والمجاعة بدعائه عليهم، ونصره عليهم أعظم النصر في أول معركة هاجمه بها رؤساؤهم وصناديدهم وهي غزوة بدر، وفي غيرها إلى فتح عاصمتهم الكبرى أم القرى، وإكمال الدين ودخول الناس فيه أفواجا، وقد تقدم بيان ذلك كله في مواضعه.
{ولكل أمة رسول} أي أنه تعالى جعل لكل أمة من الأمم الخالية رسولا بعثه فيها في وقت الحاجة إليه، يبين لهم أصول دينه الثلاثة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح المناسب لحال زمنهم: {فإذا جاء رسولهم} وقامت الحجة عليهم: {قضي بينهم بالقسط} أي قضى الله بينه وبينهم بالعدل {وهم لا يظلمون} في قضائه تعالى كما تقدم وسيأتي تأكيده قريبا.
{ويقولون متى هذا الوعد} أي ويقول كفار قريش للنبي ومن اتبعه من المؤمنين: متى يقع هذا الوعد الذي تعدوننا به {إن كنتم صادقين} في قولكم إن الله تعالى سينتقم لكم منا وينصركم علينا، أي في مثل قوله:
{ حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا } [مريم: 75] وقوله {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا] [الجن: 24-26] إلخ.
وهاهنا لقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - الجواب بقوله: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} أي إنني بشر رسول لا أملك لنفسي - فضلا عن غيرها - شيئا من التصرف في الضر فأدفعه عنها ولا النفع فأجلبه لها، من غير طريق الأسباب التي يقدر غيري عليها، وليس منها إنزال العذاب بالكفار المعاندين، ولا هبة النصر للمؤمنين (إلا ما شاء الله) أي لكن ما شاء الله من ذلك كان متى شاء لي فيه ; لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين. هكذا قال جمهور المفسرين إن الاستثناء هنا منقطع وله أمثال تقدم بعضها، كقوله تعالى وهو من أظهرها الصريح في هذا المقام:
{ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } [الأعراف: 188].
والاختلاف بين الآيتين في تقديم ذكر الضر على النفع وتأخيره لاختلاف المقام، فقد قدم الضر في آية يونس لأنها جواب للمشركين عن ميعاد العذاب الذي أنذروا به، وهو من الضر، وقدم النفع في آية الأعراف لأن المقام بيان الحقيقة في نفسها، وهو أن الرسول لا يملك لنفسه شيئا من التصرف في الكون بغير الأسباب العامة فضلا عن ملكه لغيره، والمناسب في هذا تقديم النفع لأنه هو المقصود بالذات من تصرف الإنسان وسعيه لنفسه. وقيل: إن الاستثناء متصل، وحينئذ يكون المنفي المستثنى منه عاما لما يملكه الإنسان بالأسباب العادية، فيكون المعنى: إلا ما شاء الله تعالى أن أملكه بما أعطاني من الكسب الاختياري مع تيسير أسبابه لي، وأما الآيات الخارقة للعادة فهي لله وحده، لا مما يملكه رسله.
وقد أجاب سبحانه عن هذا السؤال بقوله: (لكل أمة أجل) لبقائها وهلاكها، علمه الله وقدره لها لا يعلمه ولا يقدر عليه غيره
{ فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [الأعراف: 34] أي فلا يملك رسولهم من دونه تعالى أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة عن الزمان المقدر له وإن قلت ولا أن يطلب ذلك منه تعالى، وهو معنى ما تدل عليه السين والتاء في الأصل. وقد حققنا معنى هذا النص في آية سورة الأعراف (34) بلفظه فاستغرق أربع ورقات من جزء التفسير الثامن فليراجعه من شاء، إلا أنه قال هنالك: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} إلخ وقال هنا: {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون} إلخ، والفرق بينهما أن ما هنا أبلغ في نفي تأخير الوعيد لأنه تفنيد لاستعجالهم به وذلك أنه جعل الجملة الشرطية وصفا للأجل مرتبطا به مباشرة لا يتخلف عنه، وما هنالك إخبار بآجال الأمم مبتدأ وما بعده تفريع عليه، فهو لا يدل على لزومه له بلا مهملة كالذي هنا. وقد تكرر هذا السؤال من المشركين مع جوابه في سور أخرى، وأشبهه بما هنا سياق سورة النمل وأجيب فيها بقوله: { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } [النمل: 72] وهو من ردفه إذا لحقه وتبعه، وعدي باللام لتأكيده أو تضمينه معنى يناسبه.
وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله، أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصد الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين - حتى الميتين منهم - على كل شيء من التصرف في نفعهم وضرهم، مما لم يجعله الله تعالى من الكسب المقدور لهم بمقتضى سننه في الأسباب، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله، كالذين يسمونهم الأقطاب الأربعة. وأن بعض كبار علماء الأزهر في هذا العصر يكتب هذا حتى في مجلة الأزهر الرسمية (نور الإسلام) فيفتي بجواز دعاء غير الله من الموتى والاستغاثة بهم في كل ما يعجزون عنه من جلب نفع ودفع ضر، وألف بعضهم كتابا في إثبات ذلك، وكون الميتين من الصالحين ينفعون ويضرون بأنفسهم، ويخرجون من قبورهم فيقضون حوائج من يدعونهم ويستغيثون بهم. قال في فتح البيان بعد نقله القول الأول في الاستثناء عن أئمة المفسرين وترجيحه ما نصه:
وفي هذا أعظم وازع وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك من صار يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه; فإن هذا مقام رب العالمين، الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟ ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك بما في هذه الآية من موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده
{ لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } [يونس: 49] فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره - ممن رتبته دون رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته - لنفسه، فضلا عن أن يملكه لغيره؟
فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل! كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى ((لا إله إلا الله)) ومدلول
{ قل هو الله أحد } [الإخلاص: 1] وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى بل إلى ما هو أشد منها.
فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر. ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (18: 104) ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) ا ه.
{قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا} أي قل لهم أيها الرسول: أخبروني عن حالكم وما يمكنكم فعله إن أتاكم عذابه الذي تستعجلون به في وقت مبيتكم في الليل، أو وقت اشتغالكم بلهوكم ولعبكم أو أمور معاشكم بالنهار، وهو لا يعدوهما (كما تقدم في الآيات 4، 97، 98 من سورة الأعراف).
{ماذا يستعجل منه المجرمون} أي شيء أو أي نوع يستعجل منه المجرمون المكذبون الآن؟ أعذاب الدنيا أم قيام الساعة؟ أيا ما استعجلوا فهو حماقة وجهالة، وقيل: إن المعنى: ماذا يستعجل منه المجرمون منكم إن أتاكم، أي أن جملة الاستفهام جواب للشرط فيما قبلها، وفيه بحث للنحاة الذين أوجبوا اقتران مثل هذا الجواب بالفاء وخالفهم غيرهم لا نعرض له.
وقد تقدم في سورة الأنعام:
{ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } [الأنعام: 47] وتقدم في تفسيرها وتفسير ما قبلها أن الاستفهام في (أرأيتم) و (أرأيتكم) مستعمل في اللغة بمعنى أخبروني عن حالكم وما يكون من عملكم إن أتاكم ذلك؟. {أثم إذا ما وقع آمنتم به} قرأ الجمهور ((ثم)) بالضم وهي حرف عطف يدل على الترتيب والتأخر والتراخي، وقرئ بالفتح وهو اسم إشارة بمعنى هنالك.
قال ابن جرير الطبري ومعنى قوله (أثم) في هذا الموضع: أهنالك؟ وليس ((ثم)) هاهنا التي تأتي بمعنى العطف. انتهى. ولم يضبطها بفتح الثاء فظاهر قوله أن المضمومة تأتي ظرفا أيضا وهذا لم يرو عن أحد من العرب، بل قال ابن هشام في المغني وقد نقله عنه: وهذا وهم اشتبه عليه ثم المضمومة الثاء بالمفتوحتها ا ه.
وأما على قراءة الجمهور فهذا استفهام آخر معطوف على فعل مقدر بعد الهمزة علم مما قبله من إنكار استعجال مجرميهم بالعذاب، كما يقدر مثله بعد حرف الاستفهام الداخل في مثل قوله:
{ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وقوله: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } [المؤمنون: 115] وتقدير الكلام، أيستعجل بالعذاب مجرموكم الذين هم أحق بالخوف منه بدلا من الإيمان الذي يدفعه عنهم وعنكم.
ثم إذا وقع بالفعل آمنتم به إذ لا ينفع الإيمان ; لأنه صار ضروريا بالمشاهدة والعيان، لا تصديقا للرسول عليه السلام، وقيل لكم حينئذ من قبل الله تعالى تقريعا وتوبيخا: {آلآن} آمنتم به اضطرارا {وقد كنتم به تستعجلون} تكذيبا به واستكبارا؟
وقرأ نافع (الان) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، والجملة حالية، والاستعجال يتضمن المبالغة في التكذيب المقابل للإيمان، وسيأتي في هذه السورة إيمان فرعون عند إدراك الغرق إياه وأنه يقال له:
{ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } [يونس: 91].
{ثم قيل للذين ظلموا} ((قيل)) هذه معطوفة على ((قيل)) المقدرة قبل {آلآن وقد كنتم به تستعجلون} أي ثم قيل للذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالرسالة والوعد والوعيد، وما يترتب عليه من الفساد والضلال البعيد: {ذوقوا عذاب الخلد} الخلد كالخلود مصدر خلد الشيء إذا بقي على حالة واحدة لا يتغير، وخلد الشخص في المكان إذا طال مكثه فيه، لا يرحل ولا هو بصدد التحول عنه. وظاهر إضافة العذاب إلى (الخلد) أن المراد به البقاء على حالة واحدة مؤلمة، ويحتمل إرادة العذاب الخالد الدائم وهو الموافق للآيات الكثيرة المطلقة في الأكثر والمقيدة بمشيئة الله تعالى في سورة الأنعام (128) وقد تقدم تفسيرها وفي سورة هود وسيأتي. {هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون} أي لا تجزون إلا بما كنتم تكسبونه باختياركم من الكفر والظلم والفساد في الأرض، والعزم على الثبات عليه وعدم التحول عنه، وليس فيه شيء من الظلم ; لأنه أثر لازم لتدسية النفس وإفسادها بالظلم، حتى لم تعد أهلا لجوار الرب عز وجل وليس عذابا أنفا من خارجها، وتقدم بيانه في تفسير قوله تعالى:
{ سيجزيهم وصفهم } [الأنعام: 139].
{ويستنبئونك أحق هو} النبأ الخبر المهم ذو الفائدة العظيمة، والاستثناء طلبه، وهذا إخبار عن بعض الكفار والمكذبين ; فإنهم لم يكونوا على يقين من تكذيبهم وإنما كانوا ظانين مستبعدين، بين معاندين ومقلدين، وقد تقدم في هذا السياق قوله تعالى:
{ وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } [يونس: 36] والمعنى: ويسألونك أيها الرسول أن تنبئهم عن هذا العذاب الذي تعدهم به في الدنيا والآخرة أحق هو سيقع بالفعل؟ أم هو إرهاب وتخويف؟
{قل إي وربي إنه لحق} إي بكسر الهمزة وسكون الياء الخفيفة حرف جواب وتصديق بمعنى نعم، وإنما يستعمل مع القسم؛ أي نعم أقسم لكم بربي إنه لحق واقع، كما قال في أول سورة الطور بعد القسم:
{ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } [الطور: 7 و8] وقد أكده هنا بالقسم وبإن مع الجملة الاسمية (وما أنتم بمعجزين) لله تعالى عن إنزاله بكم، ولا بفائتيه هربا منه، وقد علم مؤمنو الجن ما جهلتم إذ قالوا كما حكى الله عنهم: { وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا } [الجن: 12].
وقد استشكل بعض المفسرين السؤال باستبعاد أن يكون الاستفهام حقيقيا من المكذبين والجواب بزعمهم أن تأكيده بالقسم وغيره من المؤكدات اللفظية لا يقنع السائلين.
ومن عرف أخلاق العرب في زمن البعثة لم يستشكل السؤال، إلا أن يكون السائلون من المعاندين للرسول - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ يكون الاستفهام للتهكم والاستهزاء.
أو كما قيل: إنما سألوا أهو جد أم هزل، فأرادوا من الحق لازمه وهو الجد لا مقابل الباطل، والمعروف من أخلاق العرب في ذلك العهد أنه كان يقل فيهم الكذب لعزة أنفسهم، وعدم خضوعهم لرياسة استبدادية تضطرهم إليه، وكانوا يهابون الأيمان الباطلة ويخافونها، ومن المنقول عنهم أن الأيمان الفاجرة تدع الديار بلاقع، وناهيك بما اشتهر به النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ صغره من الصدق والأمانة حتى لقبوه بالأمين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعضهم كان يسأله عن نبوته وعن الشرائع ويستحلفه فإذا حلف اطمأن لصدقه واتبعه، وإن صدق عرب الجاهلية ليقل مثله في رجال الدين وغيرهم من أهل هذا العصر حتى المسلمين منهم.
روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن الثلاثة واللفظ للبخاري عن أنس قال:
"بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السجدة إذ دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال: أيكم محمد؟ قلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ فقال: ابن عبد المطلب؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد أجبتك فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، قال: سل عما بدالك فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ قال: اللهم نعم قال: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر" .
ولفظ مسلم عنه: قال أنس: "نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال: فمن خلق الأرض؟ قال الله قال: فمن نصب هذه الجبال فجعل فيها ما جعل؟ قال: الله قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك؟ قال الله، ثم سأله بالذي أرسله عن كل من الصلوات والزكاة وصيام رمضان والحج. فأجاب الله ثم ولى وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لئن صدق ليدخلن الجنة" .
وزاد الإمام أحمد أنه قال له أيضا: "آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم وأنه كان أشعر ذا غديرتين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن صدق ذو العقيصتين يدخل الجنة" وذكر أنه خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص والجذام، اتق الجنون. قال: ويلكم إنهما والله ما يضران ولا ينفعان، إن الله تعالى قد بعث إليكم رسولا وأنزل كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
وأقول: إن فائدة السؤال عمن خلق السماوات والأرض والجبال وما فيها ثم ذكره في القسم، أن استحضار ذلك فيه يكون أحرى أن يلتزم في الجواب الصدق وتعظيم القسم والخوف من عاقبة الحنث، وقد خفي هذا كله على المفسرين لأنهم اعتادوا إثبات العقائد الدينية بالأدلة النظرية الجدلية التي وضعت للجاحدين المجادلين بالباطل، وجهل هذه الحقائق أعداء الإسلام من الإفرنج، ولا سيما السياسيين رجال الكنيسة الكاثوليكية ودعاة التنصير البروتستنتي المطبوعين على الكذب والكسب به والأخذ بقول رؤسائهم: ((إن الغاية تبرر الواسطة)) يعنون أن اقتراف الكذب وسائر الرذائل لأجل مصلحة الكنيسة فضيلة - جهل هؤلاء أن عباد الأصنام في الجاهلية كانوا أشد منهم احتراما للصدق، فضلا عن الإسلام وكتابه ونبيه فأباحوا لأنفسهم من افتراء الكذب على الله، وكتابه وخاتم رسله، ما لم يخطر مثله في بال الشيطان قبلهم فيوسوس به لغيرهم:

لقد كذبوا على الإسلام كذبا تزول الشم منه مزلزلات

أما المسلمون فإن الله يقول في كتابه: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون } [النحل: 105] والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في هديه: "يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب" رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو - رضي الله عنهما -.
{ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به} أي لو أن لكل نفس تلبست بهذا الظلم جميع ما في الأرض من أنواع الملك والزينة وصنوف النعيم وأمكنها أن تفتدي به، أي تجعله فداء لها من ذلك العذاب الذي قيل لهم ذو قوة ينقذها منه بذلها له، لافتدت به كله لا تدخر منه شيئا {وأسروا الندامة} إسرار الشيء إخفاؤه وكتمانه، وإسرار الحديث والكلام خفض الصوت به، فهو ضد إعلانه والجهر به، ومنه
{ وأسروا قولكم أو اجهروا به } [الملك: 13] { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } [الأبنياء: 110] واستعمل بمعنى الجهر مطلقا فهو ضد وأنكره بعضهم، والندم والندامة ما يجده الإنسان في نفسه من الألم والحسرة عقب كل فعل يظهر له ضرره، وقد يجهر به بالكلام كقوله: { ياحسرتا على ما فرطت } [الزمر: 56] أو بالتوبة والاستغفار، وقد يخفيه ويكتمه لعدم الفائدة من إعلانه أو اتقاء للشماتة أو الإهانة به، أي وأسر أولئك الذين ظلموا ندامتهم وحسرتهم فيما بينهم وبين ربهم أو كتموها في قلوبهم.
{لما رأوا العذاب} أي رأوا مباديه عيانا بأبصارهم لما برزت الجحيم وأيقنوا أنهم مواقعوها لا مصرف لهم عنها، وقد يعبر برؤيته عن وقوعه والظاهر الأول لقوله: {وقضي بينهم بالقسط} أي وقضى الله بينهم وبين خصومهم بالعدل والحق.
فإذا أريد بالظلم الكفر والتكذيب وما يلزمه من الإيذاء فخصومهم الرسل والمؤمنون بهم، وكذا من أضلوهم وظلموهم من المرءوسين والضعفاء الذين كانوا يغرونهم بالكفر ويصدونهم عن الإيمان، وهو ظاهر السياق هنا وفي سورة سبأ بعد حكاية مجادلة الظالمين والمظلومين يوم القيامة:
{ وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } [سبأ: 33].
وإن أريد بالظلم ما يعم ظلمهم للناس في الأحكام وهضم الحقوق كان كل مظلوم خصما لظالمه {وهم لا يظلمون} أي لا يظلمهم الله كما ظلموا أنفسهم وظلموا أتباعهم ومقلديهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم. والآيات في ندم الظالمين يوم القيامة معروفة كقوله في آخر سورة النبأ:
{ إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا } [النبأ: 40] وقوله: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } [الفرقان: 27 و28] وغير ذلك.
ثم قفى على ذلك بالدليل على قدرته على إنفاذ حكمه وإنجاز وعده وكون هؤلاء الظالمين لا يعجزونه، ولا يستطيعون الافتداء من عذابه، فقال: {ألا إن لله ما في السماوات والأرض} قلنا مرارا: إن السماوات والأرض عبارة عن جمع العالم، وهو تعالى مالك السماوات والأرض وملكهما، وله كل من فيهما من العقلاء، وما فيهما من غير العقلاء، وقد نطقت الآيات بهذا كله ولكل مقام مقال، فهاهنا غلب غير العقلاء بمناسبة ما في الآية السابقة من الإشارة إلى غرور الكافرين والظالمين بما كانوا يمتعون به، وتعذر الافتداء بشيء منه، وسيأتي تغليب العقلاء في الآية 66 من هذه السورة لاقتضاء المناسبة له، وصدر الجملة بحرف التنبيه (ألا) الذي يفتتح به الكلام لتنبيه الغافلين عن هذه الحقيقة وإن كانوا يعرفونها لكثرة ذهول الناس عن تذكر أمثالها، والمعنى: ليتذكر الناسي وليتنبه الغافل وليعلم الجاهل أن لله وحده ما في العوالم العلوية وعالم الأرض يتصرف فيها حيث يشاء، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، ولا يملك أحد من دونه شيئا من التصرف والفداء، في يوم البعث والجزاء.
{ألا إن وعد الله حق} أعاد فيه حرف التنبيه تأكيدا لتمييزه بهذا التنبيه عما سبقه لأنه المقصود هنا بذاته وإنما ذكر قبله للاستدلال عليه، أي كل ما وعد به على لسان رسله حق واقع لا ريب فيه ; لأنه وعد المالك القادر على إنجاز ما وعد لا يعجزه منه شيء {ولكن أكثرهم لا يعلمون} يعني بأكثرهم الكفار منكري البعث والجزاء أي لا يعلمون أمر الآخرة لا من طريق النظر والاستدلال، ولا من طريق الإيمان بما جاء به الرسل عليهم السلام.
{هو يحيي ويميت} بقدرته كما يدل عليه النظر والاستدلال، وقد بسطناه في تفسير الآيتين 31 و34 (وإليه ترجعون) عندما يحييكم بعد موتكم ويحشركم ليحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم، فهذه الآية بيان مستأنف لما قبله بالإيجاز، وجملة هذه الآيات خاتمة هذا السياق.