التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ
٧
أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٩
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٠
-يونس

تفسير المنار

هذه الآيات بيان لحال منكري البعث والغافلين، وحال المؤمنين الصالحين في الدنيا وجزائهما في الآخرة، فيه تفصيل لما سبق في الآية الرابعة. قال: {إن الذين لا يرجون لقاءنا} قال الفيومي في المصباح: رجوته أرجوه رجوا - على فعول - أملته أو أردته، قال تعالى: { لا يرجون نكاحا } [النور: 60] أي يريدونه، والاسم رجاء بالمد، ورجيته أرجيه من باب رمى لغة، ويستعمل بمعنى الخوف؛ لأن الراجي يخاف أنه لا يدرك ما يترجاه اهـ. وقال الراغب: الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، وقوله تعالى: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } [نوح: 13]؟ قيل: ما لكم لا تخافون؟ ومثل الزمخشري في الأساس لحقيقة الرجاء بالمغفرة من الله، والرشد في الولد والإحسان من أهل الإحسان، ثم قال: ومن المجاز استعمال الرجاء في معنى الخوف والاكتراث، يقال: لقيت هولا ما رجوته وما ارتجيته. ومثل له بشعر. والتحقيق أن الرجاء: الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع، وأن الخوف توقع ما فيه شر وضر، فهما متقابلان كما قال تعالى: { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } [الاسراء: 57] وما في هذه الآية والآيتين 11 و15 من هذه السورة والآية 21 من سورة الفرقان من رجاء لقاء الله منفيا يحتمل الرجاء والخوف جميعا؛ لأن لقاء الله تعالى في يوم الحساب مظنة الخوف لقوم والرجاء لآخرين، ولذلك قال في الكافرين: { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } [النبأ: 27] وفسر بعض المحققين الرجاء هنا بمجرد التوقع الذي يشمل ما يسر وما يسوء. واللقاء الاستقبال والمواجهة.
والمعنى: أن الذين لا يتوقعون لقاءنا في الآخرة للحساب، وما يتلوه من الجزاء على الأعمال، لإنكارهم البعث، ويلزمه أنهم لا يؤملون لقاءه الخاص بالمتقين في دار الكرامة، وخصه بعضهم بلقاء الرؤية {ورضوا بالحياة الدنيا} بدلا من الآخرة، فصار كل همهم من الحياة محصورا فيها، وكل عملهم لها، كما قال في المتثاقلين عن النفير للجهاد:
{ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } [التوبة: 38] ؟ الآية {واطمأنوا بها} بسكون نفوسهم وارتياح قلوبهم بشهواتها ولذاتها وزينتها ليأسهم من غيرها {والذين هم عن آياتنا غافلون} فلا يتدبرون المنزلة منها على رسولنا وما فيها من المواعظ والعبر، والمعارف والحكم، ولا يتفكرون في الكونية وما تدل عليه من حكمته وسننه في خلقه، وما يقتضيه كل منهما من الجهاد وصالح الأعمال، فكانوا بهذه الغفلة كالفريق الأول الذي لا يرجو لقاءنا، في أن كلا منهما تشغله دنياه عن آخرته فلا يستعد لحسابنا له وما يتلوه من نعيم مقيم أو عذاب أليم.
{أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}، الإشارة بأولئك إلى الفريقين، أي مأواهم في الآخرة دار العذاب النار بما كانوا يكسبون مدة حياتهم الدنيا من الخطايا والذنوب المدنسة لأنفسهم بخرافات الوثنية، وأعمال الشهوات الحيوانية، وظلمات المظالم الوحشية، واستمرارهم عليها الذي دنس أنفسهم وأحاط بها، فلم يعد لنور الحق والخير مكان فيها. والمأوى في أصل اللغة: الملجأ الذي يأوي إليه المتعب أو الخائف أو المحتاج من مكان آمن أو إنسان نافع، كما ترى في استعمال أفعاله في جميع الآيات كقوله تعالى:
{ ألم يجدك يتيما فآوى } [الضحى: 6] { إذ أوى الفتية إلى الكهف } [الكهف: 10] { والذين آووا ونصروا } [الأنفال: 72] { آوى إليه أخاه } [يوسف: 69] { أو آوي إلى ركن شديد } [هود: 80] إلخ، إلا لفظ المأوى فإنه أطلق على الجنة في ثلاث آيات وعلى النار في بضع عشرة آية منها آية يونس هذه، وفي تسمية دار العذاب مأوى معنى دقيق في البلاغة دخيل في أعماقها، فائض من جميع أرجائها، يشعرك بأن أولئك المطمئنين بالشهوات، والغافلين عن الآيات، ليس لهم مصير يلجئون إليه بعد هول الحساب، إلا جهنم دار العذاب، فويل لمن كانت هذه الدار له كالملجأ والموئل؛ إذ لا مأوى له يلجأ إليه بعدها.
هذا بيان لجزاء الفريق الأول من المكلفين بقسميه، والقارئ والسامع له تستشرف نفسه لجزاء الفريق الآخر والعلم بسببه، وقد بينه بقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} أي يهديهم بسبب إيمانهم به صراطه المستقيم في كل عمل من أعمالهم التي تزكي أنفسهم وتهذب أخلاقهم، وصفهم أولا بالإيمان والعمل الصالح الذي هو لازم الإيمان ومغذيه ومكمله بصيغة الماضي؛ لبيان صنفهم وفريقهم المقابل للفريق الذي ذكر قبلهم، وأخبر بهداية إيمانهم لهم بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار والتجدد، كما أخبر عن كسب الكفار بهذه الصيغة، وجعل الإيمان وحده سبب هذه الهداية لأنه هو الباعث النفسي لها، والمعنى: أنه يهديهم الصراط المستقيم الذي ينتهي بهم إلى دار الجزاء التي قال في بيان حالهم فيها.
{تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} أي تجري من تحت مقاعدهم من غرفات تلك الجنات ومن تحت أشجارها، وتقدم لفظ:
{ جنات النعيم } في سورة المائدة [المائدة: 65] ولفظ: { تجري من تحتهم الأنهار } في سورة الأعراف [الأعراف: 43] وأما تجري من تحتها الأنهار يعني الجنة، فقد تقدم مكررا في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والتوبة. والآية صريحة في معنى الآيات الكثيرة الناطقة بأن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح معا؛ لأن الإيمان الصحيح بدون الإسلام - وهو العمل - لا يوجد إلا في حال من يموت عقب إيمانه قبل أن يتمكن من العمل، ودخول مثل هذا الجنة لا يعارض هذه النصوص العامة للأحوال العادية الغالبة.
{دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} في هذه الآيات بيان لكلمات ثلاث، تمثل حياة أهل الجنة الروحانية في عامة أحوالهم من مبادئ دعاء ربهم وتنزيهه، وما يدعونه أي يطلبونه من فضله وكرامته، ومن تحيته تعالى وتحية ملائكته لهم، ومن تحيتهم فيما بينهم عند تزاورهم أو تلاقيهم، ومن حمدهم له في خواتيم أقوالهم وأفعالهم، وهي خير الكلم وأخصره وأعذبه. الدعوى في اللغة الدعاء بمعانيه والدعاوة في الشيء والادعاء للشيء، فالدعاء للناس هو النداء والطلب المعتاد بينهم في دائرة الأسباب المسخرة لهم، والدعاء التعبدي لله نداؤه وسؤاله والرغبة فيما عنده، الصادر عن الشعور بالحاجة إليه والضراعة له فيما لا يقدر عليه أحد من خلقه، ولا سيما دفع الضر وجلب النفع مما يعجز عنه العبد من طريق الأسباب، للإيمان بأنه سبحانه هو المسخر لها والهادي إليها، والقادر على تصريفها، وعلى المن بها من غير طريقها، والدعوى للشيء تشمل في اللغة تمنيه وقوله وطلبه من مالكه، وادعاء ملكيته، وهذه المعاني كلها للفظ الدعوى تصح إرادتها من أهل الجنة إلا الأخير منها. وقول بعض المفسرين وغيرهم: إن من معاني الدعاء العبادة لا يصح على إطلاقه في العبادة الشرعية التكليفية، فإن الصيام لا يسمى دعاء لغة ولا شرعا، وإنما الدعاء هو مخ العبادة الفطرية، وأعظم أركان التكليفية منها، كما ورد في الحديث، فكل دعاء شرعي عبادة، وما كل عبادة شرعية دعاء. والتسبيح تنزيه الله تعالى وتقديسه، وكلمة (اللهم) نداء له عز وجل أصله يا ألله.
والمعنى أنهم يبدءون كل دعاء وثناء يناجون به الله عز وجل وهو النعيم الروحاني، وكل طلب لكرامة أو لذة من لذات الجنة وهو النعيم الجسماني، بهذه الكلمة: سبحانك اللهم، أي تنزيها وتقديسا لك يا ألله، قيل: أو بما تدل عليه وإن كان بلفظ آخر، وأن تحيتهم فيها كلمة: سلام الدالة على السلامة من النقص والآثام، وهي تحية المؤمنين في الدنيا، وهذه التحية تكون منه عز وجل لهم كما قال في سورة الأحزاب:
{ تحيتهم يوم يلقونه سلام } [الأحزاب: 44] وفي سورة يس: { سلام قولا من رب رحيم } [يس: 58] وتكون من الملائكة لهم عند دخول الجنة كما قال في سورة الزمر: { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } [الزمر: 73] ومثله في سورة النحل: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } [النحل: 32] وفي كل وقت يدخلون فيه عليهم كما قال في سورة الرعد: { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [الرعد: 23 و24] وتكون منهم بعضهم لبعض، وهو المتبادر من قوله تعالى في سورة مريم: { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما } [مريم: 62] وفي سورة الواقعة: { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } [الواقعة: 25 و26] فإن اللغو والتأثيم من شأن كلام البشر، فلما نفى وقوعهما منهم في الجنة، واستدرك على نفيه باستثناء كلمة سلام منقطعا، ترجح أن يكون المراد به سلام بعضهم على بعض أو عاما يشمله. والجملة في آيتنا: وتحيتهم فيها سلام تشمل الأنواع كلها، وإنه لإيجاز بليغ غفل عنه من نعرف من المفسرين لغفلتهم عن هذه الأنواع.
وأما قوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} فمعناه أن الحمد له جل ثناؤه هو آخر كل حال من أحوال أهل الجنة من دعاء يناجون به الله تعالى، ومطلب يطلبونه من إحسانه وإكرامه، كما أنه أول ثنائهم عليه عند دخولها. كما قال في آخر سورة الزمر بعد آية السلام عليهم من الملائكة:
{ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين } [الزمر: 74] وآخر كلام الملائكة أيضا وهو قوله بعده: { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } [الزمر: 75].
فعلى كل قارئ لهذه الآية الجامعة - وقد فسرناها له هنا بما في معناها من الآيات في السور الأخرى - أن يمثل لنفسه حالة أهل الجنة في هذه الكلمات الثلاث، المبينة لنعيمهم الروحاني بلقاء الله عز وجل ومناجاته في جميع أطوارهم، ولما يكون بينهم وبين ملائكته وبين بعضهم مع بعض، ومنه يعلمون أن معظم نعيم الجنة روحاني، فعليهم أن يستعدوا لها بتزكية أنفسهم، وترقية أرواحهم، وأن يعلموا أنهم لن يكونوا أهلا لها بالاتكال على التوسلات بأشخاص الأولياء والتمني لشفاعاتهم
{ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } [النساء: 123 و124] و { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } [الاسراء: 72].
ومن التفسير المأثور في الآية ما أخرجه ابن مردويه عن أبي بن كعب مرفوعا عن أهل الجنة:
"إذا قالوا: سبحانك اللهم - أتاهم ما اشتهوا من الجنة" وروي مثله عن بعض التابعين. فالكلمة علامة بين أهل الجنة وخدمهم في إحضار الطعام وغيره، فإذا أكلوا حمدوا الله تعالى. وهذا مما يدخل في عموم ما تقدم سواء أصحت الرواية أم لا.