التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
٩١
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٩٢
وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
٩٣
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٩٤
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
٩٥
-هود

تفسير المنار

هذه الآيات الخمس في بيان تحول قوم شعيب عن مجادلته بالتي هي أحسن إلى الإهانة والتهديد، ومقابلته إياهم بالإنذار بقرب الوعيد، ونزول العذاب الشديد، ووقوع ذلك بالفعل العتيد.
{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} حققنا في تفسير سورة الأعراف (7: 179) أن الفقه في اللغة أخص من الفهم والعلم، وهو الفهم الدقيق العميق المؤثر في النفس الباعث على العمل، أي: ما نفقه كثيرا مما ترمي مما وراء ظواهر أقوالك من بواطنها وتأويلها؛ كبطلان عبادة آلهتنا وقبح حرية التصرف في أموالنا، وعذاب محيط يبيدنا، وإصابتنا بمثل الأحداث الجوية التي نزلت بمن قبلنا، كأن أمرها بيدك وتصرفك أو تصرف ربك، يصيب بها من تشاء أو يشاء لأجلك، - وإنا لنراك فينا ضعيفا - لا حول لك ولا قوة تمتنع بها منا إن أردنا أن نبطش بك، وأنت على ضعفك تنذرنا العذاب المحيط الذي لا يفلت منه أحد {ولولا رهطك} أي: عشيرتك الأقربون - والرهط: الجماعة من الثلاثة إلى السبعة أو العشرة {لرجمناك} لقتلناك شر قتلة، وهي الرمي بالحجارة حتى تدفن فيها {وما أنت علينا بعزيز} أي بذي عزة ومنعة علينا تحول بيننا وبين رجمك، وإنما نعز رهطك ونكرمهم على قلتهم لأنهم منا وعلى ديننا الذي نبذته وراء ظهرك، وأهنته ودعوتنا إلى تركه لبطلانه وفساده في زعمك.
{قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} هذا استفهام إنكاري، أي: أرهطي أعز وأكرم عليكم من الله الذي أدعوكم إليه بأمره {واتخذتموه وراءكم ظهريا} أي أشركتم به وجعلتموه كالشيء اللقا الذي ينبذ وراء الظهر لهوانه على نابذه وعدم حاجته إليه، فينسى حتى لا يحسب له حساب. تقول العرب: جعله بظهر وظهريا واتخذه ظهريا بالكسر والتشديد، أي نسيا منسيا لا يذكر كأنه غير موجود، وكسر الظاء من تصرفهم في النسب، وكان القوم يؤمنون بالله ويشركون به، ولا عجب من حالهم هذه فإنه شأن أكثر الناس اليوم، لا يراقبون الله في أقوالهم ولا في أعمالهم فيرجوه إذا أحسنوا، ويخافوه إذا أساءوا، أو فيمتنعوا عن الإساءة ويتسابقوا إلى الإحسان ابتغاء مرضاته - إن ربي بما تعملون محيط - علما فهو يحصيه عليكم ويجزيكم به، وأما رهطي فلا يستطيعون لكم ضرا ولا نفعا.
{ويا قوم اعملوا على مكانتكم - هذا أمر تهديد ووعيد من واثق بقوته بربه، على انفراده في شخصه، وضعف قومه على كثرتهم، وإدلالهم عليه وتهديدهم له بقوتهم، أي اعملوا ما استطعتم على منتهى تمكنكم في قوتكم وعصبيتكم (من مكن مكانة كضخم ضخامة - إذا تمكن كل التمكن مما هو فيه وبصدده) أو على مكانكم الذي أنتم فيه، إذ يقال: مكان ومكانة (كمقام ومقامة) {إني عامل} على مكانتي التي أعطانيها أو وهبنيها ربي من دعوتكم إلى التوحيد وأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} هذا تصريح بالوعيد بعد التلميح له بالأمر بالعمل المستطاع للتعجيز، وهو جواب سؤال مقدر على طريق الاستئناف البياني ; ولذلك لم يقرن بالفاء كقوله في سورة الأنعام:
{ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } [الأنعام: 135] إذ المراد هنالك أن ما قبل " سوف " سبب لما بعدها، وقطعها هنا أشد مبالغة في الوعيد والتهديد ; لاقتضاء تهديد الكفار إياه بالرجم، أن يبالغ في تهديدهم وإظهار عزة الله ورسوله بالحق. وتقديرهما: فإن قلتم: ماذا يكون من أمرك؟ أقل لكم: - سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه - ويذله. أنا أم أنتم، - ومن هو كاذب - في قوله ومن هو صادق مني ومنكم؟ وقد كانوا أنذروه غير الرجم الذي وجد المانع منه: أنذروه إنذارا مؤكدا بالقسم ما حكاه الله عنهم بقوله: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } [الأعراف: 88] إلخ. فهو يعرض بكذبهم في كل ما صدر عنهم مما حكاه الله عنهم هنا وهناك، موقنا بوقوع ما أنذرهم به، وهو برهان على أنه على بينة من الله به {وارتقبوا إني معكم رقيب} وانتظروا مراقبين لما سيقع إني معكم مراقب منتظر له، رقيب هنا بمعنى مراقب، كعشير بمعنى معاشر، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل.
{ولما جاء أمرنا} بعذابهم الذي أنذروه {نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا} خاصة بهم دون أحد من القوم كما تقدم مثله قريبا - وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين - أي أخذتهم صيحة العذاب التي أخذت ثمود فأصبحوا كلهم ميتين باركين على ركبهم، مكبين على وجوههم في ديارهم.
{كأن لم يغنوا فيها} أي كأنهم لم يقيموا فيها وقتا من الأوقات - ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود - أي هلاكا لهم وبعدا من رحمة الله كبعد الهلاك واللعنة التي عوقبت بها ثمود من قبلهم فإنهما من جنس واحد، وهو الصيحة كما في الآية 67 وسيأتي مثله في سورة الحجر، أولا: في قوم لوط (15: 73) وذكرناه في قصتهم هنا، وثانيا: في أصحاب الحجر وهو ثمود
{ فأخذتهم الصيحة مصبحين } [الحجر: 83] وكذا في سورة المؤمنون بدون تصريح باسمهم: { فأخذتهم الصيحة بالحق } [المؤمنون: 41] وفي سورة القمر: { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر } [القمر: 31] وتقدم في عذاب ثمود ومدين من سورة الأعراف أنهم " أخذتهم الرجفة " كما في آيتي (7: 78 و91) ومثلهما آية (155) في السبعين المختارين من قوم موسى، وسيأتي أيضا في مدين من سورة العنكبوت: { فكذبوه فأخذتهم الرجفة } [العنكبوت: 37] إلخ. وفي سورة فصلت: " حم السجدة " في ثمود: { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون } [فصلت: 17] وفي سورة الذاريات: { فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون } [الذاريات: 44] فعلم بهذا أن المراد بالصيحة صوت الصاعقة، وفي (2: 55 و4: 153) أن الصاعقة أخذت بني إسرائيل الذين قالوا لموسى: أرنا الله جهرة، ولكن الله - تعالى - أحياهم عقبها: والرجفة: هي الهزة والاضطرابة الشديدة، وهي تصدق باضطراب أبدانهم وأفئدتهم كأرضهم، فالجامع بين هذه الألفاظ أن الله - تعالى - أرسل على كل من ثمود ومدين صاعقة ذات صوت شديد ; فرجفوا أو رجفت أرضهم وزلزلت من شدتها وخروا ميتين، فكانت صاعقتهم أشد من صاعقة بني إسرائيل ; لأن هذه تربية لقوم نبي في حضرته، وتلك صاعقة كانت عذاب خزي وهوان لمشركين ظالمين معاندين أنجى الله نبي كل منهم ومؤمنيهم قبلها، وأما قول بعض المفسرين: إن الصيحة التي أخذت ثمود ومدين كانت صيحة من جبريل - عليه السلام -، فهو من أخبار الغيب التي لا تقبل إلا من نصوص الوحي ولا نص، فتعين أنه من الرجم بالغيب. وقد بينا أسباب الصواعق مرارا آخرها في تحقيق الجمع بين هذه الآيات في هلاك ثمود من سورة الأعراف.
ومن دقيق نكت البلاغة في الآيات قوله - تعالى - في إهلاك مدين هنا: - ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا - إلخ. فعطف " لما " على ما قبلها بالواو، ومثله في قوم هود، ولكنه عطفها بالفاء في قصة ثمود (66) وقصة قوم لوط. ووجه هذا الأخير أن الآيتين جاءتا عقب الإنذار بالعذاب واستحقاقه وحلول موعده فعطفتا بالفاء الدالة على التعقيب. وأما عطف مثلهما في قوم هود وقوم شعيب فليس كذلك، فعطف بالواو على الأصل في العطف المطلق. أما الأول فظاهر لأنه ليس قبل الآية وعيد بالعذاب، وأما الثاني ففيه وعيد مسوف فيه مقرون بالارتقاب لا الاقتراب، فلا يناسب العطف عليه الفاء التي تفيد التعقيب بدون انفصال، فهل تصادف مثل هذه الدقائق اللغوية في غير القرآن؟.