التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٤٤
وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٥
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤٦
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١٤٧
-البقرة

تفسير المنار

قالوا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتشوف لتحويل القبلة من بيت المقدس ويرجوه، بل قال (الجلال): إنه كان ينتظره ; لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم، والتوجه إليها أدعى إلى إيمان العرب ; أي: وعلى العرب المعول في ظهور هذا الدين العام ; لأنهم كانوا أكمل استعدادًا له من جميع الأنام.
قال الأستاذ الإمام: ولا بعد في تشوفه إلى قبلة إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، ولا يعد هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى إلى هوى نفسه، كلا إن هوى الأنبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه، ولو كان لأحدٍ منهم هوًى ورغبة في أمرٍ مباحٍ مثلًا وأمره الله تعالى بخلافه لانقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر الله تعالى به ورضيه ; بل المقام أدق والسر أخفى، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمة التي بعث فيها شعورًا إجماليا كليا، لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الأحكام إلا عند شدة الحاجة إليها، والاستعداد لتشريعها، عند ذلك يتوجه قلب النبي إلى ربه طالبًا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملًا، وإيضاح ما يلوح له مبهمًا، فينزل الروح الأمين على قلبه، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه، وهكذا الوحي إمداد في موطن استعدادٍ لا كسب فيه للعباد، وإذا كان حكم شرع لسببٍ مؤقتٍ وزمنٍ في علم الله معينٍ، فإن روح النبي تشعر بذلك في الجملة، فإذا تم الميقات، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آتٍ وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم والديان الحكيم، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوفًا إلى تحويل القبلة، فذلك قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} أي: إننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء مصدر الوحي وقبلة الدعاء ; انتظارًا لما ترجوه من نزول الأمر بتحويل القبلة.
فسر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت، فإن وافقتها الألسنة فهي تبع لها، وإلا كان الدعاء لغوًا يبغضه الله تعالى، فالدعاء الديني لا يتحقق إلا بإحساس الداعي بالحاجة إلى عناية الله تعالى، وعن هذا الإحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه. فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظارًا لما كانت تشعر به روح النبي - صلى الله عليه وسلم - وترجوه من نزول الوحي بتحويل القبلة، ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبًا هذا التحويل ولا تنفي ذلك. وقال بعض المحققين: من كمال أدبه - صلى الله عليه وسلم - أنه انتظر ولم يسأل.
وهذا التوجه هو الذي يحبه الله تعالى ويهدي قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه، لذلك قال عز وجل: {فلنولينك قبلةً ترضاها} أي: فلنجعلنك متوليًا قبلةً تحبها وترضاها، وقرن الوعد بالأمر فقال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} تولية الوجه المكان أو الشيء: هي جعله قبالته وأمامه، والتولي عنه: جعله وراءه. والشطر في الأصل: القسم المنفصل من الشيء تقول: جعله شطرين، ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها: شطران أماميان وشطران خلفيان. ويطلق على النحو والجهة، وهو المراد هنا، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه، أو يلمسها بيده أو بدنه. فإن صح إطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة، فلا يصح أن يراد هنا ; لما فيه من الحرج الشديد، لا سيما على الأمة الأمية. ثم أمر بذلك المؤمنين عامةً فقال: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} أي: وفي أي مكانٍ كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الأرض إلى جميع الجهات، لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ; ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان {الجغرافية الفلكية والأرضية}. وقد عهد من أسلوب القرآن أن يكون الأمر الذي يؤمر به النبي ولا يذكر أنه خاص به أمرًا له وللمؤمنين به، فإذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى:
{ ومن الليل فتهجد به نافلةً لك } [الإسراء: 79] وقوله: { خالصةً لك من دون المؤمنين } [الأحزاب: 50} وإنما أمر الله المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصا صريحًا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة، فإنها كانت حادثةً كبيرةً استتبعت فتنةً عظيمةً، فأراد الله أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم فأكد الأمر بها، وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول - عليه الصلاة والسلام - لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون بالحزم والثبات على الاتباع ولئلا يتوهم من سابق الكلام أنه خاص به - عليه الصلاة والسلام -.
بعد هذا عاد إلى بيان حال السفهاء مثيري الفتنة في مسألة تحويل القبلة فقال: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} أي: إن تولي المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على نبيه. وجمهور المفسرين على أن أكثر أولئك الفاتنين كانوا من أهل الكتاب المقيمين في الحجاز. ولولا ذلك لم تكن الفتنة عظيمةً ; لأن كلام المشركين في مسائل الوحي والتشريع قلما يلتفت إليه، وأما أهل الكتاب فقد كانوا معروفين بين العرب بالعلم، ومن كان كذلك فإن عامة الناس تتقبل كلامه ولو نطق بالمحال ; لأن الثقة بمظهره تصد عن تمحيص خبره، فهو في حاله الظاهرة شبهة إذا أنكر، وحجة إذا اعترف، ولأن الجماهير من الناس قد اعتادوا تقليد مثله من غير بحثٍ ولا دليلٍ.
وقد جرى أصحاب المظاهر العلمية والدينية على الانتفاع بغرور الناس بهم، فصار الغرض لهم من أقوالهم التأثير في نفوس الناس، فهم يقولون ما لا يعتقدون لأجل ذلك، ويسندون ما يقولون إلى كتبهم كذبًا صريحًا أو تأويلًا بعيدًا، كما كان أحبار اليهود يطعنون في النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، ويذكرون للناس أقوالًا على أنها من كتبهم وما هي من كتبهم، إن يريدون إلا خداعًا، وقد كذب الله هؤلاء الخادعين، وبين أنهم يقولون غير ما يعتقدون، كأنه يقول: إن هؤلاء قد قام عندهم الدليل على ما سبقت به بشارة أنبيائهم من صحة نبوة الرسول ويعلمون أن أمر القبلة - كغيرها من أمور الدين - ما جاء به الوحي عن الله تعالى، وأنه الحق لا محيص عنه، لا مكان معين بذاته لذاته {وما الله بغافلٍ عما يعملون} فهو المطلع على الظواهر والضمائر، الحسيب على ما في السرائر الرقيب على الأعمال، فيخبر نبيه بما شاء أن يخبره وإليه المرجع والمصير وعليه الحساب والجزاء، وقرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائي {تعملون} بالتاء للخطاب.
سبق القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حريصًا على هداية أهل الكتاب راجيًا بإيمانهم ما لا يرجوه من إيمان المشركين، فبمقدار حرصه ورجائه كان يحزنه عروض الشبه لهم في الدين ويتمنى لو أعطي من الآيات والدلائل ما يمحو كل شبهةٍ لهم، فلما كانت فتنة تحويل القبلة بمخادعتهم الناس أخبره الله تعالى بأنهم غير مشتبهين في الحق فتزال شبهتهم، وإنما هم قوم معاندون جاحدون على علمٍ، ثم أعلمه بأن الآيات لا تؤثر في المعاند ولا ترجع الجاحد عن غيه.
وقد أجمع المسلمون على فرضية استقبال القبلة في الصلاة ولكن اختلفوا هل هي شرط لصحتها أم لا. وفي بعض الأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم ظهر لهم خطؤهم ولم يعيدوا، وإنما يدل هذا - إن صح - على أن خطأ الاجتهاد فيها مغفور. والصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهرًا، وأن النسخ بنزول هذه الآيات كان في رجبٍ من السنة الثانية، وحديث البراء في صحيح البخاري وغيره أنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا بالشك، ورواية 16 عند مسلمٍ وغيره بدون شك فهي الصواب.
{ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آيةٍ ما تبعوا قبلتك} أي: وتالله لئن جئتهم بكل آيةٍ على نبوتك وكل حجةٍ على صدقك ما تبعوا قبلتك فضلًا عن ملتك، فلا يحزنك قولهم ولا إعراضهم ولا تحسبن الآيات والدلائل مقنعةً أو صارفةً لهم عن عنادهم، فهم قوم مقلدون لا نظر لهم ولا استدلال. وكما أيأسه من اتباعهم قبلته أيأسهم من اتباعه قبلتهم، فقال: {وما أنت بتابعٍ قبلتهم} فإنك الآن على قبلة إبراهيم الذي يجلونه جميعًا، ولا يختلف في حقية ملته أحد منهم، فهي الأجدر بالاجتماع عليها، وترك الخلاف إليها، فإذا كان أتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا، وعنادهم فيما اختلفوا، وإذا كان التقليد يحول بينهم وبين النظر في حقيقة معنى القبلة، وكون الجهات كلها لله تعالى، وأن الفائدة فيها الاجتماع دون الافتراق فأي دليلٍ أم أية آيةٍ ترجعهم عن قبلتهم؟ وأية فائدةٍ ترجى من موافقتك إياهم عليها؟ ألم تر كيف اختلفوا هم في القبلة فجعل النصارى لهم قبلةً غير قبلة اليهود التي كان عليها عيسى بعد موسى؟! {وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعضٍ} لأن كلا منهم قد جمد بالتقليد على ما هو عليه، والمقلد لا ينظر في آيةٍ ولا دليلٍ، ولا في فائدة ما هو فيه، والمقارنة بينه وبين غيره فهو أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، أغلف القلب لا يعقل {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا لمن الظالمين} أي: ولئن فرض أن تتبع ما يهوونه من الصلاة إلى قبلتهم أو غير ذلك اجتهادًا منك تقصد به استمالتهم إلى دينك، من بعد ما جاءك الحق اليقين بالنص المانع من الاجتهاد، والعلم الذي لا مجال معه للظن، إنك إذ تفعل هذا فرضًا - وما أنت بفاعله - تكون من جماعة الظالمين {وحاشاك} والكلام من باب {إياك أعني واسمعي يا جارة} وبيانه أننا قد أقمنا لك مسألة القبلة على قاعدة العلم الذي عرفت به أن نسبة الجهات إلى الله تعالى واحدة، وأن جمود أهل الكتاب على ما هم فيه إنما جاءهم من التقليد وحرمان أنفسهم من النظر، وأن طعنهم فيك وفيما جئت به من أمر القبلة وغيره ليس إلا جحودًا ومعاندةً لك مع علمهم بأنك النبي الموعود به في كتبهم يأتي من ولد إسماعيل. فبعد هذا العلم كله لا ينبغي لأحدٍ من أتباعك المؤمنين أن يفكر في أهواء القوم استمالةً لهم ; إذ لا محل لهذه الاستمالة، والحق قوي بذاته، وغني بمن ثبت عليه، ومن عدل عنه - مجاراةً لأهل الأهواء لما يرجو من فائدتهم أو اتقاء مضرتهم - فهو ظالم لنفسه، وظالم لمن يسلك بهم هذا السبيل الجائر.
الأستاذ الإمام: هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقامًا عند الله تعالى هو أشد وعيدٍ لغيره ممن يتبع الهوى، ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل ; فإنه أفرده بالخطاب مع أن المراد به أمته ; إذ يستحيل أن يتبع هو أهواءهم، أو أن يجاريهم على شيءٍ نهاه الله تعالى عنه، ليتنبه الغافل ويعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس ولو لغرضٍ صحيحٍ هو من الظلم العظيم الذي يقطع طريق الحق، ويردي الناس في مهاوي الباطل، كأنه يقول: إن هذا ذنب عظيم لا يتسامح فيه مع أحدٍ، حتى لو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله تعالى لسجل عليه الظلم، وجعله من أهله الذين صار وصفًا لازمًا لهم
{ وما للظالمين من أنصارٍ } [البقرة: 270} فكيف حال من ليس له ما يقارب مكانته عند ربه عز وجل؟.
نقرأ هذا التشديد والوعيد، ونسمعه من القارئين، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالاتهم، حتى إنك ترى الذين يشكون من هذه البدع والأهواء ويعترفون ببعدها عن الدين يجارون أهلها عليها ويمازجونهم فيها، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا: ماذا نعمل؟ ما في اليد حيلة لعامة عمًى0 آخر زمان وأمثال هذه الكلمات هي جيوش الباطل تؤيده وتمكنه في الأرض، حتى يحل بأهله البلاء ويكونوا من الهالكين.
وأعجب من هذا الذي ذكره الإمام أنك ترى هؤلاء المعترفين بهذه البدع والأهواء ينكرون على منكرها، ويسفهون رأيه ويعدونه عابثًا أو مجنونًا، إذ يحاول ما لا فائدة فيه عندهم، فهم يعرفون المنكر وينكرون المعروف، ويدعون مع ذلك أنهم على شيءٍ من العلم والدين. وأعجب من هذا الأعجب أن منهم من يرى أن إزالة هذه المنكرات والبدع، ومقاومة هذه الأهواء والفتن جناية على الدين، ويحتج على هذا بأن العامة تحسبها من الدين، فإذا أنكرها العلماء عليهم تزول ثقتهم بالدين كله لا بها خاصةً!! وبأنها لا تخلو من خيرٍ يقارنها كالذكر الذي يكون في المواسم والاحتفالات التي تسمى بالموالد وكلها بدع ومنكرات، حتى إن الذكر الذي يكون فيها ليس من المعروف في الشرع!! والسبب الصحيح في هذا كله هو محاولة إرضاء الناس بمجاراتهم على أهوائهم وتأويلها لهم، ولولا ذلك لما سكت العالمون بكونها بدعًا ومنكراتٍ عليها، إنهم سكتوا بالثمن
{ اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا } [التوبة: 9] وهم مع ذلك يظهرون التعجب من جحود أهل الكتاب للنبي والقرآن، وما كانوا أشد منهم جحودًا، ولا أقوى جمودًا.
هذا إيماء إلى اتباع العلماء أهواء العامة بعد ما جاءهم من العلم وما نزل عليهم في الكتاب من الوعيد عليه، ولو شرح شارح اتباعهم لأهواء السلاطين والأمراء والوجهاء والأغنياء، وكيف يفتونهم ويؤلفون الكتب لهم، ويخترعون الأحكام والحيل الشرعية لأجلهم، وكيف حرموا على الأمة العمل بالكتاب والسنة وألزموها كتبهم ; لظهر لقارئ الشرح كيف أضاع هؤلاء الناس دينهم، فسلط الله عليهم من لم يكن له عليهم سبيل، ولبان له وجه التشديد في الآية بتوجيه الوعيد فيها إلى النبي المعصوم المشهود له بالخلق العظيم، فلا يكبرن عليك أن تحكم على من يسمون أنفسهم أو يسميهم الحكام كبار العلماء بأنهم من الظالمين، إذا اتبعوا أهواء العامة أو شهوات الأمراء والسلاطين.
{الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ذكر في الآية السابقة أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم وذلك الإنكار، وهو أنهم يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما يظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء. قال عبد الله بن سلامٍ رضي الله عنه - وكان من علماء اليهود وأحبارهم: - أنا أعلم به مني بابني، فقال له عمر رضي الله عنه: لم؟ قال: لأني لست أشك في محمدٍ أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل، وتميمٍ الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه - صلى الله عليه وسلم - معرفةً لا يتطرق إليها الشك {وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} أنه الحق الذي لا مرية فيه، فماذا يرجى منهم بعد هذا؟ وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في {يعرفونه} لما ذكر من أمر القبلة، واستبعدوا عوده إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير. وقد أسند هذا الكتمان إلى فريقٍ منهم إذ لم يكونوا كلهم كذلك ; فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، ومنهم من كان يجحده عن جهلٍ ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل. ثم قال عز شأنه:
{الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} الامتراء: الشك والتردد، وإنما يعرض لمن لا يعرفون الحق، والمعنى أن هذا الذي أنت عليه أيها الرسول هو الحق، أو أن جنس الحق في الدين هو الوحي من عند ربك المعتني بشأنك، فلا تلتفت إلى أوهام هؤلاء الجاحدين فإنها لا تصلح شبهةً على الحق الصريح الذي علمك الله فتمتري به، والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة وجه الخطاب به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد أمته من كان منهم غير راسخٍ في الإيمان، وخشي عليه الاغترار بمظاهر أولئك المخادعين الذين يغتر بأمثالهم الأغرار في كل زمانٍ ومكانٍ ; ولذلك ارتد بفتنة القبلة بعض ضعفاء الإيمان.