التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٥٤
وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
-البقرة

تفسير المنار

في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليا له ومتأخرا عنه: مهد أولا للتذكير تمهيدا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم، ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها، فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم - وهو قتل الأبناء - يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبا آخر، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الإصغاء والتدبر؛ لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها، ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.
لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عند ما تلا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله - تعالى - بهم، ولا سيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة، لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب عليها فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم، هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم، وهي اتخاذ العجل إلها، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان، وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.
بعد هذا كله استعدت تلك النفوس؛ لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة، فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوءا بقوله - تعالى -: {وإذ قال موسى لقومه} أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين: الزماني، والمكاني {ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} إلها عبدتموه. والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين؛ لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلها آخر هو أدنى منكم، وهو من خلقكم، أي تقديركم وصنعكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارا. تكلم الأستاذ الإمام في التوبة وقال: إنها محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه، وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية، ويحدث في روحه انفعالا مما فعل، وندما على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة. هذا أثر التوبة في النفس، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيئ
{ إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود: 114] فمن علامة التوبة النصوح الإتيان بأعمال تشق على النفس، وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب، وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة، سواء كان الذنب مع الله - تعالى - أو مع الناس، ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهي به أن يجيء معترفا بالذنب معتذرا عنه؟ وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب، وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم وقد قال: {فتوبوا إلى بارئكم} لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم، ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم، والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم: دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه بنو لاوى، فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضا ففعلوا، وقتل في ذلك اليوم " نحو ثلاثة آلاف "، وقال مفسرنا (الجلال) كغيره: إن الذين قتلوا سبعون ألفا والقرآن لم يعين العدد، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه، كذا قال الأستاذ الإمام، وهذا مذهبه في جميع مبهمات القرآن، يقف عند النص القطعي لا يتعداه، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه.
قال - تعالى -: {ذلكم خير لكم عند بارئكم} لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة، وقوله: {فتاب عليكم} من كلام الله - تعالى - لا تتمة لكلام موسى - عليه السلام - في الظاهر، وهو معطوف على محذوف، تقديره ففعلتم ما أمركم موسى به، فتاب عليكم {إنه هو التواب الرحيم} أي أنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمهم، الرحيم بهم، ولولا رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولا سيما الشرك به.
{وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} أي واذكروا إذ قلتم لنبيكم: يا موسى لن نصدق بما جئت به تصديق إذعان واتباع، حتى نرى الله عيانا جهرة، فيأمرنا بالإيمان لك، {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} أي فأخذت القائلين ذلك منكم الصاعقة وأنتم تنظرون بأعينكم، وسيأتي بيان هذا بالتفصيل في سورة الأعراف، فالقصة هنالك مقصودة بكل ما فيها من فائدة وعبرة، وإنما المراد بها هنا التذكير كما تقدم.
قال الأستاذ الإمام: سؤال بني إسرائيل رؤية الله - تعالى - واقعة مستقلة لا تتصل بمسألة عبادة العجل، وهي معروفة عند بني إسرائيل ومنصوصة في كتابهم، وذلك أن طائفة منهم قالوا: لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله - تعالى - من دوننا؟ وانتشر هذا القول في بني إسرائيل، وتجرأ جماعة منهم بعد موت هارون وهاجوا على موسى وبني هارون وقالوا لهم: إن نعمة الله على شعب إسرائيل هي لأجل إبراهيم وإسحاق، فتشمل جميع الشعب، وقالوا لموسى: لست أفضل منا، فلا يحق لك أن تترفع وتسود علينا بلا مزية، وإننا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم، وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين، وهذه النار هي المعبر عنها هنا بالصاعقة، وهل ثمة من نار غير الاشتعال بالكهرباء، وهو ما تحدثه الصاعقة التي تحدث الانشقاق في الأرض أيضا؟. وقد أخذ هذا العذاب تلك الطائفة والآخرون ينظرون، وهكذا بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون موسى - عليه السلام -، وكان سوط عذاب الله يصب عليهم، فرموا بالأمراض والأوبئة، وسلطت عليهم الهوام وغيرها حتى أماتت منهم خلقا كثيرا، فمجاحدتهم ومعاندتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن بدعا من أعمالهم.
قال - تعالى -: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} ذهب الأستاذ الإمام إلى أن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أن سينقرضون بارك الله في نسلهم؛ ليعد الشعب - بالبلاء السابق - للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.
والعبرة الاجتماعية في الآيات أن الخطاب في كل ما تقدم كان موجها إلى الذين كانوا في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب إلا لبيان معنى وحدة الأمة، واعتبار أن كل ما يبلوها الله به من الحسنات والسيئات، وما يجازيها به من النعم والنقم، إنما يكون لمعنى موجود فيها يصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق، كأنه وقع به؛ ليعلم الناس أن سنة الله - تعالى - في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة، يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو
{ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } [الأنفال: 25] وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لرقيها؛ لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين.
بعد هذا ذكر الله - تعالى - نعمة أخرى، بل نعمتين من النعم التي من بها على بني إسرائيل، فكفروا بها، ولكنه لم يذكر ما كان به الكفران، بل طواه وأشار بما ختم به الآية من أنهم لم يظلموا الله - تعالى - بذلك الذنب المطوي وإنما ظلموا أنفسهم، وهذا أسلوب آخر من أساليب البيان في التذكير، وضرب من ضروب الإيجاز التي هي أقوى دعائم الإعجاز.
أما النعمة الأولى فقوله - تعالى -: {وظللنا عليكم الغمام} قال الأستاذ الإمام: هذه نعمة مستقلة متصلة بما قبلها في سياق الذكرى، منفصلة عنها في الوقوع، فإن التظليل استمر إلى دخولهم أرض الميعاد، ولولا أن ساق الله إليهم الغمام يظللهم في التيه لسفعتهم الشمس ولفحت وجوههم. وقال: لا معنى لوصف الغمام بالرقيق كما قال المفسر (الجلال) وغيره، بل السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل الذي يفيده حرف التظليل إلا بسحاب كثيف يمنع حر الشمس ووهجها، وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة إلا بالكثيف، وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم.
وأما النعمة الثانية ففي قوله - تعالى -: {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} ما منح من الله - تعالى - يسمى إيجاده إنزالا ومنة
{ وأنزلنا الحديد } [الحديد: 25] على أن المن ينزل كالندى، وهو مادة لزجة حلوة تشبه العسل، تقع على الحجر وورق الشجر مائعة، ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس، ومنها الترنجبين وبه فسر المن مفسرنا وغيره. وأما السلوى فقد فسروها بالسماني، وهو الطائر المعروف، فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضا. وظاهر أن قوله - تعالى -: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} مقدر فيه القول. وفي (سفر الخروج) أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل، وكان لهم بدلا من الخبز، وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى، فقد كان معهم المواشي، ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي.
وفي قوله - تعالى -: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} تقرير لقاعدة مهمة، وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفع الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي. فكل عمل ابن آدم له أو عليه
{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 86]