التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
٩٢
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٩٣
قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
٩٤
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ
٩٥
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٩٦
-البقرة

تفسير المنار

سبق التذكير باتخاذ العجل في قوله - تعالى -: { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51] ثم أعاده هنا بعبارة وأسلوب آخرين في سياق آخر، أما اختلاف العبارة والأسلوب فظاهر، وأما السياق فقد كان أولا في تعداد النعم على بني إسرائيل وبيان ما قابلوها به من الكفران، وهو هنا في ذكر الآيات ورد شبهاتهم المانعة بزعمهم من الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهناك يقول إن النعم التي أسبغها الله عليكم لم يكن لها من شكر عندكم إلا اتخاذ عجل تعبدونه من دونه، وهاهنا يقول إن الآيات البينات على النبوة والوحدانية لم تزدكم إلا إيغالا في الشرك وانهماكا في الوثنية، فكيف تعتذرون عن عدم الإيمان بمحمد بأنكم لا تؤمنون إلا بما أنزل إليكم وهذا شأنكم فيه؟ ومجموع الآيتين ينبئ بفساد قلوب القوم وفساد عقولهم حتى لا مطمع في هداية أكثرهم من جهة الوجدان، ولا من ناحية العقل والجنان، وهذه البينات التي ذكرها هاهنا قد كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وأما النعم التي ذكرها هناك فقد كانت في أرض الميعاد كما تقدم، ووجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها قد علم مما قلناه وفيه المقابلة بين معاملتهم لموسى - عليه السلام - ومعاملتهم للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذ قالوا: {قلوبنا غلف} وادعوا أنهم مأمورون بألا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم خاصة، وقد علم من هذه الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم، وأنه لا عذر لهم في ترك الإيمان.
قال: {ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده} أي من بعد هذا المجيء لا من بعد موسى، والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ؛ فإنه بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة؛ ولذلك قال: {وأنتم ظالمون} أي ظلم أعظم من الشرك بالله - تعالى -؟ ولا تغفل عن الإيجاز في قوله: {من بعده}، وحذف مفعول {اتخذتم} أي اتخذتموه إلها.
ثم ذكرهم هنا أيضا أخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت، وقد قال هناك: {خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه} وقال هنا: {خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} وأمرهم في تلك بالحفظ، وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة. وقلنا في تفسير {واذكروا}: إن المراد الحث به على العمل، فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد.
وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية. رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علما بشيء ما، له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم، وأن الكلمات والوجوه محدودة، فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرا، كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه، أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظما من عقود عرضت عليه. مثال ذلك قوله - تعالى -:
{ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } [غافر: 28] قال علماء هذا الشأن: إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير، ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الإعراب إلا نظم الآية، فهو الذي يؤدي المعنى على أكمل الوجوه، ولا يتأتى نظم آخر يؤدي مؤداه. وزعم بعض الناس أن هذا الإعجاز ليس إلهيا.
لو أخذ ما قالوه مسلما على إطلاقه، لكان لنا أن نقول: إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع الكلمات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له، وجميع ضروب النظم، ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن والأبلغ منها، وإذا لم يكن هذا في قدرة البشر - كما هو ظاهر - فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدا بعناية من الله - تعالى - على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه، فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية
{ وقال رجل مؤمن من آل فرعون } [غافر: 28]... إلخ، وإذا نظرنا إلى المعاني لا سيما الكلية تراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه، وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها، وهو أن الله أخذ العهد على بني إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا،، وأن يعملوا بشريعته ووصاياه، وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة، إذ كان الجبل مرفوعا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به، وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس وغالب على العقل والحس، وقد ذكر الله - تعالى - هذا المعنى في كتابه العزيز غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت، وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاق بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى، وكآية الأعراف { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } [الأعراف: 171] وتقدمت الإشارة إليها هناك، وكلاهما غاية في البلاغة.
وذكره هنا بنظم آخر تنتهي إليه البلاغة في سياق آخر فقال: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا}، ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال: {قالوا سمعنا وعصينا} أي أنهم قبلوا الميثاق وفهموه، ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتا وتأولا وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين {سمعنا وعصينا} بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب وفي هذا العهد، يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحكيه عن نفسه حتى حكي مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط. ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم}، هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن. وإشراب الشيء الشيء: مخالطته إياه وامتزاجه به ، يقال: بياض مشرب بحمرة، أو هو من الشرب كأن الشيء المحبوب شراب يساغ، فهو يسري في قلب المحب ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في لهاته. وقد قدر الأكثرون هنا مضافا محذوفا، فقالوا: المراد " حب العجل ".
وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته، وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء، وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله - تعالى -: {في قلوبهم}، والشراب الحقيقي لا يكون في القلب، والشرب غير الإشراب. ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحي منزل ولا تاريخ صحيح ينقل، والباء في قوله {بكفرهم} للسببية أي: سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر، فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن، وورثه الأبناء عن الآباء.
وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى، فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم الله بالإيمان بغيرها كما قلنا في التي قبلها؛ ولذلك ختم الآية بقوله - تعالى - مخاطبا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة - والإيمان الحقيقي يقتضي العمل بما له من السلطان على الإرادة - فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق. لكن هذا الزعم مشكوك فيه، بل يصح القطع بعدمه بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرا له. ولا ينسى القارئ ما تقدم من ربط الإيمان بالعمل الصالح في تفسير قوله - تعالى -:
{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81] الآية.
هذه حجة عليهم بطبيعة الإيمان وأثره في عمل المؤمن. وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الإيمان ومثوبته في الحياة الأخرى، وهي قوله - عز وجل -: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}. المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها؛ لأن حال الإنسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين؛ المثوبة بالنعيم المقيم، أو العقوبة بالعذاب الأليم، واستغنى عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله {لكم} فإنه يشعر بالمحذوف، وإنما أوجز هنا في خطاب اليهود؛ لأنه يحكي عن شيء يعرفونه في أنفسهم، وقد أوضح المراد بقوله: {خالصة من دون الناس} والخالصة: هي السالمة من الشوائب.
قال الأستاذ الإمام: فسر مفسرنا (الجلال) الخالصة بالخاصة. وقالوا: إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح، والتخصيص مفهوم من قوله: {من دون الناس} يقول: إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وأنكم شعب الله المختار؛ فلن تمسكم النار إلا أياما معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه، فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين؛ إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها. والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشيء توده وتحب المصير إليه. وروي عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب، وهو غير معروف عن غيره من العرب. ولعله فسره باللازم؛ فإن من تمنى شيئا طلبه بالقول أو الفعل أو بهما. وقد روي عن كثير من الصحابة - عليهم رضوان الله - تمني الموت عند القتال وبعد القتال، يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد الله للمؤمنين في الدار الآخرة.
أقول: تفسير التمني بلازمه القولي كما نقل عن ابن عباس أو العملي كالتعرض للقتل في سبيل الإيمان كما نقل عن غيره يدفع إيراد من يقول: إذا كان المراد بالتمني تمني النفس فلا يظهر صدق قوله - تعالى - في الآية التي بعد هذه الآية: {ولن يتمنوه} وقد ظهر صدقها على الوجه الأول، فلم يتمن أحد من المخاطبين الموت، وقد ورد أنهم لو تمنوا الموت لماتوا - رواه البخاري. وما قاله الأستاذ الإمام في تفسير التمني بحقيقته يدفع كل إيراد؛ فقد قال: إن الكلام حجة على مدعي الإيمان، واستحقاق ما أعده الله لأهله في الآخرة تقنعهم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم، وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة، ويبذلون أرواحهم في سبيل الله بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضي بذلها، وإما كاذبون فيها، وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة. وليس المراد به الحجة الإلزامية أمام الناس؛ ولذلك كانت العبرة في الآية عامة، فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود، ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانا يزنون به دعواهم، اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه؛ لأن الله أنزلها لذلك.
لو كان المراد بقوله: {ولن يتمنوه أبدا} أنهم لم يقولوا: يا ليتنا نموت، أو كلمة هذا معناها لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتعجيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم، ولكان ذلك من الخوارق الكونية، ولما صح تعليل نفي التمني بقوله: {بما قدمت أيديهم} فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هم أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة، لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني، وإن كذبا - وكثيرا ما كانوا يكذبون - وقد أسند الفعل إلى الأيدي؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بها؛ ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقا، وقد ختم الآية بقوله: {والله عليم بالظالمين} ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم، وأن غيرهم من الشعوب محروم منها، وأن كل من كان مثلهم مفتانا على الله - تعالى - فهو ظالم مثلهم.
ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض والفناء في حب البقاء، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، فقال: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} كذلك كانوا وكذلك هم الآن. والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء الله، وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل، يحاجهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويشاغبونه ويجاحدونه، معتزين بشعبهم مغترين بكتابهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط. ونكر الحياة للتحقير، كأنه يقول: إنهم شديدو الحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء. ثم خص طائفة من الناس بالذكر، عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمني طول البقاء في الدنيا؛ لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها، فقال: {ومن الذين أشركوا} أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، ثم بين مثالا من هذا الحرص مستأنفا فقال: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} أي يتمنى لو يعمره الله ويبقيه ألف سنة، أو أكثر، فإن لفظ الألف عند العرب منتهى أسماء العدد، فيعبر به عن المبالغة في الكثرة؛ لأنه يعرف من نفسه أنه مخالف لكتابه، ويتوقع سخط الله وعقابه فيرى أن الدنيا على ما فيها من المنغصات خير له من الآخرة وما يتوقعه فيها. قال - تعالى -: {وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} أي وما تعميره الطويل بمزحزحه، أي منحيه ومبعده عن العذاب المعد له ولأمثاله، فإنه ميت مهما طال عمره، وكل ماله حد فهو منته إليه {والله بصير بما يعملون} لا تخفى عليه خافية من أمرهم، ولو عرفوه حق معرفته لعلموا أن طول العمر لا يخرجهم من قبضته ولا ينجيهم من عقوبته؛ فإن المرجع إليه، والأمر كله بيديه.
ومن مباحث اللفظ أن الضمير في قوله: {وما هو} مبهم يفسره ما بعده كما اختاره الأستاذ الإمام وأكثر المفسرين على أن " ما " حجازية والضمير العائد على {أحدهم} اسمها، و {بمزحزحه} خبرها، والباء زائدة في الإعراب، و {أن يعمر} فاعل مزحزحه.