التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٤٢
يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ
٤٣
ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
٤٤
-آل عمران

تفسير المنار

قوله -تعالى-: {وإذ قالت الملائكة} يامريم معطوف على قوله: {إذ قالت امرأة} عمران متعلق بقوله قبله: والله سميع عليم هذا الخطاب ليس بشرع خصت به، وإنما هو إلهام بمكانتها عند الله ربما يجب عليها من الشكر بدوام القنوت والصلاة، ومن اعتقد أنه مكرم اجتهد في المحافظة على كرامته وتباعد أشد التباعد عن كل ما ينقص منها، فقول الملائكة لها: {إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} قد زادها - بمقتضى سنة الفطرة - تعلقا بالكمال كما زادها روحانية بتأثير تلك الأرواح الطيبة التي أمدت روحها الطاهرة، والاصطفاء الأول هو قبولها محررة لخدمة الله في بيته وكان ذلك خاصا بالرجال، والتطهير قد فسر بعدم الحيض، وبذلك كانت أهلا لملازمة المحراب وهو أشرف مكان في المعبد. وروي أن السيدة فاطمة الزهراء ما كانت تحيض وأنها لذلك لقبت بالزهراء. وقال الجلال: إنه التطهير من مسيس الرجال، واختار الأستاذ الإمام حمله على ما هو أعم من هذا وذاك، أي طهرك مما يستقبح كسفساف الأخلاق وذميم الصفات وغير ذلك. والاصطفاء الثاني ما اختصت به من خطاب الملائكة وكمال الهداية. وقال الأستاذ الإمام: هو جعلها تلد نبيا من غير أن يمسها رجل، فهو على هذا اصطفاء لم يكن قد تحقق بالفعل بل بالإعداد والتهيئة. وبحثوا هنا في قوله: {على نساء العالمين} هل المراد به عالمو زمانها - كما يقال أرسطو أعظم الفلاسفة ويفهم منه فلاسفة زمانه أو أمته - أم جميع العالمين. وفي الأحاديث إن أفضل النساء مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن -.
{يامريم اقنتي لربك} أي الزمي طاعته مع الخضوع له {واسجدي واركعي مع الراكعين} السجود: التطامن والتذلل. والركوع: الانحناء، ويستعمل في لازمه وسببه، وهو التواضع والخشوع في العبادة أو غيرها، وركوعها مع الراكعين عبارة عن صلاتها مع المصلين في المعبد وقد كانت ملازمة لمحرابه كما تقدم. وقد أطلق الركوع والسجود في صلاتنا على العمل المعلوم وهو استعمال للفظ في حقيقته ومجازه إذ الدين يطالبنا بالخشوع واستشعار التواضع في هذا الانحناء والتطامن، ولم تكن صلاة اليهود كصلاتنا في أعمالها وصورتها، ولكنهم طولبوا فيها بمثل ما طولبنا من الخشوع والتذلل لله -تعالى-.
{ذلك} من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ذلك الذي قصصناه عليك يا محمد من أخبار مريم وزكريا {من أنباء الغيب} لم تشهده أنت ولا أحد من قومك، ولم تطلع على شيء منه في الكتاب وإنما نحن {نوحيه إليك} بإنزال الروح الأمين الذي خاطب مريم وزكريا بما خاطبهما به على قلبك، وإلقائه في روعك خبر ما وقع بين بني إسرائيل في ذلك وغير ذلك، فضمير نوحيه راجع إلى الغيب {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم} أي قداحهم المبرية، فالسهام والأزلام التي يضربون بها القرعة ويقامرون تسمى أقلاما {أيهم يكفل مريم} أي يستهمون بهذه الأقلام ويقترعون على كفالة مريم، حتى قرعهم زكريا فكان كافلها {وما كنت لديهم إذ يختصمون} في ذلك ولم يتفقوا على كفالتها إلا بعد القرعة.
قال الأستاذ الإمام: أعقب هذه القصة بهذه الآية الناطقة بأنها من أنباء الغيب، وأخر خبر إلقاء الأقلام لكفالة مريم وذكره في سياق نفي حضور النبي -صلى الله عليه وسلم- مجلس القوم وشهود ما جرى منهم، ولا بد لهذه العناية من نكتة، وقد قالوا في بيانها: إن كونه -صلى الله عليه وسلم- لم يقرأ أخبار القوم ولم يروها سماعا عن أحد معلوم عند منكري نبوته، فلم يبق له طريق للعلم بها إلا مشاهدتها، فنفاها تهكما بهم، وبذلك تعين أنه لم يبق له طريق لمعرفتها إلا وحي الله -تعالى- إليه بها. وهذا الجواب منقوض وإن اتفق عليه من نعرف من المفسرين، وذلك أن القرآن نطق بأنهم قالوا:
{ إنما يعلمه بشر } [النحل: 103] { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها } [الفرقان: 5] قال: والصواب أن النكتة في النص على نفي حضور النبي القوم إذ يلقون أقلامهم - أي بعد النص على كون القصة من أنباء الغيب - هي أن هذه المسألة لم تكن معلومة عند أهل الكتاب فيكون للمنكرين شبهة على أنه أخذها عنهم. أقول: يرد على هذا قوله -تعالى- في آخر قصة يوسف: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } [يوسف: 102] وإذا كان بعض المجاحدين قد ادعوا أنه يعلمه بشر، فهذه الدعوى قدرها القرآن بقوله: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103] ورد أنهم قالوا هذا إذ رأوه يقف على قين (حداد) رومي بمكة، وذلك القين لم يكن يحسن العربية، وأنى للقين بمثل هذا العلم عرف العربية أم لم يعرفها؟ فالقرآن لا يعتد بتلك الشبهة؛ إذ الأمي الناشئ بين الأميين لا يمكن أن يتلقى أخبار الأولين من حداد ولا من عالم كحبر أو راهب بمجرد وقوفه عليه أو اجتماعه به، ولو أمكن ذلك عادة أو عقلا لما كان لعاقل أن يثق بحفظ ذلك القين - أو غير القين - وبأمانته ولا يختلف أحد من المنكرين لنبوته -صلى الله عليه وسلم- في كمال عقله وسمو إدراكه وفطنته، ولا شك في أن إتيانه في هذه القصص بما لا يعرفه أهل الكتاب مما يؤكد دفع تلك الشبهة الواهية، ويدعم ذلك الأصل الراسخ وهو كونه -صلى الله عليه وسلم- أميا نشأ بين أميين لا علم لهم بأخبار الأنبياء مع أممهم؛ كما قال في سورة هود بعد ذكر قصة نوح - عليه السلام -: { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } [هود: 49] وقد سمع كفار قريش هذه الآية وسائر سورتها ولم يقل أحد منهم بل كنا نعلمها، ومثل هذا قوله بعد ذكر قصة موسى وشعيب في سورة القصص: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } [القصص: 44] إلى آخر الآيات الثلاث. أما المجاحدون من أهل الكتاب لا سيما دعاة النصرانية في هذا الزمان، فهم يقولون فيما وافق القرآن به كتبهم إنه مأخوذ منها بدليل موافقته لها، وفيما خالفها إنه غير صحيح بدليل أنه خالفها، وفيما لم يوافقها ولم يخالفها به إنه غير صحيح لأنه لم يوجد عندنا، وهذا منتهى ما يكابر به مناظر مناظرا، وأبطل ما يرد به خصم على خصم. ويقول المسلمون: إننا نحتج على أن ما جاء به القرآن هو الحق بما قام من الأدلة على نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- مع حفظ كتابه، ونقله بالتواتر الصحيح، ومن تلك الدلائل التي يشتمل عليها القرآن معرفة قصص الأنبياء ومن كونه أميا لم يتعلم شيئا - كما تقدم - فهي دليل على صحة نفسها، وما جاء فيها مخالفا لما في الكتب السابقة نعده مصححا لما وقع فيها من الغلط والنسيان بانقطاع أسانيدها حتى أن أعظمها وأشهرها كالأسفار المنسوبة إلى موسى - عليه السلام - لا يعرف كاتبها ولا زمن كتابتها ولا اللغة التي كتبت بها أولا، وقد تقدم الإلماع إلى ذلك من قبل.