التفاسير

< >
عرض

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٥٩
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ
٦٠
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ
٦١
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦٢
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ
٦٣
-آل عمران

تفسير المنار

أقول: بعد أن بين -سبحانه- خلق عيسى ومجيئه بالآيات وما كان من أمر قومه في الإيمان والكفر به، كشف شبهة المفتونين بخلقه على غير السنة المعتادة والمحاجين فيه بغير علم، ورد على المنكرين لذلك فقال: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} أي إن شبه عيسى وصفته في خلق الله إياه على غير مثال سبق كشأن آدم في ذلك، ثم فسر هذا المثل بقوله: {خلقه من تراب} أي قدر أوضاعه وكون جسمه من تراب ميت أصابه الماء فكان طينا لازبا ذا لزوجة {ثم قال له كن فيكون} أي ثم كونه تكوينا آخر بنفخ الروح فيه. وقد تقدم تفسير العبارة إلا أنه كان الظاهر أن يقول هنا: (ثم قال له كن فكان). ولكنه قال: فيكون لتصوير الحال الماضية، كما يقول أهل المعاني في وضع المضارع موضع الماضي أحيانا. وخطر لي الآن أنه يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع {كن فيكون} والمعنى: ثم قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالا، ويظهر هذا في مثل قوله -تعالى-: { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } [الأنعام: 73] ولو كان القول للتكليف لم يظهر هذا؛ لأن قول التكليف من صفة الكلام، وقول التكوين من صفة المشيئة، ولعل من تأمله حق التأمل لا يجد عنه منصرفا. والعطف بـ (ثم) لبيان التكوين الآخر يفيد تراخيه وتأخره عن الخلق الأول، وهل كان في هذه المدة على صفة واحدة أو تقلب في أطوار مختلفة كما تتقلب ذريته؟ اقرأ قوله -تعالى-: { وقد خلقكم أطوارا } [نوح: 14] وقوله -عز وجل-: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } [المؤمنون: 12 - 16] فالسلالة المستخرجة من الطين: هي المكون الأول الذي يعبرون عنه بلسان العلم الآن بـ " البروتوبلازما "، ومنها تكون أصلنا في ذلك الطور؛ لأنه -تعالى- يقول: إنه خلقه من تلك السلالة، ثم انتقل إلى طور التولد بواسطة النطفة في القرار المكين وهو الرحم ثم انتقل إلى طور تحول النطفة إلى علقة والعلقة إلى مضغة والمضغة إلى هيكل من العظام يكسى لحما، وقد عد هذا طورا واحدا، ثم أنشأه خلقا آخر وهو الطور الأخير، ثم ذكر أن له طورا آخر في الموت وطورا آخر في البعث وهو آخر أطواره، فكل طور من الأطوار التي قبل الموت حادث، وحدوثه لأول مرة لم يكن مسبوقا بنظير ولم يكن معتادا، وإنما وجد بمشيئة الله وتكوينه المعبر عنه بقوله: كن فيكون فهل يعز على صاحب هذه المشيئة أن يخلق عيسى من غير أب؟ كلا، ولا يعجزه أن يبعث الناس بعد موتهم في نشأة أخرى كالنشأة الأولى.
وقال الأستاذ الإمام ما مثاله: قلنا إن هذه الآيات سيقت في معرض إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ببيان أن لله -تعالى- أن يصطفي من عباده من يشاء لرسالته، وأنه مستقل في أفعاله، فلا وجه لإنكار اصطفائه محمدا، وقد اصطفى قبله آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران، ثم جاء في السياق ذكر قصة عيسى وأمه وما جاء به، وما كان من كفر بعض قومه به ورمي أمه بالزنا، وإيمان بعض، وهناك قسم ثالث لم يكفر بعيسى ولم يؤمن به إيمانا صحيحا بل افتتن به افتتانا لكونه ولد من غير أب، وزعموا أن معنى كونه ولد بكلمة من الله وكونه من روح الله أن الله -تعالى- حل في أمه، وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إلها وإنسانا، فضرب للكافرين وللمفتونين مثل خلق آدم من تراب، وهو حجة على الفريقين من اليهود والنصارى، ولا شك أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى؛ لأن هذا خلق من حيوان من نوعه وذاك قد خلق من التراب، وفي الكلام إرشاده إلى أن أمر الخليقة يشبه بعضه بعضا، فكله غريب بالنسبة إلينا إذا تفكرنا في حقيقتها وعللها، ولا شيء منه بغريب عند الموجد المبدع، أما القوانين المعروفة في علم الخليقة فهي قد استخرجت مما نعهده ونشاهده، وليست قوانين عقلية قامت البراهين على استحالة ما عداها، كيف وإننا نرى في كل يوم ما يخالفها كالحيوانات التي لها أعضاء زائدة والتي تولد من غير جنسها، وترون ذكر ذلك في الجرائد ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة، وهو إنما خالف ما نعرف لا ما يعلم الله -تعالى-، وما يدرينا أن لكل هذه الشواذ والفلتات سننا مطردة محكمة لم تظهر لنا، وكذلك شأن خلق عيسى، فكونه على غير المعهود ليس مزية تقتضي تفضيله عليهم، فكيف تقتضي أن يكون إلها؟ وإذا كان عيسى قد خلق من بعض جنسه فآدم قد خلق من غير جنسه، فهو أولى بالمزية لو كانت، وبالإنكار إن صح، على أن ما نعرف من أمر الخلقة ليس لنا منه إلا الظاهر، نصفه ونقول به وإن لم نعقله، وماذا نعقل من الرابطة بين الحس والنطق في الإنسان مثلا؟ بل ماذا نعقل من أمر حبة الحنطة في نبتها واستوائها على سوقها وتناسب أوراقها وغير ذلك؟
ذلك {الحق من ربك} الذي خلق عيسى وغيره وبيده ملكوت كل شيء {فلا تكن من الممترين} في أمره، القائلين فيه بغير علم، فقد جاءك علم اليقين.
{فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل} لهم قولا يظهر علمك الحق وارتيابهم الباطل {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل} يقال: ابتهل الرجل دعا وتضرع، والقوم تلاعنوا، وفسر الابتهال هنا بقوله: {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} وتسمى هذه الآية آية المباهلة، وقد ورد من عدة طرق: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا نصارى نجران للمباهلة فأبوا. أخرج البخاري ومسلم:
"أن العاقب والسيد أتيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا. فقال له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا فقال: قم يا أبا عبيدة، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة" وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس: " أن ثمانية من نصارى نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب والسيد، فأنزل الله -تعالى-: {فقل تعالوا} الآية. فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى قريظة والنضير وبني قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وقالوا: هو النبي الذي نجده في التوراة، فصالحوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ألف حلة في صفر وألف في رجب ودراهم "وروي في الصلح غير ذلك، ومنها أنهم صالحوه على الجزية، "وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديهما - عليهم السلام والرضوان -، وخرج بهم وقال: إن أنا دعوت فأمنوا أنتم" وفي رواية لمسلم والترمذي وغيرهما عن سعد قال: " لما نزلت هذه الآية فقل تعالوا دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال: "اللهم هؤلاء أهلي" وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه فقل تعالوا ندع أبناءنا الآية: قال: " فجاء بأبي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده " والظاهر أن الكلام في جماعة المؤمنين.
قال الأستاذ الإمام: الروايات متفقة على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديهما ويحملون كلمة ونساءنا على فاطمة وكلمة وأنفسنا على علي فقط، ومصادر هذه الروايات الشيعة ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة ونساءنا لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي - عليه الرضوان -، ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم، وكل ما يفهم من الآية أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعوا المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا ونساء وأطفالا، ويجمع هو المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا، ويبتهلون إلى الله -تعالى- بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول، كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون وكونهم على غير بينة ولا يقين، وأنى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله -تعالى- في طلب لعنه وإبعاده من رحمته، وأي جراءة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟
قال: أما كون النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى عليه السلام - فحسبنا في بيانه قوله -تعالى-: {من بعد ما جاءك من العلم} فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين، وفي قوله: ندع أبناءنا وأبناءكم إلخ وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر، فأنتم تدعون أبناءنا ونحن ندعو أبناءكم، وهكذا الباقي. وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله، فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وأنتم كذلك، ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص.
أقول: وفي الآية ما ترى من الحكم بمشاركة النساء للرجال في الاجتماع للمباراة القومية والمناضلة الدينية، وهو مبني على اعتبار المرأة كالرجل حتى في الأمور العامة إلا ما استثني منها، ككونها لا تباشر الحرب بنفسها بل يكون حظها من الجهاد خدمة المحاربين كمداواة الجرحى، وقد علمنا مما تقدم أن الحكمة في الدعوة إلى المباهلة هي إظهار الثقة بالاعتقاد واليقين فيه، فلو لم يعلم الله أن المؤمنات على يقين في اعتقادهن كالمؤمنين لما أشركهن معهم في هذا الحكم، فأين هذا من حال نسائنا اليوم ومن اعتقاد جمهورنا فيما ينبغي أن يكن عليه؟ لا علم لهن بحقائق الدين ولا بما بيننا وبين غيرنا من الخلاف والوفاق، ولا مشاركة للرجال في عمل من الأعمال الدينية ولا الاجتماعية، فهل فرض الإسلام على نساء الأغنياء - لا سيما في المدن - ألا يعرفن غير التطرس والتطرز والتورن وعلى نساء الفقراء - لا سيما في القرى والبوادي - أن يكن كالأتن الحاملة والبقر العاملة؟ وهل حرم على هؤلاء وأولئك علم الدنيا والدين، والاشتراك في شيء من شئون العالمين؟ كلا بل فسق الرجال عن أمر ربهم، فوضعوا النساء في هذا الموضع بحكم قوتهم، فصغرت نفوسهن، وهزلت آدابهن، وضعفت ديانتهن. ونحفت إنسانيتهن، وصرن كالدواجن في البيوت، أو السوائم في الصحراء، أو السواني على السواقي والآبار، أو ذوات الحرث في الحقول والغيطان، فساءت تربية البنين والبنات، وسرى الفساد الاجتماعي من الأفراد إلى الجماعات فعم الأسر والعشائر والشعوب والقبائل، لبث المسلمون على هذا الجهل الفاضح أحقابا، حتى قام فيهم اليوم من يعيرهم باحتقار النساء واستبعادهن، ويطالبونهم بتحريرهن ومشاركتهن في العلم والأدب وشئون الحياة، منهم من يطالب بهذا اتباعا لهدي الإسلام وما جاء به من الإصلاح، ومنهم من يطالب به تقليدا لمدنية أوربا، وقد استحسنت الدعوة الأولى بالقول دون العمل، وأجيبت الدعوة الأخرى بالعمل على ذم الأكثرين لها بالقول، فأنشأ المسلمون يعلمون بناتهم القراءة والكتابة وبعض اللغات الأوروبية والعزف بآلات اللهو وبعض أعمال اليد كالخياطة والتطريز، ولكن هذا التعليم لا يصحبه شيء من التربية الدينية ولا من إصلاح الأخلاق والعادات بل هو من عامل الانقلاب الاجتماعي الذي تجهل عاقبته.
{إن هذا لهو القصص الحق} في شأن المسيح، وما عداه من قول القائلين له إنه ولد زنا، وقول الغالين فيه: إنه الله أو ابن الله فباطل {وما من إله إلا الله} الذي خلق كل شيء وليس كمثله شيء، فأي معنى تتصورون من معاني الألوهية فهو له وحده {وإن الله لهو العزيز الحكيم} لا يساويه أحد في عزته في ملكه، ولا يساميه مسام في حكمته في خلقه فيكون شريكا له في ألوهيته، أو ندا في ربوبيته، وما الولد إلا نسخة من الوالد يساويه في جنسه ونوعه، وهو -تعالى- فوق الأجناس والأنواع وفوق التصورات والأوضاع.
{فإن تولوا} ولم يجيبوا الدعوة إلى المباهلة ولم يقبلوا عقيدة التوحيد الخالص فإن الله عليم بالمفسدين لعقائد الناس بإصرارهم على الباطل تقليدا محضا لا برهان يؤيده ولا بصيرة تعضده، وإفساد العقائد إفساد للعقل، وهو رأس كل فساد