التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٢٣
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً
١٢٤
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
١٢٥
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً
١٢٦
-النساء

تفسير المنار

روى غير واحد عن مجاهد أنه قال: قالت العرب لا نبعث ولا نحاسب، وقالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات فأنزل الله {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به}.
وعن مسروق قال: احتج المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم فأنزل الله هذه الآية.
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} إلى قوله: {ومن أحسن دينا} الآية، فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.
وعن السدي: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم ونبينا قبل نبيكم ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم ونبينا بعد نبيكم وديننا بعد دينكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فرد الله عليهم قولهم فقال: {ليس بأمانيكم} إلخ.
وعن الضحاك وأبي صالح نحو ذلك، بل روى ابن جرير نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكروا أن الآيات الثلاث نزلت في ذلك.
الأستاذ الإمام: يقال في سبب النزول أنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم: إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنا به أن يعمل بما يهديه إليه، فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطا بأمانيهم في دينهم. فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل.
قال: والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح؛ لأن قوله تعالى: {يعدهم ويمنيهم} في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورا بدينهم، إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص، ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون.
وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم.
وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله تعالى في سورة الحديد:
{ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } [الحديد: 16] الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان، والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يئول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان، فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها، وقد روي حديث عن الحسن "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل" وقال الحسن: "إن قوما غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملوءون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل".
ثم ذكر الأستاذ الإمام بعد هذا حال مسلمي هذا العصر في غرورهم وأمانيهم ومدح دينهم وتركهم العمل به وبين أصنافهم في ذلك.
ومما قاله: إن كثيرا من الناس يقولون تبعا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟ أي دين أرشد إرشاده؟ أي شرع كشرعه في كماله؟ ولو سئل الواحد منهم: ماذا فعل الإسلام وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟ لا يحير جوابا وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر، وقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين، انتهى ما قاله الأستاذ الإمام بإيضاح لبعض الجمل واختصار في بيان ضروب الغرور وأصناف المغترين.
{من يعمل سوءا يجز به} هذا بيان من الله لحقيقة الأمر في المسألة، فإنه لما نفى أن يكون الأمر منوطا بالأماني والتشبيهات وغرور الناس بدينهم، كان من يسمع هذا النفي جديرا بأن يتشوف إلى استبانة الحق والوقوف على حكم الله فيه، ويجعله موضوع السؤال، فبينه عز وجل بصيغة العموم.
والمعنى أن كل من يعمل سوءا يلقى جزاءه؛ لأن الجزاء بحسب سنة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف في اتباع بعض الأنبياء وينزل بغيرهم كما يتوهم أصحاب الأماني والظنون فعلى الصادق في دينه المخلص لربه أن يحاسب نفسه على العمل بما هداه إليه كتابه ورسوله، ويجعله معيار سعادته لا كون ذلك الكتاب أكمل، وذلك الرسول أفضل، فإن من كان دينه أكمل تكون الحجة عليه في التقصير أقوى.
وقد روي في التفسير المأثور أن هذه الكلية العامة {من يعمل سوءا يجز به}، راعت أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وأخافته فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها وقال: من ينج مع هذا يا رسول الله؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"أما تحزن، أما تمرض، أما يصيبك البلاء؟ قال بلى يا رسول الله، قال: هو ذاك" .
وأورد السيوطي في الدر المنثور أحاديث في الجزاء الدنيوي على الأعمال وجعلها تفسيرا للآية وبعض ما ورد في ذلك مطلق عام، ويؤخذ من بعضه أنه خاص بالمؤمنين أو كملتهم كأبي بكر، وهذا هو الذي مال إليه الأستاذ في الدرس.
وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل، علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها
{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } [الشورى: 30]، ومن ذلك التقصير ما هو معصية شرعية كشرب الخمر الذي هو علة أمراض كثيرة، ومنها ما ليس كذلك، ولما كان عمل السوء يدسي النفس ويدنس الروح كان سببا طبيعيا للجزاء في الآخرة، كما تكون الخمر سببا للجزاء في الدنيا بتأثيرها في الكبد والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي، بل والمجموع العصبي فهل يكون المرض الناشئ عن شرب الخمر كفارة للجزاء على شربها في الآخرة، ويكون ذلك داخلا في معنى كون مصائب الدنيا كفارات للذنوب، وأن من لم يصب بمرض ولا مصيبة بسبب ذنبه يعاقب عليه في الآخرة ويحرم من مثل هذه الكفارة كما إذا شرب الخمر مرة أو مرات لم تؤثر في بدنه تأثيرا شديدا؟ أم المصائب تكون كفارات للذنوب التي هي مسببة عنها ولغيرها مطلقا؟ وكيف ينطبق هذا التكفير على سنة الله في الجزاء الأخروي؟
الحق في المسألة أنه لا يشذ شيء عن سنن الله تعالى، وأن المصيبة في الدنيا إنما تكون كفارة في الآخرة إذا أثرت في تزكية النفس تأثيرا صالحا وكانت سببا لقوة الإيمان أو ترك السوء والتوبة منه لظهور ضرره في الدين أو الدنيا، أو الرغبة في عمل صالح بما تحدثه من العبرة، ومن شأن المؤمن المهتدي بكتاب الله تعالى أن يستفيد من المصائب والنوائب فتكون مربية لعقله ونفسه كما بيناه في التفسير وغير التفسير مرارا.
ولا يعقل أن تكون كل مصيبة كفارة لذنب أو لعدة ذنوب، بل ربما كانت المصيبة سببا لمضاعفة الذنوب واستحقاق أشد العذاب، كالمصائب التي تحمل أهل الجزع ومهانة النفس وضعف الإيمان - دع الكفر - على ذنوب لم يكونوا ليقترفوها لولا المصيبة، والكلام في الآية على جزاء الآخرة بالذات كما يدل عليه مقابله في الآية الأخرى.
أما قوله تعالى: {ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} فمعناه أن من يعمل السوء ويستحق الجزاء عليه بحسب سنن الله تعالى في تأثير عمل السوء تأثيرا تكون عاقبته شرا منه كما قال في سورة أخرى
{ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى } [الروم: 10]، لا يجد له وليا غير الله يتولى أمره ويدفع الجزاء عنه، ولا نصيرا ينصره وينقذه مما يحل به، لا من الأنبياء الذين تفاخر ويتفاخر أصحاب الأماني بالانتساب إليهم ولا من غيرهم من المخلوقات التي اتخذها بعض البشر آلهة وأربابا، لا على معنى أنها هي الخالقة، بل على معنى أنها شافعة وواسطة، فكل تلك الأماني في الشفعاء كأضغاث الأحلام، برق خلب وسحاب جهام، وإنما المدار في النجاة على الإيمان والأعمال كما صرح به فقال:
{ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}، أي: كل من يعمل ما يستطيع عمله من الصالحات - أي الأعمال التي تصلح بها النفوس في أخلاقها وآدابها وأحوالها الشخصية والاجتماعية سواء كان ذلك العامل ذكرا أو أنثى - خلافا لبعض البشر الذين حقروا شأن الإناث فجعلوهن في عداد العجماوات لا في عداد الناس، من يعمل ما ذكر من الصالحات وهو متلبس بالإيمان مطمئن به، فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم، ويكونون مظهر فضل الله تعالى وكرمه، ومحل إحسانه ورضوانه، ولا يظلمون من أجور أعمالهم شيئا ما، أي لا ينقصون شيئا وإن كان بقدر النقير وهو النكتة التي تكون في ظهر النواة وهي ثقبة صغيرة وتسمى نقرة كأنها حصلت بنقر منقار صغير، ويضرب بها المثل في القلة لا ينقصون شيئا بل يزيدهم الله من فضله.
ولا يعارض هذه الآية والآيات الكثيرة التي بمعناها حديث
"لن يدخل أحدكم الجنة عمله" إلخ؛ لأن معناه أن الإنسان مهما عمل من الصالحات لا يستحق على عمله تلك الجنة العظيمة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إلا بفضل الله الذي جعل الجزاء الكبير على عمل قليل، وهو الذي هدى إليه، وأقدر عليه.
وقد قدم هنا ذكر العمل على ذكر الإيمان؛ لأن السياق في خطاب قوم مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله قد قصروا في الأعمال واغتروا بالأماني ظانين أن مجرد الانتساب إلى أولئك الرسل والإيمان بتلك الكتب، هو الذي يجعلهم من أهل جنة الله، وأكثر الآيات يقدم فيها ذكر الإيمان على ذكر العمل لورودها في سياق بيان أصل الدين، ومحاجة الكافرين، والإيمان في هذا المقام هو الأصل المقدم والعمل أثره وممده، ومن الحديث في معنى الآية
"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله" قال الحاكم على شرط البخاري.
هذا وإن في هاتين الآيتين من العبرة والموعظة ما يدك صروح الأماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية، وظنوا أن الله العزيز الحكيم يحابي من يسمي نفسه مسلما، ويفضله على من يسميها يهوديا أو نصرانيا بمجرد اللقب، وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعلم والعمل.
ومتى يرجع هؤلاء إلى هدي كتابهم الذي يفخرون به، ويبنون قصور أمانيهم على دعوى اتباعه؟ وقد نبذوه وراء ظهورهم، وحرموا الاهتداء به على أنفسهم؛ لأن بعض المعممين سموا الاهتداء به من الاجتهاد الذي أقفل دونهم بابه، وانقرض في حكمهم أربابه، ولا تلازم بين الاهتداء بالقرآن، والقدرة على استنباط ما تحتاج إليه الأمة من الأحكام، فقد كان عامة أهل الصدر الأول من هؤلاء المهتدين، ولم يكونوا كلهم أئمة مستنبطين، وقد يقدر على الاستنباط من لم يكن قائما على هذا الصراط، فيا أهل القرآن! لستم على شيء حتى تقيموا القرآن، وتهتدوا بهديه في الإيمان والأعمال، وتبذلوا في سبيله الأنفس والأموال وإلا فقد رأيتم ما حل بكم بعد ترك هدايته من الخزي والنكال، وضياع الملك وسوء الحال فإلى متى هذا الغرور والإهمال، وحتام تتعللون بالأماني وكواذب الآمال؟
هذا ومن أراد زيادة البصيرة في غرور المسلمين بدينهم على تقصيرهم في العمل به وفي نشره والدعوة إليه فليراجع كتاب الغرور في آخر الجزء الثالث من كتاب الإحياء للغزالي ولولا أنني الآن حلف أسفار، لا يقر لي في بلد قرار، لأطلت بعض الإطالة في بيان الغرور والمغترين، والأماني والمتمنين، إثارة لكوامن العبرة واستدرارا لبواخل العبرة، وليس عندي في هذه الآية شيء من الأستاذ الإمامرحمه الله تعالى.
ولما بين تعالى أن أمر النجاة بل السعادة منوط بالعمل والإيمان معا، أتبع ذلك بيان درجة الكمال في ذلك وهو الدين القيم فقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن}، أي: لا أحد أحسن دينا ممن جعل قلبه سلما خالصا لله وحده لا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، ولا يجعل بينه وبينه حجابا من الوسطاء والحجاب، بل يكون موحدا صرفا لا يرى في الوجود إلا الله وآثار صفاته وسننه في ربط الأسباب بالمسببات، فلا يطلب شيئا إلا من خزائن رحمته، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلا من أبوابها وهي السنن والأسباب ولا يدعو معه ولا من دونه أحدا في تيسير هذه الأسباب، وتسهيل الطرق وتذليل الصعاب.
وهو مع هذا الإيمان الخالص، والتوحيد الكامل محسن في عمله، متقن لكل ما يأخذ به، متخلق بأخلاق الله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء صنعه {واتبع ملة إبراهيم حنيفا}، أي: واتبع في دينه ملة إبراهيم حنيفا أي: حال كونه حنيفا مثل إبراهيم، أو حال كون إبراهيم حنيفا، أي: اتبعه في حنيفيته، التي كان عليها، وهي ميله عن الوثنية وأهلها وتبرؤه مما كان عليه أبوه وقومه منها،
{ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } [الزخرف: 26 - 28]، أي: جعل البراءة من الشرك ونزغاته وتقاليده والاعتصام بالتوحيد الخالص كلمة باقية في عقبه يدعو إليها النبيون والمرسلون منهم.
الأستاذ الإمام: تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته، وذكر حظ الشيطان منهم وإشغالهم بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني، وإنما هو بالعمل والإيمان.
وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبين أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل.
وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك. وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد، ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة، وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة.
فإسلام الوجه لله هو تركه له، بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان، وأما الإحسان فهو إحسان العمل - خلافا للجلال فيهما إذا عكس - واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر: ما أشار إليه في قوله عز وجل
{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [الشورى: 13]، فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق، وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله.
{واتخذ الله إبراهيم خليلا}، أي: اصطفاه لتوحيده وإقامة دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصا مخلصا لله وبهذا المعنى سماه الله خليلا، وإذا أراد الله أن يكرم عبدا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه، فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما، وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط اهـ.
أقول: يطلق الخليل بمعنى الحبيب أو المحب لمن يحبه إذا كانت هذه المحبة خالصة من كل شائبة بحيث لم تدع في قلب صاحبها موضعا لحب آخر، وهو من الخلة - بالضم - أي المحبة والمودة التي تتخلل النفس وتمازجها كما قال الشاعر:

قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا

والله يحب الأصفياء من عباده ويحبونه، وقد كان إبراهيم كامل الحب لله؛ ولذلك عادى أباه وقومه وجميع الناس في حبه تعالى والإخلاص له، وقيل: إن الخليل هنا مشتق من الخلة - بفتح الخاء - وهي الحاجة؛ لأن إبراهيم ما كان يشعر بحاجته إلى أحد غير الله عز وجل حتى قال في الحاجات العادية التي تكون بالتعاون بين الناس { الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين } [الشعراء: 78، 79]، والأول أظهر وأكمل.
والمراد بذكر هذه الخلة الإشارة إلى أعلى مراتب الإيمان التي كان عليها إبراهيم؛ ليتذكر الذين يدعون اتباعه من اليهود والنصارى والعرب ما كان عليه من الكمال، وما هم عليه من النقص؛ ولذلك ذكر أهل الأثر أن هذه الآية نزلت في سياق الرد على أولئك المتفاخرين بدينهم المتبجح كل منهم بأنه على ملة إبراهيم.
والمعنى: أن إبراهيم قد اتخذه الله خليلا بأن من عليه بسلامة الفطرة وقوة العقل وصفاء الروح وكمال المعرفة بالوحي والفناء في التوحيد، فأين أنتم من ذلك؟! ولا تكاد توجد كلمة في اللغة تمثل هذه المعاني غير كلمة الخليل، وأما لوازم هذه الكلمة في استعمال البشر التي هي خاصة بهم فينزه الله عنها بأدلة العقل والنقل، ثم قال عز وجل: {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا}، قال الأستاذ الإمام: ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد:
(إحداها) التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها، فإن له ما في السماوات والأرض خلقا وملكا، وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
(ثانيها): بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره؛ لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربه منه؟
(ثالثها): نفي ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلا كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السماوات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض.
فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني {وكان الله بكل شيء محيطا}، إحاطة قهر وتصرف وتسخير، وإحاطة علم وتدبير، قال الأستاذ الإمام: فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر، ويصح أن تكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها، وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى، فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود، فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده، ولا يشركوا به أحدا من خلقه.
(يقول محمد رشيد رضا مؤلف هذا التفسير): هذه الآيات كانت آخر ما فسره شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في الجامع الأزهر، فرضي الله عنه وجزاه عن نفسه وعنا خير الجزاء، وسنستمر في التفسير على هذه الطريقة التي اقتبسناها منه إن شاء الله تعالى وإن كنا محرومين في تفسير سائر القرآن من الفوائد والحكم التي كانت تهبط من الفيض الإلهي على عقله المنير إلا في الجزء الثلاثين، فإنه كتب له تفسيرا مختصرا مفيدا، وكان فراغه من تفسير هذه الآية في منتصف المحرم سنة 1323 هـ، وقد توفي شهر جمادى الأولى منهارحمه الله تعالى ونفعنا به، وكتبت تفسير هذه الآيات في مدينة بمبى أو (بومباي) من ثغور الهند في غرة ربيع الآخر سنة 1330 هـ والله أسأل أن يوفقني لإتمام هذا التفسير، إنه على ما يشاء قدير.