التفاسير

< >
عرض

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً
١٢٧
وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
١٢٨
وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
١٢٩
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً
١٣٠
-النساء

تفسير المنار

تقدم أن الكلام كان من أول السورة إلى ما قبل قوله تعالى: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } [النساء: 36]، في الأحكام المتعلقة بالنساء واليتامى والقرابة، ومن آية واعبدوا الله إلى آخر ما تقدم تفسيره في أحكام عامة أكثرها في أصول الدين وأحوال أهل الكتاب والمنافقين والقتال.
وقد جاءت هذه الآيات بعد ذلك في أحكام النساء فهي من جنس الأحكام التي في أول السورة، ولعل الحكمة في وضعها ها هنا تأخر نزولها إلى أن شعر الناس بعد العمل بتلك الآيات بالحاجة إلى زيادة البيان في تلك الأحكام، فإنهم كانوا يهضمون حقوق الضعيفين المرأة واليتيم كما تقدم، فأوجبت عليهم تلك الآيات مراعاتها وحفظها وبينتها لهم، وجعلت للنساء حقوقا ثابتة مؤكدة في المهر والإرث كالرجال وحرمت ظلمهن، وتعدد الزوجات منهن، مع الخوف من عدم العدل بينهن، وحددت العدد الذي يحل منهن في حال عدم الخوف من الظلم.
فبعد تلك الأحكام عرف النساء حقوقهن، وأن الإسلام منع الرجال الأقوياء أن يظلموهن، فكان من المتوقع بعد الشروع في العمل بتلك الأحكام أن يعرف الرجال شدة التبعة التي عليهم في معاملة النساء، وأن يقع لهم الاشتباه في بعض الوقائع المتعلقة بها، كأن تحدث بعضهم نفسه بأن يحل له أو لا يحل أن يمنع اليتيمة ما كتب الله لها من الإرث وهو يرغب أن ينكحها، ويشتبه بعضهم فيما يصالح امرأته عليه إذا أرادت أن تفتدي منه، ويضطرب بعضهم في حقيقة العدل الواجب بين النساء، هل يدخل فيه العدل في الحب أو في لوازمه العملية الطبيعية من زيادة الإقبال على المحبوبة والتبسط في الاستمتاع بها أم لا؟ كل هذا مما تشتد الحاجة إلى معرفته بعد العمل بتلك الأحكام، فهو مما كان يكون موضع السؤال والاستفتاء؛ فلهذا جاء بهذه الآيات بعد طائفة من الآيات وطائفة من الزمان.
وقد علمنا من سنة القرآن عدم جمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد في سياق واحد؛ لأن المقصد الأول من القرآن هو الهداية بأن تكون تلاوته عظة وذكرى وعبرة ينمى بها الإيمان والمعرفة بالله عز وجل، وبسنته في خلقه، وحكمته في عبادته، ويقوي بها شعور التعظيم والحب له، وتزيد الرغبة في الخير والحرص على التزام الحق، ولو طال سرد الآيات في موضع واحد، ولا سيما موضوع أحكام المعاملات البشرية، لمل القارئ لها في الصلاة وغير الصلاة، أو غلب على قلبه التفكر في جزئياتها ووقائعها، فيفوت بذلك المقصد الأول، والمطلوب الذي عليه المعول، وحسب طلاب الأحكام المفصلة فيه أن يرجعوا إليها عند الحاجة في الآيات المتفرقة، والسور المتعددة، ولا يجعلوها هي الأصل المقصود من التلاوة في الصلاة وللتعبد في غير الصلاة، فإن الأصل الأول هو ما علمت.
أما قوله تعالى: {ويستفتونك في النساء}، فمعناه يطلبون منك أيها الرسول الفتيا في شأنهن، وبيان المشكل والغامض عليهم في أحكامهن، من حيث الحقول المالية والزواج لأجلها والنشوز والخصام والصلح والعدل والعشرة والفراق، ويدل على ذلك كله الجواب في الآيات الأربع، وهو من إيجاز القرآن البديع، وغفل عن هذا من قال: إن المراد " يستفتونك في ميراثهن "، لما روي في سبب نزولها من أن عيينة بن حصن قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: بلغنا أنك تعطي البنت والأخت النصف وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال - صلى الله عليه وسلم -:
"بذلك أمرت" .
فيا لله للعجب! كيف يغفل أمثال هؤلاء الأذكياء بمثل هذه الرواية عما تدل عليه الآيات الواردة في موضوع واحد هو استفتاء وفتوى فيقطعونها إربا إربا، ويجعلونها جذاذا وأفلاذا لا صلة بينها، ولا جامعة تضمها؟
وروي عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح أن الآية نزلت في بنات أم كحة وميراثهن عن أبيهن، وعن عائشة أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من مهر مثلها، وإذا كان مرغوبا عنها لقلة مالها وجمالها تركها، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وقد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها لدمامتها، ويكره أن يزوجها غيره حتى لا يذهب بمالها، فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله عن ذلك، وقد تقدم هذا في أول السورة.
{قل الله يفتيكم فيهن}، بما ينزله من الآيات في أحكامهن بعد هذا الاستفتاء وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان، أي: ويفتيكم في شأنهن ما يتلى عليكم في الكتاب مما نزل قبل هذا الاستفتاء في أحكام معاملة يتامى النساء اللاتي جرت عادتكم ألا تعطوهن ما كتب لهن من الإرث إذا كان في أيديكم لولايتكم عليهن، وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن والتمتع بأموالهن، أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن، فلا تنكحونهن، ولا تنكحونهن لغيركم ليبقى مالهن في أيديكم، وما يتلى عليكم أيضا في شأن المستضعفين من الولدان الذين لا تعطونهم حقهم من الميراث.
والمراد بهذا الذي يتلى عليهم في الضعيفين المرأة واليتيم هو ما تقدم من الآيات في أول السورة من الآية الأولى وما بعدها في آخر آيات الفرائض يذكرهم الله تعالى بتلك الآيات المفصلة أن يتدبروها ويتأملوا معانيها ويعملوا بها، وذلك أن من طباع البشر أن يغفلوا أو يتغافلوا عن دقائق الأحكام والعظات التي يراد بها إرجاعهم عن أهوائهم، وإذا توهموا أن شيئا منها غير قطعي، وأنهم بالاستفتاء عنه ربما يفتون بما فيه التخفيف عنهم، وموافقة رغبتهم، لجئوا إلى ذلك واستفتوا.
وقد أشرنا في أول تفسير الآية إلى أن معنى الإفتاء بيان دقائق الأمور وما يخفى منها، وقيل إن قوله تعالى: {وما يتلى عليكم}، معطوف على ضمير {فيهن}، المجرور أي: ويفتيكم أيضا فيما يتلى عليكم من الآيات التي نزلت في الأحكام التي تستفتون عنها الآن، فيبين لكم أنها أحكام محكمة لا هوادة فيها، فلا يحل لكم من الأحوال أن تظلموا النساء وأمثالهن من المستضعفين لصغرهم.
{وأن تقوموا لليتامى بالقسط}، أي: ويفتيكم أن تقوموا لليتامى من هؤلاء الناس والولدان المستضعفين بالقسط، أي: أن تعنوا عناية خاصة بتحري العدل في معاملتهم والإقساط إليهم على أتم الوجوه وأكملها، فإن هذا هو معنى القيام بالشيء، ومثله إقامة الشيء كما بيناه في تفسير إقامة الصلاة.
ولما كان هذا هو الواجب الذي لا هوادة فيه، وكان من الكمال أن يعامل اليتيم بالفضل لا بمجرد العدل قال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما}، أي: وما تفعلوه من الخير لليتامى بترجيح منفعتهم، والزيادة في قسطهم، فهو مما لا يعزب عن علمه تعالى ولا ينسى الإثابة عليه، كسائر أفعال الخير، وهذا ترغيب في الإحسان إلى اليتامى وتكميل لبيان مراتب معاملتهم وهي ثلاث، أولاها: هضم شيء من حقوقهم وهي المحرمة السفلى، والثانية: القيام لهم بالقسط والعدل بألا يظلموا من حقوقهم شيئا وهي الواجبة الوسطى، والثالثة: الزيادة في رزقهم وإكرامهم بما ليس لهم من مال، وما لا يجب لهم من عمل، وهي المندوبة الفضلى.
{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} الخوف: توقع ما يكره بوقوع بعض أسبابه أو ظهور بعض أماراته، والنشوز الترفع والكبر وما يترتب عليهما من سوء المعاملة وتقدم تفسيره من قبل، والإعراض: الميل والانحراف عن الشيء، أي: وإن خافت امرأة خافت من بعلها نشوزا وترفعا عليها، أو إعراضا عنها، بأن ثبت لها ذلك، وتحقق ولم يكن وهما مجردا، أو وسواسا عارضا، يدل على ذلك جعل فعل الخوف المذكور، مفسرا لفعل محذوف، للاحتراس من بناء الحكم على أساس الوسوسة التي تكثر عند النساء، وهو من إيجاز القرآن البديع.
وذلك أن المرأة إذا رأت زوجها مشغولا بأكبر العظائم المالية أو السياسية أو حل أعوص المسائل العلمية، أو بغير ذلك من المشاكل الدنيوية أو المهمات الدينية، لا تعد ذلك عذرا يبيح له الإعراض عن مسامرتها أو منادمتها، أو الرغبة عن مناغاتها ومباعلتها، والواجب عليها أن تتبين وتتثبت فيما تراه من أمارات النشوز والإعراض فإذا ظهر لها أن ذلك لسبب خارجي لا لكراهتها والرغبة عن معاشرتها بالمعروف، فعليها أن تعذر الرجل وتصبر على ما لا تحب من ذلك، وإن ظهر لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها.
{فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا}، قرأ الكوفيون يصلحا بوزن يكرما من الإصلاح والباقون " يصالحا " بتشديد الصاد، وأصله يتصالحا.
أي: فلا جناح عليها ولا عليه في الصلح الذي يتفقان عليه بينهما، كأن تسمح له ببعض حقها عليه في النفقة أو المبيت معها أو بحقها كلها فيهما أو في أحدهما لتبقى في عصمته مكرمة أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق أو بكل ذلك ليطلقها، فهو كقوله تعالى في سورة البقرة
{ فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، وإنما يحل للرجل ما تعطيه من حقها إذا كان برضاها، لاعتقادها أنه خير لها من غير أن يكون ملجئا إياها إليه بما لا يحل له من ظلمها أو إهانتها.
روي عن بعض مفسري السلف أن هذه الآية نزلت في الرجل تكون عنده المرأة يكرهها لكبر سنها أو دمامتها ويريد التزوج بخير منها، ويخاف ألا يعدل بينها وبين الجديدة فيكاشفها بذلك ويخيرها بين الطلاق وبين البقاء عنده بشرط أن تسقط عنه حقها في القسم، أي حصتها من المبيت عندها، ومثلها الرجل الذي عنده امرأتان مثلا يكره إحداهما ويريد فراقها إلا أن تصالحه على إسقاط حقها في المبيت، أو يعجز عن النفقة عليهما فيريد أن يطلق إحداهما إلا أن تصالحه على إسقاط حقها من النفقة، فإذا لم ترض المكروهة لكبرها أو قبحها إلا بحقها في القسم والنفقة، وجب على الرجل إيفاؤها حقها وألا ينقص منه شيئا، فإن قدر على أن يصالحها بمال يبذله لها بدلا من لياليها، ورضيت بذلك جاز لهما، ولا جناح عليهما فيه كما لا جناح عليهما في غير هذه الصورة من صور الصلح، فإن المقصد هو التراضي والمعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان.
{والصلح خير}، من التسريح والفراق، وإن كان بإحسان وأداء المهر والمتعة وحفظ الكرامة كما هو الواجب على المطلق؛ لأن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها من أغلظ المواثيق وأجدرها بالوفاء، وعروض الخلاف والكراهة وما يترتب عليها من النشوز والإعراض وسوء المعاشرة لمن يقف عند حدود الله من الأمور الطبيعية التي لا يمكن زوالها من بين البشر، والشريعة العادلة الرحيمة هي التي تراعى فيها السنن الطبيعية والوقائع الفعلية بين الناس، ولا يتصور في ذلك أكمل مما جاء به الإسلام؛ فإنه جعل القاعدة الأساسية هي المساواة بين الزوجين في كل شيء إلا القيام برياسة الأسرة والقيام على مصالحها لأنه أقوى بدنا وعقلا وأقدر على الكسب وعليه النفقة قال:
{ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228]، وهذه الدرجة هي التي بينها بقوله: { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } [النساء: 34]، وفرض عليهم العدل والإحسان في هذه الرياسة.
فيجب على الرجل وراء النفقة على امرأته أن يعاشرها بالمعروف، وأن يحصنها ويعفها ويحصن نفسه ويعفها بها، ولا يجوز له أن يجعل لها ضرة شريكة في ذلك إلا إذا وثق من نفسه بالعدل بينهما، وإنما أبيح له ذلك بشرطه؛ لأنه من ضرورات الاجتماع ولا سيما في أزمنة الحروب التي يقل فيها الرجال، وتكثر النساء كما بينا كل ذلك بالتفصيل في محله، فإن أراد ذلك أو فعله أو وقع بينهما النفور بسبب آخر فيجب على كل منهما أن يتحرى العدل والمعروف، فإن خافا ألا يقيما حدود الله فعلى الذي يريد منهما أن يخلص من الآخر أن يسترضيه، وكما جعل الله الطلاق للرجل لأنه أحرص على عصمة الزوجية، لما تكلفه من النفقة ولأنه أبعد عن طاعة الانفعال العارض، جعل للمرأة حق الفسخ إذا لم يف بحقوقها من النفقة والإحصان، وقيل: إن كلمة خير ليست للتفضيل وإنما هي لبيان خيرية الصلح في نفسه.
{وأحضرت الأنفس الشح}، بين لنا - سبحانه وتعالى - في هذه الحكمة السبب الذي قد يحول بين الزوجين وبين الصلح الذي فيه الخير وحسم مادة الخلاف والشقاق، لأجل أن نتقيه ونجاهد أنفسنا في ذلك، وهو الشح ومعناه البخل الناشئ عن الحرص، ومعنى إحضاره الأنفس أنها عرضة له، فإذا جاء مقتضى البذل ألم بها ونهاها أن تبذل ما ينبغي بذله لأجل الصلح وإقامة المصلحة؛ فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة وحسن العشرة شحيحات بها، والرجال أيضا حريصون على أموالهم أشحة بها.
فينبغي لكل منهما أن يتذكر أن هذا من ضعف النفس الذي يضره ولا ينفعه، وأن يعالجه فلا يبخل بما ينبغي بذله والتسامح فيه لأجل المصلحة، فإن من أقبح البخل أن يبخل أحد الزوجين في سبيل مرضاة الآخر، بعد أن أفضى بعضهما إلى بعض وارتبطا بذلك الميثاق العظيم، بل ينبغي أن يكون التسامح بينهما أوسع من ذلك وهو ما تشير إليه الجملة الآتية:
{وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}، أي: وإن تحسنوا العشرة فيما بينكم فتتراحموا وتتعاطفوا ويعذر بعضكم بعضا وتتقوا النشوز والإعراض، وما يترتب عليهما من منع الحقوق أو الشقاق، فإن الله كان بما تعملونه من ذلك خبيرا لا يخفى عليه شيء من دقائقه وخفاياه ولا من قصدكم فيه، فيجزي الذين أحسنوا منكم بالحسنى، والذين اتقوا بالعاقبة الفضلى قال بعض المفسرين: المراد بهذه الجملة حث الرجال على الحرص على نسائهم وعدم النشوز والإعراض عنهن، وإن كرهوهن لكبرهن أو دمامتهن، كما قال في آية أخرى
{ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } [النساء: 19].
{ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم}، هذه الآية فتوى أخرى غير الفتاوى المبينة في الآيتين قبلها، والمستفتون عنها هم الذين كان عندهم زوجتان أو أكثر من قبل نزول
{ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } [النساء: 3]، ومثلهم من عدد بعد ذلك ناويا العدل حريصا عليه ثم ظهر له وعورة مسلكه، واشتباه أعلامه، والتحديد بين ما يملكه وما لا يملكه اختياره منه.
فالورع من هؤلاء يحاول أن يعدل بين امرأته حتى في إقبال النفس، والبشاشة والأنس، وسائر الأعمال والأقوال، فيرى أنه يتعذر عليه ذلك؛ لأن الباعث على الكثير منه الوجدان النفسي، والميل القلبي، وهو مما لا يملكه المرء، ولا يحيط به اختياره ولا يملك آثاره الطبيعية، ولوازمه الفطرية، فخفف الله برحمته على هؤلاء المتقين المتورعين وبين لهم أن العدل الكامل بين النساء غير مستطاع ولا يتعلق به التكليف، كأنه يقول: مهما حرصتم على أن تجعلوا المرأتين كالغرارتين المتساويتين في الوزن، وهو حقيقة معنى العدل، فلن تستطيعوا ذلك بحرصكم عليه، ولو قدرتم عليه لما قدرتم على إرضائهما به، وإذا كان الأمر كذلك في الواقع.
{فلا تميلوا كل الميل}، إلى المحبوبة منهن بالطبع، المالكة لما لا تملكه الأخرى من القلب فتعرضوا بذلك عن الأخرى {فتذروها كالمعلقة}، كأنها غير متزوجة وغير مطلقة، فإن الذي يغفر لكم من الميل وما يترتب عليه من العمل بالطبع، هو ما لا يدخل في الاختيار، ولا يكون من تعمد التقصير أو الإهمال، فعليكم أن تقوموا لها بحقوق الزوجية الاختيارية كلها {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما}، أي: وإن تصلحوا في معاملة النساء وتتقوا ظلمهن وتفضيل بعضهن على بعض في المعاملات الاختيارية كالقسم والنفقة، فإن الله يغفر لكم ما دون ذلك مما لا ينضبط بالاختيار، كالحب ولوازمه الطبيعية من زيادة الإقبال وغير ذلك؛ لأن شأنه سبحانه المغفرة والرحمة لمستحقها.
يظن بعض الميالين إلى منع تعدد الزوجات أنه يمكن أن يستنبط من هذه الآية وآية
{ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } [النساء: 3]، أن التعدد غير جائز؛ لأن من خاف عدم العدل لا يجوز له أن يزيد على الواحدة، وقد أخبر الله تعالى أن العدل غير مستطاع وخبره حق لا يمكن لأحد بعده أن يعتقد أنه يمكنه العدل بين النساء، فعدم العدل صار أمرا يقينيا، ويكفي في تحريم التعدد أن يخاف عدم العدل بأن يظنه ظنا فكيف إذا اعتقده يقينيا؟
كان يكون هذا الدليل صحيحا لو قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم}، ولم يزد على ذلك، ولكنه لما قال: فلا تميلوا كل الميل إلخ، علم أن المراد بغير المستطاع من العدل هو العدل الكامل الذي يحرص عليه أهل الدين والورع كما بيناه في تفسير الآية، وهو ظاهر من قوله: {ولو حرصتم}.
فإن العدل من المعاني الدقيقة التي يشتبه الحد الأوسط منها بما يقاربه من طرفي الإفراط والتفريط، ولا يسهل الوقوف على حده والإحاطة بجزئياته، ولا سيما الجزئيات المتعلقة بوجدانات النفس كالحب والكره، وما يترتب عليهما من الأعمال فلما أطلق في اشتراط العدل اقتضى ذلك الإطلاق أن يفكر أهل الدين والورع والحرص على إقامة حدود الله وأحكامه في ماهية هذا العدل وجزئياته ويتبينوها كما تقدم آنفا، فبين لهم سبحانه في هذه الآية ما هو المراد من العدل، وأنه ليس هو الفرد الكامل الذي يعم أعمال القلوب والجوارح؛ لأن هذا غير مستطاع، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
نعم إن في الآية موعظة وعبرة لمن يتأملها من غير أولئك الورعين الحريصين على إقامة حدود الله وأحكامه بقدر الطاقة، لمن يتأملها ويعتبر بها من عباد الشهوات والأهواء الذين لا يقصدون من الزوجية إلا تمتيع النفس باللذة الحيوانية المؤقتة من غير مراعاة أركان الحياة الزوجية التي بينها الله تعالى في قوله:
{ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [الروم: 21]، ولا مراعاة أمر النسل وصلاح الذرية، أولئك السفهاء الذين يكثرون من الزواج ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، يتزوجون الثانية لمحض الملل من الأولى وحب التنقل، ثم الثالثة والرابعة لأجل ذلك، لا يخطر في بال الواحد منهم أمر العدل، ولا أنه يجب لإحداهن عليه شيء، وقد ينوي من أول الأمر أن يظلم الأولى ويهضم حقها، ولا يشعر بأنه ارتكب في ذلك إثما، ولا أغضب الله واستهان بأحكامه، وبين هؤلاء وأولئك قوم يزعمون أنهم على شيء من الدين ومراعاة أحكامه، يظنون أن العدل بين المرأتين أمر سهل فيقدمون على التزوج بالثانية والثالثة والرابعة قبل أن يتفكروا في حقيقة العدل الواجب وماهيته.
ألا فليتق الله الذواقون! ألا فليتق الله المترفون! ألا فليتفكروا في ميثاق الزوجية الغليظ! وفي حقوقها المؤكدة! ألا فليتفكروا في عاقبة نسلهم ومستقبل ذريتهم! ألا فليتفكروا في حال أمتهم التي تتألف من هذه البيوت المبنية على دعائم الشهوات والأهواء وفساد الأخلاق، والذرية التي تنشأ بين أمهات متعاديات وزوج شهواني ظالم! ألا فليتفكروا في قوله تعالى: {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما}، وليحاسبوا أنفسهم ليعلموا هل هم من المصلحين لأمر نسائهم ونظام بيوتهم أم من المفسدين، وهل هم من المتقين الله في هذا الأمر أم من المتساهلين أو الفاسقين؟
{وإن يتفرقا} أي: وإن يتفرق الزوجان اللذان يخافا كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، كالذي يكره امرأته لدمامتها أو كبرها ويريد أن يتزوج غيرها ولم يتصالح معها على شيء يرضيان به، وكالذي عنده زوجان لا يقدر أن يعدل بينهما ولا تسمح له المرغوب عنها بشيء من حقوقها بمقابل ولا غير مقابل، إن يتفرق هذان - على ترجيح الطلاق على دوام الزوجية، كما يدل عليه إسناد الفعل إليهما، وعدم حرص أحد منهما على استرضاء الآخر وصلحه - {يغن الله كلا من سعته}، يغني الله كلا منهما عن صاحبه بسعة فضله، فقد يسخر للمرأة رجلا خيرا منه يقوم لها بحقوقها، ويجعل له من امرأة أخرى عنده أو يتزوجها من تحصنه وترضيه فيستقيم أمر بيته وتربية أولاده.
وإنما يكون كل منهما جديرا بإغناء الله إياه عن الآخر بزوج خير منه، إذا التزما في التفرق حدود الله بأن يجتهد كل منهما في الاتفاق والصلح، حتى إذا ظهر لهما بعد إجالة الرأي فيه والتروي في أسبابه ووسائله أنه غير مستطاع لهما، تفرقا بإحسان يحفظ كرامتهما ولا يكونان به مضغة في أفواه الناس، وقدوة سيئة لفاسدي الأخلاق {وكان الله واسعا حكيما}، أي كان ولا يزال واسع الفضل والرحمة يوفق بين أقدار، ويؤلف بين المسببات والأسباب، حكيما فيما شرعه من الأحكام، جاعلا لها على وفق مصالح الناس.
وقد يكون من أسباب الرغبة في كل من الزوجين المتفرقين ما يراه الناس من حسن تعاملهما في تفرقهما، والتزامهما فيه حفظ كرامتهما، وإنما قلت: " قد يكون " للإشارة إلى أن هذا إذا لم يكن مرغبا لدهماء الناس وتحوتهم، فهو أكبر المرغبات لكرامهم وفضلائهم، وإنما الخير فيهم، فإن الرجل الفاضل الكريم إذا علم أن امرأة اختلفت مع بعلها لأن نفسها الشريفة لم تقبل أن ينشز أو يعرض عنها، أو يقرن بها من لا يعدل بينها وبينها، وهي مع ذلك لم تخدش كرامته بقول ولا فعل، وإنما أحبت أن تتفق معه على طريقة عادلة فلم يمكن، فتفرقا بأدب وإحسان حفظ به شرفهما، وحسن به ذكرهما، وعلم أنه هو الذي أساء إليها، لا لعيب في أخلاقها ولا لسوء في أعماله، بل لتعلق قلبه بغيرها، فإن هذا الفاضل الكريم يرى فيها أفضل صفات الزوجية التي يتساهل لأجلها فيما عداها.
فإن كانت فتاة رغب فيها الفتيان وغيرهم، وإن كانت نصفا رغب فيها كثيرون من أمثالها في السن وشرف الأدب، وأكثر الناس رغبة في مثلها من يتزوجون لأجل المصلحة والقيام بحقوق الزوجية، لا لمحض إرضاء الشهوة الحيوانية، وهم الذين يرجى أن تدوم لهم العيشة المرضية، كذلك كرائم النساء وأولياؤهن يرغبون في الرجل إذا علموا أنه يمسك المرأة بمعروف أو يسرحها بإحسان، ولا يلجئه إلى الطلاق إلا الخوف من عدم إقامة حدود الله.