التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
١٩
وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً
٢٠
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً
٢١
-النساء

تفسير المنار

قالوا في وجه اتصال الآية الأولى من هذه الآيات بما قبلها من أول السورة: لما نهى - سبحانه - فيما تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامى والأموال عقبه بالنهي عن نوع من الاستنان بسننهم في النساء أنفسهن أو أموالهن.
وقال الأستاذ الإمام: وجه الاتصال ظاهر، وهو أن الكلام من أول السورة في النساء، والبيوت، وإنما جاء ذكر التوبة استطرادا، وأما ما ورد في سبب نزولها فقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: " كان الرجل إذا مات أبوه، أو حميمه وترك جارية ألقى عليها ابنه، أو حميمه ثوبه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها "، وفي رواية البخاري وأبي داود: " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها: وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك "، وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال: " نزلت هذه الآية في كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح. فنزلت ". وروي مثله عن أبي جعفر، وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها، أو يزوجها من أراد فنهى الله المؤمنين عن ذلك. وروي عن الزهري: أنها نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له بها، وينتظر موتها حتى يرثها. قال - تعالى -:
{ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها أي لا يحل لكم أيها الذين خرجوا} من الشرك وتقاليده الجائرة وآمنوا بالله وبما أنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن تستمروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثا لكم كالأموال، والعروض، والعبيد، وتتصرفوا بهن كما تشاءون، فإن شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها ومنعها الزواج، وذلك هو العضل الآتي ذكره. وقيل: المراد لا يحل لكم أن ترثوا أموال النساء كرها بأن تمسكوهن على كره لأجل أن يمتن فترثوهن، وقوله: (كرها) قرأه حمزة، والكسائي بالضم حيث وقع، ووافقهما عاصم، وابن عامر، ويعقوب في الأحقاف، وقرأه الباقون بالفتح. وهو بالضبطين مصدر لـ كره ضد أحب (كما ورد الضعف بضم الضاد وفتحها)، وقيل الكره بالضم: الإكراه، وبالفتح: الكراهية، وقيل يطلق كل منهما على المكروه، وعلى ما أكره المرء عليه؛ ولذلك اختلفوا في تفسير الكره هنا فقيل معناه: لا ترثوهن حال كونهن كارهات لذلك، وقيل: حال كونهن مكرهات عليه، وقيل: حال كونهن كارهين لكم، وقيل: حال كونكم مكروهين لهن، وكل هذه المعاني صحيحة، ولفظ الكره ليس قيدا للتحريم، وإنما هو بيان للواقع، قال الأستاذ الإمام: كانت العرب تحتقر النساء وتعدهن من قبيل المتاع، والعروض حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله، فحرم الله هذا العمل من أعمال الجاهلية. ولفظ الكره هنا ليس قيدا، وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه، فإنهم كانوا يرثونهن بغير رضاهن. ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أصل (العضل): التضييق، والمنع، والشدة، ومنه الداء العضال، أي الشديد الذي لا منجاة منه. والجملة مستأنفة للنهي عن العضل، أو معطوفة على ما قبلها بناء على أنه في معنى النهي كما هو مفهوم التحريم، كأنه قال: لا ترثوا النساء ولا تعضلوهن، ويجوز أن تكون " لا " لتأكيد النفي، و (تعضلوهن) معطوف على (لا ترثوا) والمعنى: لا يحل لكم إرث النساء، ولا عضلهن، أي ولا التضييق عليهن، لأجل أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن، أي أعطيتموهن من ميراث، أو صداق، أو غير ذلك. والخطاب لمجموع المؤمنين لتكافلهم فيصدق بما أعطوه للنساء من ميراث، ومهر زواج، وغير ذلك، وجعله بعضهم للأزواج، وبعضهم للورثة، وكل منهم كان يعضل النساء.
وقد أخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها. وكثيرا ما كانوا يضيقون عليهن ليفتدين منهم بالمال، وليراجع تفسير قوله - تعالى -:
{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } [البقرة: 231] وقوله { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229] وغير ذلك. وخص الآية في الجلالين بالمنع من الزواج، ورده الأستاذ الإمام قال: ليس معنى العضل هنا ما قاله المفسر (الجلال) من أنه المنع من زواج الغير بل معناه لا تضاروهن، ولا تضيقوا عليهن ليكرهنكم، ويضطررن إلى الافتداء منكم؛ فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها، ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدي بما كانت ورثت من قريب الوارث، أو ما كانت أخذت من صداق، ونحوه، أو المجموع من هذا وذاك، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها، وذلك هو العضل المحرم هنا. أقول: وروي نحو من هذا، عن أبي جعفر (رضي الله عنه) وكثير من المفسرين. أقول: قد تقدم أنهم كانوا لا يورثون المرأة فليراجع تفسير للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون من هذا الجزء، وهذه السورة، وكذلك أسباب الإرث عند الجاهلية في أول تفسير آيتي المواريث.
{إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الفاحشة}: الفعلة الشنيعة الشديدة القبح، وكلمة " مبينة " قرأها ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم بفتح الياء المشددة، أي بصيغة اسم المفعول، والباقون بكسرها، أي بصيغة اسم الفاعل أي ظاهرة متبينة أو مبينة حال صاحبها فاضحة له. وقد ورد: بين بمعنى تبين اللازم. روي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك أن الفاحشة المبينة هنا هي النشوز وسوء الخلق. قال بعضهم: ويؤيد ذلك قراءة أبي " إلا أن يفحشن عليكم "، وروي عنه، وعن ابن مسعود أنهما قرءا " إلا أن يفحشن " دون لفظ " عليكم "، وعندي أنهما ذكرا الآية بالمعنى فظن السامع أنهما رويا ذلك قراءة فعنيا لفظ القرآن. وعن الحسن، وغيره أنها: الزنا ويجوز أن يراد بها ما هو أعم من الأمرين، والمعنى لا تعضلوهن في حال من الأحوال، أو في زمن من الأزمان إلا الحال أو الزمن الذي يأتين فيه بالفاحشة المبينة دون الظنة والشبهة، فإذا نشزن عن طاعتكم بالمعروف المشروع، ولم ينفع معهن التأديب الذي سيذكر في آية أخرى من هذه السورة، وساءت عشرتهن لذلك، أو تبين ارتكابهن للزنا، أو السحاق فلكم حينئذ أن تعضلوهن؛ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق وغيره إذ لا يكلفكم الله أن تخسروا عليهن ما لكم في هذه الحالة التي يجيء فيها الفحش من جانبهن كما في الآية الأخرى
{ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229] وقد أشرنا إليها آنفا.
الأستاذ الإمام: روي عن بعض مفسري السلف أن الفاحشة هنا هي الزنا، وعن بعضهم أنها النشوز، وعن بعضهم أنها الفحش بالقول. والصواب عدم تعيينها وتخصيصها بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضا، فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، ولكن يعتبر فيها هذا الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة، أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم، أو بمجرد سوء الظن والتهم، فمن الرجال الغيور السيئ الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة، وقد حرم الله المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق، أو غيره، فعلم منه أن المضارة لأخذ جميع ذلك، أو أكثر منه حرام بالأولى، وإنما أبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة؛ لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره فتؤذيه بفحش من القول، أو الفعل، ليملها ويسأم معاشرتها، فيطلقها، فتأخذ ما كان آتاها، وتتزوج آخر تتمتع معه بمال الأول، وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول. وإذا علم النساء أن العضل، والتضييق بيد الرجال، ومما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب.
{وعاشروهن بالمعروف} أي يجب عليكم أيها المؤمنون أن تحسنوا عشرة نسائكم بأن تكون مصاحبتكم ومخالطتكم لهن بالمعروف الذي تعرفه، وتألفه طباعهن، ولا يستنكر شرعا، ولا عرفا، ولا مروءة، فالتضييق في النفقة، والإيذاء بالقول، أو الفعل، وكثرة عبوس الوجه، وتقطيبه عند اللقاء كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف، وفي المعاشرة معنى المشاركة والمساواة، أي عاشروهن بالمعروف وليعاشرنكم كذلك، وروي عن بعض السلف أنه يدخل في ذلك أن يتزين الرجل للمرأة بما يليق به من الزينة لأنها تتزين له، والغرض أن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر، وسبب هنائه في معيشته، وقد فسر " المعروف " بعضهم بالنصفة في القسم، والنفقة، والإجمال في القول والفعل، وفسره بعضهم تفسيرا سلبيا، فقال هو ألا يسيء إليها، ولا يضرها، وكل منهما ضعيف، وجعل الأستاذ الإمام المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره، وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس، وقد أشرنا إلى ذلك. وأدخل فيه بعضهم وجوب الخادمة لها إن كانت ممن لا يخدمن أنفسهن، وكان الزوج قادرا على أجرة الخادمة. وقلما يقصر المسلمون فيما يجب للنساء من النفقة، بل هم أكثر أهل الملل إنفاقا على النساء، وأقلهم إرهاقا لهن بالخدمة، ولكنهم قصروا في أمور أخرى، قصروا في إعداد البنات للزوجية الصالحة بما يجب من التربية الدينية الاجتماعية الاقتصادية الصحية، والتعليم المغذي لهذه التربية فعسى أن يرجعوا عن قريب.
{فإن كرهتموهن} لعيب في الخلق، أو الخلق مما لا يعد ذنبا لهن؛ لأن أمره ليس في أيديهن، أو التقصير في العمل الواجب عليهن في خدمة البيت والقيام بشئونه مما لا يخلو عن مثله النساء وكذا الرجال في أعمالهم، أو الميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن، ولا بمفارقتهن لأجل ذلك {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} فهذا الرجاء علة لما دل عليه السياق من جزاء الشرط، ومن الخير الكثير بل أهمه وأعلاه الأولاد النجباء، فرب امرأة يملها زوجها ويكرهها، ثم يجيئه منها من تقر به عينه من الأولاد النجباء فيعلو قدرها عنده بذلك، وقد شاهدنا، وشاهد الناس كثيرا من هذا، وناهيك به:
{ ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } [25: 74].

نعم الإله على العباد كثيرة وأجلهن نجابة الأولاد

ومنها أن يصلح حالها بصبره، وحسن معاشرته، فتكون أعظم أسباب هنائه في انتظام معيشته، وحسن خدمته لا سيما إذا أصيب بالأمراض، أو بالفقر، والعوز، فكثيرا ما يكره الرجل امرأته لبطره بصحته، وغناه، واعتقاده أنه قادر على أن يتمتع بخير منها، وأجمل، فلا يلبث أن يسلب ما أبطره من النعمة، ويكون له منها إذا صبر عليها في أيام البطر خير سلوى، وعون في أيام المرض، أو العوز، فيجب على الرجل الذي يكره زوجه أن يتذكر مثل هذا ويتذكر أيضا أنه لا يخلو من عيب تصبر امرأته عليه في الحال، غير ما وطنت نفسها عليه في الاستقبال، وقد بينا حاجة كل من الزوجين إلى مودة الآخر، ورحمته، ولا سيما في حال الضعف والعجز في مقالات (الحياة الزوجية) فتراجع في المجلد الثامن من المنار، وربما نودع ذلك في تفسير قوله - تعالى -: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [الروم: 21].
هذا، وإن التعليل في الآية يرشدنا إلى قاعدة عامة تأتي في جميع الأشياء لا في النساء خاصة، وهي أن بعض ما يكرهه الإنسان يكون فيه خير له، متى جاء ذلك الخير تظهر قيمة ذلك الشيء المكروه، وهي قاعدة عرف العقلاء صدقها بالتجارب، ولأجل التنبيه لها قال - تعالى -:
{ وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216] ولم يقل وعسى أن تكرهوا امرأة، ثم إن في الصبر على المكروه واحتماله فوائد أخرى غير ما يمكن أن يكون في المكروه نفسه من الخير المحبوب، فالصابر المحتمل يستفيد من كل مكروه بصبره، ورويته سواء ترتب عليه في ذاته خير أم لا، ومن المكروه الذي يترتب عليه خير القتال بالحق لأجل حماية الحق، والدفاع عنه فهو بما فيه من المشقة مكروه طبعا، وناهيك بما يترتب عليه من إظهار الحق، ونصره، وظهور أهله، وخذلان الباطل وحزبه - راجع تفسير كتب عليكم القتال وهو كره لكم وللأستاذ الإمام كلام حسن هناك في ذلك، وليس عندنا شيء عنه في هذه الآية، والحاصل أن الإسلام يوصي أهله بحسن معاشرة النساء، والصبر عليهن إذا كرهن الأزواج رجاء أن يكون فيهن خير.
وإنما يبيح مؤاخذتهن بما تقدم من العضل حتى يفتدين بالمال إذا أتين بفاحشة مبينة بحيث يكون إمساكهن سببا لمهانة الرجل واحتقاره، أو إذا خافا ألا يقيما حدود الله كما في آية البقرة. وإلا وجب على الزوج إذا طلق امرأته أن يعطيها جميع حقها وذلك قوله - عز وجل -:
{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} أي إن أردتم استبدال زوج جديدة ترغبون فيها مكان زوج سابقة ترغبون عنها لكراهتكم لها وعدم طاقتكم الصبر على معاشرتها بالمعروف، وهي لم تأت بفاحشة مبينة، وقد آتيتم من قبل إحداهن قنطارا من المال أي مالا كثيرا، وسواء أخذنه وحزنه في أيديهن، أو التزمتموه لهن فصار دينا في ذمتكم فلا تأخذوا منه شيئا، بل يجب أن يكون كله لصاحبته؛ لأنكم إنما تستبدلون غيرها بها لأجل هواكم، وتمتعكم بغير ذنب شرعي منها يبيح لكم أخذ شيء منه كأن تكون هي الطالبة لفراقكم المسيئة إليكم لأجل حملكم على طلاقها، فإذا لم تفعل شيئا يبيح لكم ذلك فبأي وجه تستحلون أخذ شيء من مالها؟ {أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} استفهام إنكار وتوبيخ، أي أتأخذون ذلك الشيء باهتين إياها كاذبين عليها بنسبة الفاحشة إليها؟! فالبهتان هو الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، ويسكته متحيرا، يقال: بهته فبهت، أي افترى عليه هذا النوع من الافتراء فأدهشه، وأسكته متحيرا. والإثم الحرام. قال الأستاذ الإمام: إن ذكر إرادة الاستبدال مبني على الغالب في مثل هذه الحالة، وليس شرطا لعدم حل أخذ شيء من مال المرأة، فإذا طلقها، وهو لا يريد تزوج غيرها، وإنما كره عشرتها، أو اختار الوحدة، وعدم التقيد بالنساء، أو غير ذلك، فإنه لا يحل له أخذ شيء من مالها كما يعلم من اشتراط الإتيان بفاحشة مبينة.
{وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} إنكار آخر لأخذ شيء من مال المرأة مع إيحاشها بالطلاق، والرغبة عنها أكد به الإنكار الأول مبالغة في التنفير، أو الاستفهام للتعجب من حال من تمتع بامرأته وعاملها معاملة الأزواج، وهي أشد صلة حيوية بين البشر، ثم رغب عنها، وأراد فراقها من غير أن تتوسل إلى ذلك، أو تلجئه بارتكاب الفاحشة المبينة، أو عدم إقامة حدود الله، ولم يتأثم مع ذلك من أكل شيء من مالها الذي آتاها في حال الإقبال عليها والرغبة فيها. يقول: كيف تأخذون ذلك الشيء من مالهن، والحال أنكم قد أفضيتم إليهن، أي خلصتم، ووصلتم إليهن ذلك الخلوص الخاص بالزوجين الذي يتحقق به معنى الزوجية تمام التحقق، فيلابس كل منهما الآخر حتى كأنهما حقيقة واحدة، ولأجله يعبر بها عن كل منهما باللفظ المفرد الدال على التثنية " زوج "، وبه يتكون منهما الولد الذي هو واحد نسبته إلى كل منهما واحدة؟ أبعد هذا الإفضاء والملابسة يصح أن يكون الواصل الباذل هو القاطع للصلة العظيمة طامعا في مال الآخر المظلوم، ولسان الحال يقول:

وبتنا وما بيني وبينك ثالث كزوج حمام أو كغصنين هكذا
فمن بعد هذا الوصل والود كله أكان جميلا منك تهجر هكذا؟

وقال بعض الفقهاء: إن المراد بالإفضاء هنا الخلوة الصحيحة، وإن لم تحصل فيها الملامسة المقصودة، وهم إنما يفسرون بما يوافق قواعدهم، وإن لم يتفق مع الأسلوب العربي البليغ، فالجملة من باب الكناية، وإنما تكون فيما لا يحسن التصريح به، ويؤيده تعدية الإفضاء بـ إلى الدال على منتهى الاتصال. وهذا من حسن نزاهة القرآن في التعبير وأدبه العالي في الخطاب، ومن الدقة فيه ما ذكره الأستاذ الإمام من نكتة التعبير بقوله: بعضكم إلى بعض أي مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن، أو أفضى أحدكم إلى الآخر، وهي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر وبعضه المتمم لوجوده، فكأن بعض الحقيقة كان منفصلا عن بعضها الآخر، فوصل إليه بهذا الإفضاء واتحد به.
ثم قال: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} أي عهدا شديدا موثقا يربطكم بهن أقوى الربط وأحكمه. وقد روي عن قتادة، وغيره أن هذا الميثاق هو ما أخذ الله للنساء على الرجال بقوله:
{ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229] قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح، فيقال: الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان. وعن مجاهد: أنه كلمة النكاح، أي صيغة العقد التي حلت به المرأة للرجل. وقال بعضهم: هو ما أمر الله - تعالى - به الرجال من معاشرتهن بالمعروف كما في الآية التي قبل هذه. وقال الأستاذ الإمام: إن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لا بد أن يكون مناسبا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شئون الفطرة السليمة، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [الروم: 21] فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها، وإخوتها، وسائر أهلها، والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء، فمن آيات الله - تعالى - في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها، لأجل الاتصال بالغريب، تكون زوجا له ويكون زوجا لها تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول: إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق، وأشدها إحكاما، وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله - تعالى - بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل، وأنها تقبل عليه تسلم نفسها إليه، مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟ وما هو الضمان الذي تأخذه عليه، والميثاق الذي تواثقه به؟ ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها: إنك ستكونين زوجا لفلان. إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول، أو التفكر فيه، وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، وذلك الشيء: هو عقل إلهي، وشعور فطري أودع فيها ميلا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوا مخصوصا لا تجد له موضعا إلا البعل، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والأيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة، وإن لم تر من رضيت به زوجا، ولم تسمع له من قبل كلاما، فهذا ما علمنا الله - تعالى - إياه، وذكرنا به - وهو مركوز في أعماق نفوسنا - بقوله: إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقا غليظا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق، وما هي مكانته من الإنسانية؟ انتهى. بتصرف ما.
وقد استدل بعض الناس بالآيتين على منع الخلع - وهو بضم الخاء - طلاق المرأة على عوض تبذله للرجل، كأن تترك له ما كانت أخذت منه من صداق وغيره؛ ولذلك قالوا: إن ما هنا ناسخ لآية البقرة
{ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229] وزعم آخرون أن تلك ناسخة لهذه، وليس عند أحد الفريقين دليل على أن ما جعله ناسخا هو المتأخر، وإنما أعياهم الجمع بين الحكمين فحكموا بنسخ أحدهما بالآخر، وآية النسخ التنافي، ولا تنافي بين ما هنا وما في سورة البقرة كما علم من التفسير الذي شرحناه آنفا. وقد صرح المحققون بعدم النسخ في الموضعين، وقالوا: إن المحرم هنا هو أخذ شيء من مال المرأة بغير طيب نفس منها، والمباح هناك ما افتدت به نفسها برضاها لتعذر الاتفاق بينها وبين زوجها.
واستدل بعضهم بذكر القنطار هنا على جواز التغالي في المهور، والآية ليست نصا في جواز جعل القنطار مهرا لجواز أن يكون إيتاء القنطار بوجوه متعددة كالهدايا، والمنح، ولكن روى سعيد بن منصور، وأبو يعلى بسند جيد، عن مسروق، أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نهى على المنبر أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم، ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: أما سمعت الله يقول:
{ وآتيتم إحداهن قنطارا } [النساء: 20] فقال: " اللهم عفوا، كل الناس أفقه من عمر! "، ثم رجع فركب المنبر، فقال: " إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب "، وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي عند عبد الرزاق، وابن المنذر أنه قال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. وفي الموفقيات للزبير بن بكار، عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر " لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية - أي من الفضة - فمن زاد أوقية جعلت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا الآية، فقال عمر: " امرأة أصابت ورجل أخطأ "، ونقول: نعم، إن الشريعة لم تحدد مقدار الصداق للمرأة، بل تركت ذلك للناس لتفاوتهم في الغنى والفقر فيعطي كل بحسب حاله، ولكن ورد في السنة الإرشاد إلى اليسر في ذلك وعدم التغالي فيه، ومنه حديث "إن خير النساء أيسرهن صداقا" رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، وحديث: إن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي من حديث عائشة. وفي معناهما حديثها عند هؤلاء: أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا كذا رأيته في بعض كتب التفسير، وهو في الجامع الصغير بلفظ: أيسرهن مئونة.
هذا وإن التغالي في المهور قد صار من أسباب قلة الزواج؛ لأنه يكلف الرجال ما لا طاقة لهم به، وقلة الزواج تفضي إلى كثرة الزنا، والفساد، ويكون الغبن في ذلك على النساء أكثر حتى إنه ربما ينتهي بالسنة الإلهية في الخلق المعبر عنها برد الفعل إلى أن يصير النساء في الإسلام هن اللواتي يعطين المهور للرجال ليتزوجوهن، كما هي عادة النصارى. وإنك لترى هذه العادة الضارة متمكنة في بعض الناس تمكنا غريبا حتى إن أحدهم ليمتنع من تزويج ابنته للكفء الصالح الذي لا يطمع في مثله إذا كان لا يعطيه ما يراه لائقا بمقامه من الصداق، وقد يزوجها لمن لا يرضيه دينه، ولا خلقه، ولا يرجو لها الهناء عنده إذا هو أعطاه المقدار الكثير الذي يخيل إليه جهله أنه لائق بمقامه، وهكذا تتحكم العادات الضارة، والتقاليد الفاسدة بالناس حتى تفسد عليهم نظام معيشتهم، وهم لجهلهم أو ضعف عزائمهم ينقادون لها صاغرين!