التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٣٢
-النساء

تفسير المنار

قال الأستاذ الإمام في بيان وجه اتصال الآية بما قبلها: نهى أولا عن أكل الناس بعضهم أموال بعض بالباطل وأوعد فاعل ذلك، وبين بعد ذلك، وما قبله من المناهي ما يغفر منها وما لا يغفر، ثم أرشدنا بعد هذا كله إلى قطع عرق كل تعد على الأموال والأنفس وسائر الحقوق، وهو التمني وعدم استعمال كل لمواهبه في الجد والكسب وكل ما يتمناه الإنسان لنفسه من الخير.
وقال البقاعي في ذلك: ولما نهى عن القتل، وعن الأكل بالباطل بالفعل، وهما من أعمال الجوارح ليصير الظاهر طاهرا عن المعاصي الوخيمة نهى عن التمني، فإن التمني قد يكون حسدا وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية، وهو حرام والرضى بالحرام حرام، والتمني على هذا الوجه يجر إلى الأكل، والأكل يقود إلى القتل، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فإذا انتهى عن ذلك كان باطنه طاهرا عن الأخلاق الذميمة بحسب الطريقة، ليكون الباطن موافقا للظاهر، ويكون جامعا بين الشريعة والطريقة، فيسهل عليه ترك ما نهي عنه ويرضى بما قسم له.
وقال القفال: لما نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل أموال الناس بالباطل وقتل الأنفس عقبه بالنهي عما يؤدي إليه من الطمع في أموالهم.
وروي في سبب نزولها ثلاث روايات:
إحداها عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله تعالى الآية، والثانية: عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت، والثالثة: عن قتادة والسدي قالا: لما نزل قوله تعالى:
{ للذكر مثل حظ الأنثيين } [النساء: 11]، قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}، ذكر الروايات الثلاث الواحدي والسيوطي في الدر المنثور، وهي لا تتفق اتفاقا بينا مع المأثور عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في تفسير التمني بالحسد، فقد روي عنه أنه قال فيها: "لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإن ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله" .
الأستاذ الإمام: سبب تلك الروايات الحيرة في فهم الآية ومعناها ظاهر، وهو أن الله تعالى كلف كلا من الرجال والنساء أعمالا فما كان خاصا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر.
وجعل الخطاب عاما للفريقين مع أن الرجال لم يتمنوا أن يكونوا نساء ولا أن يعملوا عمل النساء، وهو الولادة وتربية الأولاد وغير ذلك مما هو معروف، وإنما كان النساء هن اللواتي تمنين عمل الرجال، وأي عمل الرجال تمنين؟ تمنين أخص أعمال الرجولية وهو حماية الذمار، والدفاع عن الحق بالقوة، ففي هذا التعبير عناية بالنساء، وتلطف بهن وهو موضع للرأفة والرحمة لضعفهن وإخلاصهن فيم تمنين.
والحكمة في ذلك ألا يظهر ذلك التمني الناشئ عن الحياة الملية الشريفة، فإن تمني مثل هذا العمل غريب من النساء جدا ; وسببه أن الأمة في عنفوان حياتها يكون النساء والأطفال فيها مشتركين مع الرجال في هذه الحياة وفي آثارها، وإنها لتسري فيها سريانا عجيبا ومن عرف تاريخ الإسلام ونهضة العرب به وسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين به في زمنه يرى أن النساء كن يسرن مع الرجال في كل منقبة وكل عمل، فقد كن يأتين ويبايعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك المبايعة المذكورة في (سورة الممتحنة)، كما كان يبايعه الرجال، وكن ينفرن معهم إذا نفروا للقتال، يخدمن الجرحى ويأتين غير ذلك من الأعمال، فأراد الله أن يختص النساء بأعمال البيوت، والرجال بالأعمال الشاقة التي في خارجها ليتقن كل منهما عمله، ويقوم به كما يجب مع الإخلاص له.
وتنكير لفظ {نصيب}، لإفادة أن ليس كل ما يعمله العامل يؤجر عليه، وإنما الأجر على ما عمل بالإخلاص، أي: ففي الكلام حث ضمني عليه ـ {واسألوا الله من فضله}، أي: ليسأله كل منكم الإعانة والقوة على ما نيط به؛ حيث لا يجوز له أن يتمنى ما نيط بالآخر، ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالجمال والعقل إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخر ويتمنى لنفسه مثله وخيرا منه بالسعي والجد، كأنه يقول: وجهوا أنظاركم إلى ما يقع تحت كسبكم ولا توجهوها إلى ما ليس في استطاعتكم؛ فإنما الفضل بالأعمال الكسبية فلا تتمنوا شيئا بغير كسبكم وعملكم اهـ.
أقول: قال ابن الأثير في النهاية: التمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون.
وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذا قدرته وأحببت أن يصير إلي اهـ. وقد يظن أن التمني لا يدخل في حد الاختيار فيكون النهي عنه مشكلا، وإنما يظن هذا الظن من يتبع نفسه هواها، ويسلس لخواطرها العنان، بل يلقي من يده العنان واللجام، حتى تكون الأماني منه كالأحلام من النائم لا يملك دفعها إذا أتت، ولا ردها إذا غربت، وشأن قوى الإرادة غير هذا، ولا يرضى الله تعالى من المؤمنين إلا أن يكونوا أصحاب عزائم قوية، فهو يرشدهم بهذا النهي إلى تحكيم الإرادة في خواطرهم التي تتحدث بها أنفسهم، لتصرفها عن الجولان فيما هو لغيرهم، كما يصرفون أجسامهم أن تجول في ملك غيرهم بدون إذنه، وتوجهها في وقت الفراغ من الأعمال إلى ما هو أنفع وأشرف كالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وسنن الله تعالى في هذا الخلق، ولا سيما سننه في حياة الأمم وموتها وقوتها وضعفها، وتطبيق ذلك على أمتهم، والتفكر في أمر الآخرة، ونسبته إلى هذه الدنيا الفانية، وهو الذي يخفف عن النفس ما تحمله من أثقال الحياة وتكاليفها.
الأمر كذلك أن النهي عن تمني كل مكلف من ذكر وأنثى ما فضل الله به غيره عليه يتضمن منا يتحقق به الانتهاء وهو أمران:
(أحدهما) العمل النافع على الوجه الذي تكون به الفائدة تامة من العناية والإتقان، ولا يشغل النفس بالأماني والتشهي كالبطالة والكسر، ولذلك ذكر الكسب بعد النهي عن التمني.
(ثانيهما): توجيه الفكر في أوقات الاستراحة من العمل إلى ما يغذي العقل ويزكي النفس، ويزيد في الإيمان والعلم، وقد ذكرناك به آنفا وهو يتوقف على قوة الإرادة، وإنما تقوى الإرادة باستعمالها في تنفيذ ما أمر به الشرع، ودل عليه العقل.
وفي قوله: {ما فضل الله به بعضكم على بعض} إيجاز بديع وهو يشمل ما فضل الله به بعض الرجال على بعض ; وما فضل بعض النساء على بعض وما فضل به جنس الرجال على النساء، وما فضل به جنس النساء على الرجال، من حيث إن الخصوصية فضل، أي: زيادة في صاحبها على غيره، وما فضل به بعض الرجال على بعض النساء، وما فضل به بعض النساء على بعض الرجال، وهذا الفضل أنواع.
(منها): ما لا يتعلق به الكسب ولا ينال بالعمل والسعي، ولا يعاب المفضول فيه بالتقصير ولا يمدح الفاضل فيه بالجد والتشمير، كاستواء الخلقة وقوة البنية، وشرف النسب، فتمني أمثال هذه المزايا لا يصدر إلا عن سخافة في العقل، ومهانة في النفس، فينبغي لمن عرف ذلك من نفسه أن يبادر إلى معالجته بالفضل الكسبي الذي به يكون التفاضل الحقيقي بين الناس قبل أن تستحوذ عليه الأماني فتنسيه ربه وما أرشده إليه من طرق الفضل، وتنسيه نفسه وما أودعته من الاستعداد والقدرة على الكسب، ثم تحمله آلام تلك الأماني على المركب الصعب، وهو طاعة الحسد بالإيذاء والبغي، فيكون من الهالكين.
(ومنها) ما ينال بالجد والسعي كالمال والجاه، وهو المقصود بالنهي أولا بالذات ; لأن الأول لبعده عن المعقول، كأن من شأنه أنه لا يكون، ولا يشتغل بتمني هذا إلا ضعيف الهمة ساقط المروءة، جاهل بقدر استعداد الإنسان وآيات الجد والاستقلال، ولا يرضى الله تعالى للمؤمن أن يكون هكذا فهو يرشده إلى علو الهمة وهو من شعب الإيمان، ويهديه إلى الاعتماد على ما أوتيه من القوى في تحصيل كل ما يرغب فيه، فالجاه الحقيقي إنما ينال بالجد والكسب كالعلم النافع والمناصب وعمل المعروف، وكذلك الثروة الأصل فيها أن تنال بالكسب والسعي، والموروث منها قلما يثبت وينمو إلا عند العاملين، والذين يتربون على الاستقلال كأهل أمريكا وإنكلترا يعتمدون على الطريف دون التليد، حتى إن بعض الوارثين منهم راهن على كسب مقدار عظيم من المال يضاهي ثروته الموروثة بعد أن يخرج من جميع ما يملك، وضرب لذلك أجلا غير بعيد فما حل الأجل إلا وذلك المقدار العظيم في يده، وكان خرج من ماله كله حتى ثيابه وابتدأ عمله الاستقلالي بالخدمة في الحمام، وهمم الرجال لا يقف أمامها شيء، ولكن أكثر الناس غافلون عن استعدادهم، يتكلون على اجتناء ثمرة غيرهم، ولذلك نبهنا الفاطر جل صنعه بعد النهي عن التمني والتلهي بالباطل إلى الكسب والعمل، الذي ينال به كل أمل.
فقال: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}، فشرع الكسب للنساء كالرجال فأرشد كلا منهما إلى تحري الفصل بالعمل دون التمني والتشهي، وحكمة اختيار صيغة الاكتساب على صيغة الكسب أن صيغة الاكتساب تدل على المبالغة والتكلف، وهو اللائق في مقام النهي عن التمني والتشهي، كأنه يقول: إن ما تطلبون من الفضل إنما ينال بفضل العناية والكلفة في الكسب، لا بما تثيره البطالة من أماني النفس، وما قيل من استعمال الكسب في الخير والاكتساب في الشر فمأخوذ من قوله تعالى:
{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]، وليس ذلك من معنى الصيغة في شيء وإنما اختير في هذه الآية للإشارة إلى أن الشر ليس من مقتضى الفطرة (راجع جزء2 تفسير).
وفي التعبير به في الآية التي نفسرها إرشاد إلى المبالغة والتكلف في طلب الزيادة من المال والجاه وكل ما يتفاضل فيه الناس بأعمالهم بشرط التزام الحق، وإرشاد إلى اعتماد الناس في مطالبهم ورغائبهم على ما آتاهم الله من الاستعداد دون الكسل والتواكل، واعتماد كل منهم على الآخر، والكتاب والسنة مؤيدان لذلك.
فما أجدر المسلمين بأن يكونوا قدوة مثلا للمستقلين، فالمسلم بمقتضى إسلامه يعتمد على مواهبه، وقواه في كل مطالبه مع الرجاء بفضل الله وتوفيقه ; ولذلك قال بعد الإرشاد إلى الاكتساب: {واسألوا الله من فضله}، أي: ومهما أصبتم بالجد والاكتساب فلا ينسينكم ذلك حاجتكم إلى الله تعالى بما عليكم أن تسألوه من فضله الخاص الذي لا يصل إليه كسبكم، إما لجهلكم به أو بطرقه وأسبابه، وإما لعجزكم عنه، كمن يجتهد في الزراعة أو التجارة فيدلي إليها بأسبابها التي ينالها كسبه، ويسأل الله أن يتم فضله بالمطر الذي ينمو به الزرع، واعتدال الريح ليسلم الفلك، وهذا مما يجهله الإنسان ويعجز عنه.
ومن هنا تفهم حكمة تذييل الآية بقوله تعالى: {إن الله كان بكل شيء عليما}، فهو الذي علم الإنسان بالإلهام وبآياته في الأنفس والآفاق كيف يطلب المنافع والفضل، وكلما سأله بلسان الحال والاستعداد والعمل زاده من فضله، فخزائن جوده لا تنفد:
{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [الحجر: 21]، ولا يزال العاملون يستزيدونه ولا يزال ينزل عليهم من علمه ما يفضلون به القاعدين البطالين، وقد بلغ التفاوت بين الناس في الفضل حدا بعيدا جدا ; حتى كاد التفاوت بين بعض الشعوب وبعضهم الآخر يكون أبعد من التفاوت بين بعض الحيوان وبعض الإنسان.
ألا أذن تسمع وعين تبصر!! كيف يستولي العدد القليل من أهل الشمال الغربي على ألوف الألوف من أهل الجنوب الشرقي ويسخرونهم لخدمتهم كما يسخرون غيرهم من الحيوان؟! أينكر أصحاب النفوذ الصوري والنفوذ المعنوي من أهل الجنوب أن الأمم التي حالوا بينها وبين طلب فضل الله بالعلوم والفنون والصناعات والثروة والسياسة تارة باسم المحافظة على الدين، وأخرى باسم العبودية للأمراء والسلاطين، قد خرجت السلطة عليها من أيديهم حتى لم يبق لهم إلا القليل، وما هذا القليل بالذي يبقى لهم.
أينكرون أنهم يتمنون أن يكون لهم من الملك والعزة والثروة والعلم مثل ما لأهل الشمال، أوعين ما لأهل الشمال، أينسون أنهم كانوا فوقهم أيام كانوا هم أصحاب أهل اليمين، أيجيز لهم الإسلام بعد ذلك هذا الفضل الذي أصابوه بكسبهم أن يضيعوه، ثم يقنعوا أنفسهم بالتمني والتشهي؟! فإلى متى هذا الجهل وهذا الغرور؟!
إنهم حالوا بين الأمة وبين فضل الله في الدين كما حالوا بينها وبين فضله في الدنيا، فمنعوا الاستقلال في فهم الدين، وأن تطلبه بلسان حالها واستعدادها ولو سألته لأعطاها الله إياه، فنسأله أن ينصرها عليهم، وما النصر إلا من عند الله.
قد قتل هذه الأمة الحسد والتمني، كلما ظهرت آيات النبوغ في العلم، أو العمل في رجل منها قام الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ويتمنون ما فضله الله به عليهم، وإن لم يكن لهم مثل مواهبه وكسبه، يبدلون حسناته سيئات، ويبغونه الفتن ويضعون له العثرات، يستكبرون نعمة الله عليه، ويحتقرون نعمته عليهم، فلا يرونها أهلا لأن تدرك ما أدركه، ولكنهم يصغرون بألسنتهم ما استكبروه في قلوبهم وأدمغتهم، ويعظمون بأقوالهم ما يحقرونه في اعتقادهم، يقولون: ما هو فلان؟ لا يعلم إلا كذا وكذا مما يعلمه الصبيان، وما هي أعماله التي تذكر له؟ إنه ليقدر عليها كل الناس، أو إنه يقصد بها السمعة والرياء، أو ظاهرها نفع وباطنها إيذاء، ولكن ما بالهم قد أصبحوا منه في شغل شاغل؟، ولماذا حملوا أنفسهم عناء الكيد له والمكر به؟ ألم يروا شرا في الأرض يسعون في إزالته إلا علمه الناقص، وعمله النافع الذي يخشون احتمال ضرره، ألا محاسب الحاسدون أنفسهم، فيتبين لهم أنهم يسيئون إليها أكثر مما يسيئون إلى محسوديهم؟ ألا يجدون لأنفسهم مصرفا عن نار الحسد التي تطلع على أفئدتهم، قبل أن تأكل بقايا الرضا بقضاء الله وقدره، وقسمته الفضل بين خلقه؟ ألا لله در التهامي، حيث يقول:

إني لأرحم حسادي لفرط ما ضمت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم في جنة وقلوبهم في النار

ألا وإن دخول النار في الإنسان قد تكون أشد من دخوله في النار، أو هي التي تحمله على التهوك والتهافت على النار، وما بال هؤلاء الحسدة الأشرار يتمنون ما فضل الله به بعض قومهم عليهم، ولا يتمنون أن يكون لهم مثله أو مثل ما أوتيه الأقوام الآخرون؟ إني لا أرى علاجا للحاسدين الباغين في هذه الأمة إلا نشر العلم الصحيح فيها حتى يميز الجمهور بين المصلحين والمفسدين، وإن رؤساء البغي والحسد ليعلمون أن نشر العلم في الأمة هو الذي يظهر جهلهم وسوء حالهم، فهم لا يمقتون أحدا مقتهم لمن يسعى في ذلك، فهم يصدون عن سبيل العلم الصحيح وهي سبيل الله، ويبغونها عوجا بما يلقنونه العامة من الخرافات والضلالات التي تخدر أعصابها وتبقيها على حالها، ولا نيأس من روح الله.