التفاسير

< >
عرض

وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
٣٦
ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
٣٧
وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً
٣٨
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً
٣٩
-النساء

تفسير المنار

قال البقاعي في وجه اتصال الآية الأولى من هذه الآيات بما قبلها ما نصه: ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا نتيجة التقوى (كذا) العدل والفضل والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله، إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخير، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها فكان التقدير حتما فاتقوه، عطف عليه أو على نحو: { واسألوا الله من فضله } [النساء: 32]، أو على: { اتقوا ربكم } [النساء: 1]، الخلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق، فقال: {واعبدوا الله} إلخ، وأقول: إنه أبعد في العطف، وأحسن في الترتيب والوصف.
الأستاذ الإمام: كل ما تقدم من الأحكام كان خاصا بنظام القرابة والمصاهرة، وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية أراد أن ينبهنا على بعض الحقوق العمومية، وهي العناية بكل من يستحق العناية، وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها، وهي الخضوع له تعالى، وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله، ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات، كالزارع ليقيم أمر بيته ويعول من يمونه، ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين، ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة، فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات فليست العبادة في قوله هنا: {واعبدوا الله} خاصة بالتوحيد كما قال المفسر "الجلال"، بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال.
{ولا تشركوا به شيئا} من الأشياء، أو شيئا من الإشراك (قال): اختلف تعبيرهم والمعنى واحد، والإشراك بالله يستلزم الإيمان به، والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى، أقول: يعني أن الشرك هو الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن المعروفة في الخلق بأن يرجى صاحبها ويخشى منه ما تعجز المخلوقات عن مثله، وهذه السلطة لا تكون لغيره تعالى فلا يرجى غيره، ولا يخشى سواه في أمر من الأمور التي هي وراء الأسباب المقدورة للمخلوقين عادة ; لأن هذا خاص به تعالى فمن اعتقد أن غيره يشركه فيه كان مؤمنا مشركا
{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [يوسف: 106].
وأما التعطيل فهو إنكار الألوهية ألبتة، أي إنكار تلك السلطة الغيبية التي هي مبدأ كل قوة وتصرف، وفوق كل قوة وتصرف، فإذا نهى تعالى أن يشرك به غيره فيما استأثر به من السلطة والقدرة والتصرف، ولم يجعله من الهبات التي منحها خلقه وعرفت من سننه فيهم، فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته يكون أولى.
قال: والإشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب، وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند الله تعالى، يقربون المتوسل بهم إليه، ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم، والآيات في ذلك كثيرة
{ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون } [يونس: 18]، { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } [الزمر: 3].
وذكر أن أهل الكتاب دخل عليهم الشرك، فالنصارى عبدوا المسيح عليه السلام، وبعضهم عبد أمه السيدة مريم رضي الله عنها، وقال الله في الفريقين:
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا الله إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } [التوبة: 31]، وقد ورد في تفسيره بالحديث الصحيح المرفوع: أنه كانوا يضعون لهم أحكام الحلال والحرام فيتبعونهم فيها، وسبق ذكر ذلك في التفسير غير مرة.
(قال): فالشرك أنواع وضروب، أدناها ما يتبادر إلى أذهان عامة المسلمين أنه العبادة لغير الله كالركوع والسجود له، وأشدها وأقواها ما سماه الله دعاء واستشفاعا، وهو التوسل بهم إلى الله وتوسيطهم بينهم وبينه تعالى، فالقرآن ناطق بهذا، وهو المشهور في كتب السير والتاريخ، فهذا المعنى هو أشد أنواع الشرك، وأقوى مظاهره التي يتجلى فيها معناه أتم التجلي، وهو الذي لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا عبادة أخرى.
ثم ذكر أن هذا الشرك قد فشا في المسلمين اليوم، وأورد شواهد على ذلك عن المعتقدين الغالين في البدوي "شيخ العرب" و "الدسوقي" وغيرهما لا تحتمل التأويل، وبين أن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جلي واضح إلى شرك أقل منه جلاء ووضوحا، ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه، الذي لا يكاد يسلم منه إلا الصديقون، ومنه أن يعمل المؤمن العمل الصالح من العبادة لله تعالى ويحب أن يمدح عليه أو يتلذذ بالمدح عليه (مثلا).
أقول: ثم عقب الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك بالوصية للوالدين فقال: {وبالوالدين إحسانا} أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا تاما لا تقصروا في شيء منه، يقال: أحسن به وأحسن له وأحسن إليه، وقيل: إذا تعدى الإحسان بالباء يكون متضمنا لمعنى العطف، وعندي أن التعدية بالباء أبلغ لإشعارها بإلصاق الإحسان بمن يوجه إليه من غير إشعار بالفرق بينه وبين المحسن، والتعدية بـ "إلى" تشعر بطرفين متباعدين يصل الإحسان من أحدهما إلى الآخر.
والإحسان في المعاملة يعرفه كل أحد، وهو يختلف باختلاف أحوال الناس وطبقاتهم، وإن العامي الجاهل ليدري كيف يحسن إلى والديه ويرضيهما ما لا يدري العالم النحرير إذا أراد أن يحدد له ذلك، قال بعضهم: إن جماع الإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن في الكلام معهما، وأن يسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر سعته، وأنت تعلم أن من فعل ذلك وهو لا يلقاهما إلا عابسا مقطبا، أو أدى النفقة التي يحتاجان إليها، وهو يظهر الفاقة والقلة فإنه لا يعد محسنا بهما، فالتعليم الحرفي لا يحدد الإحسان المطلوب من كل أحد، بل العمدة فيه اجتهاد المرء وإخلاص قلبه في تحري ذلك بقدر طاقته، وحسب فهمه، لأكمل الإرشاد الإلهي التفصيلي في ذلك بقوله عز وجل:
{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } [الإسراء: 23 - 25]، فأنت ترى الرب العليم الحكيم الرحيم قد قفى هذه الوصية البليغة الدقيقة ببيان أن العبرة بما في نفس الولد من قصد البر والإحسان والإخلاص فيه، وأن التقصير مع هذا مرجو الغفران، وقد فصل بعض العلماء القول في ذلك كالغزالي في "الإحياء"، وابن حجر في "الزواجر".
قال الأستاذ الإمام: الخطاب لعموم الأفراد، أي: ليحسن كل لوالديه، وذلك أنهما السبب الظاهر في وجود الولد بما بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة وإخلاص، وقد بينت كتب الأحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة، وبينت كتب الدين جميع الحقوق، والمراد بكتب الدين كتب آدابه "كالإحياء" للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء ـ وذكرهما وتكلم عليهما قليلا.
وأقول: إن هاهنا مسألة مهمة، قلما تجد أحدا من علمائنا بينها كما ينبغي، وهو أن بعض الوالدين يتعذر إرضاؤهما بما يستطيعه أولادهما من الإحسان، بل يكلفون الأولاد ما لا طاقة لهم به، وما أعجب حكمة الله في خلق هذا الإنسان، قلما تجد ذا سلطة لا يجور ولا يظلم في سلطته حتى الوالدين على أولادهما، وهما اللذان آتاهم الفاطر من الرحمة الفطرية ما لم يؤت سواهما، قد تظلم الأم ولدها قليلا مغلوبة لبادرة الغضب، أو طاعة لما يعرض من أسباب الهوى، كأن تتزوج رجلا تحبه وهو يكره ولدها من غيره، وكأن يقع التغاير بينها وبين امرأة ولدها، وتراه شديد الحب لامرأته يشق عليه أن يغضبها لأجل مرضاتها هي.
ففي مثل هذه الحال قلما ترضى الأم بالعدل وتعذر ولدها في خضوعه لسلطان الحب، وإن هو لم يقصر فيما يجب لها من البر والإحسان، بل تأخذها عزة الوالدية، حتى تستل من صدرها حنان الأمومة، ويطغى في نفسها سلطان استعلائها على ولدها، ولا يرضيها إلا أن يهبط من جنة سعادة الزوجية لأجلها، وربما تلتمس له في مثل هذه الحال زوجا أخرى ينفر منها طبعه، وما حيلته وقد سلب منه قلبه، كما أنها تظلمه من أول الأمر بمثل هذا الاختيار، وظلم الآباء فيه أشد من ظلم الأمهات، ولا تجب طاعة الوالدين في مثل هذا، ويا ويح الولد الذي يصاب بمثلهما، ولا سيما إذا كانا جاهلين بليدين يتعذر إقناعهما.
ولعلك إذا دققت النظر في أخبار البشر لا تجد فيها أغرب من تحكم الوالدين في تزويج الأولاد بمن يكرهون، أو إكراههم على تطليق من يحبون، ثبت في الهدي النبوي الشريف " أن الثيب من النساء أحق بنفسها "، فليس لأبيها ولا لغيره من أوليائها أن يعقدوا لها إلا على من تختاره وترضاه لنفسها ; لأنها لممارستها الرجال تعرف مصلحتها، وأن البكر على حيائها وغرارتها، وعدم اختبارها وعلم ما يعلم الأب الرحيم من مصلحتها، يجب أن تستأذن في العقد عليها، ويكتفى من إذنها بصماتها، وظاهره أنها إذا لم تظهر الرضى بل صرحت بعدمه لا يجوز العقد عليها، ومن قال من الفقهاء: إن الأب ولي مجبر كالشافعية اشترطوا في صحة تزويجه لابنته بدون إذنها أن يكون الزوج كفؤا لها، وأن يكون موسرا بالمهر حالا، وألا يكون بينها وبينه عداوة ظاهرة ولا خفية، وألا يكون بينها وبين الولي العاقد عداوة ظاهرة.
فهذا قولهم في العذراء المخدرة، وأما الرجل فهو أحق من أبيه بتزويج نفسه إجماعا وليس لأبيه ولاية عليه في ذلك، فكيف يتحكم الوالد في ولده بما لا يحكم به الشرع ولا ترضى به الفطرة؟ أليس هذا من ظلم الاستعلاء الذي يوهم الرجل أن ابنه كعبده، يجب ألا يكون له معه رأي، ولا اختيار في أمره، لا في حاضره ولا في مستقبله الذي يكون عليه بعده، وإن كان الوالد جاهلا بليدا، والولد عالما رشيدا، وعاقلا حكيما؟ والويل كل الويل للولد إذا كان والده الجهول الظلوم غنيا، وكان هو معوزا فقيرا، فإن والده يدل عليه حينئذ بسلطتين، ويحاربه بسلاحين، لا يهولنك أيها السعيد بالأبوين الرحيمين ما أذكر من ظلم بعض الوالدين الجاهلين القساة، فإني أعلم من أمر الناس ما لا تعلم، إني لأعرف ما لا تعرف من أخبار الأمهات اللواتي تحكمن في أمر زواج بناتهن أو أبنائهن تحكما كان سبب المرض القتال، والداء العضال، فالموت الزؤام، ثم ندمن ندامة الكسعى ولات ساعة مندم، ولعلك تعلم أن تحكم الآباء في ذلك أشد وأضر، وأدهى وأمر، على أنه أكثر.
ومن ضروب ظلم الوالدين الجاهلين للولد العاقل الرشيد: منعه من استعمال مواهبه في ترقية نفسه في العلوم والأعمال، ولا سيما إذا توقف ذلك على السفر والترحال، والأمثلة والشواهد على هذا كثيرة جدا في كل زمان ومكان، وأول ما خطر في بالي منها عند الكتابة الآن اثنان: شاب عاشق للعلم كان أبوه يمنعه منه ليشتغل بالتجارة التي ينفر منها لتوجه استعداده إلى العلم، ففر من بلده إلى قطر آخر، ثم إلى قطر آخر، يركب الأهوال، ويصارع أنواء البحار، ويعجم عود الذل والضر، ويذوق طعوم الجوع والفقر، ورجل دعي إلى دار خير من داره، وقرار أشرف من قراره، ورزق أوسع من رزقه، في عمل أفضل من عمله، وأمل في الكمال أعلى من سابق أمله، ورجاء في ثواب الله أعظم من رجائه، فاستشرفت له نفسه، واطمأن به قلبه، ولكن والدته منعته أن يجيب الدعوة ويقبل النعمة، لا حبا فيه، فإنها لا تستطيع أن تماري في أن ذلك خير له، ولكن حبا في نفسها، وإيثارا للذتها وأنسها، نعم إن العجوز ألفت بيتها ومن تعاشر في بلدها من الأهل والجيران، فآثرت لذة البيئة الدنيا لنفسها، على المنفعة العليا لولدها، ولعله لو اختار الظعن لاختارت الإقامة، وفضلت فراقه على صحبته، وبعده على قربه، ونبزته بلقب العاق، وادعت أنها لم تتعد حدود الرحمة والحنان، ووافقها الجمهور الجاهل على ذلك لبنائه الأحكام على المسلمات، ومنها أن الأولاد هم الذين يؤثرون أهواءهم على بر والديهم، وأن الوالدين لا يختاران لولدهما إلا ما فيه الخير له، وأنهما يتركان كل حظوظهما ورغائبهما لأجله، ولا ينكر أحد أن لهذا أصلا صحيحا، ولكنه ليس من القضايا الكلية الدائمة، أما الأم فذلك شأنها مع الطفل إلا ما تأتي به بوادر الغضب من لطمة خفيفة تسبق بها اليد من غير روية واختيار، أو دعوة ضعيفة تعد من فلتات اللسان، ولسان حالها ينشد:

أدعو عليه وقلبي يقول: يا رب لا لا

فإذا كبر وصار له رأي غير رأيها، وهوى غير هواها ـ وذلك ما لا بد منه ـ تغير شأنها معه، وهي أشد الناس حبا له، فلا ترجح رأيه وهواه في كل مسائل الخلاف، بل لا تعذره أيضا في كل ما يتبع فيه وجدانه، ويرجح فيه استقلاله، وأما الأب فهو على فضله وعنايته بأمر ولده أضعف من الأم حبا ورحمة وإيثارا، وأشد استنكارا لاستقلال ولده دونه واستكبارا، حتى إنه ليقسو عليه ويؤذيه، ويشمت به ويحرمه من ماله ويؤثر الأجانب عليه، وأكثر ما يكون ذلك من الأب الغني مع ولده المحتاج إذا خالف هواه: { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } [العلق: 6، 7]، وإن طغيانه يكون على حسب ما يرى لنفسه من السلطة والفضل والاستعلاء حتى إنه لينتحل لنفسه صفات الربوبية، ويتسلق بغروره إلى ادعاء الألوهية: وقد كنت أنكر على أبي الطيب قوله:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

وأعده من المبالغة الشعرية حتى كدت بعد إطالة التأمل في أحوال الوالدين مع الأولاد وتدبر ما أحفظ من الوقائع في ذلك، أجزم بأن قوله هذا صحيح مطرد، فكم رأينا من غني قد انغمس في الترف والنعيم، وأفاض من فضل ماله على المستحقين، وغير المستحقين، وله من الولد من يعيش في البؤس والضنك، ولا يناله من والده لماج ولا مجاج من ذلك الرزق ; لأنه لم يرض أن يكون منه كعبد الرق.
إنما أطلت في هذا؛ لأن الناس غافلون عنه، فهم يظنون أن وصايا الوالدين حجة، على أن للوالدين أن يعبثا باستقلال الولد ما شاء هواهما، وأنه ليس للولد أن يخالف رأي والديه ولا هواهما، وإن كان هو عالما وهما جاهلين بمصالحه، وبمصالح الأمة والملة، وهذا الجهل الشائع مما يزيد الآباء والأمهات إغراء بالاستبداد في سياستهم للأولاد فيحسبون أن مقام الوالدية يقتضي بذاته أن يكون رأي الولد وعقله وفهمه دون رأي والديه وعقلهما وفهمهما، كما يحسب الملوك والأمراء المستبدون أنهم أعلى من جميع أفراد رعاياهم عقلا وفهما ورأيا، أو يحسب هؤلاء وأولئك أنه يجب ترجيح رأيهم، وإن كان أفينا على رأي أولادهم ورعاياهم وإن كان حكيما.
إذا طال الأمد على هذا الجهل الفاشي في أمتنا فإن الأمم التي تربي أولادها على الاستقلال الشخصي تستعبد من بقي من شعوبنا خارجا عن محيط سلطتها قبل أن ينقضي هذا الجهل.
يجب أن نفهم أن الإحسان بالوالدين الذي أمرنا به في دين الفطرة هو أن نكون في غاية الأدب مع الوالدين في القول والعمل بحسب العرف حتى يكونا مغبوطين بنا، وأن نكفيهما أمر ما يحتاجان إليه من الأمور المشروعة المعروفة بحسب استطاعتنا، ولا يدخل في ذلك شيء من سلب حريتنا واستقلالنا في شئوننا الشخصية والمنزلية، ولا في أعمالنا لأنفسنا ولملتنا ولدولتنا، فإذا أراد أحدهما أو كلاهما الاستبداد في تصرفنا فليس من البر ولا من الإحسان شرعا أن نترك ما نرى فيه الخير العام أو الخاص، أو نعمل ما نرى فيه الضر العام أو الخاص، عملا برأيهما واتباعا لهواهما، من سافر لطلب العلم الذي يرى أنه واجب عليه لتكميل نفسه، أو خدمة دينه أو دولته، أو سافر لأجل عمل نافع له أو لأمته، ووالداه أو أحدهما غير راض ; لأنه لا يعرف قيمة ذلك العمل، فإنه لا يكون عاقا ولا مسيئا شرعا ولا عقلا، هذا ما ينبغي أن يعرفه الوالدون والأولاد: البر والإحسان لا يقتضيان سلب الحرية والاستقلال.
أرأيت لو كانت أمهات سلفنا الأماجد كأمهاتنا أكانوا فتحوا الممالك، وفعلوا هاتيك العظائم؟ كلا، بل كانت الأسيفة الرقيقة القلب منهن كتماضر الخنساء رضي الله عنها تدفع بنيها الأربعة إلى القتال في سبيل الله وترغبهم فيه بعبارات تشجع الجبان، بل تحرك الجماد.
فقد روى ابن عبد البر عن الزبير بن بكار أنها شهدت حرب القادسية، ومعها أربعة بنين لها فقالت لهم من أول الليل: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، ويقول الله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } [آل عمران: 200]، فإذا أصبحتم إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سباقها، وجللت نارا على أرواقها، فيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم، والكرامة في دار الخلد والمقامة.
فلما كان القتال في الغد كان يهجم كل واحد منهم ويقول شعرا يذكر فيه وصية العجوز ويقاتل حتى يقتل، فلما بلغها خبر قتلهم كلهم قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
ولو شئت أن أروي لك مثل خبرها عن أم عبد الله بن الزبير وغيرها لفعلت، أفترى هذه الأمة تعتبر اليوم بسيرة سلفها، وهي لم تعتبر بما بين يديها، وأمام عينيها، وما يتلى كل يوم عليها من أحوال الأمم التي كانت دونها في العلم والقوة، والعزة والثروة، فأصبحت منها في موقع النجم، تشرف عليها من سماء العظمة بالأمر والنهي، ومنشأ ذلك كله الاستقلال الشخصي في الإرادة والعقل ; فإن الآباء والأمهات متفقون فيها على تربية أولادهم على استقلال العقل والفهم في العلم، واستقلال الإدارة في العمل، فقرة أعينهم أن يعمل أولادهم بإرادة أنفسهم واختيارهم ما يعتقدون أنه هو الخير لهم ولقومهم.
وإنما قرة أعين أكثر آبائنا وأمهاتنا أن ندرك بعقولهم لا بعقولنا، ونحب ونبغض بقلوبهم لا بقلوبنا، ونعمل أعمالنا بإرادتهم لا بإرادتنا، ومعنى ذلك ألا يكون لنا وجود مستقل في خاصة أنفسنا، فهل تخرج هذه التربية الاستبدادية الجائرة أمة عزيزة عادلة، مستقلة في أعمالها، وفي سياستها وأحكامها؟ أم البيوت هي التي تغرس فيها شجرة الاستبداد الخبيثة للملوك والأمراء الظالمين، فيجنون ثمراتها الدانية ناعمين آمنين؟ فعليكم يا علماء الدين والأدب أن تبينوا لأمتكم في المدارس والمجالس حقوق الوالدين على الأولاد، وحقوق الأولاد على الوالدين، وحقوق الأمة على الفريقين، ولا تنسوا قاعدتي الحرية والاستقلال، فهما الأساس الذي قام عليه بناء الإسلام، وإن علماء الشعوب الشمالية التي سادت في هذا العصر علينا، يعترفون بأنهم أخذوا هاتين المزيتين ـ استقلال الفكر والإرادة ـ عنا وأقاموا بناء مدنيتهم عليهما، ولله در القائل منا: " لاعب ولدك سبعا وأدبه سبعا، وصاحبه سبعا، ثم اجعل حبله على غاربه " وسنعود إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
قال تعالى: وبذي القربى أي: وأحسنوا بمعاملة ذي القربى وهم أقرب الناس إلى الإنسان بعد الوالدين الذين يلونهما في الحقوق، وفي سورة البقرة: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل
{ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى } [البقرة: 83]، إلخ، فأعيد الجار هنا ولم يعد هناك، قال بعض المفسرين: النكتة في ذلك أن الوصية بذي القربى مؤكدة في هذه الأمة زيادة عن تأكيدها في بني إسرائيل؛ لأن إعادة الجار للتأكيد، وعندي أنه يمكن أن تكون إعادة الجار لإفادة التنويع، فإن الإحسان بالوالدين غير الإحسان بالأقربين، إذ يجب للوالدين من الرعاية والتكريم والخضوع ما لا يجب لغيرهما، ومتى ارتقت الشرائع بارتقاء الأمة حسن فيها مثل هذا التحديد والتدقيق في الحدود والواجبات لاستعداد الأمة لها.
الأستاذ الإمام: إذا قام الإنسان بحقوق الله تعالى فصحت عقيدته وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد، وبصلاح هذا البيت الصغير يحدث له قوة، فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التي إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضا يكون لكل من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مؤنة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب، وهم الذين عطفهم على ذوي القربى بقوله: {واليتامى والمساكين}، فإن الله تعالى يوصي باليتامى في مثل هذا المقام ; لأن اليتيم يهمل أمره بفقده الناصر القوي الغيور وهو الأب، أو تكون تربيته ناقصة بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه يكون شرا على أولاد الناس يعاشرهم فيسري إليهم فساده، وقلما تستطيع الأم أن تربي الولد تربية كاملة مهما اتسعت معارفها.
وكذلك المساكين لا تنتظم الهيئة الاجتماعية إلا بالعناية بهم وصلاح حالهم، فإن أهمل أمرهم الأغنياء كانوا بلاء وويلا على الناس، وقلما ينظر الناس في المسكنة إلى غير العدم وصفر الكف، والمهم معرفة سبب ذلك، فإن من الناس من يكون سبب عدمه وعوزه ضعفه وعجزه عن الكسب، أو نزول الجوائح السماوية تذهب بماله من غير تقصير منه، وهذا هو المسكين الحقيقي الذي تجب مواساته بالمال الذي يقع موقعا من كفايته، ومنهم العادم: الذي ما عدم المال إلا بالإسراف والتبذير والمخيلة والفخفخة الباطلة.
ومنهم العادم: الذي ما عدم المال إلا لكسله وإهماله للكسب طمعا فيما في أيدي الناس واتكالا عليهم، أو بسلوكه فيهم مسلك الغش والخيانة حتى يفضح سره ويظهر أمره، فيحبط عمله، فالمساكين على ضربين: مسكين معذور يساعد بالمال ينفقه، أو يساعد على تحصيله بكسبه إن كان قادرا على ذلك، ومسكين غير معذور يرشد إلى تقصيره، ولا يساعد على إسرافه وتبذيره، بل يدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، والله بصير بالعباد، انتهى بتصرف وزيادة واختصار.
ثم قال: {والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب} الجوار ضرب من ضروب القرابة فهي قرب بالنسب، وهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب، ما لا يأنس بنسيبه البعيد، ويحتاجان إلى التعاون والتناصر ما لا يحتاج الأنسباء الذين تناءت ديارهم، فإذا لم يحسن كل منهما بالآخر لم يكن فيهما خير لسائر الناس، وقد اختلف المفسرون في الجار ذي القربى، والجار الجنب فقال بعضهم: الأول هو القريب منك بالنسب، والثاني هو الأجنبي لا قرابة بينك وبينه، وقال بعضهم: الأول الأقرب منك دارا، والثاني من كان أبعد مزارا، وقيل: إن ذا القربى من كان قريبا منك ولو بالدين، والأجنبي من لا يجمعك به دين ولا نسب.
وفي حديث ضعيف السند عند أبي نعيم، والبزار عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"الجيران ثلاثة، فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، وجار له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار" ، وثبت الأمر بالإحسان في معاملة الجار غير المسلم في أحاديث أخرى كأحاديث الوصايا المطلقة والوقائع المعينة كعيادته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لولد جاره اليهودي في الصحيح.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ " أنه ذبح له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" فهذا دليل على أن ابن عمر فهم من الوصايا المطلقة في الجار أنها تشمل المسلم وغير المسلم، وناهيك بفهمه وعلمه، ومن تلك الوصايا حديث أبي شريح الخزاعي في الصحيحين مرفوعا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ورواه غيرها عن غيره.
قال الأستاذ الإمام: حدد بعضهم الجوار بأربعين دارا من كل جانب من الجوانب الأربعة، والحكمة في الوصية بالجار هي التي تعرفنا سر الوصية، ومعنى الجوار: المراد بالجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك إلى دارك، فيجب أن تعامل من ترى وتعاشر بالحسنى، فتكون في راحة معهم، ويكونوا في راحة معك، اهـ. فهو يرى أن أمر الجوار لا يحدد بالبيوت، والتحديد بالدور مروي عن الحسن، وحدده بعضهم بأربعين ذراعا، والصواب عدم التحديد والرجوع في ذلك إلى العرب، والأقرب حقه آكد وإكرام الجار من أخلاق العرب قبل الإسلام، وزاده الإسلام تأكيدا بالكتاب والسنة، ومن الإحسان بالجار الإهداء إليه ودعوته إلى الطعام وتعاهده بالزيارة والعيادة.
قال تعالى: {والصاحب بالجنب} روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ فيه قولان: الرفيق في السفر، والمنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك، وروى عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه المرأة، أي: لأنها هي التي قضت الفطرة ونظام المعيشة أن تكون بجنب بعلها، وإذا كان الأصل في خطاب الشرع أن يكون للرجال والنساء جميعا، وإن كان بضمير المذكر للتغليب جاز أن نقول: إن المراد بالمرأة الزوج ورجلها مثلها، فيجب على كل منهما الإحسان بالآخر، ويحتمل أن يكون الإمام عبر بلفظ الزوج المراد به الجنس، فظن الراوي أنه يريد المرأة ; لأنها أحوج إلى إحسان بعلها منه إلى إحسانها، فرواه بالمعنى.
وقال الأستاذ الإمام: هو من صاحبته وعرفته ولو وقتا قصيرا، وهذا القول أعم وأشمل من قول بعضهم: إنه الرفيق في أمر حسن كتعلم وترف وصناعة وسفر، فإنه بقيد " ولو وقتا قصيرا " يشمل صاحب الحاجة الذي يمشي بجانبك ويستشيرك أو يستعينك، وما كان أكثر هؤلاء الأصحاب عندهرحمه الله تعالى، كان لا يكاد يتراءى للناس في طريق إلا وتراهم يوفضون إليه من كل نصب يمشون بجانبه مستشيرين أو مستعينين.
قال تعالى: {وابن السبيل} المشهور في تفسيره هنا المسافر والضيف، وقلنا في تفسير آية:
{ ليس البر } [البقرة: 177]، هو المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة كأن السبيل أبوه وأمه ورحمه وأهله، وقال الأستاذ الإمام هنا: إنه من تبناه السبيل في غير معصية، أي: السائح الرحالة في غرض صحيح غير محرم، والمتبادر أنه من لا يعرف إلا من الطريق، أو في الطريق، وإنما ضيقوا في تفسيره في آية مصارف الصدقات؛ لأنهم لا يرون كل من عرف في الطريق مستحقا للزكاة، وأما الإحسان المطلق، فالأمر فيه أوسع وهو مطلوب دائما في كل شيء ومع كل أحد، كل شيء بقدره، وفي الحديث الصحيح: إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة إلخ، وهو في كتاب الصيد في صحيح مسلم فيما أذكر، وإنما جاءت الآية فيمن يتأكد الإحسان بهم، والضيف والمسافر منهم وإن لم يكونا مستحقين للزكاة، والأمر بالإحسان بابن السبيل يتضمن الترغيب في السياحة والإعانة عليها، وقد أهملها المسلمون في هذه العصور إلا قليلا خيره أقل، وذكرت في هامش تفسيره هذه الكلمة من آية {ليس البر} في الجزء الثاني: أن اللقيط يوشك أن يدخل في معنى "ابن السبيل"، واختار بعض أذكياء المعاصرين في رسالة له أن هذا هو المعنى المراد، واللفظ يتسع للقيط ولا سيما في باب الإحسان ما لا يتسع لغيره، وهو أولى وأجدر من اليتيم بما ذكرنا من الحكمة والفقه في الأمر بالإحسان به، وإنما غفل جماهير المفسرين عن ذكره لندرة اللقطاء في زمن المتقدمين منهم، ولا حظ للمتأخرين منهم من التأليف إلا النقل عنهم ; لأنهم في الغالب قد حرموا على أنفسهم الاستقلال في الفهم؛ لئلا يكون من الاجتهاد الذي تواطئوا على القول بإقفال بابه، وانقراض أربابه، والرضى باستبدال الجهل به، فإن غير المستقل بفهم الشيء لا يسمى عالما به كما هو بديهي، وعليه إجماع علماء السلف.
وقد كثر في هذه الأزمنة اللقطاء، ولولا عناية الجمعيات الدينية من الأوروبيين بجمعهم وتربيتهم وتعليمهم لكان شرهم في البلاد مستطيرا، فلله در هؤلاء الأوربيين ما أشد عنايتهم بدينهم، ونفع الناس به بحسب اجتهادهم واستطاعتهم، ويا لله ما أشد غفلة المسلمين وجهل جماهيرهم بأنفسهم، وبغيرهم، فإنهم يزعمون أنهم أشد من الإفرنج عناية بدينهم وغيرة عليهم وعملا به، بل يزعمون أن الإفرنج قد تركوا الدين ألبتة، يستنبطون هذه النتيجة من بعض أحرارهم الغالين، الذين يلقونهم فيسمعون منهم كلم الإلحاد، أو من السياسيين منهم الذين يزلزلون ثقتنا بالدين لما يجهل أكثرنا من المقاصد والأغراض، ونحن أحق الناس بتربية اللقطاء، وجميع أنواع البر والإحسان.
قال تعالى: {وما ملكت أيمانكم} أي: وأحسنوا بما ملكت أيمانكم، من فتيانكم وفتياتكم، وعبر في آية البر وفي آية الصدقات بقوله:
{ وفي الرقاب } [التوبة: 60] أي: تحريرها، وهذا هو الإحسان الأتم الأكمل وهو من المالك يحصل بعتقهم، ومن غيره بإعانتهم على شراء أنفسهم دفعة واحدة أو نجوما وأقساطا، وهو المعبر عنه بالمكاتبة، ودون هذا إحسان المالكين المعاملة إذا استبقوهم لخدمتهم وبينت السنة ذلك قولا وعملا، ومنها ألا يكلفوا ما لا يطيقون، وروى الشيخان وأبو داود والترمذي من حديث أبي ذر مرفوعا: هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبالغ ويؤكد في الوصية بهم في مرض موته فكان ذلك من آخر وصاياه، ومنه ما رواه أحمد والبيهقي من حديث أنس قال: " كانت عامة وصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين حضره الموت: الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره، وما يفيض بها لسانه "، فهل بعد هذه العناية، وهل بعد هذا التأكيد من تأكيد؟ قال الأستاذ الإمام: أوصانا الله تعالى بهؤلاء الذين يعدون في عرف الناس أدنى الطبقات؛ لئلا نظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم، ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، فبين لنا أن لهم حقا في الإحسان كسائر طبقات الناس، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
{إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} قال الأستاذ الإمام: هذا تعليل أو بمنزلة التعليل لكل هذه الوصايا المتقدمة، والمختال: هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال، فترى نفسه أعلى من نفوس الناس، وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه ما لا يتحمله هو منه، فالمختال: من تمكنت في نفسه ملكة الكبر، وظهر أثرها في عمله وشمائله، فهو شر من المتكبر غير المختال، والفخور: هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال، فهو يذكر ما يرى أنه ممتاز به على الناس تبجحا بنفسه وتعريضا باحتقاره غيره، فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى ; لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها الله عز وجل، وأوجبها للناس، وعمي عن نعمه تعالى عليهم وعنايته بهم، بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه ; لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره، فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها.
فمن فتش نفسه وحاسبها، علم أنه لا يعينه على القيام بعبادة الله تعالى ويطهره من نزغات الشرك به ومنازعته في صفاته، ويسهل عليه القيام بوصاياه هذه، وبغيرها إلى سكون النفس ومعرفتها قدرها ببراءتها من خلق الكبر الخبيث الذي تظهر آثار تمكنه ورسوخه بالخيلاء والفخر، إن المختال لا يقوم بعبادة الله تعالى؛ لأن عملا ما لا يسمى عبادة إلا إذا كان صادرا عن الشعوب بعظمة المعبود وسلطانه الأعلى غير المحدود، ومن أوتي هذا الشعور خشع قلبه، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه فلا يكون مختالا، إن المختال لا يقوم بحقوق الوالدين، ولا حقوق ذوي القربى؛ لأنه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره، وإذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين وفضلهما عليه ليس فوقه فضل إلا الله تعالى، ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته، فهل يرى نفسه مطالبا بحق ما لليتيم الضعيف، أو للمسكين الأسيف، أو للجار القريب أو البعيد، أو للصاحب النبيه أو المغمول، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول؟ كلا إن هذا رجل مفتون بنفسه مسحور في عقله وحسه، فلا يرجى منه البر والإحسان، وإنما يتوقع منه الإساءة والكفران، انتهى بتصرف وزيادة.
وأقول: ليس من الكبر والخيلاء أن يكون المرء وقورا في غير غلظة، عزيز النفس مع الأدب والرقة، حسن الثياب بلا تطرس، ولا ابتغاء شهرة، روى مسلم، وأبو داود، والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس" وبطر الحق: رده استخفافا به وترفعا أو عنادا، وغمص الناس وغمطهم: احتقارهم والازدراء بهم.
وروى الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس، قال:
"كنت عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقرأ هذه الآية فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما يبكيك ؟ فقال: يا رسول الله، إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي، قال: فأنت من أهل الجنة إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس" .
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: "أن رجلا جميلا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إني أحب الجمال وقد أعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل فمن الكبر ذلك؟ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس" ، ومن الخيلاء إطالة الثياب وجر الأذيال بطرا، ومنه مشية المرح، فترى الشاب يتمطى ويمرح ويأرن كالمهر أو العجل ويضرب برجليه الأرض: { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } [الإسراء: 37]، ولكن يجوز ذلك في الحرب، ومثله التعليم العسكري.
والفخور: كثير الفخر يعد مناقبه ويزكي نفسه تعاظما وتطاولا على الناس وتعريضا بنقصهم وتقصيرهم عن بلوغ مداه، والجمع بين هاتين الخلتين ـ الخيلاء وكثرة الفخر هو التناهي في الكبرياء والعتو على الله تعالى باحتقار خلقه، والامتناع عن الإحسان إليهم بالقول والعمل بدلا من الفخر والزهو عليهم بالقول والعمل، ولا سيما أصحاب تلك الحقوق المؤكدة والأحاديث في ذلك كثيرة، وكانوا يتفاخرون في الجاهلية بآبائهم فنهوا عن ذلك في الأحاديث صريحا فتركوه، والفخر في الشعر إذا أريد به الترغيب في الفضيلة فلا بأس به، وإلا كان مذموما.
ثم إنه تعالى بين حال هؤلاء المتكبرين بقوله: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} روى ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر بسند صحيح عن ابن عباس قال: " كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمر، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت كلهم من اليهود، يأتون رجالا من الأنصار ينتصحون لهم فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: {الذين يبخلون} ـ إلى قوله: {وكان الله بهم عليما} وروى ابن حميد وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: " هم أعداء الله أهل الكتاب بخلوا بحق الله تعالى عليهم وكتموا الإسلام ومحمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
وبناء على هاتين الروايتين جعل المفسر (الجلال) الآية كلاما مستأنفا في اليهود، فجعل: الذين يبخلون، مبتدأ خبره محذوف تقديره: لهم وعيد شديد، والظاهر أنه بدل من قوله تعالى: {من كان مختالا} أو صفة على القول بوقوع الموصول موصوفا وعليه الزجاج، وقيل: إنه منصوب أو مرفوع على الذم، وأقرب منه، ومن قول الجلال أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، والبخل بضم فسكون، وبه قرأ الجمهور، وبالتحريك: وبه قرأ حمزة والكسائي وقرئ بضمتين وبفتح وسكون وهما لغتان أيضا.
الأستاذ الإمام قال المفسر: يبخلون بما آتاهم الله من العلم والمال وهم اليهود، وهما قولان: فمن خص البخل بالبخل بالعلم جعل الكلام في اليهود، ومن قال: هو البخل بالمال لم يجعله في اليهود، فالمفسر جمع بين القولين وخص الكلام باليهود، واضطر لأجل ذلك إلى قطع الكلام وجعل الذين مبتدأ خبره محذوف، وإن لم يوجد في الكلام ما يدل عليه، ولمن يحمل الكلام على اليهود مندوحة عن هذا القطع إلى أهون منه، وهو القطع من ابتداء قوله تعالى: {إن الله لا يحب} إلخ، ومن العجيب أن مثل ابن جرير الطبري حمل الكلام على اليهود كأنه تعالى بعد تلك الأوامر بالإحسان ختم الكلام بقوله: إن الله لا يحب اليهود، وما هذا بأقرب إلى البلاغة من القطع الأول، وأعجب من قول ابن جرير تعليله إياه بأنه لا يوجد في الناس أمة تأمر الناس بالبخل على أنه دين، فتعين أن يكون المراد بالبخل البخل بغير المال، وكأن ابن جرير لم يخبر الناس، فإن من طبيعة البخيل الأمر بالبخل بحاله ومقاله ليسهل على نفسه خلقه الذميم ويجد له فيه أقرانا وأمثالا.
وذكر الأستاذ أن من الناس من أمروه بالبخل مرارا، وأن أمرهم كان يؤثر في نفسه أحيانا حتى إنه ربما رد يده بالدراهم إلى جيبه بعد إخراجها إذا كان للبخيل المنفر شبهة قوية كقوله: إن هذا غير مستحق فإعطاؤه إضاعة، وإذا وضع ما يراد إعطاؤه إياه في موضع كذا يكون خيرا وأولى، وأقول: إن هذا وقع لي أيضا حتى في هذا الأسبوع الذي أكتب فيه وأنا في القسطنطينية، وليس لدي الآن تفسير ابن جرير فأراجع عبارته فإني أرى العجب العجاب فيما نقله عنه الأستاذ هو مخالفته للرواية التي نقلتها عنه آنفا عن بعض التفاسير في سبب النزول وهي مروية عنه، وعن ابن إسحاق، وابن المنذر، والذم على الأمر بالبخل لا يتوقف على الأمر به باسم الدين فليراجعه من شاء وليتذكر القارئ ما نبهنا عليه من قبل في سبب النزول وهو أنهم يذكرون فيه الحوادث التي اقترنت بزمن نزول الآية إذا كانت تناسبها، وإن لم تكن الآية نزلت في الحادثة التي ذكروها خاصة بأن تكون نزلت في سياق هي متممة له، وإن الراوي رأى أنها تتناول تلك الحادثة، أو ظن أنها نزلت فيها خاصة، وقد يكون مخطئا في اجتهاده لمنافاة ذلك لأسلوب القرآن البليغ، ولنعد إلى سياق الأستاذ الإمام في الآية قال ما مثاله.
المتعين في السياق أن قوله تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} تعليل لما قبله، وأن قوله: {الذين يبخلون} إلخ، وصف لمن كان مختالا فخورا أو بدل منه، ولم يذكر ما يبخلون به فيخصه بالمال؛ لأن الإحسان بالوالدين، وذوي القربى وما عطف عليهم في الآية، لم يكن مرادا به الإحسان بالمال فقط كما علم مما تقدم بل منه الإحسان بالقول والمعاملة.
فالمراد بالبخل: البخل بذلك الإحسان المأمور به، فهو أعم من البخل بالمال فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السلام والنصح في التعليم، وبالنفس لإنقاذ المشرف على التهلكة، وكذلك كتمان ما آتاهم الله من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم، وجيء به بعد الأول لتوبيخ أهله، وبيان أنهم لا حق لهم فيه.
ويجوز أن يخص البخل بإمساك المال، ويجعل الكتمان عاما شاملا لما عداه من أنواع الإحسان، فالكلام في الإحسان، والمقصرون فيه إنما يقصرون بعلة الخيلاء والفخر، اللذين هما مظهر الترفع والكبر، فهو يبين لنا أن من كان ملوث النفس بتلك الرذيلة لا يكون محسنا؛ لأن الكبر يستلزم جحود الحق، ولا سيما إذا ظهرت آثاره بالقول والعمل، وجحود الحق يستلزم منعه، ومنعه هو البخل، فبين أن الملوثين بذلك الخلق الذي يبغض الله صاحبه ولا يحبه ـ وهو الكبر البين أثره ـ يبخلون بما أمروا به من الإحسان ويأمرون الناس بالبخل، إما بلسان المقال، وإما بلسان الحال بأن يكونوا قدوة سيئة في ذلك ويكتمون نعم الله تعالى عليهم بإنكارها وعدم الشكر عليها بالإنفاق منها ولذلك توعدهم بقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا}، أي: وهيأنا لهم بكبرهم وكفرهم، وبخلهم وعدم شكرهم، عذابا ذا إهانة يجمع لهم فيه بين الألم والمهانة والذلة جزاء كبرهم، وقال: للكافرين ولم يقل: (لهم) للإيذان بأن هذه الأخلاق والأعمال إنما تكون من الكفور، لا من المؤمن الشكور.
{والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} قال الأستاذ: الرئاء يخفف فيقال: الرياء مصدر راءى كالمراءاة والجملة عطف على الذين يبخلون وأعيد الموصول للدلالة على المغايرة في الأصناف كقوله تعالى:
{ والذين إذا فعلوا فاحشة } [آل عمران: 135]، من سورة آل عمران، أي أن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء صنفان: صنف يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم وصنف يبذلون المال لا شكرا لله على نعمته، واعترافا لعباده بحقوقهم، بل ينفقونه رئاء الناس، أي: مرائين لهم يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم ويحمدوا فعلهم، فالمرائي لا يقصد بإنفاقه إلا الفخر على الناس بكبريائه، وإشراع الطريق لخيلائه، فإنفاقه أثر تلك الملكة الرديئة.
والكبرياء كما تكون من شيء في نفس الشخص تكون أيضا بما يكون له من المال والعرض، فإنك لترى الرجل يمشي ينظر إلى عطفيه ويفكر في نفسه هل هو محل الإعجاب والتعظيم من الناس أم لا؟ ـ والمرجح عنده نعم على لا ـ وشر هذا دون شر البخيل، فإن هذا يحمل الناس على قبول اختياله وفخره في مقابلة شيء يبذله لهم، فكأنه رأى لهم شيئا من الحق عليه وهو بدل التعظيم والثناء الذي يطلبه برئائه، وأما البخيل تعظيمه ومدحه لأجل ماله ـ وماله في الصندوق مكتوم عنهم ـ فهو شر من المرائي بلا شك ; ولذلك قدم ذكر البخلاء اهتماما بهم؛ لأنهم أعرق في تلك الرذيلة وآثارها.
والمرائي في الحقيقة بخيل لا يرى لأحد عليه حقا ولكنه يتوهم أنه صاحب الفضل على الناس ; ولذلك يخص ببذله في الغالب من لا حق لهم عنده، ويبخل على أرباب الحقوق المؤكدة حتى على زوجه وولده وخادمه، وعلى الأقربين حتى الوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه مواضع النفع العام ولا الخاص، وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح وإن كان الإنفاق هنالك ضارا كالمساعدة على الفسق أو الفتن، فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له وتسخيرهم لقضاء حاجه والقيام بخدمته.
أقول: إن ما يبينه الأستاذ الإمام هنا هو الرياء الحقيقي الممقوت عند الله وعند خيار عباده، ويقول علماء الأخلاق الدينية: إن للرياء أنواعا ومراتب، وإن منها أن يبذل المال لمستحقه امتثالا لأمر الله تعالى وقياما بالحق وإيثارا للخير، وقد يخفيه، ولكنه يحب أن يحمد على ذلك إذا عرف، ويعدون الرياء من الشرك الخفي، ويقولون: إن منه ما هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء كهذا المثال الذي ذكرناه، وإنما هذا من قبيل ما يحاسب عليه أنفسهم الصديقون، ويقال في مثله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والحق أن من جاء بالإحسان لأنه إحسان فهو مرضي عند الله نافع للناس، فلا يضيره حبه أن يحمد بما فعل، وإن كان عدم المبالاة بذلك لذاته أكمل، وقد بينت ذلك بالتفصيل في تفسير:
{ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } [آل عمران: 188]، الآية (راجع الجزء الرابع من التفسير).
الأستاذ الإمام: ثم وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين المرائين بقوله: {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}، وهو من عطف السبب على المسبب والعلة على المعلول، ذلك بأن المرائي يثق بما عند الله، ويرجح التقرب إليهم على التقرب إليه، ويؤثر ما عندهم من المدح وتوقع النفع على ما أعده الله في الآخرة على الإيمان وعمل الصالحات فالله في نظره المظلم أهون من الناس، فهل يعد مثل هذا مؤمنا بالله إيمانا حقيقيا، مؤمنا باليوم الآخر كما يجب؟ أم يكون إيمانه تخيلا كتخيل الشعراء، وقولا كقول الصبيان: والله ما فعلت كذا.
فالواحد منهم ينطق باسم الله ويؤكد باسمه الكريم الكلام، وهو لا يعرف الله، وإنما يسمع الناس يقولون قولا فيقلدهم بما يحفظ منه، لا يعرف أنه هو موجد الكائنات، النافذ علمه وقدرته بما في الأرض والسماوات، فهل يكون مثل هذا مؤمنا بالله واليوم الآخر؟ كلا إنه لو كان مؤمنا باليوم الآخر موقنا بأن له هنالك حياة أبدية لا نهاية لها، لما فضل عليها عرض هذه الحياة القصيرة التي لا قيمة لها. ومن آيات الفرق بين المخلص والمرائي أن المرائي يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى، وما فعل، والمخلص قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة كأن يرغب بعض الناس في البذل، فيقول للغني مثلا: إنني على فقري أو على قدر حالي قد أعطيت في مصلحة كذا كذا درهما أو دينارا، فاللائق بك أن تبذل كذا.
وأقول: إن من شأن الكافر الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ألا يبذل مالا، ولا يعمل عملا صالحا إلا بقصد الرياء والسمعة ; لأنه ليس له وراء حظوظ هذه الدنيا أمل، ولا مطلب، والمؤمن ليس كذلك فإن وقع الرياء من مؤمن فإنما يقع من ضعيف الإيمان قليلا، ولا يكون كل عمل المؤمن كذلك بل يكون ذلك إلماما يندم عليه صاحبه ويسرع إلى التوبة، وإلا كان كافرا مجاهرا، أو منافقا مخادعا، وسيأتي شيء من تحقيق هذا البحث في تفسير قوله تعالى في هذه السورة:
{ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } [النساء: 142]. قال تعالى: {ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} أي أن الحامل لأولئك المتكبرين على ما ذكر هو وسوسة الشيطان التي عبر عنها في آية البقرة بقوله: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } [البقرة: 268]، فبين أن هؤلاء قرناء الشيطان، وهو بئس القرين فعلم أن حالهم في الشر كحال الشيطان، ولم يصرح بالمقصد بل اكتفى بذم من كان الشيطان قرينا له، وهذا من الإيجاز الذي لا يجده الإنسان في غير القرآن، قال الأستاذ الإمام: أقول: وفي الآية تنبيه إلى تأثير قرناء المرء في سيرته وما ينبغي من اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير أولئك الأنصار من مقارنة أولئك اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله وبيان أنهم شياطين يعدون الفقر، وينهون عن العرف ويأمرون بالمنكر، والقرين الصالح من يكون عونا لك على الخير، مرغبا لك فيه، منفرا لك بنصحه وسيرته عن الشر، مبعدا لك عنه، مذكرا لك بتقصيرك، مبصرا إياك بعيوب نفسك، وكم أصلح القرين الصالح فاسدا، وكم أفسد قرين السوء صالحا.
{وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله}، قال الأستاذ الإمام ما مثاله مع زيادة وإيضاح: أي ما الذي كان يصيبهم من الضرر لو آمنوا وأنفقوا؟ وهذا الكلام موجه إلى جميع المكلفين المخاطبين بالقرآن، وكان أكثر العرب يؤمنون قبل البعثة بالله تعالى وكونه هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومنهم من كان يؤمن بحياة أخرى بعد الموت وكانوا مع ذلك مشركين وإيمانهم على غير الوجه الصحيح، وكذلك أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله، وباليوم الآخر، ولكن الشرك كان قد تغلغل فيهم أيضا، فالمراد الإيمان الصحيح مع الإذعان الذي يظهر أثره في العمل، و لو على معناها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله من الاستفهام، والكلام مسوق مساق التعجب من حالهم في إنفاق المال، وعمل الإحسان لوجه الله عز وجل وابتغاء رضوانه وثوابه في الآخرة.
والمراد من التعجب إثارة عجب الناس من حالهم ; إذ لو أخلصوا لما فاتتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، وكثيرا ما يفوت المرائي غرضه من التقرب إلى الناس وامتلاك قلوبهم وتسخيرهم لخدمته أو الثناء عليه، ويفوز بذلك المخلص الذي يخفي العمل من حيث لا يطلبه ولا يحتسبه، ففي هذه الحالة يكون للمخلص سعادة الدارين، ويرجع المرائي بخفي حنين، بل يكون قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، فجهل المرائين جدير بأن يتعجب به ; لأنه جهل بالله وجهل بأحوال الناس، ولو آمنوا وأخلصوا وأحسنوا ووثقوا بوعد الله ووعيده لكان هذا الإيمان كنز سعادة لهم.
فإن من يحسن موقنا أن المال والجاه من فضل الله على العبد، وأنه ينبغي أن يتقرب بهما إليه تعلو همته فتهون عليه المصاعب والنوائب، ويكون هذا الإيمان الصحيح عوضا له من كل فائت، وسلوى في كل مصاب، وفاقد الإيمان الحقيقي عرضة للغم واليأس من كل خير عندما يرى خيبة أمله، وكذب ظنه في الناس، فإذا وقع في مصاب عظيم كفقد المال ولا سيما إذا ذهب كل ماله وأمسى فقيرا، ولم ينقذه الناس ولا بالوا به، فإن الغم والقهر ربما أماتاه جزعا لا صبرا، وربما بخع نفسه وانتحر بيده ; ولذلك يكثر الانتحار من فاقدي الإيمان.
وأما المؤمن فإن أقل ما يؤتاه في المصائب هو الصبر والسلوى فيكون وقع المصيبة على نفسه أخف، وثواء الحزن في قلبه أقل، وأكثره أن تكون المصيبة في حقه رحمة، وتتحول النقمة فيها نعمة، بما يستفيد فيها من الاختبار والتمحيص، وكمال العبرة والتهذيب (أقول: وقد بينا هذا في تفسير آيات من سورة آل عمران ولا سيما قوله تعالى:
{ قد خلت من قبلكم سنن } [آل عمران: 137]، إلى الآية 141 (راجع الجزء الرابع من التفسير)، إن النعم الباطنة هي المصائب التي يستفيد منها المؤمن زيادة الإيمان والاعتبار) على أن المؤمنين المحسنين المخلصين يكونون أبعد عن النوائب والمصائب من غيرهم، وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره فيعطيه إيمانه من الرجاء بالله تعالى ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها أحيانا، وإن من الناس من يعظم رجاؤه بالله وصبره على حكمه ورضاه بقضائه، واعتقاده أنه ما ابتلاه إلا ليربيه ويعظم أجره حتى إنه ليأنس بالمصيبة ويتلذذ بها، وهذا قليل نادر ولكنه واقع.
{وكان الله بهم عليما} أتى بهذه الجملة بعد ما تقدم لتنبيه المؤمن على الاكتفاء بعلم الله تعالى بإنفاقه وعدم مبالاته بعلم الناس، فهو الذي لا ينسى عمل عامل ولا يظلمه من أجره عليه شيئا وهو الذي يسخر القلوب لمن شاء، قال الأستاذ الإمام: لو لم ينزل في معاملة الناس بعضهم لبعض إلا هذه الآيات {واعبدوا الله} إلى قوله: {عليما} لكانت كافية لهداية من له قلب يشعر وعقل يفكر، ثم أخذ يبين تقصير المنتسبين إلى الإسلام في اتباع هذه الأوامر، وذكر من حال الناس في معاملة الوالدين والأقربين والجيران واليتامى والمساكين ما يتبرأ منه الإسلام، وكل ما ذكره مشاهد معروف، وأين المعتبرون المتعظون؟