التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
٤٠
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً
٤١
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً
٤٢
-النساء

تفسير المنار

قال البقاعي في نظم الدرر مبينا وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها: ولما فرغ من توبيخهم قال معللا له: {إن الله} إلخ، وقال الرازي: اعلم أن تعلق هذه الآية بقوله تعالى: {وماذا عليهم لو آمنوا} إلخ، فكأنه قال: فإن الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، فرغب بذلك في الإيمان والطاعة اهـ.
وقال الأستاذ الإمامرحمه الله تعالى: بعد ما بين تعالى صفات المتكبرين وسوء حالهم وتوعدهم على ذلك، أراد أن يزيد الأمر تأكيدا ووعيدا، فبين أنه لا يظلم أحدا من العاملين بتلك الوصايا قليلا أو كثيرا بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، فالآية تتميم لموضوع الأوامر السابقة وترغيب للعاملين في الخير كما قال في سورة الزلزلة:
{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [الزلزلة: 7]، إلخ، فمن سمع هذه الآية تعظم رغبته في الخير، ورجاؤه في الله تعالى.
(قال): وللعابثين بالكتاب وبعقائد الناس كلام في الآية، وأقاموه على أساس مذاهبهم فمن ذلك قول المعتزلة: إنه يجوز الظلم على الله تعالى (عقلا) لأنه لو لم يكن جائزا لما تمدح بنفيه، ورد عليهم الآخرون، بأنه تعالى نفى عن نفسه السنة والنوم، وأنتم متفقون معنا على استحالة ذلك عليه، فردوا عليهم بأن نفي الظلم كلام في أفعاله، ونفي النوم كلام في صفاته وفرق بينهما، وهذا كله من الجدل الباطل والهذيان، وإدخال الفلسفة في الدين بغير عقل ولا بيان، ومثله قول بعض المنتمين إلى السنة بجواز تخلف الوعيد ولا يعد ذلك ظلما؛ لأن الظلم لا يتصور منه تعالى، وبلغ بهم الجهل من تأييد هذا الرأي إلى تجويز الكذب على الله تعالى وجعلوا هذا نصرا للسنة.
والذي قذف بهؤلاء في هذه المهاوي هو الجدل والمراء لتأييد المذاهب التي تقلدوها، والتزام كل فريق تفنيد الآخر وإظهار خطئه لا طلب الحق أينما ظهر.
ولهم مثل هذه الجهالات الكثير البعيد عن كتاب الله ودينه، كقول المعتزلة: إن بعض الأشياء حسن لذاته وبعضها قبيح لذاته، ويجب على الله تعالى أن يفعل الأصلح من الأمرين الجائزين، وكقول بعض من لم يفهم مسألة أفعال العباد بما يدل على جواز العبث على الله تعالى وكل هذا جهل.
(قال): والذي يفهم من الآية أن هناك حقيقة ثابتة في نفسها وهي الظلم، وأن هذا لا يقع من الله تعالى؛ لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها، وعقولا يهتدون بها إلى ما لا يدركه الحس، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم، وجعل فوائد الدين وآدابه سائقة إلى الخير صارفة عن الشر لتأييدها بالوعد والوعيد، فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه وترتبت عليه عقوبته كان هو الظالم لنفسه؛ لأن الله لا يظلم أحدا.
قال: ونفي الظلم هاهنا على إطلاقه يشمل المؤمن والكافر، والذرة فيه عبارة عن منتهى الصغر في الأجسام، وقيل: الذر: الهباء، وقيل: النمل الصغير الأحمر، أو الذرة: رأس النملة الصغيرة، وأظهر من هذه الآية في العموم:
{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [الزلزلة: 7] إلخ، وقد قدر مفسرنا (الجلال) في الآية هنا (أحدا) للإشارة إلى العموم، ولكن ورد في الكافرين ما يدل على أنهم لا أثر لعملهم في الآخرة كقوله: { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } [الكهف: 105]، وقوله في عملهم: { فجعلناه هباء منثورا } [الفرقان: 23]، وقد قال بعضهم في الجمع: إن الله يجازيهم على أعمالهم في الدنيا، وهذا تأويل لا يأتي في سورة الزلزلة؛ لأن الكلام فيها خاص بيوم القيامة، وقال بعضهم غير ذلك، كل يحمل الآية على مذهبه كما هي عادة المقلدين في جعل مذاهبهم أصلا، والقرآن العزيز فرعا يحمل عليها، ولو بالتأويل السقيم والتحريف البعيد.
قال: ومن العجب أن يقول قائل بهذه التأويلات، وقد ورد في الأحاديث المسلمة عند قائليها أن بعض المشركين يخفف عنه العذاب بعمل له، حاتم بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي ونصره إياه، بل ورد حديث بالتخفيف عن أبي لهب لعتقه ثويبة حين بشر بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا وأبو لهب هو الذي نزل فيه:
{ تبت يدا أبي لهب } [المسد: 1]، إلخ، السورة، فالمعنى الصحيح إذن للآيات هو أن الله لا يقيم وزنا للمشرك في مقابلة شركه، بمعنى أنه لا يقابل الشرك عمل صالح فيمحوه، بل الأعمال الصالحة بإزاء الشرك هباء، ولكن المشرك العاصي أشد عذابا من المشرك المحسن، ولا يعقل أن يكون المحسن والمسيء عنده تعالى سواء، فإن هذا من الظلم المنفي بلا شك.
أقول: المثقال ـ مفعال من الثقل ـ المقدار الذي له ثقل مهما قل، وأطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره وهو معروف، والذرة أصغر ما يدرك من الأجسام كما اختار الأستاذ الإمام، وما أطلق على النملة وعلى رأسها وعلى الخردلة، وعلى الدقيقة من دقائق الهباء وهو ما يظهر في نور الشمس الداخل من الكوى ـ إلا لبيان مكان صغر هذه الأشياء ; ولذلك روي عن ابن عباس في الذرة روايتان مختلفتان، روي عنه أنها رأس النملة، وروي عنه أنه أدخل يده في التراب، ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة، وروي أن ابن مسعود قرأ: "إن الله لا يظلم مثقال نملة"، وقد بينا من قبل أن مثل هذه القراءة لا يقصد بها القرآن، وإنما يقصد بها التفسير، والظلم معناه في الأصل النقص كما قال تعالى في سورة الكهف:
{ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } [الكهف: 33]، فمعنى قوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} أن الله تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله، والجزاء عليه شيئا ما وإن صغر كذرة الهباء، بل يوفيه أجره، ولا يعاقبه بغير استحقاق للعقوبة، وقد بينا معنى نفي الظلم عن البارئ في مواضع التفسير وفي المنار، منها تفسير: { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [آل عمران: 117] فيراجع جزء التفسير الرابع ومنها تفسير { ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد } [آل عمران: 182]، وتفسير: { ما للظالمين من أنصار } [آل عمران: 192]، ولا أذكر غيرها الآن.
ومما يوضح هذا المعنى في التفسير الكلام في الجزاء وموازين الأعمال، ولا تفهم هذه الآية حق الفهم إلا باستبانة ما حققناه غير مرة في معنى الجزاء وكون الثواب والعقاب تابعين لتأثير أعمال الإنسان في نفسه بالتزكية أو التدسية، والقرآن يفسر بعضه بعضا ويؤيد بعضه بعضا، وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاع الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله عز وجل ; لأن العبيد لا يستحقون عنده شيئا من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلما، ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء، ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضا.
وهذا يقول: إن إثابة المحسن وعقاب المسيء أمر حسن في ذاته موافق للحكمة، فهو واجب عليه تعالى أو واجب في حقه كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص، فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ "يجب عليه" ولعلهم قالوا: "يجب له" فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصد واحد وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين وفرقهم شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض كان مبنيا على المشاحة في الألفاظ والاصطلاحات.
وكتاب الله ودينه يتبرأ من ذلك وينهى عنه، ومن فهم من مجموع القرآن ما قررناه مرارا في مسألة الجزاء يفقه معه نفي الظلم عليه تبارك اسمه وتعالى جده، فلكل عمل أثر في نفس العامل يرفع نفسه بالحق والخير إلى عليين، أو يهبط بها إلى سافلين، ولذلك درجات ومثاقيل مقدرة في نفسها لا يحيط بدقائقها إلا من أحاط بكل شيء علما.
{وإن تك حسنة يضاعفها} أقول: أي أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله مثقال ذرة، ولكنه يزيد للمحسن في حسنته، فإن كانت الذرة التي عملها العامل سيئة كان جزاؤها بقدرها، وإن كانت حسنة يضاعفها له الله تعالى عشرة أضعاف أو أضعافا كثيرة كما قال تعالى في آية أخرى:
{ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، وفي معناها آيات، وقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: 245]، وقرأ ابن كثير: {وإن تك حسنة}، برفع حسنة أي: وإن توجد حسنة يضاعفها، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وابن جبير: " يضعفها " بتشديد العين من التضعيف وهو بمعنى المضاعفة، وردوا قول أبي عبيدة: إن ضاعف يقتضي مرارا كثيرة وضعف يقتضي مرتين.
{ويؤت من لدنه أجرا عظيما} يعني أن فضله تعالى أوسع من أن يضاعف للمحسن حسنته فقط بألا يكون عطاؤه إلا في مقابلة الحسنات، بل هو يزيد المحسنين من فضله ويعطيهم من لدنه أي من عنده لا في مقابلة حسناتهم أجرا عظيما أي عطاء كبيرا قالوا: إنه سمى هذا العطاء أجرا، وهو لا مقابل له من الأعمال؛ لأنه تابع للأجر على العمل فسمي باسمه من قبيل مجاز المجاورة.
ولعل نكتة هذا التجوز هي الإيذان بأن هذا العطاء العظيم لا يكون لغير المحسنين، فهو علاوة على أجور أعمالهم، والعلاوة على الشيء تقتضي وجود ذلك الشيء، فلا مطمع فيها للمسيئين الذين غلبت سيئاتهم المفردة على حسناتهم المضاعفة، فما قولك بالمشركين الذين طمست حسناتهم في ظلمة شركهم والعياذ بالله تعالى! والظاهر أن هذا الأجر العظيم هو النعيم الروحاني برضوان الله الأكبر، وقد تقدم الكلام فيه غير مرة فراجعه في مظانه.
ومن مباحث اللفظ في الآية حذف النون في قوله: وإن تك فإن أصلها "تكن" فحذفت النون للتخفيف سماعا، وعللوه بتشبيهها بحروف العلة من حيث الغنة والسكون "ولدن" بمعنى: عند، وقال بعضهم: إن "لدن" أقوى في الدلالة على القرب من " عند " فلا يقال: لدي مال إلا إذا كان حاضرا، ويقال: عندي مال، وإن كان غائبا.
{فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال الأستاذ الإمام: بعد ما جاء بالوعد والوعيد في الآية السابقة جاء بهذه الآية معطوفة بالفاء فهو يقول: إذا كان الله لا يضيع من عمل عامل مثقال ذرة، فكيف يكون حال الناس إذا جمعهم الله، وجاء بالشهداء عليهم وهم الأنبياء فما من أمة إلا ولها بشير ونذير هذه الشهادة هي التي غفل عنها الناس وبكى لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ; إذ أمر بعض الصحابة بأن يقرأ عليه شيئا من القرآن وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم الناس بالقرآن.
هذه الشهادة يوم يجمع الله الناس مع أنبيائهم هي عبارة عن مقابلة عقائدهم، وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء، وأعمالهم وأخلاقهم.
تعرض أعمال كل أمة على نبيها لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين وسائر أتباع الأنبياء، فمن شهد لهم نبيهم بعد معرفة أعمالهم وظهورها، بأنهم على ما جاء به وعمل وأمر الناس بالعمل به فهم الناجون.
إن كل أمة من أتباع الأنبياء تدعي اتباع نبيها، وإن كانت قلوبهم مملوءة بالحقد والحسد والغل، وأعمالهم كلها شرور أو مفاسد عليهم وعلى الناس، فهؤلاء يتبرأ الأنبياء منهم وإن ادعوا هم اتباعهم والانتماء إليهم.
وقد اختلفوا في المراد بقوله: {على هؤلاء شهيدا} قيل: إن المراد به شهادة خاتم المرسلين على المرسلين قبله فهم يشهدون على أممهم، وهو يشهد عليهم، وقيل: هي شهادته على أمته وهذا هو الموافق لقوله تعالى:
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والخطاب للمؤمنين في عصر التنزيل، وقد تقدم في تفسيره أن هذه الأمة تكون بسيرتها شهيدة على الأمم السابقة، وحجة عليها في انحرافها عن هدي المرسلين، وأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يكون بسيرته العالية وسنته المعتدلة حجة على المفرطين والمفرطين من أمته اتباعا للبدع الطارئة والتقاليد المحدثة من بعده، فراجع تفصيل ذلك في أول الجزء الثاني من التفسير.
وأما الحديث الذي أشار إليه الأستاذ فهو ما روى أحمد والبخاري في صحيحه، والترمذي والنسائي، وغيرهم من حديث ابن مسعود أنه قال:
"قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: اقرأ علي، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم، أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} إلخ، فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان" . فليت شعري هل يعتبر المسلمون بهذا وهم المشهود عليهم كما اعتبر الشهيد الأعظم فيبكون لتذكر ذلك اليوم كما بكى، ويستعدون باتباع سنته، واجتناب جميع البدع والتقاليد الدينية التي لم تكن في عهده، لأن يكونوا كأصحابه أمة وسطا لا تفريط عندها في الدين، ولا إفراط لا في أمور الجسد ولا في أمور الروح، أم يظلون سادرين في غلوائهم، مقلدين لآبائهم؟ ألا يعلمون كيف يكون حال الكافرين والعاصين في ذلك اليوم؟
{يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} قيل: إن هذا استئناف لبيان حال الكافرين التي أشير إلى شدتها، والظاهر عندي أنه جواب {فكيف} في الآية قبلها، ومعنى تلك الآية: فكيف يكون حال الناس إذا جئنا من كل أمة بشهيد إلخ. والجواب: يومئذ يود أي يحب ويتمنى الذين كفروا وعصوا الرسول فلم يتبعوا ما جاء به أن يصيروا ترابا تسوى بهم الأرض فيكونوا وإياها سواء كما قال في آخر سورة النبأ:
{ ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا } [النبأ: 4]، وقيل: أن يدفنوا وتسوى بهم الأرض أو تسوى عليهم كما تسوى على الموتى عادة.
وقيل: يتمنون أن تكون الأرض لهم فيدفعوها فدية، فتكون مساوية لهم:
{ إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } [المائدة: 36]، وقرأ نافع وابن عامر (تسوى) بفتح التاء وتشديد السين المفتوحة على أن أصلها تتسوى فأدغمت التاء في السين لقربها منها في المخرج، وقرأها حمزة بتخفيف السين مع الإمالة بحذف تاء تتسوى الثانية وهي لغة مشهورة.
{ولا يكتمون الله حديثا} عطف على يود أي: لا يكتمون شيئا من خبر كفرهم ولا سيئاتهم في ذلك الوقت الذي تقوم به الحجة عليهم بشهادة أنبيائهم الذين كانوا ينسبون إليهم ما كانوا عليه من كفر وأباطيل وبدع وتقاليد.
قال بعض المفسرين: إن قوله تعالى: {ولا يكتمون الله حديثا} ليس خبرا مجردا وإنما الواو فيه للحال، والمعنى أنهم يودون لو يموتون أو يكونون ترابا فتسوى بهم الأرض، ولا يكونون كتموا الله تعالى وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكار شركهم وضلالهم الذي بينه تعالى من حالهم في الآخرة بقوله:
{ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 22 - 24]، فهم عندما يكذبون وينكرون شركهم، إما لاعتقادهم أن ما كانوا عليه ليس شركا، وإنما هو استشفاع وتوسل إلى الله بمن اختار من خلقه، وإما مكابرة وتوهما أن ذلك ينفعهم ويدرأ عنهم العذاب، عند ذلك يشهد عليهم الأنبياء المرسلون أنهم لم يكونوا متبعين فيما أحدثوا من شركهم، وإنما كان شيئا ابتدعوه من عند أنفسهم بقياس ربهم على ملوكهم الظالمين وأمرائهم المستبدين الذين يتركون عقاب بعض المسيئين بشفاعة المقربين إليهم من بطانتهم ويقربون من لا يستحق التقريب بشفاعتهم أيضا، فإذا شهدوا عليهم تمنوا لو كانوا سويت بهم الأرض وما افتروا ذلك الكذب.
وروى الحاكم عن ابن عباس وصححه: أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض، ومن جوز أن يكون ذلك خبرا مجردا معطوفا على يود قال: إنهم ينكرون في بعض مواقف القيامة، ويعترفون في بعضها، ويصح أن يقال: إنهم كذبوا وكتموا في ذلك اليوم، وأن يقال: إنهم اعترفوا وما كذبوا بأن يكون حصل كل واحد من النقيضين في وقت غير الوقت الذي حصل فيه الآخر.
ومثل هذا مشاهد في محاكمة المجرمين في الدنيا ينكرون ثم يقرون، ويكذبون ثم يصدقون، وقال بعضهم: إن المراد بالكتمان هنا كتمان الحق في الدنيا ككتمان أهل الكتاب صفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والبشارات به، وظاهر كلام الجمهور أن الحديث في الآية هو الكلام، وذهب البقاعي إلى أن معناه الشيء المحدث، أو المبتدع الذي لم يجئ به رسلهم، قال: أي شيئا أحدثوه، بل يفتضحون بسيئ أخبارهم، ويحملون جميع أوزارهم، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته، وما نصب للناس من بيناته.