التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً
٤٣
-النساء

تفسير المنار

قال البقاعي في نظم الدرر: ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض، والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني العدم، ومنعت فيه قوة يد القهر والجبر أن يكتم حديثا، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به، والطاعة لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الموقف في ذلك اليوم، والذي حظرت معاني اللطف والجمال فيه الالتفات إلى غيره، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} إلخ، وقال بعضهم في وجه الاتصال: إنهم لما نهوا عن الإشراك به تعالى نهوا عما يؤدي إليه بغير قصد، وقيل: لما أمروا فيما تقدم بالعبادة أمروا هنا بالإخلاص في رأس العبادة.
الأستاذ الإمام: أمر الله تعالى في الآيات السابقة بعبادته وترك الشرك به وبالإحسان للوالدين وغيرهم، وتوعد الذين لا يقومون بهذه الأوامر والنواهي، وقد عرفنا من سور أخرى أن الله تعالى يأمر بالاستعانة بالصلاة على القيام بأمور الدين وتكاليفه كما قال:
{ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة } [البقرة: 153]، وقال: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [العنكبوت: 45]، وقال: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين } [المعارج: 19 - 22]، وقد كثر في القرآن الأمر بالصلاة، لا بالصلاة هكذا مطلقا بل بإقامتها، وإنما إقامتها القيام بها على الوجه الأكمل، وهو أن ينبعث المؤمن إليها بباعث الشعور بعظمة الله وجلاله ويؤديها بالخشوع له تعالى، فهذه الصلاة هي التي تعين على القيام بالأوامر وترك النواهي ; ولذلك جاء ذكرها هاهنا عقب تلك الأوامر والنواهي الجامعة.
وقد ذكرت الصلاة في القرآن بأساليب مختلفة، وذكرت هاهنا في سياق النهي عن الإتيان بها في حال السكر الذي لا يتأتى معه الخشوع والحضور مع الله تعالى بمناجاته بكتابه، وذكره ودعائه، فالمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد؛ إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي وفي التنزيل خاصة
{ ولا تقربوا الزنا } [الإسراء: 32]، والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته، ومن مقدمات الصلاة الإقامة، فقد سنها الله لنا لإعدادنا للدخول في الصلاة.
وقال بعض المفرقين الذين يحملون القرآن على مذاهبهم المستحدثة: إن الآية تدل على جواز، بل وقوع التكليف بالمحال ; إذ وجه الأمر إلى السكران وهو لا يعي الخطاب، والجواب عنه من وجوه:
(أحدها): أن الخطاب موجه إلى المسلم قبل السكر بأن يجتنبه إذا ظن أنه ينتهي به إلى التلبس بالصلاة في أثنائه، فهو أمر بالاحتياط واجتناب السكر في أكثر الأوقات، أقول: سيأتي ما يؤيده من العبارة، ولذلك قال العلماء: إن هذه الآية تمهيد لتحريم السكر تحريما قطعيا لا هوادة فيه، فإن من يتقي أن يجيء عليه وقت الصلاة وهو سكران، يترك الشرب عامة النهار، وأول الليل لانتشار الصلوات الخمس في هذه المدة، فالوقت الذي يبقى للسكر في وقت النوم من بعد العشاء إلى السحر، فيقل الشرب فيه لمزاحمته للنوم الذي لا بد منه، وأما أول النهار من صلاة الفجر إلى وقت الظهيرة، فهو وقت العمل والكسب لأكثر الناس، ويقل أن يسكر فيه غير المترفين الذين لا عمل لهم، وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال السكر، وصاروا يعلمون ما يقولون قال:
(ثانيها): أن الأمر موجه إلى جمهور المؤمنين ; لأنهم متكافلون مأمورون بمنع المنكر فعليهم أن يمنعوا السكران من الدخول في الصلاة، فالأمر على حد:
{ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } [النساء: 35]، أي على حد الأقوال إذ يدخل فيه الزوجان.
(ثالثها): أن السكر الذي يطلبه الغواة لا ينافي فهم الخطاب، وهو النشوة والسرور ففي هذه الحالة يفهم السكران ويفهم ويصح أن يوجه إليه الخطاب، ولكنه لا يضبط أعماله وأفكاره وأقواله بالتفصيل؛ ولذلك قال تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} فأما ما ينتهي إليه السكران مما لا يقصد فصاحبه لا يخاطب فيه، وهو ما عرف به أبو حنيفة السكران إذ قال: إنه من لا يفرق بين الأرض والسماء، وهناك قول آخر في معنى هذا القول، وهذا التعليل للنهي يفيد أن العلم بما يقوله الإنسان في الصلاة من تلاوة وذكر واجب أو شرط، والعلم به فهمه ; ولهذا المعنى أجاز أبو حنيفة الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها أي إلى أن يحسنها أو يعجز، هذا هو حاصل المعنى على القول بأن المراد بالصلاة حقيقتها كما هو الظاهر، فإن أريد بها موضعها فالمراد تنزيه المساجد وهي بيوت الله عن اللغو والكلام الباطل الذي من شأنه أن يبدر من السكران.
أقول: روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه عن علي كرم الله وجهه قال: " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت:
{ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون } [الكافرون: 1-2]، فنزلت "، وفي رواية ابن جرير، وابن المنذر عن علي: " أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن، وكانت الصلاة صلاة المغرب، وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة ".
وهذا يدل على أن المراد بالصلاة حقيقتها، وروي عن سعيد بن المسيب، والضحاك، وعكرمة، والحسن أن المراد بالصلاة هنا مواضعها، وروي عن الشافعي أنه حمل اللفظ على الأمرين معا بناء على تجويزه الجمع بين الحقيقة والمجاز، وروي عن جعفر، والضحاك، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس أن المراد بالسكر سكر النعاس وغلبة النوم، ولعل من روي عنه ذلك شبه النعاس بالسكر وجعل حكمه كحكمه، فظن الراوي أنه فسره به والعلة في قياسه عليه ظاهرة، وفي حديث أنس عند البخاري مرفوعا
"إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف، فلينم حتى يعلم ما يقول" ، " وحتى " للغاية وفي بعض كلام الأستاذ الإمام ما يشعر بأنها للتعليل، والظاهر الأول كحتى في الجملة الآتية، وهو يدل على وجوب معرفة اللغة العربية على كل مسلم لفهم ما يقول في الصلاة.
وقوله تعالى: {ولا جنبا}، عطف فيه قوله: ولا جنبا، على قوله: وأنتم سكارى، والمعنى لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا، فجملة وأنتم سكارى، حالية فهي في حيز النصب، وفرق عبد القاهر في دلائل الإعجاز بين الحال المفردة، والجملة الحالية، فمعنى جاء زيد راكبا، أن الركوب كان وصفا له حال المجيء فهو تابع للمجيء مقدر بقدره، ومعنى جاء وهو راكب أن الركوب وصف ثابت في نفسه، وقد جاء في حال تلبسه به، وقد تكون الجملة الحالية غير وصف لذي الحال كقولك: جاء والشمس طالعة، وقد يتقدم مضمونها فعل ذي الحال الذي جعلت قيدا له، وقد يتأخر عنه، وأما الحال المفردة، فيعتبر فيها مقارنة فعل ذي الحال.
ولهذا قال بعض فقهاء الشافعية: من قال: لله علي أن أعتكف صائما وجب عليه أن يصوم لأجل الاعتكاف ولا يجزئه أن يعتكف في رمضان، ومن قال: لله علي أن أعتكف وأنا صائم لا يلزمه صوم لأجل الاعتكاف، بل يجزئه أن يعتكف في رمضان ; لأن مضمون الجملة الحالية لا يشترط أن يكون مقارنا لفعل ذي الحال كما يشترط ذلك في الحال المفردة.
هذا وإني لا أذكر أني رأيت للمفسرين بيانا لنكتة اختلاف الحالين في هذه الآية، فلم لم يقل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا، أو لا تقربوا الصلاة، وأنتم سكارى ولا وأنتم جنب، أو يجعل الأولى مفردة والثانية جملة؟ وهل يقع هذا الاختلاف في تعبير القرآن اتفاقا، أو لمجرد التفنن في العبارة؟ كلا إن النكتة ظاهرة لا تخفى على من كانت اللغة ملكة له، وقد تخفى عمن تكون صناعة عنده لا يفهم دقائق نكتها إلا عند تذكر القواعد الصناعية التي تدل عليها وتدبرها، ومن كانت له الملكة والصناعة قد يفهم المراد في الجملة ويغفل عن إيضاحها بالقواعد الصناعية.
إن التعبير بجملة {وأنتم سكارى} يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة فيفضي إلى أدائها في أثنائه، فالمعنى: احذروا أن يكون السكر وصفا لكم عند حضور الصلاة فتصلوا وأنتم سكارى، فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة، بل وفيما يقرب من وقتها، وليس المعنى: لا تصلوا حال كونكم سكارى.
وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الأستاذ الإمام، وأجاب عنه بثلاثة أجوبة، وإنما كان يرد لو قال تعالى: لا تقربوا الصلاة سكارى أو يقال في دفعه هذا، والجواب الأول من تلك الأجوبة في معنى هذا، ولكنه ليس مأخوذا من منطوق الآية ومدلول الجملة الحالية، وإنما فهمنا منه أنه مأخوذ من توقف الامتثال على اجتناب السكر قبل الصلاة، وصرح بأنه من باب الاحتياط.
وأما نهيهم عن الصلاة جنبا فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة، ولهذا لم يقل: وأنتم جنب، فيا لله العجب من دقة عبارة القرآن وبلاغتها، واشتمالها على المعاني الكثيرة باختلاف التعبير ; فقد دلت الآية باختلاف الحالين على أن الشارع يريد صرف الناس عن السكر، وتربيتهم على تركه بالتدريج لما فيه من الإثم والضرر، ولا يريد صرفهم عن الجنابة؛ لأنها من سنن الفطرة، وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا، فهذا النهي تمهيد لفرض الطهارة من الجنابة، وكونها شرطا للصلاة، وذلك النهي تمهيد لتحريم الخمر ألبتة في سياق إيجاب الفهم، والتدبر لما في الصلاة من الأذكار والتلاوة.
والجنب، قال الأستاذ الإمام: يعرفه كل أحد ـ يعني من قراء العربية ـ لأنه مستعمل الآن عند الخاصة والعامة في المعنى الذي جاء به القرآن، ولكنه لم يذكر ما هي صيغته وما معنى أصل مادته، وقد استعملت العرب هذا اللفظ استعمال المصادر في الوصفية، فقالوا: هو جنب وهي جنب، وهم جنب وهم جنب، وثناه وجمعه بعضهم فقالوا: جنبان وأجناب وجنوب.
وقال أبو البقاء: هو مشتق من المجانبة بمعنى المباعدة، وليس بظاهر. وقد قالوا: جانبه بمعنى سار إلى جنبه، ومنه الصاحب بالجنب لرفيق السفر، والأصل فيه أنه يركب بجانب رفيقه في الشقدف على البعير، فيكون إشارة إلى المضاجعة التي هي أعم أسباب الجنابة، وعندي أن الجار الجنب هو من كان بيته بجانب بيتك، وفاتني ذكر ذلك في موضعه.
{إلا عابري سبيل} أي: لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا كونكم عابري سبيل أي: مجتازي طريق، وقيل: إن {إلا} هنا صفة بمعنى غير، ولم يلتفت صاحب هذا القول إلى ما اشترطه ابن الحاجب لذلك من تعذر الاستثناء، ومن قال: إن المراد بالصلاة هنا حقيقتها فسر عابر السبيل هنا بالمسافر، ومن قال: إن المراد بالصلاة مواضعها ـ أي المساجد ـ فسر بالمجتاز لحاجة، قاله الأستاذ وغيره، وقد استدل الشافعية بالآية على جواز مرور الجنب في المسجد إذا كانت له حاجة، وعلى تحريم المكث فيه عليه، وقد علمت أن الشافعي يجيز أن يراد بالصلاة هنا حقيقتها ومكانها معا، وحينئذ يجعل استثناء العبور باعتبار المكان، وإني لأستبعد التعبير عن السفر بعبور السبيل، والسفر مذكور في الآية وفي غيرها من الآيات بلفظ السفر، فالمتعين عندي في العبور ما قاله الشافعية وغيرهم من مفسري السلف وهو بالمرور بالمسجد ; لأنه من قرب الصلاة سواء أريد بها المكان وحده، أم المكان والحقيقة والمجاز معا أم الحقيقة وحدها ; لأن المكث في المسجد من مقدمات الصلاة، فالمنع منه يدخل في النهي عن قرب الصلاة.
ويؤيد هذا ما هو معروف من كون بعض جيران المسجد النبوي كان لبيوتهم أبواب ومنافذ من المسجد، فكانوا يعبرون منه إلى بيوتهم، وكان كثير من فقراء الصحابة يقيمون في المسجد، فلما نزلت فهموا منها ولا بد أن إقامة الجنب في المسجد تعد من قرب الصلاة، فلو لم يستثن عابري السبيل لكان على أولئك الجيران حرج في إلزامهم ألا يخرجوا من بيوتهم قبل الاغتسال إذا كانوا جنبا، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسد تلك الأبواب والكوى إلا في آخر عمره الشريف، وقد استثنى خوخة ابن أبي قحافة (أبي بكر رضي الله عنه) والخوخة: الكوة والباب الصغير مطلقا، أو ما كان في الباب الكبير، بل ورد أن من أقام في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة.
{حتى تغتسلوا} أي: لا تقربوا الصلاة جنبا إلا بأدائها، ولا بالمكث في مكانها إلى أن تغتسلوا إلا ما رخص لكم فيه من عبور السبيل في المسجد، وحكمة الاغتسال من الجنابة كحكمة الوضوء وهي النظافة والطهارة كما سيأتي في آية الوضوء من سورة المائدة، ولهاتين الطهارتين فوائد صحية وأدبية سنبينها هنا بالتفصيل إن شاء الله تعالى، والاغتسال عبارة عن إفاضة الماء على البدن كله، ومن شأن الجنابة أن تحدث تهيجا في المجموع العصبي فيتأثر بها البدن كله ويعقبها فتور، وضعف فيه يزيله الماء ; ولذلك جاء في الحديث الصحيح:
"إنما الماء من الماء" رواه مسلم.
وقد جهل هذا من اعترض على حكمة التشريع، وقال: لو كان الدين موافقا للعقل لما أوجب في الجنابة إلا غسل أعضاء التناسل، فأوجب الله تعالى فيما جعله غاية للنهي عن صلاة الجنب أن يتحرى الإنسان في صلاته النظافة والنشاط، كما أوجب فيما جعله غاية للنهي عن صلاة السكران أن يتحرى فيها العلم والفهم وتدبر القرآن والذكر، ويتوقف هذا على معرفة لغة القرآن فهي واجبة على كل مسلم ـ كما تقدم ـ وهذا شيء من حكمة مشروعية الغسل.
ولما كان الاغتسال من الجنابة يتعسر في بعض الأحوال، ويتعذر في بعضها ومثله الوضوء، وكانت الصلاة عبادة محتومة وفريضة موقوتة لا هوادة فيها ولا مندوحة عنها ; لأنها بتكرارها تذكر المرء إذا نسي مراقبة الله تعالى فتعده للتقوى، بين لنا سبحانه الرخصة في ترك استعمال الماء، والاستعاضة عنه بالتيمم، فقال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} طويل أو قصير، والشأن فيهما تعسر استعمال الماء، ولا سيما في الحجاز وغيره من جزيرة العرب، وقد يكون الماء ضارا بالمريض كبعض الأمراض الجلدية والقروح.
{أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء} أي: أو أحدثتم حدثا أصغر، وهو خروج شيء من أحد السبيلين ـ القبل والدبر ـ وعبر عنه بالمجيء من الغائط كناية كما هي سنة القرآن في النزاهة بالكناية عما لا يحسن التصريح به، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض كالوادي، وأهل البوادي والقرى الصغيرة يقصدون بحاجتهم الأماكن المنخفضة لأجل الستر، والاستخفاء عن الأبصار، ثم صار لفظ الغائط حقيقة عرفية في الحدث لكثرة الاستعمال، ويكنى عن الحديث في المدن الآهلة التي تتخذ فيها الكنف بكنايات أخرى، وملامسة النساء: كناية عن غشيانهن والإفضاء إليهن، وحقيقة اللمس المشترك من الجانبين ولو باليد فهو كالمباشرة، وحقيقتها إصابة البشرة للبشرة، وهي ظاهر الجلد.
وقرأ حمزة والكسائي "أو لمستم" ولا تنافي قراءتهما ذلك التجوز المشهور، وقال الشافعي: إن الآية تدل على نقض الوضوء بلمس بشرة النساء إلا المحارم منهن، وبه قال الزهري والأوزاعي {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} أي: ففي هذه الحالات: المرض والسفر وفقد الماء عقب الحدث الأصغر الموجب للوضوء والحدث الأكبر الموجب للغسل تيمموا صعيدا طيبا، أي اقصدوا وتحروا مكانا ما من صعيد الأرض، أي: وجهها طيبا، أي طاهرا لا قذر فيه ولا وسخ، فامسحوا هناك وجوهكم وأيديكم، تمثيلا لمعظم عمل الوضوء فصلوا.
فقيد {فلم تجدوا ماء} للجائي من الغائط وملامس النساء على مذهب من يجعل القيد بعد الجمل للأخيرة، ومذهب من يجعله للجميع إلا أن يمنع مانع، والمانع هنا: أنه لا يظهر وجه لاشتراط فقد الماء لتيمم المريض، والمسافر دون الصحيح والمقيم.
الأستاذ الإمام: المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثا أصغر، أو ملامس النساء ولم يجد الماء فعلى كل هؤلاء التيمم فقط، هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه.
وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرا فلم أجد فيها غناء، ولا رأيت قولا فيها يسلم من التكلف، ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحا جليا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره، وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية ـ مفرداتها وأساليبها ـ إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة عند حافظي أحكامها من الكتب مع عدم تحصيل ملكة البلاغة ـ إلى آخر ما أطال به في الإنكار على المفسرين الذين عدوا الآية مشكلة ; لأنها لم تنطبق على مذاهبهم انطباقا ظاهرا سالما من الركاكة وضعف التأليف، والتكرار التي يتنزه عنها أعلى الكلام وأبلغه.
وإذا كانرحمه الله قد راجع خمسة وعشرين تفسيرا رجاء أن يجد فيها قولا لا تكلف فيه، فأنا لم أراجع عند كتابة تفسيرها إلا روح المعاني وهو آخر التفاسير المتداولة تأليفا، وصاحبه واسع الاطلاع فإذا به يقول: "الآية من معضلات القرآن"، ووالله إن الآية ليست معضلة ولا مشكلة، وليس في القرآن معضلات إلا عند المفتونين بالروايات والاصطلاحات، وعند من اتخذوا المذاهب المحدثة بعد القرآن أصولا للدين يعرضون القرآن عليها عرضا، فإذا وافقها بغير تكلف أو بتكلف قليل فرحوا وإلا عدوها من المشكلات والمعضلات ; على أن القاعدة القطعية المعروفة عمن أنزل عليه القرآن ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن خلفائه الراشدين رضي الله عنهم أن القرآن هو الأصل الأول لهذا الدين، وأن حكم الله يلتمس فيه أولا فإن وجد فيه يؤخذ، وعليه يعول ولا يحتاج معه إلى مأخذ آخر، وإن لم يوجد التمس من سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، على هذا أقر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاذا حين أرسله إلى اليمن ; وبهذا كان يتواصى الخلفاء والأئمة من الصحابة والتابعين، وقد رأى القارئ أن معنى الآية واضح في نفسه لا تكلف فيه ولا إشكال، ولله الحمد.
سيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم إن الآية واضحة المعنى كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز، ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين ويعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها إليه، ولنا أن نقول لمثل هؤلاء ـ وإن كان المقلد لا يحاج؛ لأنه لا علم له ـ وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلا مشكلا؟
وأي الأمرين أولى بالترجيح: آلطعن ببلاغة القرآن وبيانه لحمله على كلام الفقهاء، أم تجويز الخطأ على الفقهاء؛ لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التي منها قصر الصلاة وجمعها وإباحة الفطر في رمضان، فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين؟
أليس من المجرب أن الوضوء والغسل يشقان على المسافر الواجد للماء في هذا الزمان الذي سهلت فيه أسباب السفر في قطارات السكك الحديدية والبواخر؟ أفلا يتصور المنصف أن المشقة فيهما أشد على المسافرين على ظهور الإبل في مفاوز الحجاز وجبالها؟
هل يقول منصف: إن صلاة الظهر، أو العصر أربعا في السفر أسهل من الغسل أو الوضوء فيه؟ السفر مظنة المشقة يشق فيه غالبا كل ما يؤتى في الحضر بسهولة، وأشق ما يشق فيه الغسل والوضوء، وإن كان الماء حاضرا مستغنى عنه، واضرب لهم مثلا هذه الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، فإن الماء فيها كثير دائما وفي كل باخرة منها حمامات، أي: بيوت مخصوصة للاغتسال بالماء السخن والماء البارد، ولكنها خاصة بالأغنياء الذين يسافرون في الدرجة الأولى أو الثانية، وهؤلاء الأغنياء منهم من يصيبه دوار شديد يتعذر عليه معه الاغتسال أو خفيف يشق معه الاغتسال ولا يتعذر، فإذا كانت هذه السفن التي يوجد فيها من الماء المعد للاستحمام ما لم يكن يوجد مثله في بيت أحد من أهل المدينة زمن التنزيل يشق فيها الاغتسال أو يتعذر، فما قولك في الاغتسال في قطارات سكك الحديد أو قوافل الجمال أو البغال؟
ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص، وعليه مدار الأحكام، واحتمال ربط قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} بقوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} بعيد، بل ممنوع ألبتة ـ كما تقدم ـ على أنهم لا يقولون به في المرضى؛ لأن اشتراط فقد الماء في حقهم لا فائدة له؛ لأن الأصحاء مثلهم فيه، فيكون ذكرهم لغوا يتنزه عنه القرآن، ونقول: إن ذكر المسافرين كذلك، فإن المقيم إذا لم يجد الماء يتيمم بالإجماع، فلولا أن السفر سبب للرخصة كالمرض لم يكن لذكره فائدة ; ولذلك عللوه بما هو ضعيف متكلف.
وما ورد في سبب نزولها من فقد الماء في السفر، أو المكث مدة على غير ماء لا ينافي ذلك، رووا " أنها نزلت في بعض أسفار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد انقطع فيها عقد لعائشة، فأقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على التماسه والناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة، وقال: حبست رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فنزلت الآية، فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن حضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر " رواه الستة، وفي رواية: يرحمك الله تعالى يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجا.
فهذه الرواية، وهي من وقائع الأحوال لا حكم لها في تغيير مدلول الآية، ولا تنافي جعل الرخصة أوسع من الحال التي كانت سببا لها، ألا ترى أنها شملت المرضى، ولم يذكر في هذه الواقعة أنه كان فيها مرضى شق عليهم استعمال الماء على تقدير وجوده، وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدا للماء، ولا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل التيمم فيها خاصا بفاقدي الماء دون غيرهم، ومثلها سائر الروايات المصرحة بالتيمم في السفر لفقد الماء التي هي عمدة الفقهاء على أنها منقولة بالمعنى، وهي وقائع أحوال مجملة لا تنهض دليلا، ومفهومها مفهوم مخالفة، وهو غير معتبر عند الجمهور ولا سيما في معارضة منطوق الآية.
وإننا نرى رخصة قصر الصلاة قد قيدت بالخوف من فتنة الكافرين كما سيأتي في هذه السورة، ونرى هؤلاء الفقهاء كلهم لم يعملوا فيها بمفهوم هذا الشرط المنصوص الذي كان سبب الرخصة، أفلا يكون ما هنا أولى بألا يشترط فيه شرط ليس في كتاب الله؟ وروي في سبب النزول أيضا أن الصحابة نالتهم جراحة وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزلت، وروي أيضا أنها نزلت فيمن اغتسل في السفر بمشقة وسيأتي.
وإذا ثبت أن التيمم رخصة للمسافر بلا شرط، ولا قيد بطلت كل تلك التشديدات التي توسعوا في بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوه من وجوب طلبه في السفر، وما وضعوه لذلك من الحدود كحد القرب وحد الغوث، وأذكر أنني عندما كنت أدرس شرح المنهاج في فقه الشافعية قرأت باب التيمم في شهرين كاملين لم أترك الدرس فيهما ليلة واحدة، فهل ورد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أحد الصحابة تكلم في التيمم يومين أو ساعتين؟ وهل كان هذا التوسع في استنباط الأحكام والشروط والحدود سعة ورحمة على المؤمنين أم عسرا وحرجا عليهم وهو ما رفعه الله عنهم؟.
{إن الله كان عفوا غفورا} العفو ذو العفو العظيم، ويطلق العفو بمعنى اليسر والسهولة ومنه في التنزيل:
{ خذ العفو } [الأعراف: 199]، وفي الحديث: "قد عفوت عن صدفة الخيل والرقيق" ، أي: أسقطتها تيسيرا عليكم، ومن عفوه تعالى أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل، ومن معاني العفو محو الشيء يقال: عفت الريح الأثر، ويقال: عفا الأثر (لازم) أي: أمحي، ومنه العفو عن الذنب عفا عنه، وعفا له ذنبه، وعفا عن ذنبه، أي: محاه، فلم يرتب عليه عقابا، فالعفو أبلغ من المغفرة ; لأن المغفرة من الغفر، وهو الستر، وستر الذنب بعدم الحساب والعقاب عليه لا ينافي بقاء أثر خفي له، ومعنى العفو ذهاب الأثر، فالعفو عن الذنب جعله كأن لم يكن بألا يبقى له أثر في النفس لا ظاهر ولا خفي، فهذا التذييل للآية مبين منشأ الرخصة واليسر الذي فيها، وهو عفو الله تعالى، ومشعر بأن ما كان من الخطأ في صلاة السكارى كقولهم: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون) مغفور لهم لا يؤاخذون عليه، وإننا نختم تفسير الآية بمسائل في أحكام التيمم لا بد منها.
المسألة الأولى: معنى التيمم اللغوي والشرعي قد علمت أن التيمم في الآية بمعنى القصد وهو المعنى اللغوي، قال الأعشى:

تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن

ثم صار حقيقة شرعية في العمل المخصوص، وهو ضرب اليدين بوجه الأرض، ومسح الوجه واليدين بهما، وصاروا يقولون: تيمم بالتراب، وقد جمع بعضهم بين المعنيين، فقال:

تيممتكم لما فقدت أولي النهى ومن لم يجد ماء تيمم بالترب

المسألة الثانية ـ محل التيمم نص الآية أن محله الوجه واليدان، ولكن اليد تطلق كثيرا على ما تزاول به الأعمال من الكف والأصابع وحدها الرسغ، وإن شئت قلت: المفصل الذي يربط الكف بالساعد وهي التي تقطع في حد السرقة، وتطلق على الذراع من أطراف الأصابع إلى المرفق، وتطلق على مجموع الذراع والعضد إلى الإبط والكتف ; ولذلك اختلف الناس في مسح اليدين على ثلاثة أقوال، واختلفت الروايات فيه أيضا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة والتابعين، وإننا نلخص ذلك مع بيان الراجح.
فنقول: جاء في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له:
"إنما كان يكفيك هكذا" ، وضرب ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه ـ وسيأتي نصه وسببه وما قيل فيه ـ وفي لفظ للدارقطني: "إنما يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين" وذكر النووي في شرح مسلم أن هذا مذهب عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث. أقول: وعليه الشيعة الإمامية أيضا.
وروى الترمذي أن ابن عباس احتج له بإطلاق الأيدي في آية السرقة، والاتفاق على أن المراد بهما الكفان، ورد الحافظ ما أوله به النووي، وروى الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا:
"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" وهذا هو عمدة جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، وغيرهم، وفي إسناده علي بن ظبيان وثقه يحيى بن القطان، وهشيم وغيرهما، ولكن قال الحافظ ابن حجر: هو ضعيف ضعفه ابن القطان وابن معين وغير واحد.
وفي رواية من حديث عمار: إن المسح إلى الإبطين، وبها أخذ الزهري، وستعلم ما فيها، ولفظ حديث عمار في رواية الصحيحين وغيرهما عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى " أن رجلا أتى عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: إني أجنبت ولم أجد ماء، فقال له: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأصابتنا جنابة فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك في الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" ، فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال: نوليك ما توليت أي: بل نكلك إلى ما قلت ونرد إليك ما وليته نفسك، وذلك إذن له برواية الحديث والإفتاء به، وهذا هو المعتمد الذي لا حجة على غيره، وله بوب البخاري في صحيحه، قال الحافظ في الفتح:
"قوله: باب التيمم للوجه والكفين، أي: هو الواجب المجزئ، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهم فورد بذكر اليدين مجملا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيها مقال، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكل تيمم صح للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به.
مما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، وراوي الحديث أعلم بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد، انتهى كلام الحافظ ابن حجر وهو فصل الخطاب في المسألة.
المسألة الثالثة: التيمم ضربة واحدة ولا ترتيب فيه في المسألة روايتان، وفي رواية شقيق لحديث عمار في الصحيحين بضربة واحدة فهي أقل ما يجزئ، والجمهور من الفقهاء وأهل المذاهب على الضربتين قال الحافظ في الفتح.
"قوله: ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه "، هكذا في جميع الروايات بالشك، وفي رواية أبي داود تحرير ذلك من طريق أبي معاوية أيضا ولفظه: " ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه.
وفيه الاكتفاء بضربة واحدة في التيمم، ونقله ابن المنذر عن جماهير العلماء واختاره، وفيه أن الترتيب غير مشروط في التيمم، قال ابن دقيق العيد: اختلف في لفظ هذا الحديث فوقع عند البخاري بلفظ "ثم" وفي سياقه اختصار، ولمسلم بالواو ولفظه: "ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" وللإسماعيلي ما هو أصرح من ذلك قلت: ولفظه من طريق هارون الجمال عن أبي معاوية: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك"، اهـ.
المسألة الرابعة: ما هو الصعيد؟: قال في القاموس: والصعيد التراب أو وجه الأرض، وقال الثعالبي في فقه اللغة: الصعيد تراب وجه الأرض، وفي المصباح: الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره، قال الزجاج: لا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك، وقال في المصباح أيضا: ويقال: الصعيد في كلام العرب على وجوه على التراب الذي على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، أقول: ولأجل هذا اختلف الفقهاء، فقال بعضهم: يجوز أن يضرب يديه على أي مكان طاهر من الأرض، ويمسح وجهه ويديه، واستدلوا من الروايات بتيمم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة من جدار، كما في الصحيحين من حديث أبي الجهم، وبالحديثين اللذين تراهما في المسألة التاسعة.
وقال بعضهم: إنه لا يجزئ إلا بالتراب، واستدلوا على ذلك بحديث:
"وجعلت تربتها لنا طهورا" وهو عند مسلم من حديث حذيفة مرفوعا، وفي رواية ابن خزيمة بلفظ: التراب ومثله حديث علي عند أحمد والبيهقي بإسناد حسن "وجعل التراب لنا طهورا" وجعلوا للتراب معنى مقصودا كما ستعلم في مسألة حكمة التيمم. وأجاب الأولون عن هذا بأن لفظ التربة والتراب لا يؤخذ بمفهومه؛ لأنه مفهوم لقب ذهب جمهور الأصوليين إلى عدم اعتباره، فهو لا يخصص المنطوق وإنما قال به اثنان من الشافعية، وواحد من المالكية، وبعض الحنابلة.
على أن التراب هو الأعم الأكثر من صعيد الأرض فخص بالذكر في بعض الروايات لأجل ذلك، وجاءت بعض الروايات بلفظ الأرض، كحديث جابر المرفوع في الصحيحين والنسائي:
"وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا" واستدلوا بلفظ منه في سورة المائدة إذ قال: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } [المائدة: 6]، فقالوا إن هذا لا يتحقق إلا فيما ينفصل منه شيء، وعارضهم الآخرون بما تقدم ذكره من تيمم النبي من الجدار في المدينة، ولهم أن يقولوا: إنه ربما كان عليه غبار، وفي رواية الشافعي: " أنه حكه بالعصا، ثم مسح منه " وفيها مقال على أن ما ينفصل منه شيء ليس خاصا بالتراب، فأكثر مواد الأرض ينفصل منها شيء إذا ديست، أو سحقت، ومن التراب اللزج الذي ييبس فلا ينفصل منه شيء بضرب اليدين عليه إلا أن يداس كثيرا أو يدق.
ويرى هؤلاء أن {من} في آية المائدة للابتداء لا للتبعيض، وهو خلاف المتبادر، وأقرب منه أن تكون لبيان ما هو الأكثر والأغلب، ولو كان الغبار قيدا لا بد منه لذكر في آية النساء ; لأنها متقدمة في النزول على سورة المائدة، وعمل الناس بإطلاقها زمنا طويلا، وهي التي تسمى آية التيمم، وهذا التقييد فيه عسر ينافي الرخصة ونفي الحرج الذي عللت به في سورة المائدة، فإن المسافر يعسر عليه أن يجد التراب الطاهر الذي ينفصل منه الغبار في كل مكان ; ولهذا رأيت بعض المستمسكين بهذا المذهب يحملون في أسفارهم أكياسا فيها تراب ناعم يتيممون منه، والعمل بإطلاق الآية أوسع من ذلك وأيسر، ولم يفعل ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة تبوك مثلا، وما كان يوجد التراب إلا في بعض طريقها، ولو كان الغبار مقصودا لما نفض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفيه بعد أن ضرب بهما الأرض كما في رواية شقيق لحديث عمار، ولما أمر بنفخهما في رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى له، وهل يبقى بعد النفض والنفخ ما يكفي لإصابة الوجه واليدين من الضربة الواحدة؟ فجملة القول: أن الدليل على اشتراط التراب أو الغبار غير قوي، فيضرب المتيمم بيديه أي مكان طاهر من ظاهر الأرض حيث كان ويمسح، فإن وجد مكانا فيه غبار واختاره للخروج من الخلاف فذاك، ولكن ينبغي أن ينفض يديه أو ينفخهما من الغبار، ولا يعفر وجهه به، وإن عد بعضهم التعفير من حكمة التيمم، فالسنة تخالفه.
المسألة الخامسة ـ التيمم عن الحدثين لفاقد الماء، المسافر والمقيم فيه سواء: تقدم حديث عمار في السفر، وحديث عمران بن حصين في الرجل الذي اعتزل الصلاة مع الجماعة للجنابة وفقد الماء، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له:
"عليك بالصعيد فإنه يكفيك" وهو في الصحيحين، وسنن النسائي وفي حديث أبي ذر عند أصحاب السنن مرفوعا، وصححه الترمذي بلفظ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير وفيها رواية شقيق لحديث عمار، قال: كنت عند عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيت يا عبد الرحمن لو أن رجلا أجنب ولم يجد الماء شهرا كيف يصنع؟ فقال: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا، فقال أبو موسى: كيف بهذه الآية في سورة المائدة: { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } [المائدة: 6]، قال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، قال: إنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار لعمر: "بعثني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت بالصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرت له ذلك، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه وشماله" ، أو ظهر شماله بكفه، "ثم مسح بهما وجهه" ، فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟
أقول: بل قنع عمر بقول عمار كما تقدم، ولكنه كان يكره التوسع في هذه الرخصة، وكان عمر وعبد الله يريان أن التيمم إنما يكون عن الوضوء دون الجنابة، ويريان أن المراد بالملامسة مس البشرة، وأنه ينقض الوضوء وعليه الشافعية، وروي أن عمر، وعبد الله بن مسعود رجعا عن قولهما هذا، ولم يحك ذلك عن غيرهما إلا عن إبراهيم النخعي من التابعين، وقد انعقد الإجماع بعد ذلك على مشروعية التيمم للوضوء والجنابة، وأن كيفيته لهما واحدة.
المسألة السادسة في كون المتيمم لا يعيد الصلاة إذا وجد الماء: وهذا هو ظاهر الآية، فإن الله تعالى أسقط عنه شرط الطهارة بالماء، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود والنسائي والدارمي والحاكم والدارقطني قال:
"خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين " .
المسألة السابعة: الرواية في تيمم المسافر مع وجود الماء: قد علمت أن هذا هو الظاهر المتبادر من الآية التي لا يظهر بدونه تفسيرها بغير تكلف يخل ببلاغتها، ولكنني لم أر في ذلك رواية عملية صريحة إلا حديث الأسلع بن شريك في سبب نزول الآية، ففي الدر المنثور للحافظ السيوطي ما نصه:
"وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والقاضي إسماعيل في الأحكام، والطحاوي في مشكل الآثار، والبغوي، والبارودي في الصحابة، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والضياء المقدسي في المختارة عن الأسلع بن شريك قال:
"كنت أرحل ناقة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرحلة فكرهت أن أرحل ناقته وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت، فأمرت رجلا من الأنصار في إرحالها، ثم رضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم سمعت (لعله أدركت) رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فقال: يا أسلع، ما لي أرى رحلتك تغيرت؟ قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال: ولم؟ قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القر على نفسي فأمرته أن يرحلها ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل}، إلى قوله: {إن الله كان عفوا غفورا}" وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، والبيهقي في سننه من وجه آخر عن الأسلع قال: "كنت أخدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرحل له فقال لي ذات ليلة: يا أسلع، قم فأرحل، فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة فسكت عني ساعة حتى جاءه جبريل بآية الصعيد، فقال: قم يا أسلع، فتيمم" ثم أراني الأسلع كيف علمه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التيمم، فضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكفيه الأرض، فمسح وجهه، ثم ضرب فدلك إحداهما بالأخرى، ثم نفضهما، ثم مسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما اهـ. وحديث الأسلع في التيمم بالضربتين في سنده الربيع بن بدر، وهو ضعيف وممن رواه عنه الدارقطني، والروايات في التيمم في السفر قليلة، وفي أكثرها ذكر فقد الماء، فهذا هو الذي جعل الآية مشكلة أو معضلة عند المفسرين ; على أن أكثر تلك الروايات أو كلها على كونها وقائع أحوال منقولة بالمعنى، ومن نظر في آية نظرا مستقلا فهمها كما فهمناها، قال السيد حسن صديق خان:
قال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}، وقد كثر الاختباط في تفسير هذه الآية، والحق أن قيد عدم الوجود راجع إلى قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء}، فتكون الأعذار ثلاثة: السفر، والمرض، وعدم الوجود في الحضر، وهذا ظاهر على قول من قال: إن القيد إذا وقع بعد جمل متصلة كان قيدا لآخرها، وأما من قال: إنه يكون قيدا للجميع إلا أن يمنع مانع فكذلك أيضا ; لأنه قد وجد المانع هاهنا من تقييد السفر والمرض بعدم الوجود للماء، وهو أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الباب كالصوم، ويؤيد هذا أحاديث التيمم التي وردت مطلقة ومقيدة بالحضر، انتهى من شرحه للروضة الندية، وقد اتفق لي أن رأيته عند أحد الأصدقاء بعد كتابة تفسير الآية وإرساله من القسطنطينية إلى مصر ليطبع فيها، فألحقته بهذه المسألة.
ولا يخفى أن الاحتياط: الأخذ بالعزيمة وعدم ترك الطهارة بالماء إلا لمشقة شديدة، وناهيك بما في استعمال الماء من النظافة وحفظ الصحة والنشاط للعبادة كما سيأتي بيانه في تفسير آية الوضوء من سورة المائدة إن شاء الله تعالى، وإنني لم أتيمم في سفر من أسفاري قط على أنني وجدت في بعضها مشقة ما في الوضوء.
المسألة الثامنة: التيمم من الجراح والبرد. الجراح من المرض أو في معنى المرض، فهي مظنة الضرر من استعمال الماء أو المشقة، وقد ورد في أسباب نزول الآية أن بعض الصحابة فشت فيهم الجراح وأصابتهم الجنابة فنزلت آية التيمم فيهم كما تقدم.
وفي حديث جابر عند أبي داود وابن ماجه والدارقطني، وصححه ابن السكن قال: " خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر بذلك، فقال:
"قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده" وقد تفرد بهذا الحديث الزبير بن خريق وليس بالقوي، وروي من طرق أخرى فيها مقال.
وعن عمرو بن العاص: أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال:
"احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكروا له ذلك، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يقل شيئا" رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم وأخرجه البخاري تعليقا.
قال العلماء، إن ضحك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبلغ في إقرار ذلك من مجرد السكوت على أن سكوته حجة، فإنه لا يقر على باطل، واشترط العلماء في التيمم للبرد العجز عن تسخين الماء، ولو بالأجرة وعن شراء الماء الساخن بالثمن المعتدل.
المسألة التاسعة: التيمم كالوضوء في الوقت وقبله وفي استباحة عدة صلوات به: لأنه بدل عن الوضوء فكان له حكمه، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، وأئمة الفقه الثلاثة والعترة يشترطون ذلك، واستدلوا بآية الوضوء ولا دليل فيها، واستدل بعضهم بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا:
"جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت" ، وحديث أبي أمامة مرفوعا "جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة عنده مسجده وعنده طهوره" رواهما أحمد ولا دليل فيهما، وكذلك لا يقوم دليل على اشتراط التيمم لكل صلاة ; لأن ذلك يتوقف على النص ولا نص، وما قيل من أنه طهارة ضعيفة هو من الفلسفة المنقوضة.
المسألة العاشرة: جرى جماهير العلماء على أن التيمم أمر تعبدي محض لا حكمة له إلا الإذعان والخضوع لأمر الله تعالى ; وذلك أن لأكثر العبادات منافع ظاهرية لفاعليها، ومنها: الوضوء والغسل، فإذا هي فعلت لأجل فائدتها البدنية أو النفسية ولم يقصد بها مع ذلك الإذعان وطاعة الشارع الحكيم لم تكن عبادة ; ولذلك كان التحقيق أن النية واجبة في العبادات كلها ولا سيما الطهارة، ومعنى النية قصد الامتثال والإخلاص لله في العمل لا ما ذكره بعضهم من الفلسفة، فالحكمة العليا للتيمم هي أن يأتي المكلف عند الصلاة بتمثيل بعض عمل الوضوء ليشير به إلى أنه إذا فاته ما في الوضوء أو الغسل من النظافة، فإنه لا يفوته ما فيه من معنى الطاعة، فالتيمم رمز لما في الطهارة المتروكة للضرورة من معنى الطاعة التي هي الأصل في طهارة النفس المقصودة من الدين أولا وبالذات، والتي شرعت طهارة البدن؛ لتكون عونا عليها ووسيلة لها ; فإن من يرضى لنفسه أن يعيش في الأوساخ والأقذار لا يكون عزيز النفس آبي الضيم كما يليق بالمؤمن، وسيأتي شرح هذا المعنى عند قوله تعالى في آية الوضوء من سورة المائدة:
{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } [المائدة: 6].
ويلي هذه الحكمة حكمة أخرى عالية، وهي ما في تمثيل عمل الطهارة بالإشارة من معنى الثبات والمواظبة والمحافظة، فمن اعتاد ذلك يسهل عليه إتقان العمل وإتمامه، ومن اعتاد ترك العمل المطلوب المؤقت في بعض أوقاته لعذر يوشك أن يتهاون به في بعض الأوقات لغير عذر، بل لمحض الكسل ; فملكة المواظبة والمحافظة ركن من أركان التربية والنظام، وترى مثل ذلك واضحا جليا في نظام الجندية الحديث، فإن الجنود في مأمنهم داخل المعاقل والحصون يقيمون الخفراء عليهم آناء الليل والنهار في أوقات السلم والأمان؛ لكيلا يقصروا في ذلك أيام الحرب، ولهم مثل ذلك أعمال كثيرة هم لها عاملون، كذلك نرى العمال في المعامل والبواخر يتعاهدون الآلات بالمسح والتنظيف في أوقات معينة، كما يتعاهد الخدم في القصور والدور العامة والخاصة للأمراء والحكام وغيرهم من الذين يلتزمون النظام في معيشتهم الأماكن بالكنس والفرش والأثاث بالتنفيض والمسح في أوقات معينة، وإن لم يكن هنالك وسخ ولا غبار، وبذلك تكون هذه المعاهد كلها وما فيها نظيفا دائما، وما من مكان تترك فيه هذه القاعدة العملية، وتتبع قاعدة تنظيف الشيء عند طروء الوسخ أو الغبار عليه فقط، إلا وترى الوسخ يلم به في أوقات كثيرة.
فإذا تأملت هذا ظهر لك أن إباحة القيام للصلاة عند فقد الماء مثلا بدون الإتيان بعمل يمثل طهارتها، ويذكر بها تضعف ملكة المواظبة حتى يصير العود إليها عند وجود الماء مستثقلا، وأن في التيمم تقوية لتلك الملكة وتذكيرا بما لا بد منه عند إمكانه بغير مشقة، هذا ما ظهر لي، ولم أسمعه قبل من أستاذ ولا رأيته في كتاب، ولعلك تراه معقولا مقبولا لا تكلف فيه، ثم إنني أنقل لك ما قاله العلماء في ذلك، قال العلامة ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين:
(فصل): ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف القياس من وجهين.
(أحدهما): أن التراب ملوث لا يزيل درنا ولا وسخا ولا يطهر البدن، كما لا يطهر الثوب.
والثاني أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح، ولعمر الله إنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين، وهو على وفق القياس الصحيح، فإن الله سبحانه وتعالى جعل من الماء كل شيء حي وخلقنا من التراب، فلنا مادتان الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس، والماء حياة كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركب عليها هذا العالم وجعل قوامه بهما، وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر المعتاد، فلم يجز العدول عنه إلا في حال العدم أو العذر بمرض أو نحوه، وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لوث ظاهرا فإنه يطهر باطنا، ثم يقوي طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه.
فصل: وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضع التراب على الرءوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار ما هو أحب في العبادات إليه، وأنفعها للعبد ; ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله وألا يقصد وقاية وجهه من التراب، كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد، وجعل بينه وبين التراب وقاية، فقال: ترب وجهك.
وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين، وأيضا فموافقة ذلك القياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جعل في العضوين المغسولين وسقط من العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو، إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها وهو الميزان الصحيح.
وأما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث، فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى، إذ في ذلك من المشقة، والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم، ويدخل أكرم المخلوقات على الله في شبه البهائم إذا تمرغ في التراب، فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه، ولله الحمد، اهـ.
وقال الشعراني في الميزان في وجه قول الشافعي وأحمد: لا يجوز التيمم إلا بالتراب، أو برمل فيه غبار، وقول أبي حنيفة ومالك بجوازه بالحجارة وجميع أجزاء الأرض حتى النبات عند مالك أقول: وكذا الثلج والجليد في رواية ما نصه: " ووجه الأول قرب التراب من الروحانية؛ لأن التراب هو ما يحصل من عكارة الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي فهو أقرب شيء إلى الماء، بخلاف الحجر، فإن أصله الزائد الصاعد على وجه الماء فلم يتخلص للمائية ولا للترابية، فكان ضعيف الروحانية على كل حال بخلاف التراب.
وسمعت سيدي عليا الخواصرحمه الله يقول: إنما لم يقل الشافعي وغيره بصحة التيمم بالحجر مع وجود التراب لبعد الحجر عن طبع الماء وروحانيته فلا يكاد يحيي العضو الممسوح، ولو سحق، لا سيما أعضاء أمثالنا التي ماتت من كثرة المعاصي والغفلات وأكل الشهوات.
وسمعته مرة أخرى يقول: نعم ما فعل الشافعي من تخصيص التيمم بالتراب لما فيه من قوة الروحانية به بعد فقد الماء، لا سيما أعضاء من كثر منه الوقوع في الخطايا من أمثالنا، فعلم أن وجوب استعمال التراب خاص بالأصاغر، ووجوب استعمال الحجر خاص بالأكابر الذين لا يعصون ربهم، لكن إن تيمموا بالتراب زادوا روحانية وانتعاشا. وسمعته مرة أخرى يقول: وجه من قال: يصح التيمم بالحجر مع وجود التراب كونه رأى أن أصل الحجر من الماء، كما ورد في الصحيح أن رجلا قال: " يا رسول الله، جئت أسألك عن كل شيء، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"كل شيء خلق من الماء" انتهى، إلى أن قال الشعراني: لكن لا ينبغي للمتورع التيمم بالحجر إلا بعد فقد التراب؛ لأنه مرتبة ضعيفة بالنظر للتراب، ثم أورد آية التقوى بقدر الاستطاعة، والحديث الذي بمعناها، ثم قال: ونظير ما نحن فيه قول علمائنا في باب الحج: إن من لا شعر برأسه يستحب إمراره الموسى عليه تشبيها بالحالقين، فكذلك الأمر هنا، فمن فقد التراب المعهود ضرب على الحجر تشبيها بالضاربين بالتراب، انتهى المراد منه.
وقال الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله، المحدث الدهلوي في كتابه (حجة الله البالغة) ما نصه: لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما يستطيعونه، وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل ; لتطمئن نفوسهم ولا تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة، ولا يألفوا ترك الطهارات، أسقط الوضوء والغسل في المرض والسفر إلى التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء من الملأ الأعلى بإقامة التيمم مقام الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء أحد الأمور العظام التي تميزت بها الملة المصطفوية من سائر الملل، وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"جعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" .
أقول: إنما خص الأرض؛ لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج؛ ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلا عن الغسل بالماء، ولأن فيه تذللا بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء ولم يشرع التمرغ؛ لأن من حق ما لا يعقل معناه بادي الرأي أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب؛ ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعا للحرج بالكلية، وفي معنى المرض: البرد الضار لحديث عمرو بن العاص، والسفر ليس بقيد إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن، وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب؛ لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلا ليحصل به التنبه اهـ.
أقول: أحسن ما أورده الشعراني التنظير بمسألة إمرار الموسى على رأس من لا شعر له عند التحلل من الإحرام، وأحسن ما قاله الدهلوي مسألة اطمئنان النفس بالبدل واتقاء أن يألفوا ترك الطهارة، وهذا قريب من الوجه الثاني الذي أوردته أو شعبة منه ; على أنني ما رأيته إلا بعد أن قررت هذا المعنى مرارا وكتبته قبل الآن، ولله الحمد أولا وآخرا وباطنا وظاهرا.