التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً
٥
وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٦
-النساء

تفسير المنار

المفردات: (السفهاء) جمع سفيه من السفه والسفاهة، وتقدم في تفسير سورة البقرة أن السفه هو الاضطراب في الرأي، والفكر، أو الأخلاق. وأصله الاضطراب في المحسوسات. وقال الراغب: السفه خفة في البدن، ومنه قيل: زمام سفيه: كثير الاضطراب، وثوب سفيه: رديء النسج. واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية والأخروية. ثم جعل السفه في الأمور الدنيوية هو المراد من لفظ السفهاء هنا، ومثل للسفه في الأمور الأخروية بقوله - تعالى -: { وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا } [الجن: 4]. فالسفهاء هنا هم المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ويسيئون التصرف بإنمائها وتثميرها - قياما تقوم بها أمور معايشكم فتحول دون وقوعكم في الفقر، وقرأها نافع، وابن عامر (قيما)، وهو بمعنى قياما كما يأتي. قال الراغب القيام والقوام: اسم لما يقوم به الشيء، أي يثبت، كالعماد، والسناد لما يعمد به، وذكر الآية. وفسرت في الكشاف بقوله: أي تقومون بها، وتتعيشون، ولو ضيعتموها لضعتم قال: وقرئ (قيما) بمعنى قياما كما جاء عوذا بمعنى عياذا - وارزقوهم من الرزق، وهو العطاء من الأشياء الحسية، والمعنوية، ويطلق على النصيب من الشيء، وقد يخص بالطعام، قيل: وهو الظاهر هنا لمقابلته بالكسوة. كما قال في آية المرضعات: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233] وقد يقال: إنه أعم في الموضعين. وقوله: آنستم منهم رشدا معناه أبصرتم منهم هذا النوع من الرشد في حفظ الأموال، وحسن التصرف فيها إبصار إيناس، وهو الاستيضاح، واستعبر للتبيين كما في الكشاف، وعن ابن عباس: أن الرشد الصلاح في العقل والحفظ للمال إسرافا وبدارا مصدران لـ أسرف وبادر، فالإسراف مجاوزة الحد في كل عمل، وغلب في الأموال، ويقابله القتر، وهو النقص في النفقة عما ينبغي، قال - تعالى -: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } [طه: 67] يقال: قتر - يقتر بوزن نصر ينصر، وقتر يقتر - بالتشديد - والقوام كالقيام: هو القصد بينهما الذي تقوم به المعيشة وتثبت كما تقدم. والبدار: المبادرة أي المسارعة إلى الشيء، يقال: بادرت إلى الشيء وبدرت إليه. وقوله: أن يكبروا في تأويل المصدر، أي كبرهم في السن، يقال: كبر يكبر - بوزن علم يعلم، إذا كبرت سنه، وأما كبر يكبر - بضم الباء - في الماضي والمضارع، فهو كعظم يعظم حسا، أو معنى فليستعفف فليعف مبالغا في العفة، أو فليطالب نفسه بالعفة ويحملها عليها، وهي ترك ما لا ينبغي من الشهوات، أو ملكة في النفس تقتضي ذلك، وطلبها يكون بالتعفف وهو تكلف العفة المرة بعد المرة، حتى تستحكم الملكة في النفس بالتكرار، والممارسة كسائر الأخلاق، والملكات المكتسبة بالتربية.
المعنى: اختلف مفسرو السلف في المراد بالسفهاء هنا. فقيل: هم اليتامى، والنساء. وقيل: النساء خاصة. وقيل: الأولاد الصغار للمخاطبين. وقيل: هي عامة في كل سفيه من صغير، وكبير، وذكر، وأنثى، واختاره ابن جرير، وجعل الخطاب لمجموع الأمة ليشمل النهي كل مال يعطى لأي سفيه، وهو أحسن الأقوال - راجع تفسير
{ ولا تأكلوا أموالكم } [البقرة: 188] - ص157 ج 2 [ط الهيئة المصرية العامة للكتاب] وقال الأستاذ الإمام: أمرنا الله - تعالى - في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن، وأتى في قوله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين؛ أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ، وكل امرأة صداقها إلا إذا كان أحدهما سفيها لا يحسن التصرف في ماله، فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه لئلا يضيعه، ويجب أن تحفظوه له، أو يرشد، وإنما قال: أموالكم ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء، والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور:
أحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله. ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة، فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها. ثالثا: التكافل في الأمة، واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين، كما قلناه في آيات أخرى.
وذهب (الجلال) إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم كأنه قال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم التي في أيديكم - وهو غير ظاهر - وما قال من قال: إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله: أموالكم وقوله: لكم وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة.
أقول: وأجاب الرازي بجوابين تبعا للزمخشري، أحدهما: أنه أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، قال: ويكفي لحسن الإضافة أدنى سبب، وهو الذي جرى عليه الجلال. ثانيهما قوله: إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله - تعالى -:
{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [التوبة: 128] وقوله: { فمن ما ملكت أيمانكم } [النساء: 25] وقوله: { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54] وقوله: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنما كان بعضهم يقتل بعضا وكان الكل من نوع واحد، فكذا هاهنا المال شيء واحد ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه؛ فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم اهـ.
أقول: وهذا أوسع مما قاله الأستاذ الإمام في الأمر الثالث، وهو غير ظاهر في النوع كما هو ظاهر في قوم المخاطبين الذين اتحدت مصالحهم بمصالحهم، وكذلك لا يظهر في النظائر، والشواهد التي أوردها، فإن الذين أمروا بقتل، أي قتل بعضهم بعضا لم يؤمروا بذلك لاشتراكهم في النوع، وهو كونهم من البشر، وإنما أمروا بذلك لأنهم أمة لها ملة ترتبط بها مصالحهم فخالفوها فاستحقوا العقاب لتكافلهم باشتراكهم في الذنب، وعدم التناهي عنه، ولو أنهم قتلوا قوما آخرين من نوع البشر لما كانوا ممتثلين للأمر، ولما قيل لهم ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم والراجح في قوله - تعالى -:
{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [التوبة: 128] إنه خطاب للعرب الذين هم قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت البعثة عامة كما بينا ذلك في موضع آخر ومن قال إنه خطاب لجميع الناس فوجهه أنهم مشتركون في تكليفهم اتباعه وفي كونه رسولا إليهم.
فلا بد في إقامة الوحدة النوعية، أو القومية، أو الأهلية مقام الوحدة الشخصية من اشتراك أفراد النوع، أو القوم، أو الأهل في المعنى الذي سيق الكلام لأجله، كما بينه الأستاذ الإمام في توجيه إسناد ما فعله بنو إسرائيل في زمن موسى - صلى الله عليه وسلم - إلى أبنائهم الذين كانوا في زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - لتأثير أعمال السلف في الخلف بالوراثة والقدوة، ولو جعلت الوحدة في الآية التي نفسرها بين الأولياء، والسفهاء وحدة القرابة والكفالة التي هي أخص من الوحدة الأمية، والقومية التي قال بها الأستاذ الإمام لكان المعنى أظهر، كما أن ما قاله هو أظهر مما قاله الإمام الرازي، وذلك أن الاشتراك في المصلحة، والمنفعة بين الأولياء، والسفهاء في الأموال مطرد تظهر فيه الوحدة دائما، ولكن الأستاذ الإمام جعلها من قبيل وحدة الأمة، وتكافلها إلحاقا لها بنظائرها الكثيرة في القرآن.
وقد علم من تفسير المفردات معنى جعل الأموال قياما للناس تقوم وتثبت بها منافعهم ومرافقهم، ولا يمكن أن يوجد في الكلام ما يقوم مقام هذه الكلمة، ويبلغ ما تصل إليه من البلاغة في الحث على الاقتصاد، وبيان فائدته ومنفعته، والتنفير عن الإسراف، والتبذير الذي هو شأن السفهاء، وبيان غائلته وسوء مغبته؛ فكأنه قال: إن منافعكم ومرافقكم الخاصة ومصالحكم العامة لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالكم في أيدي الراشدين المقتصدين منكم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها، ولا يتجاوزون حدود المصلحة في إنفاق ما ينفقونه منها، فإذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين الذين يتجاوزون الحدود المشروعة، والمعقولة يتداعى ما كان من تلك المنافع سالما، ويسقط ما كان من تلك المصالح قائما، فهذا الدين هو دين الاقتصاد والاعتدال في الأموال كالأمور كلها؛ ولذلك وصف الله - تعالى - المؤمنين بقوله:
{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } [25: 67] فهذه الآية شارحة للفظ قياما في الآية التي نفسرها، وقد نهانا القرآن عن التبذير حتى في مقام الإنفاق والتصدق المؤكد وجعل المبذر كالشيطان مبالغا في الكفر، وبين سوء عاقبة المتوسع في النفقة إلى حد الإسراف كما في آيات 26 - 29 من السورة 17 (الإسراء).
وفي الأحاديث النبوية مثل ذلك فمنها
"ما عال من اقتصد" رواه أحمد عن ابن مسعود. وهو حديث حسن - " "الاقتصاد نصف المعيشة، وحسن الخلق نصف الدين " ، رواه الخطيب عن أنس، والطبراني، والبيهقي عن ابن عمر بلفظ: " "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم " ، وغيرهم بألفاظ أخرى: " "من فقه الرجل رفقه في معيشته" " رواه أحمد، والطبراني، عن أبي الدرداء، وهو حديث حسن - " "من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله" " إلخ. رواه البزار، عن أبي طلحة وسنده ضعيف.
ومن الأحاديث في فضل الغني حديث سعد المتفق عليه:
" "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " وحديثه عند مسلم: " إن الله يحب العبد التقي الغني الحفي " ، وحديث حكيم بن حزام في الصحيحين "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى " إلخ. وحديث عمرو بن العاص عند أحمد بسند صحيح "نعما المال الصالح للمرء الصالح " وحديث أنس عند مسلم، والبيهقي "كاد الفقر أن يكون كفرا" .
فإذا جرى لنا نحن المسلمين بعد هذه الوصايا، والحكم حتى صرنا أشد الأمم إسرافا، وتبذيرا، وإضاعة للأموال، وجهلا بطرق الاقتصاد فيها، وتثميرها، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن الذي لم يسبق له نظير في أزمنة التاريخ من حيث توقف قيام مصالح الأمم، ومرافقها، وعظمة شأنها على المال حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد، التي ليس في أيديها مال كثير قد صارت مستذلة، ومستعبدة للأمم الغنية بالبراعة في الكسب، والإحسان في الاقتصاد؟
وماذا جرى لتلك الأمم التي يقول لها كتابها الديني كما في إنجيل متى " (19: 23) إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات [24] وأقول لكم أيضا إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله "، ويقول كما في (6: 24) منه: " لا تقدرون أن تخدموا لله والمال [25] لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم " إلخ. وفي (10: 9) منه: " لا تقتنوا ذهبا ولا فضة " - ماذا جرى لها في دينها حتى صارت أبرع الخلق في فنون الثروة، والاقتصاد، وأبعدها عن الإسراف، والتبذير، وسادت بالغنى والثروة على جميع أمم الأرض؟ ألا وهي أمم الإفرنجة.
وكيف جاز أن يسمى ما نحن عليه مدنية إسلامية مع مخالفتنا للقرآن في هذا الأمر الذي هو قوام المدنية، كما خالفه جماهيرنا في أكثر ما أرشد إليه؟ وكيف جاز أن تسمى مدنيتهم مدنية مسيحية مع بناء تعاليم المسيح على المبالغة في الزهد وبغض المال، كما هو صريح في هذه الأناجيل التي بين أيدي القوم يدعون اتباعها، ويدعون إليها غيرهم، وهم لها مخالفون، وعنها معرضون!!!
أما السبب فيما نحن عليه من سوء الحال في دنيانا، ومخالفة نص كتابنا فهو ظاهر معروف عند الباحثين، وهو أننا أخذنا بالتقليد الذي حرمه الله علينا، وتركنا هداية القرآن، ونبذناه وراء ظهورنا، وأخذنا في الأخلاق، والآداب التي هي روح حياة الأمم بأقوال فلان وفلان من الجاهلين، الذين لبسوا علينا بلباس الصالحين، فنفثوا في الأمة سموم المبالغة في التزهيد، والحث على إنفاق جميع ما تصل إليه اليد، وإنما كان يريد أكثرهم إنفاق كسب الكاسبين عليهم، وهم كسالى لا يكسبون، لزعمهم أنهم بحب الله مشغولون!

وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما تدر لها ثعل

حتى صار من المعروف المقرر عند جميع شعوب المسلمين إدرار المال والرزق على علماء الدين، وشيوخ الطريق " الصالحين "، فهم يأكلون مال الأمة بدينهم، ويرون أن لهم الفضل عليها بقبوله منها، وإن قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصحيحين: " اليد العليا خير من اليد السفلى" .
الأستاذ الإمام: في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال، وتعريف بقيمته، فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله، وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول، حتى صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش، والحيلة، والخداع؛ ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة، فعندما يسمع من الخطباء، والعلماء، والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب فيختار أقله سعيا، وأخفه مؤنة، وهو أخسه، وأبعده عن الشرف، على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة، والاستعداد لها، بل إن خطباءنا، ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهن عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم، والواجب على المسلم العارف بالإسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة.
قال - تعالى -: {وارزقوهم فيها واكسوهم} أما من فسروا السفهاء بأولاد المخاطبين، ونسائهم معا أو بأحدهما، وجعلوا إضافة أموال المخاطبين إليهم على حقيقتها، فقالوا في معنى هذه الجملة: إذا امتنع عليكم أيها الناس أن تعطوا أموالكم ولدانكم ونساءكم خشية أن يبذروها، ويتلفوها، وهي قيامكم، وعليها مدار معاشكم، فعليكم أن تتولوا أنتم إصلاحها، وتثميرها، والإنفاق عليهم منها في طعامهم، وكسوتهم، فهي في وجوب إنفاق الرجل على زوجه وأولاده القاصرين الذين لا يحسنون الكسب، وروي نحوه عن ابن عباس. ومن قالوا إن الكلام في السفهاء عامة، وفي حفظ الأولياء لأموالهم قالوا: إن معناها يا أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال السفهاء، وتثميرها حتى كأنها - بهذا التصرف وبارتباط مصالح أصحابها بمصالحكم، وبتكافل الأمة والعشيرة ووحدتها - أموالكم يجب عليكم أن تنفقوا على السفهاء، فتقدموا لهم كفايتهم من الطعام، والثياب، وغير ذلك، ومن قالوا: إن لفظ السفهاء عام في أولاد المخاطبين، ونسائهم، واليتامى وغيرهم، ولفظ أموالكم عام فيما هو للمخاطبين وهم جميع، وما هو للسفهاء، وهو الذي اختاره ابن جرير - وقلنا إنه أحسن الأقوال - جعلوا معناها شاملا للمعنيين السابقين في الإنفاق على من تجب على الرجل نفقته من مال نفسه، والإنفاق على من يتولى أمره من السفهاء ممن لا تجب عليه نفقته من ماله أي مال نفسه.
وإنما قال: {وارزقوهم فيها} ولم يقل منها لأن المراد كما قال في الكشاف: اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا؛ حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق اهـ. أي إن ما ينفق من أصله، وصلبه ينقص رويدا رويدا حتى يذهب كله، وتبع الكشاف فيما قاله الإمام الرازي، والأستاذ الإمام.
وقال الأستاذ الإمام: الرزق يعم وجوه الإنفاق كلها كالأكل، والمبيت، والزواج، والكسوة، وإنما قال: واكسوهم فخص الكسوة بالذكر لأن الناس يتساهلون فيها أحيانا، وتخصيص (الجلال) - أي وغيره ممن نقل هو عنهم - الرزق بالإطعام لا يصح اهـ.
وقال الرازي: إن الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: فلان رزق عياله أي أجرى عليهم اهـ. يعني أن كل النفقات المرتبة في أوقات معينة تسمى رزقا، وهو معنى اصطلاحي أخص من المعنى اللغوي. والغرض من هذا وذاك هو جعلهم الرزق هنا شاملا لأنواع النفقات الواجبة بالنص حتى لا يقول قائل: إن الواجب هو الطعام، والكسوة دون الإيواء، والتربية، والتعليم وغير ذلك.
وقد فسر بعضهم قوله - تعالى -: {وقولوا لهم قولا معروفا} بتعليمهم ما يجب علمه وما يجب العمل به، نقله الرازي، عن الزجاج، وقيل: هو الوعد الجميل للسفيه بإعطائه ماله عند الرشد. وقيل: بل وعده بزيادة الإدرار عليه والتوسعة عند زيادة ربح المال وغلبته. وقيل: هو الدعاء. وفصل القفال فقال: إن كان المولى عليه صبيا (أي صغيرا ولو أنثى) فالولي يعرفه أن المال ماله، وهو خازن له، وأنه إذا زال صباه، فإنه يرد المال عليه، وإذا كان المولى عليه سفيها، وعظه، ونصحه، وحثه على الصلاة ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبته الفقر، والاحتياج إلى الخلق إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام، قال الرازي: وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه. وقال الأستاذ الإمام: المعروف هو ما تعرفه النفوس الكريمة، وتألفه، ويقابله المنكر وهو: ما تنكره وتمجه. فالمعروف هنا: يشمل تطييب القلوب بإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد في الإنفاق منه عليه ليسهل عليه الحجر، ويشمل النصح، والإرشاد، وتعليم ما ينبغي أن يعلمه، وما يعده للرشد، فإن السفه كثيرا ما يكون عارضا للشخص لا فطريا، فإذا عولج بالنصح والتأديب حسنت حاله، فهذا هو القول المعروف الذي أمر الله أولياء السفهاء به زيادة على حفظ أموالهم، وتثميرها، والإنفاق عليهم منها.
أقول: فأين مكان هذه الوصايا، والأوامر الإلهية من الأولياء، والأوصياء الذين نعرفهم في هذا الزمان يأكلون أموال السفهاء، ويمدونهم في سفههم، ويحولون بينهم وبين أسباب الرشد ليبقوا متمتعين بالتصرف في أموالهم؟
{وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} بين سبحانه في هذه الآية الشرط أو الصفة التي يجب بها إيتاء اليتامى أموالهم كما أمر في آية: وآتوا اليتامى أموالهم قال الأستاذ الإمام ما مثاله: إن ما تقدم من الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم كان مجملا، وفي هذه الآية تفصيل لكيفية الإيتاء، ووقته، وما يعتبر فيه. وقد اختلف العلماء في ابتلاء اليتيم: كيف يكون، فقال بعضهم: يعطى شيئا من المال ليتصرف فيه فيرى تصرفه كيف يكون؟ فإن أحسن فيه كان راشدا، وإلا كان سفهه، وقال بعضهم: إن الإعطاء لا يجوز إلا بعد الابتلاء، وإيناس الرشد، فمن أعطاه قبل ذلك يكون مخالفا للأمر ومجازفا بالمال. والصواب: أن يحضره الولي المعاملات المالية، ويطلعه على كيفية التصرف، ويسأله عند كل عمل عن رأيه فيه، فإذا رأى أجوبته سديدة، ورأيه صالحا يعلم أنه قد رشد. واعترض هذا أيضا بأن القول لا يغني عن الفعل شيئا، فإن قليلا من النباهة يكفي لإحسان الجواب إن قيل له ما تقول في ثمن هذا؟ وما أشبه ذلك، وإننا نرى كثيرا من الذين نسميهم أذكياء ومتعلمين يتكلم أحدهم في الزراعة عن علم يقول: ينبغي كذا من السماد وكذا من السقي والعذق، فإذا أرسل إلى الأرض، وكلف العمل ينام معظم النهار، ولا يعمل شيئا، أو يعمل فيسيء العمل، ولا يحسنه، بل ترى من الناس من يتكلم في الأخلاق وكيفية معاملة الناس فيحسن القول كما ينبغي ولكنه يسيء في المعاملة فيكون عمله مخالفا لقوله، فقائل هذا القول الثاني قد غفل عن القاعدة التي اتفق عليها العقلاء وهي أن بين العلم والتجربة بونا شاسعا، فكما رأينا أناسا من المحسنين في الكلام السفهاء في الأعمال الذين إذا سألتهم عن طرق الاقتصاد في المعاملة، وتدبير الثروة أجابوك أحسن جواب مبني على قواعد العلم الحديث المبني على التجارب، وإنعام النظر، ثم هم يسفهون في عملهم ويبذرون الأموال تبذيرا يسارعون فيه إلى الفقر، أعرف من هؤلاء رجلا ترك له والده ثروة قدرت قيمتها بمليون جنيه (أي بألف ألف جنيه) فأتلفها بإسرافه، وهو الآن يطلب إعانة من الجمعية الخيرية الإسلامية!!
قال: فالرأي الأول أسد، وأصوب، وما اعترض به عليه يجاب عنه بأن الممنوع قبل العلم بالرشد هو إعطاء اليتيم ماله كله ليستقل بالتصرف فيه، وأما إعطاؤه طائفة منه ليتصرف فيها تحت مراقبة الولي ابتلاء واختيارا له فهو غير ممنوع بل هو المأمور به في هذه الآية.
قال: و حتى ابتدائية، أي ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وكونها ابتدائية لا ينافي كونها للغاية التي هي معناها الأصلي الذي لا يفارقها، وإنما فرقوا بين التي تدخل على الجملة الكاملة والتي تدخل على المفرد في الإعراب، فسموا الأولى الابتدائية وهي التي لا تجر المفرد، وسموا الثانية الجارة وهي التي تجر المفرد. والغاية في الأولى هي مفهوم الجملة التي بعدها، أي ابتلوهم إلى ابتداء الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء إلى أن تأنسوا منهم الرشد. وعند أبي حنيفة يعطى ماله إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، وإن لم يرشد، وجملة فإن آنستم جواب حتى إذا بلغوا.
أقول: إن بلوغ النكاح هو الوصول إلى السن التي يكون بها المرء مستعدا للزواج، وهو بلوغ الحلم، ففي هذه السن تطالبه بأهم سننها وهي سنة الإنتاج، والنسل فتتوجه نفسه إلى أن تكون زوجا، وأبا ورب بيت ورئيس عشيرة، وذلك لا يتم له إلا بالمال، فوجب حينئذ إيتاؤه ماله إلا إذا بلغ سفيها، وخيف أن يضيع ماله فيعجز عما تطالبه به الفطرة، ولو بعد حين. وفي هذه السن يكلف الأحكام الشرعية من العبادات، والمعاملات، وتقام عليه الحدود ويترتب عليه الجزاء الأخروي، فالرشد حسن التصرف وإصابة الخير فيه الذي هو أثر صحة العقل وجودة الرأي، وهو يطلق في كل مقام بحسبه، فقد يراد به أمر الدنيا خاصة، وقد يراد أمر الدين خاصة؛ ولذلك اختلف الفقهاء في الحجر على الفاسق، فقال بعضهم: يحجر عليه لأنه غير رشيد في دينه، وقال بعضهم: لا يحجر عليه إذا كان يحسن التصرف في أمور دنياه، لأن الرشد في هذا المقام لا يعني به إلا أمر الدنيا. وقد يقال إذا كان فسقه مما يتناول الأمور المالية كمنع الحقوق، وإتلاف المال بالإسراف في الخمور، والفجور وجب الحجر، وإن كان يتعلق بأمر الدين خاصة كالفطر في رمضان مثلا فلا يجب الحجر.
نقل ابن جرير الخلاف عن مفسري السلف في تفسير الرشد، كقول مجاهد: هو العقل، وقول قتادة: هو الصلاح في العقل والدين، وقول ابن عباس: هو حسن الحال والصلاح في الأموال. ثم قال: وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى الرشد في هذا الموضع: العقل وإصلاح المال؛ لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه - وإن كان فاجرا في دينه - إلى آخر ما قاله في بيان هذا وإيضاحه. وتنكير الرشد يدل على هذا، فهو لبيان نوع من الرشد ينافي الإسراف في المال، وقيل المعنى: إن آنستم منهم رشدا ما.
{ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} أي ولا تأكلوا أموال اليتامى مسرفين في الإنفاق منها، ولا مبادرين كبرهم إليها، أي مسابقين الكبر في السن الذي يأخذونها به من أيديكم فتكونوا طالبين لأكل هذا المال كما يطلبه كبر سن صاحبه فيكون السابق هو الذي يظفر به.
قال الأستاذ الإمام: إن النهي عن أكل أموال اليتامى إسرافا وبدارا هو كالأمر قبله تفصيل للآية الناهية عن أكل أموال اليتامى إلى أموال الأولياء. وقد قيد النهي هنا بالإسراف وهو صرف مال اليتيم في غير محله ولو على اليتيم نفسه. وسمى هذا أكلا لأنه إضاعة، والأكل يطلق على إضاعة الشيء، ولكن ضم مال اليتيم إلى مال الولي لا يسمى إسرافا، وقيده أيضا بالبدار والمسابقة لكبر اليتيم؛ لأن الولي الضعيف الذمة يستعجل ببعض التصرفات في مال اليتيم التي له منها منفعة لئلا تفوته إذا كبر اليتيم، وأخذ ماله، فهاتان الحالان: الإسراف وبدار ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف، هما من مواضع الضعف التي تعرض للإنسان، فنبه الله - تعالى - عليهما، ونهى عنهما ليراقب الولي ربه فيهما إذا عرضتا له.
أقول: إن من دقق النظر في هاتين الحالين، ووقف على تصرف الأولياء فيهما يرى أنهما مما يعرض فيه التأويل ومخادعة النفس للإنسان لاختلاف الناس في حد الإسراف، وخفاء وجه منفعة الولي في المسابقة إلى بعض الأعمال في مال اليتيم، وما كان موضع خلاف، وخفاء لا ينكره، ولا ينتقده جمهور الناس، ومن أنكره يسهل الرد عليه، وتأول ما فعله الولي، والقول بأنه تصرف وضع في محله، وعمل في وقته، ومثل هذا مما قد تغش الولي فيه نفسه حتى يصدق أنه لا حرج فيه، وقد يعلم أنه تصرف غير جائز في الباطن، ويكتفي بأنه لا يمكن أن يماري فيه أحد مراء ظاهرا تتضح فيه خيانته؛ فلأجل هذا، وذاك صرح الكتاب الحكيم بالنهي عنه ليتدبره أولو الألباب.
أما الأكل منها بغير إسراف ولا مبادرة خوف أخذها عند البلوغ والرشد - كما هو شأن الخائن - فقد ذكر حكمه في قوله: ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف أي فمن كان منكم غنيا غير محتاج إلى مال اليتيم الذي في حجره، وتحت ولايته فليعف عن الأكل من ماله، أو ليطالب نفسه ويحملها على العف عنه نزاهة وشرف نفس. ومن كان فقيرا لا يستغني عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم الذي يصرف بعض وقته، أو كله في تثميره، وحفظه فليأكل منه بالمعروف الذي يبيحه الشرع ولا يستنكره أهل المروءة، والفضل، ولا يعدونه طمعا، ولا خيانة.
وقد اختلف المفسرون، والفقهاء في الأكل بالمعروف الذي أذن الله به للولي الفقير فقيل: هو القرض يأخذه بنية الوفاء، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس - رضي الله عنهم -، وعبارة الأخير في بعض روايات ابن جرير: إن كان غنيا فلا يحل له من مال اليتيم أن يأكل منه شيئا، وإن كان فقيرا فليستقرض منه؛ فإن وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه فذلك أكله بالمعروف. وقال مثله سعيد بن جبير، وزاد: وإن حضره الموت ولم يوسر يتحلله من اليتيم، وإن كان صغيرا يتحلله من وليه؛ وهو يعني وليه الذي يكون بعده. وعن الشعبي لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه شيئا قضاه. واختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف فعن ابن عباس يأكل بأطراف أصابعه. ووضحه السدي، فقال: يأكل معه بأصابعه لا يسرف في الأكل، ولا يلبس. وعن عكرمة أنه قال: يدك مع أيديهم، ولا تتخذ منه قلنسوة، وقال بعضهم: الأكل بالمعروف: هو ما سد الجوعة ووارى العورة. أي قدر الضرورة من الطعام، والكسوة. وقال آخرون: هو أن يأكل من غلة المال كلبن الماشية، وصوفها، وثمرات الشجر، وغلة الزرع ولا يأخذ من رقبة المال شيئا. وقال غيره: يأخذ قدر كفايته، وعن عطاء: يضع يده مع أيديهم فيأكل معهم كقدر خدمته وقدر عمله. ومن هنا قال بعض الفقهاء: إن له أجر مثله من مال اليتيم الذي يتولى تدبير أمواله، وهذا هو الذي اختاره ابن جرير فقال: إن الأمة مجمعة على أن مال اليتيم ليس مالا للولي فليس له أن يأكل منه شيئا، ولكن له أن يستقرض منه عند الحاجة كما يستقرض له، وله أن يؤاجر نفسه لليتيم بأجرة معلومة إذا كان اليتيم محتاجا إلى ذلك، كما يستأجر له غيره من الأجراء غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر اهـ. يعني أن الأكل بالمعروف هو القرض والأجرة، ولا يباح أكل شيء منه بلا غوص كسائر أموال الناس. قال: وكذلك الحكم في أموال المجانين والمعاتيه، ولكن ما ذكر في كيفية الأكل لا يظهر في الاستقراض، وقد يظهر في الأجرة.
وأقول: من الحديث المرفوع في المسألة أن ابن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ليس لي مال، وإني ولي يتيم، فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأثل مالا، ومن غير أن تقي مالك بماله رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ووجهه أن اليتيم يكون في بيت الولي كولده والخير له في تربيته أن يخالطه الولي هو وأهله في المؤاكلة، والمعاشرة، فإذا كان الولي غنيا، ولا طمع له في ماله كان اليتيم هو الرابح من هذه المخالطة، وإن كان يصرف فيها شيء من ماله بقدر حاجته، وإن كان الولي فقيرا فإنه لا يستغني عن إصابة بعض ما يحتاج إليه من مال اليتيم الغني الذي في حجره، فإذا أكل من طعامه، وثمره ما جرى به العرف بين الخلطاء غير مصيب من رقبة المال شيئا، ولا متأثل لنفسه منه عقارا، ولا مالا آخر، ولا مستخدما ماله في مصالحه ومرافقه كان في ذلك آكلا بالمعروف، هذا هو المختار عندي، وراجع تفسير {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] في الجزء الثاني من التفسير [ص271 وما بعدها ج 2 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب].
{فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} أي ليعرف أمر رشدهم وتصرفهم ولتظهر براءة ذمتكم ولتحسم مادة النزاع بينكم، قال ابن عباس: إذا دفع إلى اليتيم ماله (أي عند بلوغ رشده) فليدفعه إليه بالشهود كما أمر الله - تعالى -. وهذا الإشهاد واجب كما هو ظاهر الأمر، وعليه الشافعية، والمالكية. وقال الحنفية: إنه غير واجب بل مندوب، وقال الأستاذ الإمام: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد أمر إرشاد لا أمر وجوب، وهم متفقون على أن الأوامر المارة كلها للإيجاب القطعي، والنواهي كلها للتحريم، وظاهر السياق أن هذا الأمر مثل ما سبقه، ولعل السبب فيما قاله الفقهاء هو أن الناس تهاونوا بأمر الإشهاد وأهملوه من زمن بعيد، فسهل ذلك على الفقهاء التأويل، ورأوه أولى من تأثيم الناس وجعل أكثرهم مخالفين لما فرض عليهم، ولا شك عندي أن الإشهاد حتم، وأن تركه يؤدي إلى النزاع، والتخاصم، والتقاضي كما هو مشاهد، فإذا فرضنا أن الناس كانوا في زمن ما مستمسكين بعروة الدين استمساكا عاما، وكان اليتامى يحسنون الظن في الأولياء فلا يتهمونهم، وأن الإشهاد لم يكن محتما عليهم لأجل هذا. أفليس هذا الزمن المعلوم مخالفا لذلك الزمن المجهول مخالفة تقتضي أن يجعل الإشهاد ضربة لازب لقطع عرق الخصام ونزوع النفس إلى النزاع والمشاغبة؟
{وكفى بالله حسيبا} أي وكفى بالله رقيبا عليكم وشهيدا يحاسبكم على ما أظهرتم وما أسررتم، أو كفى بالله كافيا في الشهادة عليكم يوم الحساب. الحسب (بسكون السين) في الأصل: الكفاية، وفسر الراغب الحسيب: بالرقيب، وفسره السدي: بالشهيد، فهل هذان معنيان مستقلان أم من لوازم المعنى الأصلي؟ قال الأستاذ الإمام: الحسيب: هو المراقب المطلع على ما يعمل العامل، وإنما جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد القاطع لعرق النزاع ليدلنا على أن الإشهاد - وإن حصل، وكان يسقط الدعوى عند القاضي بالمال - لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنا؛ إذ لا يخفى عليه - تعالى - ما يخفى على الشهود والحكام، وكأن هؤلاء الأوصياء الخبثاء الذين نعرفهم لم يسمعوا قول الله في ذلك قط؛ فقد كثرت فيهم وفي غيرهم الخيانة وأكل أموال اليتامى، والسفهاء والأوقاف بالحيل حتى إنه يمكنني أن أقول: إنه لا يوجد في القطر المصري عشرة أشخاص يصلحون للوصاية على اليتيم، أو السفيه، والوقف، وقد نص الفقهاء على أن النظر على الوقف كالوصاية على اليتيم. فانظروا إلى هذه الدقة في الآية الكريمة من الأمر باختبار اليتيم، ودفع ماله إليه عند بلوغه رشده، ومن النهي عن أكل شيء منه بطرق الإسراف ومبادرة كبره، ومن الأمر بالإشهاد عليه عند الدفع، ثم التنبيه إلى مراقبة الله - تعالى - التي تتناول جميع ذلك.
ومن مباحث اللفظ في الآية عنه: أن بعض النحاة يقولون: إن الباء الداخلة على لفظ الجلالة في قوله: {وكفى بالله} زائدة، والمعنى كفى الله حسيبا، وبعضهم يقول: إن الفاعل مصدر محذوف، والباء حرف جر أصلي متعلق به، وهذا كله من تطبيق القرآن على القواعد التي وضعوها - أو قال قعدوها - ونحن نقول: إن المعنى مع وجود الباء هو غير المعنى مع عدمها، فلها معنى في الكلام كيفما أعربت، وإن (كفى) فعل ليس له فاعل، والجار متعلق به، ومعناه أن الله - عز وجل - هو أشد من يراقب ويحاسب. وهذه الجملة من فرائد البلاغة المسموعة التي لا تحتذى، ولا يؤتى بمثل لها قد جاءت على هذه الكيفية النادر مثلها في حسنها، فلا يمكن تطبيقها على القواعد الموضوعة للكلام المعروف عند جميع العرب الدائر على ألسنة أهل الفصاحة والفهاهة على السواء.
أقول: ويحسن أن نذكر هنا ما قاله عند الكلام على (حتى) الابتدائية، وما فيها من معنى الغاية - كما تقدم - وهو أن القواعد النحوية، ونحوها (كقواعد البيان)، وضعت بعد وضع اللغة لا قبلها، فلا يمكن أن تكون عامة شاملة لكل كلام. ولكن النحاة حاولوا إدخال كل الكلام في قواعدهم، وكان يجب أن يقولوا كما قال بعض أهل اللغة في بعض الكلام النادر الاستعمال: إنه ورد هكذا على غير القاعدة التي وضعناها فهو نظم سماعي يحفظ في اللغة، ولا يقاس عليه.
وأقول: إن ما جاء على خلاف المشهور الشائع الذي وضعت له القواعد قسمان: قسم شاذ جرى على ألسنة بعض بلداء الأعراب لا حسن فيه، وقسم كالدرر اليتيمة انفرد به بعض البلغاء، فكان له أحسن تأثير في الكلام، ويوجد كل من القسمين في كل لغة، وما يوجد منه في كلام الله - عز وجل - هو أعلاه، وأبلغه.