التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً
٦٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً
٦١
فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً
٦٢
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً
٦٣
-النساء

تفسير المنار

قال السيوطي في لباب النقول: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، قال: " كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا} إلى قوله: {إلا إحسانا وتوفيقا}.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، أو سعيد عن ابن عباس قال: " كان الجلاس بن الصامت، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدعون الإسلام فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فأنزل الله فيهم: {ألم تر إلى الذين يزعمون} الآية، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: " كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي ; لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم فاختلفا، واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فنزلت " اهـ.
الأستاذ الإمام: الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت إلخ، وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر، ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل ; لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلا من المؤمنين، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطرا عليهم فيه، وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به، وبالجبت واتباعهم للهوى. وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم المنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا، ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنون في الآيتين السابقتين، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة، فقال: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} وقد ذكر المفسرون أسبابا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت روايتها أن نجزم بواحدة معينة منها، وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وقد تقدم أن " الطاغوت " مصدر الطغيان، وهو يصدق على كل من جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم كما قرأت آنفا، ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت، ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل، وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير، ويدخل في هذا ما يقع كثيرا من تحاكم المتخاصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدعي الكشف، ويخرج المحكم في الصلح، وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف.
أقول: والاستفهام في قوله تعالى: {ألم تر} استفهام تعجيب من أمر الذين يزعمون أنهم آمنوا ويأتون بما ينافي الإيمان كما تقدم بيانه في تفسير: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} [النساء: 44] وأحوال الأمم تكون متشابهة؛ لأنها مظهر أطوار البشر، فالإيمان الصحيح بكتب الله ورسله يقتضي الاتباع والعمل بما شرعه الله تعالى على ألسنة تلك الرسل، وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الإيمان غير راسخ في نفس مدعيه، فكيف إذا كان العمل بضد ما شرعه الله تعالى؟ هكذا كان يدعي الإيمان بموسى والتوراة جميع اليهود حتى أولئك الذين يشترون الضلالة بالهدى، ويأكلون السحت ويؤمنون بالجبت والطاغوت.
وهكذا كان في مسلمي العصر الأول من يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم مع ذلك يرغبون عن التحاكم إليه إلى التحاكم إلى الطاغوت، وهكذا شأن الناس في كل زمان لا يكونون كلهم عدولا صادقين في ملة من الملل، ولا يكونون كلهم منافقين أو فاسقين في ملة من الملل، ومن العجائب أن يقال: إن كل المسلمين الذين رأوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا عدولا، والقرآن يصف بعضهم بمثل هذه الآية ويسجل على بعضهم النفاق.
والزعم في أصل اللغة القول والدعوى، سواء أكان ذلك حقا أم باطلا، قال أمية بن أبي الصلت في شعر له:

سينجزكم ربكم ما زعم

يريد ما وعد، وأرى أن القافية اضطرته إلى استعمال هذا الحرف هنا، وما هو بمكين، ووعده تعالى لا يكون إلا حقا، وقال الليث: سمعت أهل العربية يقولون إذا قيل: ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقال ذلك لأمر يستيقن أنه حق، وإذا شك فيه فلم يدره لعله كذب أو باطل، قيل: زعم فلان كذا، وقيل: الزعم الظن، وقيل: الكذب، وكل هذا مأخوذ من اختلاف الاستعمال بنظر القائل إلى بعض كلام العرب دون بعض، والذي ينظر في مجموع استعمالاتها لهذه الكلمة يجزم بأن الأكثر أن تستعمل فيما لا يجزم به، وإن جاز أن يكون حقا، وقال الراغب: الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به، وأشار إلى بعض الآيات في ذلك، ونحن نزيد عليه في بيانها.
قال تعالى:
{ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن } [التغابن: 7]، وقال: { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون } [الأنعام: 94]، وقال: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } [الإسراء: 56]، وقال: { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } [الكهف: 48]، وفي هذه السورة أيضا { ويوم يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم } [الكهف: 52] وبقي آيات أخرى مستعملة هذا الاستعمال، فلغة القرآن أن الزعم يستعمل في الباطل والكذب، وهو يرد على الزاعمين ولا يقرهم على شيء.
{وقد أمروا أن يكفروا به} أي: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به في التنزيل الذي يزعمون أنهم آمنوا به، فهذا التنزيل قد بين ذلك بنص الخطاب أو فحواه، قال تعالى في سورة النحل وهي مكية:
{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36]، الآية، وهي نص في أن كل نبي أرسله الله تعالى قد أمر أتباعه باجتناب الطاغوت، وقال تعالى: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256]، إلخ الآيتين، والمعنى أن هؤلاء الزاعمين تدعي ألسنتهم الإيمان بالله، وبما أنزله على رسله، وتدل أفعالهم على كفرهم بالله وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه.
{ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} قال الأستاذ الإمام: أي أن الشيطان ـ الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ـ يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرا؛ لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.
قيل له: فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟ قال: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلى بهذه القوانين ومنفذيها، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة، ومنها المخالف لها؟ ونحن الآن مكرهون على التحاكم إلى هذه القوانين، فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه، أي: في أهله:
{ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [النحل: 106]، الآية.
وانظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية والعبادات والمعاملات بين الوالدين والأولاد والأزواج والزوجات فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟ إذا تنازع عالمان منا في مسألة، فهل يردانها إلى الله ورسوله أم يردانها إلى قيل وقال؟ فهذا يقول: قال الحمل، وهذا يقول: قال الصاوي، وفلان وفلان، انتهى.
ما كتبه عنه في الدرس وكتبت في آخره يومئذ " يحرر الموضوع " ومراده ظاهر، فإنه يقول: إنه لا قول لأحد في قضية أو مسألة مع وجود نص فيها مما أنزله الله تعالى على رسوله، أو ما قضى به ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإذن الله عز وجل، والمسلمون قد تركوا ما جرى عليه السلف من النظر في كل قضية في كتاب الله أولا، ثم في سنة رسوله وفي رد المتنازع فيه إليهما، بل عملوا بآراء الناس الذين ينتمون إليهم، ويسمونهم علماء مذاهبهم، وإن وجد نص الكتاب أو السنة مخالفا له، ويحرمون الرجوع إلى هذه النصوص؛ لأن ذلك من الاجتهاد الممنوع عندهم الذي يعد المتصدي له ضالا مضلا في نظرهم، وقد ترتب على هذا الذنب الذي هو اجتناب تقديم الكتاب والسنة على كل قول ورأي أن سلس المسلمون لحكامهم في مثل مصر، حتى انتقلوا بهم من الحكم يقول فلان وفلان من الذين يسمونهم أهل الفقه ويأخذون بما في كتبهم ابتداء ـ وافق نصوص الكتاب والسنة، أم خالفها ـ إلى الحكم بقول فلان وفلان من واضعي القوانين.
ولم يكن المتحاكمون إلى رجال القانون أسوأ حالا من المتحاكمين إلى أقوال الفقهاء، وهم الآن أقدر على تحكيم الكتاب والسنة في عباداتهم ومعاملاتهم فيما بينهم، وفي محاكمهم الشرعية منهم على تحكيمها في المعاملات المدنية والعقوبات ; لأنهم في هذا تحت سيطرة الأجانب الأقوياء، وأما في ذاك فليسوا تحت سيطرة أجنبية، فإذا أراد علماؤهم وأهل الرأي والمكانة فيهم ذلك نفذ، ولكنهم لا يريدون والذين يضعون هذه القوانين المصرية يوافقون في أكثرها الشرع ويبنون رأيهم على المصلحة العامة بحسب ما يصل إليه علمهم، ولكنهم لا يلصقون رأيهم بالشرع كالفقهاء، ومراعاة المصلحة من مقاصد الشرع في المنصوص وفي الموكول إلى الرأي، والناس يقبلون آراء المنسوبين إلى الفقه، ولو فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة ; لأنهم يلصقونها بالشرع من حيث يدعون أنها اجتهاد صحيح مبني على أصوله، ولكن لا اجتهاد مع النص، وربما كان العامل بالرأي ـ لا يسميه دينا ـ أقل جناية على الشرع ممن يعمل بالرأي يسميه دينا، ولا سيما مع وجود النص.
وجملة القول: أنه ما كان للمسلمين أن يقبلوا قول أحد، أو يعملوا برأيه في شيء له حكم في كتاب الله أو سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الثابتة، إلا فيما رخص الله تعالى فيه من أحكام الضرورات والحاجات، وما لا حكم فيهما فالعمل فيه برأي أولي الأمر في كل زمن بشرطه أولى من العمل دائما برأي بعض المؤلفين لكتب الفقه في القرون الخالية ; لأنه أقرب إلى المصلحة، هذا هو ما كان يريدهرحمه الله تعالى في العبارة التي قالها في درسه بالأزهر، وما كان يعتقده، نعم إن من يضعون الأحكام لما لا نص فيه يشترط في الإسلام أن يكونوا عالمين بالنصوص ومقاصد الشريعة، وعللها حتى لا يخالفوها وليتيسر لهم رد المتنازع فيه إليها، والأستاذ الإمام يقول بهذا أيضا.
{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} صرح في هذه الآية بما دلت عليه التي قبلها من نفاق هؤلاء الذين يرغبون عن حكم كتاب الله، وحكم رسوله إلى حكم الطاغوت من أصحاب الأهواء، وناهيك بمن فعل ذلك في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحكمه لا يكون إلا حقا ما بينت الدعوى على حقيقتها؛ لأن الحكم بحسب الظاهر، وأما حكم غيره بشريعته فقد يقع فيه الخطأ بجهل القاضي بالحكم، أو بتطبيقه على الدعوى، يقول تعالى: وإذا قيل لأولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا وهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكمه فيما بيننا وإلى الرسول ليحكم بيننا بما أراه الله، رأيت المنافقين أي رأيتهم وهم المنافقون ـ جاء بالظاهر بدل الضمير ليبين حالهم وحال أمثالهم بالنص ويبنى عليه ما بعده وهو أثره ـ يصدون عنك صدودا أي: يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضا متعمدا منهم، وهو هنا من " صد " اللازم.
والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدا ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقا لا يعتد بما يزعمه من الإيمان وما يدعيه من الإسلام، وهي حجة الله البالغة على المقلدين لبعض الناس فيما استبان حكمه في الكتاب والسنة، ولا سيما إذا دعوا إليه ووعظوا به. قال الأستاذ الإمام: إن الحامل لهم على هذا الصدود هو اتباع شهواتهم، وألفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضا شديدا.
قال: ثم أراد تعالى أن يبين سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود، فقال: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} إلخ، أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الإسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الإيمان ليتم لهم الاستفادة منه، لأن العاقل يعلم أن تلك الحال التى اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم، وأنه يوشك أن ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليكشفه عنهم، وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانا وتوفيقا، كأنه يقول: فكيف يفعلون إذا أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله والتحاكم إليك وتبين أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان؟ إنهم إذن يستحقون العقوبة والإذلال ليكونوا عبرة لغيرهم.
وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بأن المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم وتكشف سرهم، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا؟ ويقول غيره: ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع، وإنما هو بيان ناجز لأمرهم، وإيذان بمؤاخذتهم وإذلالهم، وإراءتهم أنهم سفهاء الأحلام، مستحقون لما يعاقبهم به النبي عليه الصلاة والسلام.
أقول: أشار الأستاذرحمه الله تعالى في الدرس إلى اختلاف المفسرين في فهم الآية، وإنما تناقلوا الخلاف فيها لأنه روي عن بعض السلف فيها فهم شاذ فتبعه بعضهم فيه، وهو قول الحسن: إن قوله تعالى: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها والمعنى: رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، ثم جاءوك يحلفون بالله إلخ. أي إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإليك يصدون عنك في غيبتك، ثم يجيئونك يعتذرون ويحلفون في حضرتك، فكيف إذا أصابتهم مصيبة! أي كيف يكون حال تلك المصيبة والشدة!
وقال الرازي: إن الواحدي قد اختار هذه الرواية، وأقول: لا عجب إذا اختارها وإن كان النظم الكريم يتبرأ منها، وقد خطرت في بال من هو أحسن منه فهما للكلام، وهل عثر متقدم عثرة ولم يعثر وراءه فيها كثير من المتأخرين، ولو تكلفا للعثار؟ ثم إن بعضهم حمل الكلام هنا على معنى الآيات الواردة في المنافقين عامة، وخلط به الآيات الواردة في الوعد ببيان نفاقهم، وإغراء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعقابهم، وفي الذين يتخلفون منهم عن الخروج معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الجهاد، ثم يعتذرون إليه بعد ذلك كما هو مفصل في سورة التوبة وسورة الأحزاب، وكل ذلك من التوسع الذي يضيع معه المعنى المتبادر من الآية وهو:
فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين أو حالهم وحال أمثالهم؟ أو كيف يكون الشأن في أمرهم إذا أصابتهم مصيبة بسبب ما قدمت أيديهم! أي ما عملوا من السيئات بباعث النفاق الظاهر، والخبث الباطن، فإن الأعمال السيئة تترتب عليها آثار سيئة، وتكون لها عواقب ضارة لا يمكن كتمانها، ولا يستغني صاحبها عن الاستعانة فيها بقومه وأولياء أمره.
فالآية تنذر جميع المنافقين الذين يستخفون من الناس بأعمال النفاق مبينة أن هذه الأعمال لا بد أن يترتب عليها بعض المصائب التي تفضح أمرهم وتضطرهم إلى الرجوع إلى النبي والاعتذار له والحلف على ذلك ليصدقه، فإنهم يشعرون بأنهم متهمون بالكذب، أو كيف تعاملهم في هذه الشدة أيها الرسول بعد علمك بما كان من صدودهم عنك في وقت الاستغناء عنك، هل تعطف عليهم وتقبل قولهم إذا أصابتهم المصيبة التي يستحقونها بارتكاب أسبابها؟
{ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا}، أي: يخادعونك بالحلف بالله إنهم ما أرادوا بما عملوا من الصدود أو من الأعمال المنكرة والمعاصي التي ترتبت عليها المصيبة إلا إحسانا في المعاملة وتوفيقا بينهم وبين خصمهم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين، وقالوا: نحن نعلم أنك لا تحكم إلا بمر الحق لا تراعي فيه أحدا، فلم نر ضررا في استمالة خصومنا بقبول حكم طواغيتهم، والتوفيق بين منفعتنا ومنفعتهم.
سأل العليم الحكيم كيف تكون المعاملة في هذه الحال تمهيدا لبيان ما يجب العمل به، وهو قوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من الكفر والحقد والكيد تربص الدوائر بالمؤمنين ليظهروا عداوتهم. قال الأستاذ الإمام: والعبارة تدل على تعظيم الأمر أي فظاعته وكبره، ولا يزال مثلها مستعملا فيما يعظم شأنه من خير وشر ومسرة وحزن، يقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، أي: ويقول في العدو الماكر المخادع: الله يعلم ما في قلبه.
والمعنى: أن ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدا لا يعرفه كما هو إلا الله تعالى: {فأعرض عنهم} أي: اصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم {وعظهم} ببيان سوء حالهم لهم إذا هم أصروا على ما هم عليه {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيها.
أقول: أما الإعراض عنهم فهو يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة، فإنهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم، ولا جازمين بما في نفوسهم من تكذيب الوحي ; ولذلك كانوا يحذرون أن تنزل سورة تنبئهم بما في قلوبهم، ويحسبون كل صيحة عليهم، فإذا رأوا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإعراض عنهم وعدم الالتفات إلى أعذارهم المؤكدة بأيمانهم الكاذبة، على خلاف عادته مع أصحابه من الإقبال عليهم والبشاشة في وجوههم فإنهم يظنون الظنون: لعله عرف ما نسر في نفوسنا، لعل سورة نزلت نبأته بما في قلوبنا، لعله يريد أن يؤاخذنا بما في بواطننا، وهذه الظنون تعدهم التأمل فيما يلقى عليهم من الوعظ، وهو كما تقدم في تفسير الجزء الثاني [ص 321 ج2 طبعة الهيئة]، ـ النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب، ويبعث على العمل.
وأما الأمر الثالث وهو: {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} فقيل معنى قوله: {في أنفسهم} في شأن أنفسهم، كأن يذكر لهم من شأن أنفسهم في عقائدها، وما تنطوي عليه سرائرها، وما يترتب على تلك العقائد والسرائر من الأعمال الدالة على أن الظاهر مرآة الباطن، ويبين لهم أن هذه الذبذبة لم تكن خيرا لهم فيما يهمهم من أمر دنياهم ; لأنهم صاروا بها في اضطراب دائم، وهم ملازم، وهي شر لهم في آخرتهم.
وقيل: في أنفسهم معناه في السر دون الملأ ; لأن الكلام في السر يبلغ من النفس ما لا يبلغه الكلام على مسمع من الناس، فإن من تحدثه خاليا لا يشغله عن معنى حديثك ما يشغل غيره من ذهاب نفسه وراء تأثير حديثك في نفوس الناس الذين سمعوه: هل يحتقرونه به، هل يحدثون به غيرهم؟ ماذا ينبغي أن يفعل، وأن يقول إذا قيل له فيه أو احتقر لأجله.
وقيل: المعنى: قولا بليغا في أنفسهم أي: يغوص فيها ويبلغ غاية ما يراد به منها، وهو الذي أشار إليه الأستاذ الإمام، وفيه تقديم معمول الصفة على الموصوف وهو جائز عند الكوفيين، وكثيرا ما يرجح الأستاذ الإمام مذهبهم - ولا سيما في الجواز واستعمال اللغة - والبصريون لا يجيزونه إلا حيث يجوز تقديم العامل، وتوسع بعضهم في الظروف.
وقيل: إن المراد بالقول البليغ أن يكون الوعظ بكلام بليغ، وقيل: هو أمر ثالث، فالوعظ: النصح المتعلق بأمر الآخرة، والقول البليغ: ما يكون في أمر الدنيا ومعاملتهم فيها، وذكر بعضهم أن من بلاغة الكلام طوله وهو قول مردود.
وفي الآية شهادة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقدرة على الكلام البليغ، وتفويض أمر الوعظ والقول البليغ إليه؛ لأن الكلام يختلف تأثيره باختلاف أفهام المخاطبين، وهي شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في موضعه، وهذا بمعنى إيتاء الله تعالى نبيه داود الحكمة وفصل الخطاب، وما أوتي نبي فضيلة إلا وأوتي مثلها خاتم النبيين ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليهم أجمعين، وشهادة الله تعالى له في هذا المقام أكبر شهادة، وإنما آتاه الله تعالى هاتين المزيتين على وجه الكمال بالنبوة والقرآن، ولم يكن قبل النبوة مشهورا بين قومه بالفصاحة والبلاغة، وإن كان فصيحا بليغا؛ لأن الله تعالى صرفه عن مظهر فصاحتهم وبلاغتهم وهو الشعر والخطابة والمماتنة ـ المغالبة ـ في الأسواق والمجامع.
وإنما صرفه الله تعالى عن ذلك لتكون حجته في إعجاز القرآن بالبلاغة أظهر وأبعد عن الشبهة، فلا يقولن قائل: إنه تمرن على الكلام البليغ وزاوله الزمن الطويل حتى ارتقى فيه إلى هذه القمة العليا التي لا يطاول فيها، هذه هي حجتنا المؤيدة بسيرته الشريفة على أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن معدودا قبل النبوة في بلغاء القوم بالشعر ولا الخطابة، ولم يكن يحفل بمفاخراتهم ومماتناتهم فيها، وإنما كان مشهورا بالأمانة والفضيلة والصدق.
وأما دليلنا على أن الحكمة العليا كالبلاغة العليا قد كمله الله تعالى بها وبالنبوة أيضا فنصوص القرآن، وسيأتي منها في هذه السورة قوله تعالى:
{ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم } [النساء: 113]. قال القاضي عياض في الشفاء: " وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله من تأمل حديثه وسيره، علم ذلك وتحققه، وليس كلامه مع قريش والأنصار، وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذي المعشار الهمداني وطهفة النهدي، وقطن بن حارثة العليمي، والأشعث بن قيس، ووائل بن حجر الكندي وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن، ثم أورد الشواهد على ذلك.