التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً
٦٤
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً
٦٥
-النساء

تفسير المنار

الكلام متصل بما قبله متمم لسياق وجوب طاعة الله ورسوله، والتشنيع على من يرغب عن التحاكم إلى الرسول ويؤثر عليه التحاكم إلى الطاغوت، وقال الأستاذ الإمام: بعد ما بين تعالى ما ينبغي للرسول مع أولئك المنافقين قال: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} فهذا كالدليل على استحقاق أولئك المنافقين للمقت؛ لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: إننا أرسلنا هذا الرسول على حكمنا، وسنتنا في الرسل قبله أننا لا نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله تعالى، فمن صد عنهم وخرج عن طاعتهم، أو رغب عن حكمهم كان خارجا عن حكمنا وسنتنا فيهم مرتكبا أكبر الآثام في ذلك.
وقوله: {بإذن الله} للاحتراس؛ لأن الطاعة في الحقيقة لله تعالى، فهذا القيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون من يظنون أن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد، فهو عز وجل يقول: إن الطاعة الذاتية ليست إلا لله تعالى رب الناس وخالقهم، وقد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه.
أقول: قوله تعالى: {من رسول} أبلغ في استغراق النفي من أن يقال: " وما أرسلنا رسولا "، فكل رسول تجب طاعته، وإيجاب طاعة الرسول تشعر بأن الرسول أخص من النبي ; فالرسول لا بد أن يكون مقيما لشريعة.
وفسر بعضهم الإذن بالإرادة، وبعضهم بالأمر، وبعضهم بالتوفيق والإعانة، وهو مما تجادل فيه الأشعرية والمعتزلة، ولا مجال فيه للجدال، قال الراغب: الإذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه نحو: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، أي: بإرادته وأمره اهـ، وقوله: بإرادته وأمره تفسير باللازم وإلا فالإذن في اللغة كالأذان والإيذان لما يعلم بإدراك حاسة الأذنين أي: بالسمع، فقوله: ليطاع بإذن الله معناه بإعلامه الذي نطق به وحيه وطرق آذانكم، كقوله في الآية السابقة التي هي أم هذا السياق: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وما صرف الرازي عن هذا المعنى البديهي إلا انصراف ذكائه للرد على الجبائي دون فهم الآية في نفسها بما تعطيه اللغة الفصحى.
واستدل بالآية على عصمة الأنبياء، ووجهه أننا مأمورون بطاعتهم مطلقا فهي واجبة، ولو أتوا بمعصية لكنا مأمورين بطاعتهم فيها، فتكون بذلك واجبة، وقد فرضنا أنها معصية محرمة، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد، وهو جمع بين الضدين بمعنى النقيضين، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية تدل على وجوب طاعتهم فيما يأمرون أو يحكمون به، فالممتنع أن يحكموا أو يأمروا بخلاف ما أنزله الله تعالى عليهم، وأما أفعالهم التي لم يأمروا بها ولم يحكموا بها فلا تدل الآية على وجوب اتباعهم فيها، وإن كانت من أكبر الطاعات في نفسها، كالتهجد الذي كان مفروضا على نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون المؤمنين، ومنها خصائص كتعدد الزوجات الذي أبيح له منه ما لم يبح لغيره.
ومن أوامره وأحكامه ما يكون بالاجتهاد إذا لم يكن في الواقعة، أو الدعوى وحي منزل، ولم يقولوا بعصمة الأنبياء من الخطأ في الاجتهاد، وإنما قالوا: إن الله تعالى لا يقرهم على الخطأ فيه، بل يبين لهم الحق فيه، وقد يعاتبهم عليه كما وقع لنبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مسألة أسرى بدر، ومسألة الإذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، ولكن الخطأ في الاجتهاد ليس من المعصية في شيء، فهو لا ينافي العصمة؛ لأن المعصية هي مخالفة ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه.
{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم}، أي ولو أن أولئك الذين رغبوا عن حكمك إلى حكم الطاغوت عند ظلمهم لأنفسهم بذلك {جاءوك فاستغفروا الله}، من ذنبهم وندموا أن اقترفوه وحسنت توبتهم {واستغفر لهم الرسول}، أي دعا الله أن يغفره لهم {لوجدوا الله توابا رحيما} أي لتقبل الله توبتهم على هذا الوجه أتم القبول وأكمله، وتغمدهم برحمته، وغمرهم بإحسانه ; لأنه تعالى يقبل التوبة النصوح كثيرا مهما عاد صاحبها، ورحمته وسعت كل شيء.
هذا هو معنى صيغة المبالغة في تواب رحيم، وإنما قرن استغفارهم الذي هو عنوان توبتهم باستغفار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ; لأن ذنبهم هذا لم يكن ظلما لأنفسهم فقط لم يتعد شيء منه إلى الرسول فيكفي فيه توبتهم، بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث إنه رسول له وحده الحق في الحكم بين المؤمنين به، فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما صدر منهم أن يظهروا ذلك للرسول؛ ليصفح عنهم فيما اعتدوا به على حقه، ويدعو الله تعالى أن يغفر لهم إعراضهم عن حكمه، ومن هذا البيان تعرف نكتة وضع الاسم الظاهر موضع الضمير إذ قال: {واستغفر لهم الرسول}، ولم يقل: {واستغفر لهم}، فإن حقه عليهم أن يتحاكموا إليه إنما كان له بأنه رسول الله وأنه مأمور بأن يحكم بين الناس بما أراه الله في وحيه وما هداه إليه في اجتهاده، ولو أنهم اعتدوا في معصيتهم على حقوقه الشخصية كأكل شيء من ماله بغير حق لقال: {واستغفر لهم}، فإن التوبة عن المعاصي المتعلقة بحقوق الناس لا تكون مقبولة ولا صحيحة إلا بعد استرضاء صاحب الحق.
وجعل بعض المفسرين نكتة وضع الظاهر موضع الضمير إجلال منصب الرسالة والإيذان بقبول استغفار صاحب هذا المنصب الشريف وعدم رد شفاعته، والظاهر ما قلناه والمنصب هو هو في شرفه وعلوه، ولكن الله لا يغفر للمنافقين إذا لم يتوبوا وإن استغفر لهم الرسول ; لأن الله تعالى قال له فيهم:
{ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } [التوبة: 80]، والآية ناطقة بأن التوبة الصحيحة تكون مقبولة حتما إذا كملت شرائطها.
وظاهر الآية أن منها أن تكون عقب الذنب كما يدل الشرط، والعطف بالفاء وهو بمعنى
{ ثم يتوبون من قريب } [النساء: 17]، وتقدم تفسيره. وذكر الأستاذ الإمام أنه تعالى سمى ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس أي إفسادا لمصلحتها؛ لأن الرسول هاد إلى مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وهذا الظلم يشمل الاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك، والاستغفار هو الإقبال على الله، وعزم التائب على اجتناب الذنب، وعدم العود إليه مع الصدق والإخلاص في ذلك، وأما الاستغفار باللسان عقب الذنب من دون هذا التوجه القلبي فليس استغفارا حقيقيا.
أقول: يعني أن ما اعتاده الناس من تحريك اللسان بلفظ: " أستغفر الله " لا يعد طلبا للمغفرة؛ لأن الطلب الحقيقي ينشأ عن الشعور بالحاجة إلى المطلوب، فلا بد أن يشعر القلب أولا بألم المعصية وسوء مغبتها، وبالحاجة إلى التزكي من دنسها، ولا يكون هذا إلا بما ذكر الأستاذ من التوجه القلبي إلى الله بالصدق والإخلاص والعزم القوي على اجتناب سبب هذا الدنس، وهو المعصية، وكيف يكون متألما من القذر الحسي من ألفه وعرض بدنه له إذا طلب غسله باللسان، وهو لا يترك الالتياث به ولا يدنو من الماء؟
وقال في استغفار الرسول: إنكم تعلمون أن مشاركة الناس بعضهم لبعض في الدعاء مسنونة، وأن من سنته تعالى أن يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبل من الواحد، فدعاء الجماعة أرجى للإجابة إن كان كل داع موعودا بالاستجابة، وحقيقة الدعاء: إظهار العبودية والخضوع له تعالى، والإجابة التي وعد بها: هي الإثابة وحسن الجزاء، فمتى أخلص الداعي أجاب الله دعاءه سواء كان بإعطائه ما طلب أو بغير ذلك من الأجر والثواب، وإنما كانت المشاركة في الداء أرجى للقبول؛ لأن الداعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه، أي أن ذنبه يكون هو السبب في شعورهم وإحساسهم كلهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والاتحاد المرضي عنده، فكأن حاجته حاجتهم كلهم.
فإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الداعي والمستغفر لأولئك التائبين من ظلمهم لأنفسهم مع استغفارهم هم، فذلك من اشتراك قلبه الشريف مع قلوبهم بالحاجة إلى تطهير الله لهم من دنس الذنب وطلب النجاة من عقوبته، وناهيك بقرب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ربه والرجاء في استجابة دعائه.
وأما اشتراط استغفار الرسول إلى استغفارهم، فمعناه أن توبتهم لا تتحقق إلا إذا رضي عن توبتهم رضا كاملا، بحيث يشعر قلبه الرحيم بالمؤمنين بحاجتهم إلى المغفرة لصحة توبتهم وإخلاصهم، فذنبهم ذلك لا يغفر إلا بضم استغفاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى استغفارهم، وليس كل ذنب كذلك، بل يكتفى في سائر الذنوب بتوبة العبد المذنب حيث كان، والإخلاص لله تعالى اهـ.
أقول: وقد بينا الفرق بين هذا الذنب وغيره من الذنوب، ومنه يعلم بعد من قاس كل ذنب على ذنب الرغبة عن التحاكم إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإيثار التحاكم إلى الطاغوت، وقاس كل مذنب بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من أعرض عن حكمه في حياته، فجعل مجيء كل مذنب إلى قبره الشريف واستغفاره عنده كمجيء من أعرضوا عن حكمه في حياته تائبين مستغفرين ليعفو عن حقه عليهم ويستغفر لهم.
{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} هذه الآية متصلة بما قبلها أشد الاتصال، والسياق محكم متسق وإن ذكروا أسبابا خاصة لنزولها، أقسم الله تعالى بربوبيته لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخاطبا له في ذلك خطاب التكريم، ومن المعهود في اللغة أن مثل هذا القسم يعد تكريما، وقد كانت عائشة تقسم برب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما غضبت مرة أقسمت برب إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكلمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك بعد رضاها، فقالت: " إنما أهجر اسمك "، أقسم تعالى بأن أولئك الذين رغبوا عن التحاكم إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمثالهم، وهم من المنافقين الذين يزعمون الإيمان زعما كما تقدم لا يؤمنون إيمانا صحيحا حقيقيا ـ وهو إيمان الإذعان النفسي ـ إلا بثلاث:
الأولى: أن يحكموا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما شجر بينهم، أي: في القضايا التي يختصمون فيها ويشتجرون فلم يتبين الحق فيها لهم، أو لم يعترف به كل منهم، بل يذهب كل مذهبا فيه، فمعنى شجر: اختلف واختلط الأمر فيه، قيل: إن شجرا ـ مصدر شجر ـ، والتشاجر والاشتجار مأخوذ من الشجر الملتف المتداخل بعضه في بعض. وقال بعضهم: بل سمي الشجر شجرا لاشتجار أغصانه وتداخلها ـ وقيل: من الشجار ـ ككتاب ـ وهو خشب الهودج لاشتباك بعضه في بعض، وقيل: من الشجر ـ بالفتح ـ وهو مفتح الفم لكثرة الكلام في الأمور التي يقع النزاع فيها، وكل هذه المعاني مناسبة، وتحكيمه تفويض أمر الحكم إليه.
الثانية: قوله: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} الحرج: الضيق، والقضاء: الحكم، وزعم بعض المستشرقين من الإفرنج أن لفظ القضاء لم يكن مستعملا في صدر الإسلام الأول بمعنى الحكم، وهذا من دعاويهم التي يتجرءون عليها من غير استقصاء ولا علم.
والمعنى: ثم تذعن نفوسهم لقضائك وحكمك فيما شجر بينهم بحيث لا يكون فيها ضيق ولا امتعاض من قبوله والعمل به، ولما كان الإنسان لا يملك نفسه أن يسبق إليها الألم والحرج إذا خسرت ما كانت ترجو من الفوز، والحكم لها بالحق المختصم فيه، عفا الله تعالى عن الحرج يفاجئ النفس عند الصدمة الأولى وجعل هذا الشرط على التراخي فعطفه بـ ثم والمؤمن الكامل الإيمان ينشرح صدره لحكم الرسول من أول وهلة لعلمه أنه الحق، وأن الخير له فيه، والسعادة في الإذعان له، فإذا كان في إيمانه ضعف ما ضاق صدره عند الصدمة الأولى، ثم يعود على نفسه بالذكرى وينحى عليها باللوم حتى تخشع وتنشرح بنور الإيمان وإيثار الحق الذي حكم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الهوى، وقيل: المراد بنفي وجدان الحرج عدم الشك في حقية الحكم بأن يكون موقنا بأنه قضاء بمر الحق الذي لا شبهة فيه، قال هذا من قاله وهو خلاف المتبادر ; لأن وجدان القلب لا يتعلق به التكليف، وقد علمت ما هو الصواب.
الثالثة: قوله تعالى: {ويسلموا تسليما} التسليم هنا: الانقياد بالفعل، وما كل من يعتقد حقية الحكم ولا يجد في نفسه ضيقا منه ينقاد له بالفعل وينفذه طوعا، وإن لم يخش في ترك العمل به مؤاخذة في الدنيا.
واستدلوا بالآية على عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخطأ في الحكم وغيره، وذهب الرازي إلى عدم معارضة هذا بفتواه في أسرى بدر، وما في معناه مما عاتبه الله تعالى عليه بقوله:
{ عفا الله عنك لم أذنت لهم } [التوبة: 43]، وقوله: { عبس وتولى } [عبس: 1]، إلخ، وقوله: { لم تحرم ما أحل الله لك } [التحريم: 1]، وأحال على تأويله لهذه الآيات في مواضعها، وشك في عصمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحكم، بمعنى أنه لا يحكم إلا بالحق بحسب صورة الدعوى وظاهرها لا بحسب الواقع في نفسه ; لأن الحكم في شريعته على الظاهر، والله يتولى السرائر.
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:
"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" رواه الجماعة كلهم مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث أم سلمة، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" رواه مسلم والنسائي عن رافع بن خديج.
وفي معناه: إنما أنا بشر وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله فلن أكذب على الله رواه أحمد، وابن ماجه عن طلحة وصححوه، ولأجل هذه الأحاديث كانوا يسألونه إذا أمر بأمر لم يظهر لهم أنه الرأي هل هو عن وحي أو رأي؟ فإن كان عن وحي أطاعوا وسلموا تسليما، وإن كان رأيا ذكروا ما عندهم، وربما رجع إلى رأيهم كما فعل يوم بدر، فيا لله ما أكمل هديه، وما أجمل تواضعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأولئك الصحب الكاملين.
واستدلوا بالآية أيضا على أن النص لا يعارض ولا يخصص بالقياس، فمن بلغه حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورده بمخالفة قياسه له فهو غير مطيع الرسول، ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاثة المشروطة في صحة الإيمان بنص الآية، ومخالفة نص القرآن بالقياس أعظم جرما وأضل سبيلا.
وتدل الآية بالأولى على بطلان التقليد، فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يتقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ولرسوله كما أمر الله عز وجل، وإذا قلنا: إن للعامي أن يتبع العلماء فليس المعنى أن يتخذهم شارعين، ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة، وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا في آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص.
مثال ذلك أن بعض الفقهاء يقول: إن حكم الحاكم على الظاهر والباطن، فإذا حكم لك بما تعلم أنه ليس لك صار حلالا لك أن تأكله، ونص الحديث المتفق عليه الذي أوردناه آنفا أن من قضي له بحق أحد بناء على ظاهر الدعوى وهو يعلم أنه ليس بصاحب هذا الحق فإنما هي قطعة من النار إذا أخذها، فمن بلغه الحديث واعتقد صحته ولم يعارضه عنده نص يرجح عليه أو ينسخه بالدليل لا بالاحتمال، وبقي مقلدا لقول ذلك الفقيه يستحل ما يحكم له به من حق غيره كان غير مطيع لله ولرسوله ولا متصفا بالخصال التي تتوقف عليها صحة الإيمان.
قال الأستاذ الإمام: قوله تعالى: فلا وربك إلخ، تفريع على ما سبقه وهو نفي وإبطال لظن الظانين أنهم بمجرد محافظتهم على أحكام الدين الظاهرة يكونون صحيحي الإيمان مستحقين للنجاة من عذاب الآخرة والفوز بثوابها، لا وربك لا يكونون مؤمنين حتى يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم، ولا يكونون كذلك حتى يحكموك فيما شجر بينهم، واختلط بينهم من الحقوق، ثم بعد أن تحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعا للحكم في قلبه، فإن الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع، ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدا في شيء إلا بما عنده من شبهة الحق، فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرا وباطنا؛ لأنه أعدل من يحكم بالحق.
أقول: أما ما ذكروه في أسباب نزول الآية، فقد أورد السيوطي منه في لباب النقول ما رواه الأئمة الستة أي: البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن الزبير قال:
"خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، قال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجهه، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك" واستوعب الزبير حقه وكان كما أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب أنها نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء فقضى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يسقي الأعلى، ثم الأسفل، وهذه عين الرواية الأولى مختصرة، وفيها جزم بأن الآية نزلت في هذه الواقعة، والصواب أن هذا اجتهاد من الرواة لانطباق الآية على الرواية.