التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٧٧
أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
٧٨
مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً
٧٩
-النساء

تفسير المنار

أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: "أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله الله إلى المدينة أمرهم بالقتال فكفوا، فأنزل الله {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} الآية، ذكره السيوطي في لباب النقول، ورواه ابن جرير في تفسيره وعنده روايات أخرى أنها في أناس من الصحابة على الإبهام.
قال الأستاذ الإمام: إنني أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها ; لأنني أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به، وهذه الآية متصلة بما قبلها، فإن الله - تعالى - أمر بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له، وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم، وأمرهم بما أمرهم من القتال في سبيله وإنقاذ المستضعفين، ثم ذكر بعد ذلك شأنا آخر من شئونهم وذلك أن المسلمين، كانوا قبل الإسلام في تخاصم وتلاحم وحروب مستحرة مستمرة - ولا سيما الأوس والخزرج - فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بالإسلام، وبعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم أمرهم الإسلام بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه عليهم فكرهه الضعفاء منهم.
قال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} الاستفهام للتعجيب منهم إذ أمرهم الله - تعالى - باحترام الدماء، وكف الأيدي عن الاعتداء، وبإقامة الصلاة، وبالخشوع والعبودية لله، وتمكين الإيمان في قلوبهم، وبإيتاء الزكاة التي تفيد مع تمكين الإيمان شد أواخي التراحم بينهم، فأحبوا أن يكتب الله عليهم القتال ليجروا على ما تعودوا فلما كتب عليهم القتال للدفاع عن بيضتهم وحماية حقيقتهم، كرهه الضعفاء منهم، وكان عليهم أن يفقهوا من الأمر بكف الأيدي أن الله - تعالى - لا يحب سفك الدماء، وأنه ما كتب القتال إلا لضرورة دفاع المبطلين المغيرين على الحق وأهله لأنهم خالفوا أباطيلهم واتبعوا الحق من ربهم، فيريدون أن ينكلوا بهم، أو يرجعوا عن حقهم فأين محل الاستنكار في مثل هذه الحال؟ وهؤلاء هم ضعفاء المسلمين الذين ذكر أنهم يبطئون عن القتال ولذلك قال: {إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} و أو هنا بمعنى " بل " أي: إنهم يخشون الناس بين اثنين في الخشية أن يميل إلى هذا تارة وإلى الآخر تارة، وكان هؤلاء قد رجحوا بترك القتال خشية الناس مطلقا قال: {الله أو أشد خشية} أي: بل أشد خشية.
أقول: استنكر الأستاذ نزول الآية في بعض كبار الصحابة المشهود لهم بالجنة وما استحقوها إلا بقوة الإيمان، والعمل والإذعان، وجعلها في المبطئين على الوجه الذي اختاره فيهم وهو أنهم ضعاف الإيمان، والوجه الآخر أنهم المنافقون كما تقدم، فكيف تصدق رواية تجعل عبد الرحمن بن عوف منهم!
وقد روى ابن جرير عن أبي نجيح عن مجاهد أنها نزلت هي وآيات بعدها في اليهود، وروي عن ابن عباس في ذلك أنه قال في قوله تعالى: {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال}، نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم، اهـ، أي: أن يكونوا مثل اليهود في ذلك، وإذا صح هذا فالمراد به - والله أعلم - الاعتبار بما جاء في سورة البقرة من قوله:
{ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل } ، إلى قوله { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } [البقرة: 246].
والظاهر أن الآية في جماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء، ولا شك أن الإسلام كلفهم مخالفة عادتهم في الغزو والقتال لأجل الثأر، ولأجل الحمية والكسب، وأمرهم بكف أيديهم عن الاعتداء، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وناهيك بما فيهما من الرحمة والعطف، حتى خمدت من نفوس أكثرهم تلك الحمية الجاهلية، وحل محلها أشرف العواطف الإنسانية، وكان منهم من يتمنى لو يفرض عليهم القتال، ولا يبعد أن يكون عبد الرحمن بن عوف وبعض السابقين رأوا تركه ذلا وطلبوا الإذن به.
ولا يلزم من ذلك أن يكونوا هم الذين أنكروه بعد ذلك خشية من الناس بل ذلك فريق آخر من غير الصادقين، على أنه لما فرض عليهم القتال - لما تقدم ذكره من الحكم والأسباب - كان كرها لجمهور المسلمين كما سبق بيان ذلك في تفسير
{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } [البقرة: 216]، ولكن أهل العزم واليقين أطاعوا وباعوا أنفسهم لله - عز وجل -، فكان الفرق بين قتالهم في الجاهلية وقتالهم في الإسلام عظيما، وأما المنافقون ومرضى القلوب فكانوا قد أنسوا وسكنوا إلى ما جاء به الإسلام من ترك القتال وكف الأيدي فنال منهم الجبن، وأحبوا الحياة الدنيا، وكرهوا الموت لأجلها، وليس هذا من شأن الإيمان الراسخ، فظهر عليهم أثر الخشية والخوف من الأعداء حتى رجحوه على الخشية من الله - عز وجل - وسهل عليهم مخالفته بالقعود عن القتال وهو يقول: { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 175]، واستنكروا فرض القتال وأحبوا لو تأخر إلى أجل {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب}، أي هلا أخرتنا إلى أن نموت حتف أنوفنا بأجلنا القريب، هكذا فسره ابن جريج، وقال غيره: المراد بالأجل القريب الزمن الذي يقوون فيه ويستعدون للقتال بمثل ما عند أعدائهم، ويحتمل ألا يكونوا قصدوا أجلا معينا معلوما، وإنما ذكروا ذلك لمحض الهرب والتفصي من القتال، كما تقول لمن يرهقك عسرا في أمر: أمهلني قليلا أنظرني إلى أجل قريب، وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بقوله:
{قل متاع الدنيا قليل} أي: إن علة استنكاركم للقتال وطلبكم الإنظار فيه؛ إنما هي خشية الموت، والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها، وكل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة لأنه محدود، فإن {والآخرة خير لمن اتقى} لأن متاعها كثير وباق لا نفاد له ولا زوال، وإنما يناله من اتقى الأسباب التي تدنس النفس بالشرك وبالأخلاق الذميمة كالجبن والقعود عن نصر الحق على الباطل، والخير على الشر، وإذا كانت الآخرة خيرا للمتقين، فهي شر ووبال على المجرمين، فحاسبوا أنفسكم، واعلموا أنكم مجزيون هنالك على أعمالكم {ولا تظلمون فتيلا} أي ولا تنقصون من الجزاء الذي تستحقونه بأثر أعمالكم في أنفسكم مقدار فتيل، وهو ما يكون في شق نواة التمرة مثل الخيط، أو ما يفتل بالأصابع من الوسخ على الجلد أو من الخيوط، يضرب هذا مثلا في القلة والحقارة.
وقيل: لا تنقصون أدنى شيء من آجالكم، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: " يظلمون " على الغيبة لتقدمها والباقون {تظلمون} بالخطاب، ثم جاء بما يذهب بأعذارهم، وينفخ روح الشجاعة والإقدام في المستعدين منهم فقال:
{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} أي: إن الموت حتم لا مفر منه ولا مهرب، فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان كنتم ولو تحصنتم منه في البروج المشيدة، وهي القصور العالية التي يسكنها الملوك والأمراء فيعز الارتقاء إليها بدون إذنهم، أو الحصون المنيعة التي تعتصم فيها حامية الجند.
شيد البناء يشيده علاه وأحكم بناءه، وأصله أن يبنيه بالشيد وهو - بالكسر - كل ما يطلى به الحائط كالجص والبلاط، يقال: شاد البناء إذا جصصه، قال في اللسان: وكل ما أحكم من البناء فقد شيد، وتشييد البناء إحكامه ورفعه، أي: لأن في التفعيل معنى من المبالغة والكثرة في الشيء، وأجاز الراغب أن يكون المراد بالبروج بروج النجم ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو نال أسباب السماء بسلم

وإذا كان الموت لا مفر عنه ولا عاصم، وكان المرء يخوض معامع القتال فيصاب ولا يموت، ويخاطر بنفسه فيها أحيانا فلا يصاب بجرح ولا يقتل، وقد يموت المعتصم في البروج والحصون اغتضارا، وإذا كان الإقدام على القتال هو أقوى أسباب النجاة من القتل لأن الجبناء يغرون أعداءهم بأنفسهم لعدم دفاعهم عنها، وإذا كان الاستعداد للقتال والإقدام فيه لأجل الدفاع عن الحق وحماية الحقيقة ومنع الباطل أن يسود والشر أن يفشو - موجبا لمرضاة الله ولسعادة الآخرة، فما هو عذركم أيها القاعدون المبطئون؟

وطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

فلماذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم، وهذا ليس من شأن العقلاء والمؤمنين؟
كان من مرض قلوب هؤلاء أن كرهوا القتال وجبنوا عنه وخافوا الناس وتمنوا بذلك طول البقاء، فكان هذا صدعا في دينهم وعقولهم قامت به عليهم الحجة، ثم ذكرنا شأنا آخر من شئونهم يشبهه في الدلالة على مرض القلب والعقل فقال:
{وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} الحسنة ما يحسن عند صاحبه كالرخاء والخضب والظفر والغنيمة، كانوا يضيفون الحسنة إلى الله - تعالى - لا بشعور التوحيد الخالص بل غرورا بأنفسهم، وزعما منهم أن الله أكرمهم بها عناية بهم، وهروبا من الإقرار بأن شيئا من ذلك أثر ما جاءهم به الرسول من الهداية، وما حاطهم به من التربية والرعاية، ولذلك كانوا ينسبون إليه السيئة وهو - صلى الله عليه وسلم - بريء من أسبابها، دع إيجادها وإيقاعها، وذلك قولهم: {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك}، والسيئة ما يسوء صاحبه كالشدة والبأساء والضراء والهزيمة والجرح والقتل، كان المنافقون والكفار من اليهود وغيرهم إذا أصاب الناس في المدينة سيئة بعد الهجرة يقولون هذا من شؤم محمد {قل كل من عند الله}، قل أيها الرسول: إن كلا من الحسنة والسيئة من عند الله لوقوعها في ملكه على حسب سننه في نظام الأسباب والمسببات {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} أي: فما بال هؤلاء القوم، وماذا أصاب عقولهم حال كونها بمعزل عن الغوص في أعماق الحديث وفهم مقاصده وأسراره! فهم لا يعقلون حقيقة حديث يلقونه ولا حقيقة حديث يلقى إليهم قط، وإنما يأخذون بما يطفو من المعنى على ظاهر اللفظ بادئ الرأي، والفقه معرفة مراد صاحب الحديث من قوله وحكمته فيه من العلة الباعثة عليه والغائية له، وإذا كانوا قد فقدوا هذا الفقه وحرموه من كل حديث، فأجدر بهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن وحي ربه في حقيقة التوحيد ونظام الاجتماع وسنن الله في الأسباب والمسببات، فهذه المعارف العالية لا تنال إلا بفضل الروية وذكاء العقل وطول التدبر، ومن نالها لا يقول بأن سيئة تقع بشؤم أحد، وإنما يسند كل شيء إلى السبب، أو إلى واضع الأسباب والسنن، ولكل مقام مقال.
وفيه أنه يجب على العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من الظواهر دون ما رسب في أعماق الكلام وما تغلغل في أنحائه وأحنائه يبقى جاهلا غبيا طول عمره.
بعد أن بين حقيقة الأمر في السيئات والحسنات بالنسبة إلى موضوعها وسنن الاجتماع فيها، وأنها كلها تضاف بهذا الاعتبار إلى الله - عز وجل -، أراد أن يبين حقيقة الأمر فيها من وجه آخر فقال:
{ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}، قيل: إن الخطاب هنا لكل من يتوجه إليه من المكلفين، وقيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ; والمراد به كل من أرسل إليهم، والمعنى مهما يصبك من حسنة فهي من محض فضل الله الذي سخر لك المنافع التي تحسن عندك لا باستحقاق سبق لك عنده، وإلا فبماذا استحققت أن يسخر لك الهواء النقي الذي يطهر دمك، ويحفظ حياتك، والماء العذب الذي يمد حياتك وحياة كل الأحياء التي تنتفع بها، وهذه الأزواج الكثيرة من نبات الأرض وحيواناتها، وغير ذلك من مواد الغذاء وأسباب الراحة والهناء.
ومهما يصبك من سيئة فمن نفسك، فإنك أوتيت قدرة على العمل واختيارا في تقدير الباعث الفطري عليه من درء المضار وجلب المنافع، فصرت تعمل باجتهادك في ترجيح بعض الأسباب والمقاصد على بعض فتخطئ فتقع فيما يسوؤك، فلا أنت تسير على سنن الفطرة وتتحرى جادتها، ولا أنت تحيط علما بالسنن والأسباب وضبط الهوى والإرادة في اختيار الحسن منها، وإنما ترجح بعضها على بعض في حين دون حين بالهوى أو قبل المعرفة التامة بالنافع والضار منها فتقع فيما يسوؤك، ولولا ذلك لما عملت السيئات.
وتفصيل القول أن هنا حقيقتين متفقتين:
إحداهما: أن كل شيء من عند الله، بمعنى أنه خالق الأشياء التي هي مواد المنافع والمضار، وأنه واضع النظام والسنن لأسباب الوصول إلى هذه الأشياء بسعي الإنسان، وكل شيء حسن بهذا الاعتبار ; لأنه مظهر الإبداع والنظام.
والثانية: أن الإنسان لا يقع في شيء يسوؤه إلا بتقصير منه في استبانة الأسباب وتعرف السنن، فالسوء معنى يعرض للأشياء بتصرف الإنسان، وباعتبار أنها تسوؤه وليس ذاتيا لها ولذلك يسند إلى الإنسان.
مثال ذلك: المرض، فهو من الأمور التي تسوء الإنسان، وهو إنما يصيبه بتقصيره في السير على سنة الفطرة في الغذاء والعمل فيجيء من تخمة قادته إليها الشهوة، أو من إفراط في التعب أو في الراحة، أو من عدم اتقاء أسباب الضرر كتعريض نفسه للبرد القارس أو الحر الشديد، وقس على ذلك غيره من أسباب الأمراض التي ترجع كلها إلى الجهل بالأسباب وسوء الاختيار في الترجيح، والأمراض الموروثة من جناية الإنسان على الإنسان فهي من نفسه أيضا لا من أصل الفطرة والطبيعة التي هي من محض خلق الله دون اختيار الإنسان لنفسه، فوالداه يجنيان عليه قبل وجوده بتعريض أنفسهما للمرض الذي ينتقل إلى نسلهما بالوراثة، كما يجنيان عليه بعده بتعريضه هو للمرض في صغره بعدم وقايته من أسبابه، في الوقت الذي يكون اختيارهما له قائما مقام اختياره لنفسه.
واضرب لهم مثلا خاصا: غزوة أحد، أصابت المسلمين فيها سيئة كان سببها تقصيرهم في الوقوف عند أسباب الفوز والظفر فعصيان قائد عسكرهم ورسولهم - صلى الله عليه وسلم -، وترك الرماة منهم موقعهم الذي أقامهم فيه للنضال وكان ذلك لخطأ في الاجتهاد سببه الطمع في الغنيمة كما تقدم في تفسير سورة آل عمران من الجزء الرابع.
فإن قيل: إن جميع الأشياء حسنها وسيئها تسند إلى الله - عز وجل - ويقال: إنها من عنده، بمعنى أنه هو الخالق لموادها والواضع لسنن الأسباب والمسببات فيها، ويسند إلى الإنسان منها كل ماله فيه كسب وعمل اختياري سواء كان من الحسنات أو السيئات، وقد مضى بهذا عرف الناس وأيدته نصوص الكتاب والسنة بمثل قوله تعالى:
{ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، فلماذا جعل هنا إصابة الحسنة من فضل الله - تعالى - مطلقا وإصابة السيئة من نفس الإنسان مطلقا؟
فالجواب عن هذا: أن ما ذكر في السؤال حق، وما في الآية حق، ولكل مقام مقال، والمقام الذي سيقت الآية له هو بيان أمرين:
أحدهما: نفي الشؤم والتطير وإبطالهما ليعلم الناس أن ما يصيبهم من السيئات لا يصيبهم بشؤم أحد يكون فيهم، وكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية ولا يزال التطير والتشاؤم فاشيا في الجاهلين من جميع الشعوب، وهو من الخرافات التي يردها العقل وقد أبطلها دين الفطرة، قال تعالى في آل فرعون:
{ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الأعراف: 131]، فقد جعل التطير من الجهل وفقد العلم بالحقائق.
ثانيهما: أنه ينبغي لمن أصابته سيئة أن يبحث عن سببها من نفسه، ولا يكتفي بعدم إسنادها إلى شؤم غيره ممن ليس له فيها عمل ولا كسب ; لأن السيئة تصيب الإنسان بما تقدم شرحه آنفا من تقصيره وخروجه بجهله أو هواه عن سنة الله في التماس المنفعة من أبوابها، واتقاء المضار باتقاء أسبابها ; لأن الأصل في نظام الفطرة البشرية هو ما يجده الإنسان في نفسه من ترجيح الخير لها على الشر، والنفع على الضر، وكون كل قوة من قواه نافعة له إذا أحسن استعمالها، وليس في أصل الفطرة سيئة قط، وإنما الإنسان يقع في الضرر غالبا بسوء الاستعمال وطلب ما لا تقتضيه الفطرة لولا جنايته عليها باجتهاده، كالإفراط في اللذات والتعب، تنفر منه الفطرة فيحتال الإنسان عليها ويحملها ما لا تحمله بطبعها لولا ظلمه لها، كاستعماله الأدوية لإثارة شهوة الطعام والوقاع وعدم وقوفه فيهما عند حد الداعية الطبيعية، كأن لا يأكل إلا إذا جاع من نفسه، ولا يملأ بطنه من الطعام بما يحمله على ذلك من الأدوية المقوية والتوابل المحرضة، فمصائب الإنسان من ظلمه وكسبه.
لب هذه الحقيقة الثانية التي علمنا الله إياها وربانا بها هو أن سنته تعالى في فطرة الإنسان، كسننه في فطرة سائر الحيوان والنبات،
{ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } [الملك: 3]، كلها مصادر للحسنات، ليس فيها شيء سيئ بطبعه، ولكن الإنسان فضل على غيره بما أوتي من الاستعداد للعلم، ومن الإرادة والاختيار في العمل، فإذا أحكم العلم وأحسن الاختيار مهتديا بسنن الفطرة وأحكام الشريعة - وهي كلها من عند الله ومن محض فضله ورحمته - كان مغمورا في الحسنات والخيرات، وإذا قصر في العلم وأساء الاختيار في استعمال قواه وأعضائه في غير ما يقتضيه نظام الفطرة وحاجة الطبيعة وقع في الأمور التي تسوؤه، فيجب عليه أن يرجع على نفسه بالمحاسبة والمعاتبة كلما أصابته سيئة، ليعتبر بها ويزداد علما وكمالا، فهذه الآية أصل من أصول علم الاجتماع وعلم النفس فيها شفاء للناس من أوهام الوثنية، وتثبيت في مقام الإنسانية.
ثم قال تعالى: {وأرسلناك للناس رسولا} وما على الرسول إلا البلاغ المبين، وأما الحسنات والسيئات فهي من الله - عز وجل - خلقا لمواردها وأسبابها وتقديرا لتلك الأسباب بجعلها على قدر المسببات، ومنها أن للإنسان عملا في هذه الأسباب فإن أحسن وأصاب كانت له الحسنة بفضل الله في ذلك، وإن أخطأ وأساء كانت له السيئة بخروجه عن تلك السنن وتقصيره في تلك الأسباب، وليس للرسول دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات ; لأنه أرسل للتبليغ والهداية لا للتصرف في نظام الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها،
{ فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا } [فاطر: 43]، فزعم أولئك الجاهلين أن السيئة تصيبهم من عنده أو بسببه، وما تخيلوا من شؤمه، لا حجة عليه من العقل، وهو مخالف لما بين من وظيفة الرسول في النقل، على أن هدايته جامعة لأسباب النعم فهي من يمنه لا من خلقه.
وكفى بالله شهيدا على صحة رسالتك للناس كافة بتأييدك بآياته، وتصديقك فيما أنذرت به المعرضين، وبشرت به المؤمنين، أو شهيدا بأنك لم ترسل إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، لا مسيطرا عليهم ولا جبارا لهم، ولا مغيرا لنظام الاجتماع فيهم، وقيل: إن المراد بالشهادة هنا الشهادة على أولئك الذين قالوا تلك الأقوال المنكرة.
تقدم القول بأن هذه الآيات كلها من قوله: {ألم تر} إلى هنا نزلت في اليهود، والقول بأن الذي نزل فيهم هو قوله: {وإن تصبهم حسنة} وما بعده إلى هنا كان يقول هذا يهود المدينة بعد أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها، وقيل: إنها نزلت في المنافقين، وهو يؤيد كون السياق فيهم، وفي مرضى القلوب الذين على مقربة منهم، لا في ضعفاء الإيمان خاصة كما اختار الأستاذ الإمام، ولهرحمه الله - تعالى - مقال في تفسير هاتين الآيتين، وكان قد سئل عنهما فأجاب ونشرنا جوابه في المجلد الثالث من المنار [ص 157] ويحسن أن نضعه هاهنا فهو موضعه وهو:
" كان بعض القوم بطرا جاهلا، إذا أصابه خير ونعمة يقول: إن الله - تعالى - قد أكرمه بما أعطاه من ذلك وأصدره من لدنه وساقه إليه من خزائن فضله عناية منه به لعلو منزلته، إذا وصل إليه شر - وهو المراد من السيئة - يزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن شؤم وجوده هو ينبوع هذه السيئات والشرور، فهؤلاء الجاهلون الذين كانوا يرون الخير والشر والحسنة والسيئة يتناوبانهم قبل ظهور النبي وبعده، كانوا يفرقون بينهما في السبب الأول لكل منهما، فينسبون الخير أو الحسنة إلى الله - تعالى - على أنه مصدرها الأول ومعطيها الحقيقي، يشيرون بذلك إلى أنه لا يد للنبي فيه، وينسبون الشر أو السيئة إلى النبي على أنه مصدرها الأول ومنبعها الحقيقي كذلك، وأن شؤمه هو الذي رماهم بها، وهذا هو معنى م{ن عند الله}، أو {من عندك}، أي من لدنه ومن خزائن عطائه، ومن لدنك ومن خزائن رزاياك التي ترمي بها الناس.
فرد الله عليهم هذه المزاعم بقوله: {قل كل من عند الله} أي: إن السبب الأول وواضع أسباب الخير والشر المنعم بالنعم والرامي بالنقم إنما هو الله وحده، وليس ليمن ولا لشؤم مدخل في ذلك، فهو بيان للفاعل الأول الذي يرد إليه الفعل فيما لا تتناوله قدرة البشر ولا يقع عليه كسبهم، وهو الذي كان يعنيه أولئك المشاقون عندما يقولون: الحسنة من الله والسيئة من محمد، أي: إنه لا دخل لاختيارهم في الأولى ولا في الثانية، وأن الأولى من عناية الله بهم والثانية من شؤم محمد عليهم، فجاءت الآية ترميهم بالجهل فما زعموا، ولو عقلوا لعلموا أن ليس لأحد فيما وراء الأسباب المعروفة فعل، الخير والشر في ذلك سواء.
" هذا فيما يتعلق بمن بيده الأمر الأعلى في الخير والشر والنعم والنقم، أما ما يتعلق بسنة الله في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك فالأمر على خلاف ما يزعمون، كذلك فإن الله - سبحانه وتعالى - قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في توفير أسباب سعادتنا والبعد عن مساقط الشقاء، فإذا نحن استعملنا تلك المواهب فيما وهبت له لأجله وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير، وذلك إنما يكون بتصحيح الفكر وإخضاع جميع قوانا لأحكامه وفهم شرائع الله حق الفهم والتزام ما حدده فيها، فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة، ونبعد عن الشقاء والتعاسة، وهذه النعم إنما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من الله - تعالى -، فما أصابك من حسنة فمن الله ; لأن قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها الحسنات، بل واستعمالك لتلك القوى إنما هو من الله ; لأنك لم تأت بشيء سوى استعمال ما وهب الله، فاتصال الحسنة بالله ظاهر، ولا يفصلها فاصل لا ظاهر ولا باطن.
وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا، وفرطنا في النظر في شئوننا، وأهملنا العقل وانصرفنا عن سر ما أودع الله في شرائعه، وغفلنا عن فهمه، فاتبعنا الهوى في أفعالنا، وجلبنا بذلك الشر على أنفسنا، كان ما أصابنا من ذلك صادرا عن سوء اختيارنا، وإن كان الله - تعالى - هو الذي يسوقه إلينا جزاء على ما فرطنا، ولا يجوز لنا أن ننسب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه، ونسبة الشر والسيئات إلينا في هذه الحالة ظاهرة الصحة، فأما المواهب الإلهية بطبيعتها فهي متصلة بالخير والحسنات وإنما يبطل أثرها إهمالها، أو سوء استعمالها، وعن كلا الأمرين يساق الشر إلى أهله وهما من كسب المهملين وسيئ الاستعمال، فحق أن ينسب إليهم ما أصيبوا به وهم الكاسبون لسببه، فقد حالوا بكسبهم بين القوى التي غرزها الله فيهم لتؤدي إلى الخير والسعادة، وبينما حقها أن تؤدى إليه من ذلك، وبعدوا بها عن حكمة الله فيها، وصاروا بها إلى ضد ما خلقت لأجله، فكل ما يحدث بسبب هذا الكسب الجديد، فأجدر به ألا ينسب إلا إلى كاسبه.
" وحاصل الكلام في المقامين: أنه إذا نظر إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو الله وحده، ولا يجوز أن يقال إن سواه يقدر على ذلك، ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلاما ; لأن نسبة الخير إلى الله ونسبة الشر إلى شخص من الأشخاص بهذا المعنى مما لا يكاد يعقل، فإن الذي يأتي بالخير ويقدر على سوقه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه، فالتفريق ضرب من الخبل في العقل.
" وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا الله الخلق إلى استعمالها ليكونوا سعداء ولا يكونوا أشقياء، فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب الله فذلك من فضل الله ; لأنه أحسن استعمال الآلات التي من الله عليه بها، فعليه أن يحمد الله ويشكره على ما آتاه، ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فهو الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب، وليس بسائغ له أن ينسب شيئا من ذلك إلى النبي ولا إلى غيره، فإن النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ولم يقهره على إتيان ما كان سببا في الانتقام منه.
" فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا الله وحمدوك - يا محمد - على ما ينالون من خير، فإن الله هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير، وأنت داعيهم لالتزام شرائع الله وفي التزامها سعادتهم، ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللائمة على أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود الله، فعند ذلك يعلمون أن الله قد انتقم منهم للتقصير أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته ; لأن الكل من عنده، وإنما ينعم على من أحسن الاختيار ويسلب نعمته عمن أساءه.
وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه من مجالب النقم، وطاعة الله إنما تكون باتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله ".
" ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب، فإنك لو كنت فقيرا وأعطاك والدك مثلا رأس مال فاشتغلت بتنميته والاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد في الإنفاق وصرت بذلك غنيا، فإنه يحق لك أن تقول: إن غناك إنما كان من ذلك الذي أعطاك رأس المال وأعدك به للغنى، أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه، واطلع على ذلك منك فاسترد ما بقي منه وحرمك نعمة التمتع به، فلا ريب أن يقال: إن سبب ذلك إنما هو نفسك وسوء اختيارها، مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد وهو والدك، غير أن الأمر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد، وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يحب ; لأن تحويل الوسائل عن الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها إنما ينسب إلى من حولها وعدل بها عما كان يجب أن تسير إليه.
" وهناك للآية معنى أدق، يشعر به ذو وجدان أرق، مما يجده الغافلون من سائر الخلق، وهو أن ما وجدت من فرح ومسرة، وما تمتعت به من لذة حسية أو عقلية، فهو الخير الذي ساقه الله إليك واختاره لك، وما خلقت إلا لتكون سعيدا بما وهبك.
أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك، ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما سيق إليك لفرحت بالمحزن فرحك بالسار، وإنما أنت بقصر نظرك تحب أن تختار ما لم يختره لك العليم بك المدبر لشأنك، ولو نظرت إلى العالم نظرة من يعرفه حق المعرفة، وأخذته كما هو وعلى ما هو عليه، لكانت المصائب لديك بمنزلة التوابل الحريفة يضيفها طاهيك على ما يهيئ لك من طعام لتزيده حسن طعم وتشحذ منك الاشتهاء لاستيفاء اللذة، واستحسنت بذلك كل ما اختاره الله لك، ولا يمنعك ذلك من التزام حدوده والتعرض لنعمه، والتحول عن مصاب نقمه، فإن اللذة التي تجدها في النقمة إنما هي لذة التأديب، ومتاع التعليم والتهذيب وهو متاع تجتني فائدته، ولا تلتزم طريقته، فكما يسر طالب الأدب أن يتحمل المشقة في تحصيله وأن يلتذ بما يلاقيه من تعب فيه، يسره كذلك أن يرتقي فوق ذلك المقام إلى مستوى يجد نفسه فيه متمتعا بما حصل، بالغا ما أمل، وفي هذا كفاية لمن يريد أن يكتفي، انتهى.