التفاسير

< >
عرض

مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
٨٠
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
٨١
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً
٨٢
-النساء

تفسير المنار

هذه الآيات متصلة بما قبلها مسايرة لها، فقد تقدم أن من أصول هذه الشريعة طاعة الله وطاعة الرسول، وقد أمر بهما معا أمرا عاما، وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه والصدق فيه والنفاق، ثم أمر بالقتال، وبين مراتب الناس في الامتثال، وبعد هذا ذكر المؤمنين بأمر الطاعة وكونها لله تعالى بالذات، ولغيره بالتبع، وبين ضربا من ضروب مراوغة أولئك الضعفاء أو المنافقين فيها فقال:
{من يطع الرسول فقد أطاع الله} أي: إن الرسول هو رسول الله، فما يأمر به من حيث هو رسول فهو من الله، وهو العبادات والفضائل، والأعمال العامة والخاصة التي تحفظ بها الحقوق، وتدرأ المفاسد، وتحفظ المصالح، فمن أطاعه في ذلك لأنه مبلغ له عن الله - عز وجل -، فقد أطاع الله بذلك ; لأن الله - تعالى - لا يأمر الناس وينهاهم إلا بواسطة رسل منهم، يفهمون عنهم ما يوحيه الله إليهم ليبلغوه عنه.
وأما ما يقوله الرسول من عند نفسه، وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من الأمور الدنيوية والعادات، كمسألة تأبير النخل، وما يسميه العلماء أمر الإرشاد، فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها الله - تعالى - ; لأنه ليس دينا ولا شرعا عنه تعالى.
وإنما تكون من كمال الأدب وقدوة الحب، مثاله: أمر نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكيل الطعام كالقمح وغيره من الحبوب، أي: عند اتخاذه وعند إرادة طبخه، وهو من التقدير والتدبير في البيوت، وأكثر المسلمين يتركونه إلا من يتبع طرق المدنية الحديثة في الاقتصاد وتدبير المنزل، ومن هذا الباب ما لا يظهر له مثل هذه الفائدة، وإنما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكره بطريق الاستحسان لمناسبة تتعلق بالمخاطبين، كالأمر بأكل الزيت والادهان به والأمر بأكل البلح بالتمر، فهو ما كان يقول مثل هذا باسم الرسالة والتبليغ عن الله - عز وجل -، وكان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - إذا شكوا في الأمر، هل هو عن الله - تعالى - أو من رأي الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجتهاده وكان لهم رأي آخر سألوه، فإن أجابهم بأنه من الله أطاعوه بغير تردد، وإن قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم وربما رجع - صلى الله عليه وسلم - عن رأيه إلى رأيهم كما فعل في بدر وأحد.
فالآية تدل على أن الله - تعالى - هو الذي يطاع لذاته ; لأنه رب الناس وإلههم وملكهم، وهم عبيده المغمورون بنعمه، وأن رسله إنما تجب طاعتهم فيما يبلغونه عنه من حيث إنهم رسله لا لذاتهم، ومثال ذلك الحاكم تجب طاعته في تنفيذ شريعة المملكة وقوانينها، وهو ما يعبرون عنه بالأوامر الرسمية، ولا تجب فيما عدا ذلك.
قال الرازي: قال مقاتل في هذه الآية: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله "، فقال المنافقون: قد قارب هذا الرجل الشرك، وهو أن نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية، واعلم أنا بينا كيفية دلالة هذه الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول وإنما الطاعة لله، انتهى.
ووجه قول مقاتل هو أن المؤمن الموحد لا يكون مستعبدا خاضعا إلا لخالقه وحده دون جميع خلقه، فالخروج عن ذلك شرك، والشرك نوعان: أحدهما: أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية العامة، فترجو نفعه وتخاف ضره وتدعو وتذل له، سواء شعرت في توجه قلبك إليه بأنه ينفعك بذاته، أو بتأثيره في إرادة الله - تعالى - بحيث يفعل لأجله، ما لم يكن يفعله لولاه بمحض فضله ورحمته، وهذا هو الشرك في الألوهية. وثانيهما: أن ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم لذاته، وهذا هو الشرك في الربوبية، ولذلك قال المنافقون: يريد أن نتخذه ربا.
وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون، وقد رد الله - تعالى - شبهة المنافقين وأغلوطتهم، وبين أن الرسول إنما يطاع فيما هو مرسل فيه ومأمور بتبليغه عن ربه.
ويؤخذ من هذا أن المؤمن الموحد يكون أعز الناس نفسا، وأعظمهم كرامة، وأنه لا يقبل أن يستبد فيه حاكم، ولا أن يستعبده سلطان ظالم، وما قوى الاستبداد في المسلمين إلا بضعف التوحيد فيهم.
فالتوحيد هو منتهى ما تصل إليه النفوس البشرية من الارتقاء والكمال، فصاحب التوحيد الخالص يعلم علم اليقين أن كل شيء في هذه الأرض وفي تلك السماوات العلى هو خاضع ومقهور للنواميس والسنن العامة التي قام بها النظام العام، وأن تفاوتها في الصفات والخواص لا يقتضي أن يرفع الأقوى في صفة ما على الأضعف رفع الإله على المألوه والرب على المربوب، فحجر الصوان الصلب القوي ليس إلها ولا ربا لحجر الكذان الضعيف، ولا حجر المغناطيس إلها يعظم تعظيما دينيا لما فيه من المزية، والشمس ذات النور والحرارة ليست إلها ولا ربا للسيارات التابعة لها ولا لغيرهن، بل هي مسخرة مثلهن للسنن العامة في نظام الكون، كذلك القوي في جسمه أو عقله ليس إلها للضعيف يدعوه هذا ويذل له ويستخذي أمامه.
وواسع العلم ليس ربا لقليل العلم يشرع له ويحلل ويحرم وما على الآخر إلا الطاعة، كذلك من ظهر منه أمر خارق للعادة المألوفة لا يجب رفعه على غيره والخضوع له تعبدا، سواء كان ذلك بعلم انفرد به، أو حيلة وهو السحر أو باتفاق أو بقوة روحية ومنه ما يسمونه كرامة، وغايته أنه امتاز على بعض الناس كامتياز القوي على الضعيف والذكي على البليد، وهو لا يكون بذلك ربا ولا إلها، ولا خارجا عن سنن الكون، بل كل عبيد مسخرون لسنن الله - تعالى - ويستفيدون منها بقدر علمهم وطاقتهم واجتهادهم، ويكلفون طاعة الله - تعالى - وحده بحسب ما تصل إليه أفهامهم في شرعه، لا يجب على أحد منهم أن يعمل باعتقاد غيره ولا برأيه.
نعم إنهم يتعاونون في الأعمال وفي العلوم، فقوي البدن يكون أكثر نفعا للآخرين بقوته البدنية وهو عبد مثلهم لا يقدسونه ولا يرفعون مرتبته عن البشرية التي يشاركهم فيها، وقوي العقل يكون أكثر نفعا برأيه وتدبيره ولا يرتفع بذلك على غيره ارتفاعا قدسيا، ومن كان أكثر تحصيلا للعلم يفيض من علمه على الطلاب وليس على أحد منهم أن يعمل برأيه ولا بفهمه إلا إذا ظهر له أنه الحق وصار علما له واعتقادا، وعند ذلك يكون عاملا باعتقاد نفسه الذي حصله بمساعدة أستاذه لا باعتقاد أستاذه ولا برأيه.
وإذا كان الموحد لا يطيع أمر الرسول لذاته بل لأنه مبلغ عمن أرسله فكيف. يجوز له أن يطيع أمر من دونه لذاته، ويعمل به من غير أن يثبت عنده أنه أمر من الله - تعالى -؟!
هذا هو مقام التوحيد الأعلى الذي جاء به الرسل وهو مناط السعادة في الدارين، وليس لقبا من ألقاب الشرف أو لفظا من الألفاظ التي توضع للفصل بين جماعات الناس على سبيل العرف والاصطلاح، فالتوحيد والإيمان والإسلام لها في هذا الزمان إطلاق عرفي اصطلاحي، فيطلق اللفظ منها على أناس لا يفهمون شيئا من معانيها الشرعية، لا تصدق عليهم مدلولاتها ولا تنطبق عليهم آياتها، ولم ينالوا ما بينه الكتاب العزيز من ثمراتها، ككون المؤمنين الموحدين هم المنصورين الغالبين، والأئمة الوارثين.
فإن قلت: إنك أثبت في تفسير
{ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59]، أن طاعة الرسول فيما يأمر به باجتهاده واجبة، وذكرت في المسألة الثانية عشرة من المسائل التي جعلتها ذيلا لتفسير الآية موضحا لها أن مراتب الطاعة ثلاث: الأولى: ما يبلغه الرسول عن ربه، والثانية: ما يأمر به ويحكم فيه باجتهاده، والثالثة: ما يستنبطه جماعة أولي الأمر مما تحتاج إليه الأمة، وقد أثبت وجوب طاعة الرسول في اجتهاده في مواضع أخرى من أصرحها وأوضحها ما ذكرته في تفسير { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله } [النساء: 13]، أفلا ينافي ذلك كون الطاعة لله وحده، وكون هذا مما يدخل في مفهوم التوحيد؟
قلت: لا منافاة بين الأمرين، فاجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو بيان للوحي الذي بلغه عن الله - تعالى -، وقد أذن الله له بهذا البيان فقال:
{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } [النحل: 44]، وهذا الإذن ضروري لا غنى عنه، ونظيره اجتهاد القضاة والحكام في تفسير القوانين، فطاعتهم فيما يحكمون فيه باجتهادهم في هذه القوانين إنما هو طاعة للقانون لا للشخص الحاكم بجعله شارعا يطاع لذاته.
ومن العلماء من يرى أن كل ما أمر به الرسول وما حكم به فهو وحي، وأن الوحي ليس محصورا في القرآن، بل القرآن هو الوحي الذي نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا النظم المعجز للتحدي به، وثبت بالتواتر القطعي وأمرنا بالتعبد به، وهناك وحي ليس له خصائص القرآن كلها، وهو ما كان يلقيه الروح الأمين في روعه - صلى الله عليه وسلم - ويعبر عنه بعبارة من عند نفسه ليست معجزة يتحدى بها ولا يتعبد بتلاوتها ولكن يطاع الرسول فيها لأنه ما جاء بها من عند نفسه بل من عند مرسله، ويستدلون على هذا بما جاء في أول سورة النجم
{ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } [النجم: 3، 4]، وغيرهم يجعل هذا النص في القرآن خاصة.
وأما طاعة أولي الأمر فهي لا تنافي التوحيد أيضا، ولا تقتضي ذل المؤمن الموحد بخضوعه لمثله من البشر وجعله شارعا يطاع لذاته ; لأن أولي الأمر إنما يطاعون فيما تعهد إليهم الأمة وضعه من الأحكام السياسية والمدنية التي مست حاجتها إليها لثقتها بهم لا تقديسا لذواتهم، وما يضعونه بشروطه التي بيناها في تفسير تلك الآيات ينسب إلى الأمة لأنهم وضعوه بالنيابة عنها، فلا يشعر أحد متبعيه بأنه صار مستعبدا مستذلا لأحد أولئك النواب عنه لما ذكرناه، ولأن رأي كل واحد منهم، وقد وضعوا ما وضعوه بالمشاورة، يكون مدغما في آراء الآخرين، والسلطة في ذلك للأمة في مجموعها لا لأولئك الأفراد الذين وكلت إليهم ذلك.
على أن الرجل يكل إلى آخر أن ينوب عنه في الأمر أو يوكله فيه فيقوم بذلك، ولا يرى العاهد أو الموكل أنه صار مستذلا له، ولا يرى الناس ذلك أيضا بل قد يرون عكسه، فالمؤمن لا يذل ويستخذي لأحد من خلق الله لذاته بل لله وحده، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما أثبت الكتاب المبين.
ومن هذا البيان تفهم قوله تعالى: {تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا}، أي ومن تولى وأعرض عن طاعتك التي هي طاعة الله فليس من شئون رسالتك أن تكرهه عليها ; لأننا أرسلناك مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا لا حفيظا عليهم، أي: لا مسيطرا ورقيبا تحفظ على الناس أعمالهم فتكرههم على فعل الخير، ولا جبارا تجبرهم عليه، بل الإيمان والطاعة من الأمور الاختيارية التي تتبع الاقتناع.
ذكرت في هذا المقام ما حققه الفيلسوف العربي الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون في بعض فصول الفصل الثاني من الكتاب الأول من مقدمته في كون معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة لبأسهم ذاهبة بمنعتهم، وكون الذين يؤخذون بأحكام القهر والسلطة وبأحكام التأديب والتعليم ينقص بأسهم ويغلب عليهم الجبن والضعف، وكون الدين الإسلامي وازعا اختياريا لا يفسد البأس، ولا يذلل النفس، قال بعد مقدمة في ذلك ما نصه:
" ولهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأسا ممن تأخذهم الأحكام، ونجد أيضا الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا، ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه، وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس ".
ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد بأسا ; لأن الشارع - صلوات الله عليه - لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلي عليهم من الترغيب والترهيب، ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي، إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتصديق، فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم، قال عمر - رضي الله عنه -: ومن لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله، حرصا على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه، ويقينا بأن الشارع أعلم بمصالح العباد.
ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة، ثم صار الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب، ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الانقياد إلى الأحكام نقصت بذلك سورة البأس فيهم.
" فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم، والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب، ولهذا قال محمد بن أبي زيد عن كتابه في أحكام المعلمين والمتعلمين: إنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحدا من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط، نقله شريح القاضي، انتهى المراد ".
يظن من نشئ على التقليد وحيل بينه وبين الاستقلال أن ما قاله هذا الحكيم خطأ ; لأنه مخالف لما عليه الجماهير من أمم العلم والمدنية ذات البأس والقوة من الاعتماد على تأديب المدارس، وسيطرتها في تكوين نابتة الأمة الذين تعتز بهم ويعلو شأنها.
مهلا أيها المقلد الغر، إن كثيرا من الناظرين تصور لهم أذهانهم بدلائلها النظرية أمرا ثم لا يظهر لهم خطؤهم فيه إلا بعد التجارب الطويلة، ومن الأمور الاجتماعية التي تختلف فيها أهواء الرؤساء ما لا يظهر الصواب فيه بعد التجارب إلا للأفراد من الحكماء المستقلين، ومنه المسألة التي نبحث فيها.
وضع رؤساء النصرانية قوانين لتربية القسيسين والرهبان تربية شديدة، يؤخذون فيها بالنظام والطاعة العمياء ليكونوا جندا روحيا لرؤسائهم، يتحركون بإرادتهم لا بإرادة أنفسهم ويتوجهون حيثما يوجهونهم، وينفذون كل ما به يأمرونهم، فاستولى أولئك الرؤساء بهذا النظام على أبناء دينهم من الملوك إلى الصعاليك وسخروهم لإرادتهم قرونا كثيرة، وفعل الملوك مثل ذلك في سلطتهم الجسدية فاستعبدوا الناس من جهة أخرى، وكانوا سبب ضعف أممهم وانحطاطها إلى أن حرروا أنفسهم.
ثم زلزلت الانقلابات الاجتماعية السلطتين وأضعفتهما بما استفاد الأوربيون من العلم واستقلال العقل والإرادة من المسلمين بحروبهم الصليبية، وبما بثه فيهم تلاميذ ابن رشد وغيره من حكماء المسلمين، فضعفت السلطتان ونازعتهما قوة العلم فنزعت منهما ما نزعت، فلما رأى الفريقان أنه لا قبل لهما بالعلم ولا قدرة لهما على إطفاء نوره، توجهت همتهما إلى الاستعانة به على تقرير سلطانهما بقدر الإمكان، فكانت المدارس عونا للأديار وللثكنات في إضعاف إرادة أفراد الأمة، وإفساد بأسهم والتصرف في حريتهم، وهذا كان في بعض الشعوب أقوى منه في بعض، كما بين ذلك الحكماء الذين فطنوا له بعد ; ولذلك كانت قوة المدنية الإفرنجية الحاضرة بالحرية والاستقلال الشخصي وهم متفاوتون فيه، وينشدون مرتبة الكمال منه، وضعفنا بفقد ذلك بعد أن كنا نحن السابقين إليه.
الإنكليز أعرق الشعوب الأوربية في الحرية الشخصية واستقلال الإرادة، على تثبتهم في تقاليدهم وبطئهم في التحول عن الأمر يكونون عليه، ولحريتهم واستقلالهم كانوا أكثر استفادة من الإصلاح الديني الذي زلزل سلطة البابوية من بعض البلاد وثل عرشها من بعض، وحكومة هذا الشعب هي الحكومة الفذة التي جعلت خدمة الجندية اختيارية، وأقامت التربية في المدارس على قواعد من الحرية الشخصية، والاستقلال، وكرامة النفس، لم يقمها أحد مثلها، ولذلك استولت على زهاء خمس البشر الأذلاء بضعف الاستقلال وفقد الحرية، على كون جندها أقل من جند غيرها من الدول الكبرى.
وقد فطن لذلك بعض علماء جيرانها الفرنسيس وأهابوا بقومهم لأجل اتباعها فيه، وكتبوا في ذلك مصنفات كثيرة ترجم بعضها بالعربية واشتهر ككتاب " سر تقدم الإنكليز السكسونيين " وكتاب " التربية الاستقلالية " المسمى في الأصل " إميل القرن التاسع عشر ".
بين صاحب الكتاب الأول في الفصل الأول من الباب الأول أن التعليم في المدارس الفرنسية لا يربي رجالا، وإنما يصنع آلات تستعملها الحكومة في تنفيذ سياستها كما تشاء قال في نظام مدارسهم:
" ومما لا شك فيه أن هذا النظام ملائم لذلك الغرض كما ينبغي، أي أنه يهيئ الطلبة إلى الوظائف الملكية والعسكرية، وبيانه أن الموظف الحقيقي هو الذي يجب عليه أن يتنازل عن إرادته ; ولهذا وجب أن يتربى على الطاعة ليسهل عليه تنفيذ أمر رؤسائه من غير مناقشة ولا نظر فيها ; لأن المطلوب منه أن يكون آلة في يد غيره، والمدارس الداخلية من أعظم البواعث على هذه التربية ; لأن المدرسة نظمت على نسق ثكنة عسكرية يقوم الطلبة فيها من نومهم على صوت البوق أو رنة الجرس، وينتقلون مصطفين بالنظام من عمل إلى آخر، ورياضتهم تشبه الاستعراض العسكري، فهم لا يخرجون من الدرس إلا في رحبات داخل البناء عالية الأسوار ويتمشون فيها جماعات جماعات كأنهم لا يلعبون إلى أن قال:
" ومن الواضح أن هذا النظام يضعف في الشباب قوة العمل الاختياري، ويوهن الهمة والإقدام، كما أن من شأنه أيضا إزالة ما قد يوجد بين الطلبة من تفاوت الأنساب ; لأن الدائرة التي تدور على الجميع واحدة فتجعلهم في الحقيقة آلات معدة للعمل الذي يقصد منها، ومما يزيد في سهولة انقيادهم وحسن طاعتهم كون النظام الذي تربوا عليه لا يؤدي إلى تربية الفكر والتعقل، بل الطالب يتناول - مسرعا - كثيرا من المواد سواء أحكم تعلمها أم لا، ولا تشغل من ملكاته إلا الذاكرة، فكما أنه يتلقى التعليم من دون نظر فيه تراه ينحني من غير تردد أمام الأوامر التي تصدر له من رؤسائه في المصالح التي يوظف فيها ".
وذكر أن أول من التفت إلى جعل المدارس الفرنسية هكذا هو نابليون الأول، ليتمكن بها من جعل السلطة كلها بيده يتصرف فيها كما يشاء، وناهيكم بولوع ذلك الرجل بالانفراد بالسلطة.
وذكر في الفصل الثاني أن المدارس الألمانية لا تربي رجالا لأنها كالمدارس الفرنسية، بل هم قلدوا ألمانيا في نظام مدارسها كما قلدوها في النظام العسكري، وذكر شكوى عاهل هذه الدولة من المدارس وتصريحه في خطاب له بأنها لم تؤد إلى الغاية المطلوبة منها، وأطال في انتقاد نظام هذه المدارس.
ثم بين في الفصل الثالث أن الإنكليز يربون أولادهم تربية استقلالية، فيشب الواحد منهم مستقلا بنفسه في أمور معيشته وعامة أموره، لا متكلا على عشيرته وقومه ولا على حكومته، وحث قومه على هذه التربية وأطال في وصفها.
وقال صاحب كتاب " التربية الاستقلالية ": " قهر الطفل على الامتثال وإلزامه إطاعة الأوامر يستلزم حتما إخماد وجدان التكليف في نفسه، خصوصا إذا طال أمد ذلك القهر، فإنه إذا كان غيره يتكلف الحلول محله في الإرادة والحكم المطلق على الخير والشر والإنصاف والجور، لم تبق له حاجة في الرجوع إلى وجدانه واستفتاء قلبه "، ثم قال:
" الطاعة الصادرة عن حرية واختيار ترفع طبع الطفل، والإذعان الناشئ عن القهر يحطه، فللأم ومعلم المدرسة كلمة يقولانها عن الطفل العنيد القاسي وهي قولهما: " سأذلله " والحقيقة أن الناشئين على طريقتنا الفرنسية في التربية مذللون دائما، نعم قد يقال: إن في اتباعها مصلحة للأحداث وللمجتمع الإنساني ولكن سائس الخيل له أيضا أن يقول للحصان الذي يروضه: لا تجزع فإني أعمل هذا بك لمصلحتك.
على أن إطلاق الترويض على الحصان أصح من إطلاقه على الإنسان ; لأن هذا الحيوان لا يخسر بترويضه باللجام والمهماز إلا حدته الوحشية، وأما الإنسان فإنك إذا أخذته بالقهر وسسته بالإرغام تذهب بحب الكرامة من نفسه، وتبخس قيمته في نظره "، وله كلام كثير في هذا انتقد به التعليم الديني والسياسي وجعله بمنزلة القوالب التي تصب فيها المواد لتكون آلات بشكل مخصوص.
فهذه إشارة من كلام علماء الإفرنج المستقلين إلى تصديق ما قاله عالمنا في التربية والتعليم من بضعة قرون، نعم إن الضعف الذي كان يصيب الأمم المنغمسة في الحضارة قد عالجه المتأخرون بما أوتوا من العلم بخواص الأشياء كالبارود والديناميت والبخار والكهرباء، وبعمل الآلات الحربية التي تدك المعاقل وتدمر الحصون وتقتل في الدقيقة الواحدة ألوفا من الناس، وبالنظام العسكري الجديد، فصار الغلب لأمم العلم والحضارة على أهل البدو الذين لا علم لهم ولا صناعة.
ثم إنهم طفقوا يعالجون ما تحدثه الحضارة من الضعف في الأجسام والإرادات والعزائم بالتربية الاستقلالية والرياضات البدنية ; ولذلك استولوا على من حرموا هذه المزايا من أهل البدو والحضر، وكادوا يسخرون لخدمتهم سائر البشر، وما ذلك إلا لأنهم صاروا باستقلال الفكر والإرادة أقرب إلى التوحيد وأبعد عن الاستعباد للمخلوقات من الأحياء والأموات، فليعتبر بذلك الذين يفخرون بالتوحيد، وهم يستغيثون أهل القبور لدفع الأذى عنهم وجلب الخير لهم، ويدعون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، وهو لم يجعل الرسول المبلغ عنه حفيظا عليهم ولا مسيطرا ولا وكيلا ولا جبارا، وإنما أرسله معلما هاديا - كما تقدم آنفا - بل جعل الوازع الديني من النفس لا من الخارج، فما أرقى هذا الدين وما أسمى هديه، وما أضل من التمسه من غير كتابه الحكيم، وسنة نبيه - عليه الصلاة والتسليم -.
{ويقولون طاعة} أي: يقول المسلمون كافة وأولئك الذين ذكروا في الآيات الأخيرة، قال ابن جرير: يعني الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا الناس كخشية الله أو أشد خشية، يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، لك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه، انتهى.
وقال غيره: التقدير " أمرنا طاعة " أي: شأننا معك الطاعة لك، والأقرب ما قاله ابن جرير، ومعنى أمرك طاعة أنه مطاع، فجعل المصدر في مكان اسم المفعول للمبالغة، فهو يدل بإيجازه على أنهم كانوا في حضرة الرسول يدعون كمال الطاعة ويظهرون منتهى الانقياد.
{فإذا برزوا من عندك}، أي: فإذا خرجوا من عندك، وكلمة برز من مادة البراز - بفتح الباء - وهو الفضاء من الأرض، أي: خرجوا من المكان يكونون معك فيه إلى البراز منصرفين إلى بيوتهم {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} دبرت في أنفسها ليلا غير الذي تقول لها وتظهر الطاعة لك فيه نهارا، أو بيتت غير الذي تقوله هي لك وتؤكده من طاعتك، والتبييت ما يدبر في الليل من رأي ونية وعزم على عمل، ومنه قصد العدو ليلا للإيقاع به، ومنه تبييت نية الصيام أي القصد إليه ليلا، واشتقاقه من البيتوتة، فإن وقتها هو الذي يجتمع فيه الفكر ويصفو فيه الذهن، وقيل: إنه مشتق من أبيات الشعر، أي: زوروا ورتبوا في سرائرهم غير ما تأمرهم به كما يزورون الأبيات من الشعر، أي: يعزمون على المخالفة مع التفكر في كيفيتها واتقاء غوائلها كما يرتبون أبيات الشعر ويزنونها، قال الأستاذ الإمام: ليس خاصا هذا بالمنافقين، بل يكون من ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب، وهذا الرأي هو الموافق لما قاله في الآيات السابقة.
وروى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: هم ناس يقولون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وإذا برزوا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالفوا إلى غير ما قالوا عنده فعاتبهم الله.
{والله يكتب ما يبيتون}، أي يبينه لك في كتابه ويفضحهم به بمثل هذه الآية، أو يكتبه في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه فأعرض عنهم أيها الرسول ولا تبال بما يبيتون، ولا تؤاخذهم بما أسروا ولم يظهروا، أو المراد: لا تقبل عليهم بالبشاشة كما تقبل على الصادقين {وتوكل على الله} في شأنهم، أي اتخذه وكيلا تكل إليه جزاءهم وتفوض إليه أمرهم {وكفى بالله وكيلا}، يحيط علمه بالأعمال ظاهرها وباطنها، وبما يستحق العاملون من الجزاء عليها، ويقدر على إيقاع هذا الجزاء لا يعجزه منه شيء، وإنما عليك البلاغ، وعليه الحساب والجزاء، وهذا يؤيد ما تقدم بيانه في تفسيرنا للآية التي قبل هذه الآية.
وقد زعم بعض المفسرين أن الأمر بالإعراض عن المنافقين هنا منسوخ بقوله - تعالى -:
{ جاهد الكفار والمنافقين } [التوبة: 73] ورده الفخر الرازي، وقالوا مثله في الآية السابقة، وقال الأستاذ الإمام: إنهم لا يكادون يتركون آية من آيات العفو والصفح والحلم ومكارم الأخلاق في معاملة المخالفين إلا ويزعمون نسخه، وأنكر ذلك أشد الإنكار، وليس عندي شيء عنه في تفسير هذه الآيات غير هذا وما تقدم قريبا من قوله بأن الآية ليست في المنافقين خاصة.
قرأ أبو عمرو وحمزة "بيت طائفة" وبإدغام التاء في الطاء، وهما حرفان متقاربان في المخرج يدغم بعض العرب أحدهما في الآخر كما في هذه القراءة، والباقون بغير إدغام.
ومن مباحث اللفظ اتفاق القراء على تذكير بيت قالوا: لم يقل " بيتت " بتاء التأنيث لأن تأنيث طائفة غير حقيقي، ولأنها بمعنى الفريق والفوج، وهذا التعليل كاف في بيان الجواز لا في بيان الاختيار، والأصل أن يؤنث ضمير المؤنث ولو كان تأنيثه لفظيا، ووجه الاختيار الذي أراه هو أن تكرار التاء قبل الطاء القريبة منها في المخرج لا يخلو من ثقل على اللسان، ولذلك تحذف إحدى التائين من مثل تتصدى وتتكلم فيقال: تصدى وتكلم.
{أفلا يتدبرون القرآن} التدبر: هو النظر في إدبار الأمور وعواقبها، وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها، وعاقبة العامل به والمخالف له، والمعنى جهل هؤلاء حقيقة الرسالة، وكنه هذه الهداية، أفلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها وعاقبة المؤمنين بها والجاحدين لها، فيعرفوا أنه الحق من ربهم، وأن ما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع بهم ; لأنه كما صدق فيما أخبر به عما يبيتون في أنفسهم، وما يثنون عليه صدورهم، ويطوون عليه سرائرهم، يصدق كذلك فيما يخبر به من سوء مصيرهم، وكون العاقبة للمتقين الصادقين، والخزي والسوء على الكافرين والمنافقين، بل لو تدبروه حق التدبر لعلموا أنه يهدي إلى الحق، ويأمر بالخير والرشد، وأن عاقبة ذلك لا تكون إلا الفوز والفلاح، والصلاح والإصلاح، فإذا كانوا لاستحواذ الباطل والغي عليهم لا يدركون أن يكون إلا من عند الله؟!
{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} أي: لو كان من عند محمد بن عبد الله القرشي لا من عند الله الذي أرسله به لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، لعدم استطاعته واستطاعة أي مخلوق أن يأتي بمثل هذا القرآن في تصوير الحق بصورته كما هي لا يختلف ولا يتفاوت في شيء منها، لا في حكايته عن الماضي الذي لم يشاهده محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يقف على تاريخه، ولا في إخباره عن الآتي في مسائل كثيرة وقعت كما أنبأ بها، ولا في بيانه لخفايا الحاضر، حتى حديث الأنفس ومخبآت الضمائر، كبيان ما تبيت هذه الطائفة مخالفا لما تقول للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو ما يقوله لها فتقبله في حضرته.
ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد، وقواعد الشرائع، وفلسفة الآداب والأخلاق، وسياسة الشعوب والأقوام، مع اتفاق جميع الأصول، وعدم الاختلاف والتفاوت في شيء من الفروع.
ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله فيما جاء به من فنون القول وألوان العبر في أنواع المخلوقات، في الأرض والسماوات ; وفيها الكلام على الخلق والتكوين ووصف الكائنات بأنواعها، كالكواكب وبروجها ونظامها، والرياح والبحار والنبات والحيوان والجماد، وما فيها من الحكم والآيات.
وكلامه في ذلك كله يؤيد بعضه بعضا لا شبهة فيه، ولا اختلاف بين معانيه. ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله في بيان سنن الاجتماع، ونواميس العمران، وطبائع الملل والأقوام، وإيراد الشواهد وضروب الأمثال، وتكرار القصة الواحدة، بالعبارات البليغة المتشابهة، تنويعا للعبر، وتلوينا للموعظة، مع تجاوب ذلك كله على الحق، وتواطئه على الصدق، وبراءته من الاختلاف والتناقض، وتعاليه على التفاوت والتباين.
وفوق ذلك كله ما فيه من العلم الإلهي، والخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من الحساب على الأعمال، والجزاء الوفاق، وكون ذلك موافقا لفطرة الإنسان، وجاريا على سنة الله - تعالى - في تأثير الأعمال الاختيارية في الأرواح، فالاتفاق والالتئام بين الآيات الكثيرة في هذا الباب، هو غاية الغايات عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
كان هذا القرآن ينزل منجما بحسب الوقائع والأحوال، فيأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند نزول الآية أو الطائفة من الآيات أن توضع في محلها من سورة كذا، وهو لا يقرأ في الصحف ما كتب أولا ولا ما كتب آخرا، وإنما يحفظه حفظا، ولم تجر العادة بأن الذي يأتي من عند نفسه بالكلام الكثير في المناسبات والوقائع المختلفة يتذكر عند كل قول جميع ما سبق له في السنين الخالية ويستحضره ليجعل الآخر موافقا للأول، وإذا تذكرت أن بعض الآيات كان ينزل في أيام الحرب وشدة الكرب، وبعضها كان ينزل عند الخصام، وتنازع الأفراد أو الأقوام، جزمت بأن من المحال عادة أن يتذكر الإنسان في هذه الأحوال جميع ما كان قاله من قبل ليأتي بكلام يتفق معه ولا يختلف، وكان إذا تلا عليهم الآيات يحفظونها عنه في صدورهم ويكتبونها في صحفهم، فلم يكن ثم مجال للتنقيح والتحرير لو فرض، وإن تعجب فعجب أن تمر السنون والأحقاب وتكر القرون والأجيال، وتتسع دوائر العلوم والمعارف، وتتغير أحوال العمران، ولا تنقض كلمة من كلمات القرآن، لا في أحكام الشرع، ولا في أحوال الناس وشئون الكون، ولا في غير ذلك من فنون القول.
كتب ابن خلدون مقدمته في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والعمران فكانت أفضل الكتب وأحكمها في عصر مؤلفها وبعد عصره بعدة عصور، ثم ارتقت العلوم وتغيرت أصول العمران فظهر الاختلاف والخطأ في كثير مما فيها، بل نرى العالم النابغ في علم معين من علماء هذا العصر يؤلف الكتاب فيه ويستعين عليه بمعارف أقرانه من العلماء الباحثين، ثم يطيل التأمل فيه وينقحه ويطبعه فلا تمر سنوات قليلة إلا ويظهر له الخطأ والاختلاف فيه، فلا يعيد طبعه إلا بعد أن يغير منه ويصحح ما شاء، فما بالك بما يظهر للإنسان من الاختلاف والتفاوت في الكتب التي يؤلفها غيره من أول وهلة لا بعد مرور السنين، واتساع دائرة العلوم.
وقد ظهر هذا القرآن في أمة أمية لا مدارس فيها ولا كتب على لسان أمي لم يتعلم قراءة ولا كتابة، فكيف يمر عليه ثلاثة عشر قرنا يتغير فيها العمران البشري كما قلنا، ولا يظهر فيه اختلاف ولا تفاوت حقيقي يعتد به، ويصلح أن يكون مطعنا فيه! أليس هذا برهانا ناصعا على كونه من عند الله أوحاه إلى عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -؟
هذا ما جرى به القلم جريا في تفسير هذه الآية بدون استعانة ولا اقتباس من كلام أحد المفسرين لأنه هو المتبادر عندي، وسلكت فيه طريق الاختصار الذي يدل على التفصيل، وتركت مسألة الفصاحة والبلاغة واتفاق أسلوبه فيهما إلى مراجعة كلامهم فيها، ثم راجعت بعض التفاسير فإذا أنا بابن جرير يختصر القول في الآية فيقول: أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض اهـ.
وبين الرازي أن هذه الآية احتجاج بالقرآن على المنافقين تثبت لهم ما كانوا يمترون فيه من نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أن العلماء قالوا: إن دلالة القرآن على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة أوجه: فصاحته، واشتماله على أخبار الغيوب، وسلامته عن الاختلاف، قال: وهذا هو المذكور في هذه الآية وذكر فيه - أي الأخير - ثلاثة أوجه:
الأول: قول أبي بكر الأصم، وحاصله أن المنافقين كانوا يتواطئون سرا على نوع من المكر والكيد فبينها الله في القرآن، ولما كان كل ما حكاه الله عنهم صدقا على خفائه علم أنه لو كان من غيره لم يطرد فيه هذا الصدق.
الثاني: قول أكثر المتكلمين: إن المراد منه أن القرآن كتاب كبير مشتمل على كثير من العلوم، فلو كان من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ; لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك.
الثالث: قول أبي مسلم: إن المراد الاختلاف في مرتبة الفصاحة حتى لا يكون في جملة ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الإنسان - وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة - إذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله - تعالى -.
نقل الرازي ما نقله في هذا المقام عن مفسري المعتزلة، وهم الذين بينوا من بلاغة القرآن ومزاياه العجب العجاب، وقد سبق إلى تحقيق القول في هذه المسألة وتفصيله القاضي أبو بكر الباقلاني إمام الأشعرية ورافع لوائهم المتوفى 403 هـ، فإنه بين في كتابه " إعجاز القرآن " وجه إعجازه بإخباره عن المغيبات، وباشتماله على العلوم والأخبار التي لا تعرف إلا بالتلقي والتعليم مع كون من جاء به أميا ثم قال:
والوجه الثالث: أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها، فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:
(منها) ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل ولا يتصنع له، وقد علمنا أن القرآن مخالف لهذه الوجوه ومباين لهذه الطرق، ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعي أن فيه شعرا كثيرا والكلام يذكر بعد هذا الموضع، فهذا إذا تأمله المتأمل تبين بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم، أنه خارج عن العادة وأنه معجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميز حاصل في جميعه.
(ومنها): أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف، والتجوز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه الله - تعالى - به فقال عز من قائل:
{ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } [الزمر: 23]، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82]، فأخبر أن كلام الآدمي إذا امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلاف، وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفضل.
" وفي ذلك معنى ثالث: هو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ، واحتجاج وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر الملفق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ، ومنهم من يغرب في وصف الإبل والخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغزل، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتداوله الكلام.
ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام، ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره، ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم ; لأنه لا خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم، فإذا كان الاختلال بينا في شعرهم لاختلاف ما يتصرفون فيه استغنينا عن ذكر من هو دونهم، وكذلك عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها.
" ثم نجد في الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر فيه مهما تكلفه وتعمله، ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا عجيبا، ومنهم من يوجد بضد ذلك، وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف لا تفاوت ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفال فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف.
وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة، فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ; لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن.
" ومعنى رابع: وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه، حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري - مع جودة نظمه، وحسن وصفه - في الخروج من النسيب إلى المديح، وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء، وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضى، وتنقل يستحسن، وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحول من باب إلى باب.
" ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبين أن القرآن على اختلاف ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة، يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد، إلى أحد الآحاد، وهذا أمر عجيب تتبين فيه الفصاحة وتظهر فيه البلاغة، ويخرج الكلام به عن حد العادة، ويتجاوز العرف.
(وذكر هنا معنى خامسا: هو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة الإنس والجن فهم يعجزون عن مثله، وذكر أن المراد بكلام الجن ما كانت تعتقده العرب وتحكيه من سماع كلام الجن وزجلها وعزيفها، وليس هذا مما نحن فيه من نفي الخلاف والتفاوت ثم قال):
" ومعنى سادس: وهو كل الذي ينقسم عليه الخطاب من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والإبداع والبلاغة، وقد ضمنا بيان ذلك بعد لأن الوجه هنا ذكر المقدمات دون البسط والتفصيل: يعني أنه في كل ذلك على نسق واحد لا اختلاف فيه.
ومعنى سابع: وهو أن المعاني التي تتضمن في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتياجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر، ويمنع ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس - أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة، فلو أبرع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور، ثم إن انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بأن التفاضل في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعاني، والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم.
حاصل هذا الوجه: أن كلام الفصحاء في المعاني المألوفة المبتذلة لا يخلو من الاختلاف والتفاوت، فانتفاء الاختلاف من القرآن ألبتة على تصرفه في ضروب المعاني العلمية العالية التي لم يسبق للعرب التصرف فيها - أبلغ في الإعجاز، وأظهر في الدلالة على كونه من عند الله - عز وجل -، ثم ذكر معنى ثامنا: بين فيه وقوع الكلمة من القرآن في كلام البلغاء من شعر أو نثر موضع اليتيمة من واسطة العقد فتؤخذ لأجلها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، وأجاد في هذا كل الإجادة وليس من موضوع نفي الاختلاف الذي نحن فيه، وكذلك المعنى التاسع: فقد بين فيه أسرار الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، وأما المعنى العاشر فهو على ما يتضمنه من نفي الاختلاف والتباين يفيدنا إيضاح وجوب تدبر القرآن وكونه مما يسره الله لكل عارف بهذه اللغة، قال:
ومعنى عاشر: وهو أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريبا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به، فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة فيطلب فيه التمنع، أو يوضع فيه الإعجاز، ولكن لو وضع في وحشي مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف، لكان القائل أن يقول فيه ويعتذر ويعيب ويقرع، ولكنه أوضح مناره، وقرب منهاجه، وسهل سبيله، وجعله في ذلك متشابها متماثلا، وبين مع ذلك إعجازهم فيه.
وقد علمت أن كلام فصائحهم وشعر بلغائهم، لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر، أو وحشي مستكره، ومعان مستبعدة، ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الأمرين، متصرف بين المنزلتين، فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

ونحن نذكر بعد هذا - على التفصيل - ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها على وجه يؤخذ باليد ويتناول من كثب ويتصور في نفس كتصور الأشكال ليبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن. اهـ.
(تدبر القرآن وما يتوقف عليه)
حاصل معنى الآية الكريمة أن تدبر القرآن وتأمل ما يهدي إليه بأسلوبه الذي امتاز به هو طريق الهداية القويم، وصراط الحق المستقيم، فإنه يهدي صاحبه إلى كونه من عند الله، وإلى وجوب الاهتداء به لكونه من عند الله الرحيم بعباده العليم بما يصلح به أمرهم، مع كون ما يهدي إليه معقولا في نفسه لموافقته للفطرة، وملاءمته للمصلحة.
وفيه أن تدبر القرآن فرض على كل مكلف لا خاص بنفر يسمون المجتهدين يشترط فيهم شروط ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما الشرط الذي لا بد منه ولا غنى عنه، هو معرفة لغة القرآن مفرداتها وأساليبها، فهي التي يجب على من دخل في الإسلام ومن نشأ فيه أن يتقنها بقدر استطاعته بمزاولة كلام بلغاء أهلها ومحاكاتهم في القول والكتاب حتى تصير ملكة وذوقا، لا بمجرد النظر في قوانين النحو والبيان التي وضعت لضبطها.
وليس تعلم هذه اللغة ولا غيرها من اللغات بالأمر العسير فقد كان الأعاجم في القرون الأولى يحذقونها في زمن قريب حتى يزاحموا الخلص من أهلها في بلاغتها، وإنما يراه أهل هذه الأعصار عسيرا لأنهم شغلوا عن اللغة نفسها بتلك القوانين وفلسفتها، فمثلهم كمثل من يتعلم علم النبات من غير أن يعرف النبات نفسه بالمشاهدة، فلا يكون حظه منه إلا حفظ القواعد والمسائل فيعرف أن الفصيلة الفلانية تشتمل على كذا وكذا، وإذا رأى ذلك لا يعرفه.
وفيه أيضا وجوب الاستقلال في فهم القرآن لأن التدبر لا يتم إلا بذلك، ويلزم من ذلك بطلان التقليد، قال الرازي: " دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال، وعلى القول بفساد التقليد ; لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته، وإذا كان لا بد في صحة نبوته من استدلال فبأن يحتاج في معرفته ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى " اهـ.
الأمر كما قال الرازي وأكبر مما قال التقليد مع منع الاستدلال، والاستدلال واجب، التقليد منع من تدبر القرآن للاهتداء به، وتدبره واجب، إن الله - تعالى - هو الذي أمرنا بتدبر كتابه، وبالاستدلال به، فلا يملك أحد من خلقه أن يحرم علينا ما أوجبه، الأئمة المجتهدون أجمعوا على وجوب الاهتداء بالقرآن وعلى المنع من التقليد الذي يصد عنه ويقتضي هجره، ولم يجعلوا أنفسهم شارعين يطاعون، وإنما كانوا أدلاء للناس لعلهم يهتدون، ما قال بوجوب التقليد وتحريم الاستقلال إلا بعض المقلدين الذين يعترفون بأنهم ليس لهم قول يتبع ولا أمر يطاع، وكان ذلك دسيسة من الملوك والأمراء المستبدين، ليذللوا الناس ويستعبدوهم باسم الدين، وكذلك كان.
وقد علمت أن قبول الاستبداد واتباع القرآن ضدان لا يجتمعان، وما نبغ عالم من العلماء الذين نشئوا على التقليد إلا وحاربه بعد نبوغه، كالإمام الرازي الذي نقلنا قوله آنفا، وله أقوال في ذلك أعم وأشمل نقلنا بعضها من قبل، وغيره كثيرون.
لسنا نعني ببطلان التقليد أن كل مسلم يمكن أن يكون كمالك والشافعي في استنباط الأحكام الاجتماعية في أبواب الفقه كلها فينبغي له ذلك، وإنما نعني أنه يجب على كل مسلم أن يتدبر القرآن، ويهتدي به بحسب طاقته، وأنه لا يجوز لمسلم قط أن يهجره ويعرض عنه، ولا أن يؤثر على ما يفهمه من هدايته كلام أحد من الناس لا مجتهدين ولا مقلدين، فإنه لا حياة للمسلم في دينه إلا بالقرآن، ولا يوجد كتاب لإمام مجتهد، ولا لمصنف مقلد، يغني عن تدبر كتاب الله في إشعار القلوب عظمة الله - تعالى - وخشيته وحبه والرجاء في رحمته والخوف من عقابه، ولا في تهذيب الأخلاق وتزكية الأنفس وتنزيهها عن الشرور والمفاسد، وتشويقها إلى الخيرات والمصالح، ورفعها عن سفاسف الأمور إلى معاليها، ولا في الاعتبار بآيات الله في الآفاق، وسننه في سير الاجتماع البشري وطبائع المخلوقات، ولا في غير ذلك من ضروب الهداية التي امتاز بها على سائر الكتب الإلهية، فكيف تغني عنه فيها المصنفات البشرية؟!
أما - وسر القرآن - لو أن المسلمين استقاموا على تدبر القرآن والاهتداء به في كل زمان، لما فسدت أخلاقهم وآدابهم، ولما ظلم واستبد حكامهم، ولما زال ملكهم وسلطانهم، ولما صاروا عالة في معايشهم وأسبابها على سواهم.
هذا التدبر والتذكر الذي نطالب به المسلمون آنا بعد آن - كما هي سنة القرآن - لا يمنع أن يختص أولو الأمر منهم باستنباط الأحكام العامة في السياسة والقضاء والإدارة العامة، وأن يتبعهم سائر الأمة فيها، فإن الله - سبحانه - بعد أن أنكر على أولئك الفريق من الناس ترك تدبر القرآن، أنكر عليهم أيضا إذاعتهم بالأمور العامة المتعلقة بالأمن والخوف، وهداهم إلى ردها إلى أولي الأمر الذين هم أعلم بما ينبغي أن يعمل، وأقدر على استنباط ما يجب أن يتبع فقال: {وإذا جاءهم أمر...}.