التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً
٩٧
إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً
٩٨
فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً
٩٩
وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
١٠٠
-النساء

تفسير المنار

روى البخاري عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}، وأخرجه ابن مردويه وسمى منهم في روايته قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا القيس بن الفاكه بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة وعمرو بن أمية بن سفيان وعلي بن أمية بن خلف، وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا: { غر هؤلاء دينهم } [الأنفال: 49]، فقتلوا ببدر. وأخرجه ابن أبي حاتم، وزاد منهم الحارث بن زمعة بن أسود، والعاص بن منبه بن الحجاج، وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرهوا أن يهاجروا وخافوا، فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله: {إلا المستضعفين}.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت الآية فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم وأنه لا عذر لهم فخرجوا، فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت
{ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } [العنكبوت: 10]، فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا، فنزلت: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } [النحل: 110]، الآية، فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل، وأخرج ابن جرير من طرق كثيرة نحوه، انتهى من لباب النقول.
أقول: هذه الآيات في الهجرة نزلت في سياق أحكام القتال ; لأن بلاد العرب كانت في ذلك العهد قسمين: دار هجرة المسلمين ومأمنهم، ودار الشرك والحرب، وكان غير المسلم في دار الإسلام حرا في دينه لا يفتن عنه، وحرا في نفسه لا يمنع أن يسافر حيث شاء. وأما المسلم في دار الشرك فكان مضطهدا في دينه يفتن ويعذب لأجله، ويمنع من الهجرة إن كان مستضعفا لا قوة له ولا أولياء يحمونه، وكانت الهجرة لأجل هذا واجبة على كل من يسلم ليكون حرا في دينه آمنا في نفسه، وليكون وليا ونصيرا للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين الذين كان الكفار يهاجمونهم المرة بعد المرة، وليتلقى أحكام الدين عند نزولها.
وكان كثير منهم يكتم إيمانه ويخفي إسلامه ليتمكن من الهجرة، وفي مثل هذه الحال ينقسم الناس بالطبع إلى أقسام منهم من ذكرنا، ومنهم القوي الشجاع الذي يظهر إيمانه وهجرته وإن عرض نفسه للمقاومة، ومنهم من يؤثر البقاء في وطنه بين أهله ; لأنه لضعف إيمانه يؤثر مصلحة الدنيا التي هو فيها على الدين، ومنهم الضعيف المستضعف الذي لا يقدر على التفلت من مراقبة المشركين وظلمهم، ولا يدري أية حيلة يعمل ولا أي طريق يسلك، وقد بين الله حكم من يترك الهجرة لضعف دينه وظلمه لنفسه مع قدرته عليها أو أرادها، ومن يتركها لعجزه وقلة حيلته وظلم المشركين له فقال:
{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلخ، توفى الشيء أخذه وافيا تاما، وتوفي الملائكة للناس عبارة عن قبض أرواحهم عند الموت، ولفظ {توفاهم} هنا يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، أي: توفتهم الملائكة، وكل من تذكير الفعل وتأنيثه جائز هنا، وعلى هذا تكون العبارة حكاية حال ماضية، ويكون سحب حكمهم على جميع من كانت حاله مثل حالهم بطريق القياس.
ويحتمل وهو الأقرب أن يكون فعلا مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين فيكون الحكم فيه عاما بنص الخطاب، والمعنى أن الذين تتوافاهم الملائكة بقبض أرواحهم عند انتهاء آجالهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم بعدم إقامة دينهم وعدم نصره وتأييده، وبرضاهم بالإقامة في الذل والظلم حيث لا حرية لهم في أعمالهم الدينية {قالوا فيم كنتم}، أي: تقول لهم الملائكة بعد توفيها لهم، وفيه التفات على الوجه المختار - في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟
قال في الكشاف: معنى {فيم كنتم}، التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، يعني أن الاستفهام يراد به التوبيخ على شيء معلوم، لا حقيقة الاستعلام عن شيء مجهول، يعني أن الاستفهام يراد به التوبيخ على شيء معلوم، ولهذا حسن في جوابه {قالوا كنا مستضعفين في الأرض}، وهو اعتذار من تقصيرهم الذي وبخوا عليه بالاستضعاف، أي: إننا لم نستطع أن نكون في شيء يعتد به من أمر ديننا لاستضعاف الكفار لنا، فرد الملائكة هنا العذر عليهم و{ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، وتحرروا أنفسكم من رق الذل الذي لا يليق بالمؤمن ولا هو من شأنه؟ أي إن استضعاف القوم لكم لم يكن هو المانع لكم من الإقامة معهم في دارهم، بل كنتم قادرين على الخروج منها مهاجرين إلى حيث تكونون في حرية من أمر دينكم ولم تفعلوا {فأولئك مأواهم جهنم}، قيل: إن هذا هو خبر {إن الذين توفاهم الملائكة}، وقيل: بل خبره قوله: {قالوا فيم كنتم}، وقيل: محذوف.
ومعنى الجملة سواء كانت هي الخبر أم لا لأن أولئك الذين لم يكونوا على شيء يعتد به من أمر دينهم لإقامتهم بين الكفار الذين يصدونهم عن ذلك مأواهم ومسكنهم في الآخرة نار جهنم {وساءت مصيرا}، أي وقبحت جهنم مأوى ومصيرا لمن يصير إليها ; لأن كل ما فيها يسوءه لا يسره منه شيء، قيل: إنه توعدهم بجهنم كما يتوعد الكفار ; لأن الهجرة للقادر كانت شرطا لصحة الإسلام، وقيل: بل كانوا من المنافقين الذين أظهروا الإسلام ولم يتبطنوه، وهناك وجه آخر هو الذي يلجأ إليه في مثل هذا جمهور الفقهاء، وهو أن جهنم تكون لهم مأوى مؤقتا على قدر تقصيرهم، وما فاتهم من الفرائض في الإقامة مع الكفار تحت سلطانهم، وما عساهم افترقوا ثم من المعاصي.
قال في الكشاف بعد تفسير الآية: وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله، وأدوم على العبادة، حقت عليه المهاجرة، ثم ختم الكلام فيها بدعاء أبان فيه أنه إنما هاجر إلى مكة فرارا بدينه ليتمكن من إقامته كما يجب.
وهاك ما عندي في الآية عن درس الأستاذ الإمام: ذكر - تعالى - في الآية السابقة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين لغير عجز فعلم أن العاجز معذور، ومعنى سبيل الله الطريق الذي يرضيه ويقيم دينه.
ثم ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصر الدين بل وعن إقامته حيث هو، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم.
ولكنهم في الحقيقة غير معذورين ; لأنه كان يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذين يعتزون بهم، فهم بحبهم لبلادهم، وإخلادهم إلى الأرض، وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم، ضعفاء في الحق لا مستضعفون، وهم بضعفهم هذا قد حرموا أنفسهم بترك الهجرة من خير الدنيا بعزة المؤمنين، ومن خير الآخرة بإقامة الحق، فظلمهم لأنفسهم عبارة عن تركهم العمل بالحق خوفا من الأذى، وفقد الكرامة عند عشرائهم المبطلين.
وهذا الاعتذار هو نحو مما يعتذر به الذين جاروا أهل البدع على بدعهم في هذا العصر، وفي كثير من الأعصار، يعتذرون بأنهم يجبون الغيبة عن أنفسهم ويدارون المبطلين، وهو عذر باطل، فالواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله، أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم، وللفقهاء خلاف في الهجرة، هل وجوبها مضى أو هو مستمر في كل زمان؟ والمالكية على الوجوب (قال): ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذى فيه إيذاء لا يقدر على احتماله.
وأما المقيم في دار الكافرين، ولكنه لا يمنع ولا يؤذى إذا هو عمل بدينه، بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه أن يهاجر، وذلك كالمسلمين في بلاد الإنكليز لهذا العهد، بل ربما كانت الإقامة في دار الكفر سببا لظهور محاسن الإسلام، وإقبال الناس عليه اهـ، أي: إذا كان المسلمون المقيمون هنالك على حريتهم يعرفون حقيقة الإسلام، ويبينونها للناس بالقول والعمل والأخلاق والآداب.
قال تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان}، دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى الله ورسوله غير صادقين في اعتذارهم، فإن الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك استثني أهله من الوعيد بهذه الآية، وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر بأن المراد بالرجال الشيوخ الضعفاء والعجزة الذين هم كمن ذكر معهم {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا}، أي قد ضاقت بهم الحيل كلها فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها، وعميت عليهم الطريق جميعها فلم يهتدوا طريقا منها، إما للزمانة والمرض، وإما للفقر والجهل بمسالك الأرض وأخراتها ومضايقها، قال بعض المفسرين: بحيث لو خرجوا هلكوا، أي: بركوب التعاسيف أو قلة الزاد أو عدم الراحلة.
وفسر بعضهم الولدان هنا بالعبيد والإماء. وقال بعضهم: بل هم الأولاد الصغار الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض.
وروي عن ابن عباس أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلا، واستشكل بأن الأولاد غير مكلفين فلا يتناولهم الوعيد فيحتاج إلى استثنائهم، وأجاب في الكشاف بأنه يجوز أن يكون المراد المراهقين منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم في التكليف.
أقول: ويجوز أن يكونوا قد ذكروا تبعا لوالديهم ; لأنهم يكلفون أن يهاجروا بهم، فإذا كان الولدان عاجزين عن السير مع الوالدين، والوالدان عاجزين عن حملهم، كان من عذرهما أن يتركا الهجرة ما داما عاجزين ولا يكلفان ترك أولادهم.
{فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم}، والإشارة بأولئك إلى من استثناهم ممن توعدهم على ترك الهجرة، أي: إن أولئك المستضعفين الذين لم يهاجروا للعجز وتقطع الأسباب والحيل وتعمية السبل يرجى أن يعفو الله عنهم ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الكفر، والوعد بعسى الدالة على الرجاء، أطمعهم تعالى بالعفو، ولم يجزم به للإيذان بأن أمر الهجرة مضيق فيه، وأنه لا بد منه، ولو باستعمال دقائق الحيل، والبحث عن مضايق السبل، حتى لا يخدع محب وطنه بنفسه ويعد ما ليس بمانع مانعا.
وصرح كثير من المفسرين بأن صيغة الرجاء فيها بالنسبة إلى المخاطب، وعلم الله بتحقيق الرجاء أو عدمه قطعي.
وقال الأستاذ الإمام، قالوا: إن {عسى} في كلام الله للتحقيق ولا يصح على إطلاقه ; لأنه يسلب الكلمة معناها فكأنه لا محل لها، ونقول فيها ما قلناه في " لعل " وهو أن معناها الإعداد والتهيئة، والمعنى أنه تعالى يعدهم ويهيؤهم لعفوه، والنكتة في اختيار التعبير عن التحقيق بعسى الدالة على الترجي إن صح هي تعظيم أمر ترك الهجرة وتغليظ جرمه.
{وكان الله عفوا غفورا} أي: وكان شأن الله - تعالى - العفو عن المخالفات التي لها أعذار صحيحة بعدم المؤاخذة عليها، ومغفرتها بسترها في الآخرة وعدم فضيحة صاحبها ; لأنه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.
{ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة}، وصل هذا بما قبله للترغيب في الهجرة، وتنشيط المستضعفين وتجرئتهم على استنباط الحيل لها ; لأن الإنسان يتهيب الأمر المخالف لما اعتاده وأنس به، ويتخيل فيه من المشقات والمصاعب ما لعله لا يوجد إلا في خياله، فبعد أن توعد التارك المقصر، وأطمع التارك المعذور في العفو إطماعا مبنيا على أن ذلك من شأن الله - تعالى - أن يفعله، بين تعالى أن ما يتصوره بعض الناس من عسر الهجرة لا محل له، وأن عسره إلى يسر، من يهاجر بالفعل يجد في الأرض مراغما كثيرا، أي: متحولا من الرغام وهو التراب، أو مذهبا في الأرض يرغم بسلوكه أنوف من كانوا مستضعفين له، أو مكانا للهجرة ومأوى يصيب فيه الخير والسعة فوق النجاة من الاضطهاد والذل، فيرغم بذلك أنوفهم، وفيه الوعد للمهاجرين في سبيل الله بتسهيل السبل وسعة العيش، وإنما تكون الهجرة في سبيل الله حقيقة إذا كان قصد المهاجر منها إرضاء الله - تعالى - بإقامة دينه، كما يجب، وكما يحب - تعالى -، ونصر أهله المؤمنين، على من يبغي عليهم من الكافرين.
{ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}، المهاجر كسائر الناس عرضة للموت، ولما وعد تعالى من يهاجر فيصل إلى دار الهجرة بالظفر بما ينبغي من وجدان المراغم والسعة، وعد من يموت في الطريق قبل بلوغها بأجر عظيم يضمنه - عز وجل - له.
فمتى خرج من بيته بقصد الهجرة إلى الله أي: حيث يرضي الله وإلى نصرة رسوله في حياته، ومثلها إقامة سننه بعد وفاته، كان مستحقا لهذا الأجر، ولو مات بعد مجاوزته عتبة الباب، ولم يصب تعبا ولا مشقة، فإن نية الهجرة مع الإخلاص كافية لاستحقاقه له، وقد أبهم هذا الأجر وجعله حقا واقعا عليه - تبارك اسمه - للإيذان بعظم قدره، وتأكيد ثبوته ووجوبه.
والوجوب والوقوع يتواردان على معنى واحد، ومنه قوله - تعالى -:
{ فإذا وجبت جنوبها } [الحج: 36]، أي: سقطت جنوب البدن عندما تنحر في النسك، ولله - تعالى - أن يوجب على نفسه ما شاء، وليس لغيره أن يوجب عليه شيئا إذ لا سلطان فوق سلطانه، فأين هذا الوعد للمهاجرين في تأكيده، وإيجابه من وعد تاركي الهجرة لضعفهم وعجزهم من جعله محل الرجاء والطمع فقط؟ لا يستويان.
{وكان الله غفورا رحيما}، أي: وكان شأنه الثابت له أزلا وأبدا، أنه غفور يستر ما سبق لأمثال هؤلاء المهاجرين من الذنوب بإيمانهم الذي حملهم على ترك أوطانهم ومعاهد أنسهم لأجل إقامة دينه واتباع سبيله، رحيما بهم يشملهم بعطفه ويغمرهم بإحسانه.
هذه الآيات في الهجرة نزلت في سياق واحد متصلا بعضها ببعض كما قلنا، ومن شمله الوعد من المهاجرين في تلك الأثناء ضمرة بن جندب، فعدوا خبر هجرته من أسباب نزول الشق الأخير من هذه الآية، وما هو بسبب إلا في اصطلاحهم الذي يتساهلون فيه بإطلاق السبب كما بينا مرارا.
روى ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل الوحي {ومن يخرج من بيته مهاجرا} الآية.
ومنهم أبو ضمرة أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة الزرقي، وكان بمكة فلما نزلت {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة}، قال: إني لغني وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية {ومن يخرج من بيته} الآية، ومنهم آخرون.
قال السيوطي في اللباب بعد إيراد الروايتين المذكورتين آنفا، وأخرج ابن جرير نحو ذلك من طرق عن سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي والضحاك وغيرهم وسمي في بعضها ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة، وفي بعضها جندب بن حمزة الجندعي وفي بعضها الضمري وفي بعضها رجل من بني ضمرة وفي بعضها رجل من خزاعة، وفي بعضها رجل من بني ليث وفي بعضها من بني كنانة وفي بعضها من بني بكر.
قال: وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده والبارودي في الصحابة عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حرام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات فنزلت فيه الآية. وأخرج الأموي في مغازيه عن عبد الملك بن عمير قال: لما بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه، قال: فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب له رجلان فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت وبم جئت؟ قال: أنا محمد بن عبد الله، وأنا عبد الله ورسوله، ثم تلا عليهم
{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان } [النحل: 90]، الآية، فأتيا أكثم فقالا له ذلك، فقال: أي قوم، إنه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءوسا ولا تكونوا أذنابا، فركب بعيره متوجها إلى المدينة فمات في الطريق فنزلت فيه الآية، مرسل إسناده ضعيف.
وأخرج أبو حاتم في كتاب المعمرين من طريقين عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية قال: نزلت في أكثم، قيل: فأين الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي بزمان وهي خاصة عامة اهـ. ومجموع الروايات يؤيد رأينا من أنها نزلت هي وما قبلها في سياق أحكام الحرب لا منفردة فطبقوها على الوقائع التي حدثت في ذلك العهد ولم تنزل لأجل وقعة معينة منها.
حكمة الهجرة وسبب مشروعيتها
قد علم من هذه الآيات ومن غيرها مما نزل في الهجرة من الأحاديث والسنة التي جرى عليها الصدر الأول من المسلمين أن الهجرة شرعت لثلاثة أسباب أو حكم، اثنان منها يتعلقان بالأمر، والثالث يتعلق بالجماعة.
أما الأول: فهو أنه لا يجوز لمسلم أن يقيم في بلد يكون فيها ذليلا مضطهدا في حريته الدينية والشخصية، فكل مسلم يكون في مكان يفتن فيه عن دينه أو يكون ممنوعا من إقامته فيه كما يعتقد، يجب عليه أن يهاجر منه إلى حيث يكون حرا في تصرفه وإقامة دينه، وإلا كانت إقامته معصية يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي، وإلا جاز له الإقامة، وهذا هو الذي عناه الأستاذ الإمام بما قاله عن بعض المسلمين المقيمين في بلاد الإنكليز متمتعين بحريتهم الدينية.
وأما الثاني: فهو تلقي الدين والتفقه فيه، وكان ذلك في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصا بالزمن الذي كان فيه إرسال الدعاة والمرشدين من قبله - صلى الله عليه وسلم - متعذرا لقوة المشركين على المسلمين وصدهم إياهم عن ذلك، ولا يجوز لمن أسلم في مكان ليس فيه علماء يعرفون أحكام الدين أن يقيم فيه، بل يجب أن يهاجر إلى حيث يتلقى الدين والعلم.
وأما الثالث - المتعلق بجماعة المسلمين: فهو أنه يجب على مجموع المسلمين أن تكون لهم جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده، وتحفظ بيضته وتحمي دعاته وأهله من بغي الباغين، وعدوان العادين وظلم الظالمين، فإذا كانت هذه الجماعة أو الدولة أو الحكومة ضعيفة يخشى عليها من إغارة الأعداء وجب على المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا أن يشدوا أزرها، حتى تقوى وتقوم بما يجب عليها، فإذا توقف ذلك على هجرة البعيد عنها إليها وجب عليه ذلك وجوبا قطعيا لا هوادة فيه، وإلا كان راضيا بضعفها ومعينا لأعداء الإسلام على إبطال دعوته وخفض كلمته.
كانت هذه الأسباب الثلاثة متحققة في فتح مكة، فلما فتحت قوي الإسلام على الشرك في جزيرة العرب كلها وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرسل إلى كل جهة من يعلم أهلها شرائع الإسلام، فزال سبب وجوب الهجرة لأجل الأمن من الفتنة والقدرة على إقامة الدين، وسبب وجوبها لأجل التفقه في الدين إلا نادرا، وسبب وجوبها لتأييد جماعة المسلمين وتقويتهم ونصرهم على من كان يحاربهم لأجل دينهم ; ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:
"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" ، رواه أحمد والشيخان وأكثر أصحاب السنن من حديث ابن عباس، ورووا مثله عن عائشة، ومما لا مجال للخلاف فيه أن الهجرة تجب دائما بأحد الأسباب الثلاثة كما يجب السفر لأجل الجهاد إذا تحقق سببه، وأقوى موجباته اعتداء الكفار على بلاد المسلمين واستيلاؤهم عليها.