التفاسير

< >
عرض

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
١٠٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
١٠٤
-المائدة

تفسير المنار

وجه اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما أنه سبحانه وتعالى نهى في السياق الذي قبلهما عن تحريم ما أحله الله وعن الاعتداء فيه وإن كان التحريم تركا لمباح يلتزم بالنذر أو بالحلف باسم الله تنسكا وتعبدا مع اعتقاد إباحته في نفسه، لا شرعا يدعى إليه ويعتقد وجوبه وبين فيه كفارة الأيمان، وحرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وصيد البر على المحرم بحج أو عمرة، وبعد أن نهى عن تحريم ما أحله، نهى أن يكون المؤمن سببا لتحريم الله تعالى شيئا لم يكن حرمه، أو شرع حكم لم يكن شرعه، بأن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء مما سكت الله عنه عفوا وفضلا، فيكون الجواب عنه أن أورد تكليفا جديدا، فناسب بعد هذا أن يبين ضلال أهل الجاهلية فيما حرموه على أنفسهم وما شرعوه لها بغير إذن من ربهم، وما قلد به بعضهم بعضا على جهلهم، مع بيان بطلان التقليد وكونه ينافي العلم والدين فقال:
{ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} هذه أربعة نعوت لأربعة أنواع من محرمات الأنعام التي حرمتها الجاهلية على أنفسها.
(فالبحيرة): فعيلة بمعنى مفعولة وهي الناقة التي يبحرون أذنها أي يشقونها شقا واسعا، وكانوا يفعلون بها ذلك إذا أنتجت خمسة أبطن وكان الخامس أنثى كما روي عن ابن عباس، وقيل: إذا ولدت عشرة أبطن، يفعلونه ليكون علامة على تحريم أكلها أو ركوبها أو الحمل عليها، وهو مأخوذ من مادة (بحر) وهو في الأصل كما قال الراغب: " كل مكان واسع جامع للماء الكثير " ثم اشتقوا منه عدة كلمات فيها معنى السعة.
(والسائبة): الناقة التي تسيب بنذرها لآلهتهم فترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها شيء، ولا يجز صوفها ولا يحلب لبنها إلا لضيف، فهي اسم فاعل من قولهم: ساب الفرس ونحوه: أي ذهب على وجهه حيث شاء، وساب الماء: جرى، فهو سائب، وقال محمد بن إسحاق: هي الناقة إذا ولدت عشر إناث ليس بينهن ذكر، وقال مجاهد: هي من الغنم مثل البحيرة من الإبل، وعن أبي روق والسدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها لطواغيتهم وأوثانهم.
(والوصيلة): الشاة التي تصل أنثى بأنثى في النتاج وقيل: هي التي وصلت أخاها. قال الراغب: وهو أن أحدهم كان إذا ولدت له شاته ذكرا أو أنثى قالوا: وصلت أخاها فلا يذبحون أخاها من أجلها. وعن ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى استحيوها، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن واحد استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا.
(والحامي): اسم فاعل من الحماية، وهو فحل الضراب أي التلقيح، قيل: إذا أتم ضراب عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره، وتركوه لا يحملون عليه شيئا، وروي أنهم كانوا يجعلون عليه ريش الطواويس تمييزا. وقد اختلفت الروايات في تفسير هذه الألفاظ كما ترى، وأقواها ما رواه البخاري ومسلم وغير واحد من رواة التفسير المأثور عن سعيد بن المسيب قال:
البحيرة: التي يمنح درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب" قال ابن المسيب: والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه (أي تركوه) للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي.
وسيأتي في سورة الأنعام بقية ما يتعلق بهذا البحث ومن ابتدعه للعرب وغير شريعة إبراهيم عليه السلام، وما ابتدعه المسلمون مما يضاهي ذلك.
أما معنى الجملة: فهو أن الله تعالى لم يشرع لهم تحريم البحائر والسوائب وأخواتهما أي لم يجعله من أحكام الدين {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} بزعمهم أن هذه الأشياء محرمة سواء أسندوا تحريمها إلى الله تعالى ابتداء أو ادعاء على سبيل الاستدلال كما حكى عنهم بقوله:
{ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } [الأنعام: 148] أي ولكنه شاء ذلك منا ففعلناه فهو راض به أم لم يسندوه إليه.
أما كون إسناد تحريمه إليه بالتصريح افتراء عليه فظاهر بين، وأما إسناده إليه ادعاء واستدلالا بالمشيئة فهو افتراء أيضا لأن دليله باطل، فإن الله تعالى لم يمنع الكفار من الكفر والفساق من الفسق ولا أكرههم عليها بمحض المشيئة والقدرة، بل جعل لهم اختيار الترجيح في أعمالهم ولم يجعلهم مجبورين عليها، فعدم إجبارهم على الترك أو الفعل لا يدل على رضائه تعالى بما اختاروه لأنفسهم من كفر وفسق،
وأما كونه افتراء عليه في حال السكوت عن إسناده إليه، فوجهه أن التحريم والتحليل من شأن رب الناس وإلههم سبحانه، فليس لأحد من خلقه أن يحرم عليهم شيئا إلا بإذنه والتبليغ عنه، فمن تجرأ على ذلك كان مدعيا بفعله هذا، إما الربوبية وإما الإذن من الرب تعالى، وكلاهما افتراء، والفعل فيه أبلغ من القول
{وأكثرهم لا يعقلون} أنهم يفترون على الله الكذب بتحريم ما حرموا على أنفسهم، وأن ذلك من أعمال الكفر به، بل يظنون أنهم يتقربون به إليه ولو بالوساطة; لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب ويتركون لها ما حرموه على أنفسهم، ليست بزعمهم إلا وسطاء بينهم وبين الله تعالى، تشفع لهم عنده، وتقربهم إليه زلفى،
وهكذا شأن كل مبتدع في الدين بتحريم طعام أو غيره، وتسييب عجل للسيد البدوي أو سواه، وسن ورد أو حزب يضاهي به المشروع من شعائر دينه، أو غير ذلك من العبادات التي لم تؤثر عن الشارع، يزعم أنه جاء بما يتقرب به لله تعالى وينال به رضاه عز وجل،
والحق أن الله تعالى لا يعبد إلا بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلا عبادة ولا تحريم إلا بنص عام أو خاص، وليس لأحد أن يزيد أو ينقص برأي ولا قياس، ولذلك قال عز وجل: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله تعالى في القرآن من الأحكام المؤيدة بالحجج والبينات المبنية على قواعد درء المفاسد وجلب المصالح دون العبث والخرافات وإلى الرسول المبلغ لها والمبين لمجملها فاتبعوه فيها، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من عقائد وأحكام وحلال وحرام.
قال تعالى ردا عليهم: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} أي أيكفيهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الشرائع الإلهية، ولا يهتدون سبيلا إلى مصالحهم الدينية والدنيوية؟ وإنما يعرف ما يكفي الأفراد والأمم وما لا يكفي بالعلم الصحيح الذي يميز به بين الحق والباطل، والاهتداء إلى الأعمال الصالحة والفضائل،
وأين من هذا وذاك، أولئك الأميون الجهلاء الذين كانوا يتخبطون في وثنية وخرافات، ووأد بنات، وعدوان مستمر، وقتال مستمر، وعداوة وبغضاء، وظلم لليتامى والنساء، على ما أوتوا من فطنة وذكاء، وعزيمة ودهاء، وحزم ومضاء، وعزة وإباء، واستقلال أفكار وآراء، وغير ذلك من المزايا التي تؤهلهم لأن يكونوا هم الأئمة الوارثين، والخلفاء العادلين، لولا تقليد الآباء! وكذلك كان بعد اتباعهم بتركهم مقتضى العلم وهداية القرآن.
هذه الآية والآية المشابهة لها في سورة البقرة
{ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } [البقرة : 170] هما أظهر وأوضح ما ورد في الكتاب العزيز من الآيات في بطلان التقليد، فقد قررنا أن التقليد خلاف مقتضى حكم العقل ودلائل العلم وهداية الدين، ولكن خلفنا الطالح رجعوا إليه خلافا لسلفهم الصالح، حتى عادوا وهم في حجر الإسلام، شرا مما كانت عليه الجاهلية في حجر الأصنام.
(فصل في بيان بطلان التقليد وشبهات أهله).
الآيات القرآنية الدالة على بطلان التقليد في الدين كثيرة جدا، وكذلك الأحاديث النبوية وأقوال علماء السلف الصالحين، وإنما تقررت بدعة التقليد في القرن الرابع، أي بعد القرون الثلاثة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها خير القرون،
وشر التقليد ما فرق الأمة شيعا وجعل الاختلاف في الدين عندها دينا بانتساب كل شيعة وطائفة إلى رجل يلتزمون أقواله أو أقوال من يدعون اتباعه في كل مسألة وإن خالفت نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه جمهور الصحابة والتابعين. هذا مع العلم بأن الله تعالى ذم المتفرقين المختلفين في الدين، وبرأ رسوله منهم وتوعدهم بالعذاب العظيم، وأمر بأن يرد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله لا إلى أقوال الناس غير المعصومين، وجعل وظيفة الكتاب الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وبين أنه لا يحمل على الاختلاف فيه إلا البغي والضلال.
ثم إن كتاب الله تعالى قد أوجب العلم بالدين وطالب بالدليل ولا سيما في القول على الله عز وجل، كقوله تعالى :
{ إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون } [يونس : 68] السلطان : البرهان. والتقليد ليس بعلم كما تقدم آنفا.
وقد بينا بطلان التقليد وتناقض أهله في مواضع من التفسير والمنار، وإننا نذكر هنا ما حرره الإمام الشوكاني في مسألة التقليد في مبحث الأحكام من كتابه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) قالرحمه الله تعالى :
(المسألة الثالثة) : اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية : هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقا. قال القرافي : ومذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد، وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد.
قال : ونقل عن مالك أنه قال : أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه. وقال عند موته : وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأيي سوطا على أنه لا صبر لي على السياط، قال ابن حزم : فهنا مالك ينهى عن التقليد، وكذلك الشافعي (وأحمد) وأبو حنيفة، وقد روى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره.
وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة المصرحة بالنهي عن التقليد في الرسالة التي سميتها (القول المفيد في حكم التقليد) فلا نطول المقام بذكر ذلك; وبهذا تعلم أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا فهو مذهب الجمهور، ويؤيد هذا ما سيأتي في المسألة التي بعد هذه من حكاية الإجماع على عد جواز تقليد الأموات، وكذلك ما سيأتي من أن عمل المجتهد برأيه إنما هو رخصة له عند عدم الدليل، ولا يجوز لغيره أن يعمل به بالإجماع.
فهذان الإجماعان يجتثان التقليد من أصله، فالعجب من كثير من أهل الأصول حيث لم يحكوا هذا القول إلا عن بعض المعتزلة. وقابل مذهب القائلين بعد الجواز بعض الحشوية، وقال : يجب مطلقا ويحرم النظر، وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل حتى أوجبوه على أنفسهم وعلى غيرهم فإن التقليد جهل وليس بعلم.
(والمذهب الثالث) : التفصيل وهو أنه يجب على العامي ويحرم على المجتهد; وبهذا قال كثير من أتباع الأئمة الأربعة، ولا يخفاك أنه إنما يعتبر في الخلاف أقوال المجتهدين وهؤلاء هم مقلدون، فليسوا ممن يعتبر خلافه، ولا سيما وأئمتهم الأربعة يمنعونهم من تقليدهم وتقليد غيرهم، وقد تعسفوا فحملوا كلام أئمتهم هؤلاء على أنهم أرادوا المجتهدين من الناس لا المقلدين! فيالله العجب.
وأعجب من هذا أن بعض المتأخرين ممن صنف في الأصول نسب هذا القول إلى الأكثر، وجعل الحجة لهم الإجماع على عدم الإنكار على المقلدين! فإن أراد إجماع خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فتلك دعوى باطلة، فإنه لا تقليد فيهم ألبتة ولا عرفوا التقليد ولا سمعوا به، بل كان المقصر منهم يسأل العالم عن المسألة التي تعرض له فيفتيه بالنصوص التي يعرفها من الكتاب والسنة، وهذا ليس من التقليد في شيء، بل هو من باب طلب حكم الله في المسألة والسؤال عن الحجة الشرعية، وقد عرفت في أول هذا الفصل أن التقليد إنما هو العمل بالرأي لا بالرواية.
وليس المراد بما احتج به الموجبون للتقليد والمجوزون له من قوله سبحانه : {فاسألوا أهل الذكر} إلا السؤال عن حكم الله في المسألة لا عن آراء الرجال، هذا على تسليم أنها واردة في عموم السؤال كما زعموا، وليس الأمر كذلك، بل هي واردة في أمر خاص. وهو السؤال عن كون أنبياء الله رجالا، كما يفيده أول الآية وآخرها حيث قال :
{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر } [النحل: 43-44)
وإن أراد إجماع الأئمة الأربعة فقد عرفت أنهم قالوا بالمنع من التقليد، ولم يزل في عصرهم من ينكر ذلك، وإن أراد إجماع من بعدهم فوجود المنكرين لذلك منذ ذلك الوقت إلى هذه الغاية معلوم لكل من يعرف أقوال أهل العلم، وقد عرفت مما نقلناه سابقا أن المنع قول الجمهور إذا لم يكن إجماعا. وإن أراد إجماع المقلدين للأئمة الأربعة خاصة فقد عرفت مما قدمنا في مقصد الإجماع أنه لا اعتبار بأقوال المقلدين في شيء فضلا عن أن ينعقد بهم إجماع.
" والحاصل أنه لم يأت من جوز التقليد فضلا عمن أوجبه بحجة ينبغي الاشتغال بجوابها قط، ولم نؤمر برد شرائع الله سبحانه إلى آراء الرجال، بل أمرنا بما قاله سبحانه :
{ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [النساء : 59] أي كتاب الله وسنة رسوله. وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر من يرسله من أصحابه بالحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد فبما يظهر له من الرأي كما في حديث معاذ.
" وأما ما ذكروه من استبعاد أن يفهم المقصرون نصوص الشرع، وجعلوا ذلك مسوغا للتقليد، فليس الأمر كما ذكروه، فههنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد، وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له، لا عن رأيه البحت، واجتهاده المحض، وعلى هذا كان عمل المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ومن لم يسعه ما وسع أهل هذه القرون الثلاثة الذين هم خير قرون هذه الأمة على الإطلاق فلا وسع الله عليه.
وقد ذم الله تعالى المقلدين في كتابه العزيز في كثير من الآيات
{ إنا وجدنا آباءنا على أمة } [الزخرف: 22، 23]، { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [التوبة: 31]، { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل } [الأحزاب : 67] وأمثال هذه الآيات. ومن أراد استيفاء البحث على التمام فليرجع إلى الرسالة التي قدمت الإشارة إليها وإلى المؤلف الذي سميته " أدب الطلب ومنتهى الأرب ".
" وما أحسن ما حكاه الزركشي في البحر عن المزني أنه قال : يقال لمن حكم بالتقليد : هل لك من حجة؟ فإن قال : نعم. أبطل التقليد; لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد.
وإن قال : بغير علم. قيل له : فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج والأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ فإن قال : أنا أعلم أني أصبت وإن لم أعرف الحجة; لأن معلمي من كبار العلماء.
قيل له : تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك; لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك، فإن قال : نعم. ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، ثم كذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة، فإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له : كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما، ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علما؟ وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حذر من زلة العالم، وعن ابن مسعود أنه قال : " لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن من وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر " انتهى.
(قلت) : تتميما لهذا الكلام، وعند أن ينتهي إلى العالم من الصحابة يقال له : هذا الصحابي أخذ علمه من أعلم البشر المرسل من الله تعالى إلى عباده المعصوم من الخطأ في أقواله وأفعاله، فتقليده أولى من تقليد الصحابي الذي لم يصل إليه إلا شعبة من شعب علومه، وليس له من العصمة شيء، ولم يجعل الله سبحانه قوله ولا فعله ولا اجتهاده حجة على أحد من الناس.
(واعلم) : أنه لا خلاف في أن رأي المجتهد عند عدم الدليل إنما هو رخصة له يجوز له العمل بها عند فقد الدليل، ولا يجوز لغيره العمل بها بحال من الأحوال; ولهذا نهى كبار الأئمة عن تقليدهم وتقليد غيرهم. وقد عرفت حال المقلد أنه إنما يأخذ بالرأي لا بالرواية، ويتمسك بمحض الاجتهاد عن مطالب بحجة فمن قال : إن رأي المجتهد يجوز لغيره التمسك به ويسوغ له أن يعمل به فيما كلفه الله، فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع، ولم يجعل الله ذلك لأحد من هذه الأمة بعد نبيه صلى الله عليه وسلم. ولا يتمكن كامل ولا مقصر أن يحتج على هذا بحجة قط. وأما مجرد الدعاوى والمجازفات في شرع الله تعالى فليست بشيء، ولو جازت الأمور الشرعية بمجرد الدعاوى لادعى من شاء ما شاء، وقال من شاء بما شاء اهـ.
هذا ما قاله الشوكاني وإننا سنعود إن شاء الله تعالى إلى هذا البحث في مواضع أخرى فنزيده بيانا وتفصيلا.