التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ
٢٠
يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ
٢١
قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
٢٢
قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
٢٣
قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
٢٤
قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ
٢٥
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ
٢٦
-المائدة

تفسير المنار

أقام الله تعالى الحجج القيمة على بني إسرائيل، وأثبت لهم رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى فيما أوحاه إليه بشأنهم وشأن كتبهم وأنبيائهم من البشارات وأخبار الغيب وتحريف الكتب ونسيان حظ منها، ونحو ذلك من الآيات الدالة على صدقه وكون ما جاء به من عند الله تعالى هو من جنس ما جاء به أنبياؤهم، إلا أنه أكمل منه على سنة الترقي في البشر، وأيد ذلك بدحض شبهاتهم وإبطال دعاويهم، وبيان مناشئ غرورهم.
ثم لما لم يزدهم ذلك كله إلا كفرا وعنادا بين الله تعالى في هذه الآيات واقعة من وقائعهم مع موسى عليه الصلاة والسلام، الذي أخرجهم الله على يديه من الرق والعبودية واضطهاد المصريين لهم إلى الحرية والاستقلال وملك أمرهم، وكونهم على هذا كله كانوا يخالفونه ويعاندونه، حتى فيما يدعوهم إليه من العمل الذي تتم به النعمة عليهم في دنياهم التي هي أكبر همهم; ليعلم الرسول بهذا أن مكابرة الحق ومعاندة الرسل خلق من أخلاقهم الموروثة عن سلفهم، فيكون ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم ومزيد عرفان بطبائع الأمم وسنن الاجتماع البشري، وبهذا يظهر حسن نظم الكلام، ووجه اتصال لاحقه بسابقه، قال عز وجل:
{وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} أي واذكر، أيها الرسول، لبني إسرائيل وسائر الناس الذين تبلغهم دعوة القرآن; إذ قال موسى لقومه، بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض العبودية: اذكروا نعمة الله عليكم بالشكر له والطاعة; لأن ذلك يوجب المزيد، وتركه يوجب المؤاخذة والعذاب الشديد.
ولفظ نعمة يفيد العموم بإضافته إلى اسم الله تعالى، وقد بين لهم موسى مراده بهذا العموم بذكر ثلاثة أشياء كانت حاصلة بالفعل بعد نعمة إنقاذهم من المصريين، التي هي بمعنى النفي والسلب. وهذه الأشياء الحاصلة المشهودة هي أعظم أركان النعم ومجامعها التي يندرج فيها ما لا يحصى من الجزئيات الدينية والدنيوية، وهاك بيانها:
الأول: - وهو أشرفها -: جعل كثير من الأنبياء فيهم، وهذا يصدق بوجود المبلغ لذلك، ووجود أخيه هارون ومن كان قبلهما، عليهم السلام، وتشعر العبارة مع ذلك بأن النعمة أوسع، وأن عدد هؤلاء الأنبياء كثير، أو سيكون كثيرا، بناء على أن المراد بالجعل بيان الشأن لا مجرد الحصول بالفعل في الزمنين الماضي والحال، وقيل: كان عدد الأنبياء فيهم كثيرا في عهد موسى، حتى حكى ابن جرير أن السبعين الذين اختارهم موسى ليصعدوا معه الجبل إذ يصعده لمناجاة الله تعالى، صاروا كلهم أنبياء.
والمشهور من معنى النبوة عند أهل الكتاب الإخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع في المستقبل بوحي أو إلهام من الله عز وجل، وكان جميع أنبياء بنى إسرائيل من بعد موسى مؤيدين للتوراة، عاملين وحاكمين بها، حتى المسيح، عليهم السلام.
وللنصارى تحكم في إثبات النبوة ونفيها عمن شاءوا من أنبياء بني إسرائيل، حتى إنهم لا يعدون سليمان بن داود نبيا!! بل حكيما; أي فيلسوفاً، على أن كتبه هي أعلى كتبهم المقدسة علما وحكمة; فهي أعلى من حكم الأناجيل التي عندهم، وقد كان هذا مما ينتقده عامتهم على رؤساء كنيستهم، حتى قال أحد الأذكياء اللبنانيين: إن الكنيسة لم تعترف بنبوة سليمان; ليكون منتهى مبالغة المعجبين بحكمه وأمثاله من أهل الفهم أن يرفعوه إلى مرتبة النبوة، فيبقى دون المسيح، وإن رؤساء الكنيسة كانوا يخشون أن يقول الناس: إنه أحق من المسيح بالألوهية إذا هم اعترفوا له بالنبوة.
أما علماء المسلمين الذين تكلموا في المفاضلة بين الأنبياء، فقد فضلوا المسيح على سليمان، فهو عندهم في المرتبة الرابعة بعد محمد وإبراهيم وموسى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد تقدم القول في المفاضلة في أواخر تفسير سورة النساء.
الثاني: جعلهم ملوكا، لولا ما ورد في التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لكانت هذه النعمة موضع اشتباه عند المتأخرين الضعفاء في فهم العربية; لأن بنى إسرائيل لم يكن فيهم ملوك على عهد موسى؛ وإنما كان أول ملوكهم بالمعنى العرفي لكلمة ملك وملوك شاول بن قيس، ثم داود الذي جمع بين النبوة والملك، وإن من يفهم العربية حق الفهم يجزم بأنه ليس المراد أنه جعل أولئك المخاطبين رؤساء للأمم والشعوب يسوسونها ويحكمون بينها، ولا أنه جعل بعضهم ملوكا; لأنه قال: {وجعلكم ملوكا} ولم يقل: وجعل فيكم ملوكا، كما قال: جعل فيكم أنبياء.
فظاهر هذه العبارة أنهم كلهم صاروا ملوكا، وإن أريد بـ " كل " المجموع لا الجميع; أي إن معظم رجال الشعب صاروا ملوكا، بعد أن كانوا كلهم عبيدا للقبط، بل معنى الملك هنا الحر المالك لأمر نفسه وتدبير أمر أهله، فهو تعظيم لنعمة الحرية والاستقلال بعد ذلك الرق والاستعباد.
يدل على ذلك التفسير المأثور; ففي حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا عند ابن أبي حاتم: " كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا "، وفي حديث زيد بن أسلم: " من كان له بيت وخادم فهو ملك " رواه أبو داود في مراسيله، تفسيرا للآية بلفظ " زوجة ومسكن وخادم "، وروى ابن جرير مثله عن ابن عباس وعن مجاهد وعن ابن عباس رواية أخرى ستأتي بنصها، وقد صححوا سندها، والمرفوع ضعيف السند.
والمعنى الجامع لهذه الأقوال: أن المراد بالملك هنا: الاستقلال الذاتي، والتمتع بنحو ما يتمتع به الملوك من الراحة والحرية في التصرف وسياسة البيوت، وهو مجاز تستعمله العرب إلى اليوم في جميع ما عرفنا من بلادهم، يقولون لمن كان مهنئا في معيشته، مالكا لمسكنه، مخدوما مع أهله، فلان ملك، أو ملك زمانه; أي يعيش عيشة الملوك، وترى مثل هذا الاستعمال المجازي في رؤيا يوحنا، قال: (1: 6 وجعلنا ملوكا وكهنة).
وذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى أنه جعلهم ملوكا بالقوة والاستعداد بما آتاهم من الحرية والاستقلال وشريعة التوراة العادلة التي يرتقون بها في مراقي الاجتماع، وهو بشارة بأنه سيكون منهم ملوك بالفعل; لأن ما استعدت له الأمة من ذلك في مجموعها لا بد أن يظهر أثره بعد ذلك في بعض أفرادها، وهذا المعنى لا يعارض ما قبله، بل يجامعه ويتفق معه، فإن تلك المعيشة المنزلية الراضية هي الأصل في الاستعداد لهذه العيشة الثانية، عيشة الملك والسلطة.
فإن الشعوب التي يفسد فيها نظام المعيشة المنزلية لا تكون أمما عزيزة قوية; فهي إذا كان لها ملك تضيعه، فكيف تكون أهلا لتأسيس ملك جديد؟! فليعتبر المسلمون بهذا، ولينظروا أين هم من العيشة الأهلية التي وصفناها!.
الأمر الثالث: إيتاؤهم ما لم يؤت أحد من العالمين; أي عالمي زمانهم وشعوبه التي كانت مستعبدة للملوك العتاة الطغاة; كالقبط والبابليين، روى الفريابي وابنا جرير والمنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: {إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} قال: المرأة والخادم {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ.
وروى ابن جرير من طريق مجاهد عنه في الأخير أنه المن والسلوى، وروى هو وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد هذا المعنى مع زيادة الغمام الذي ظللهم في التيه، وزاد بعضهم الحجر الذي انبجست منه العيون بعدد أسباطهم، رواه ابن جرير، وقد تقدم تفسير هذه الخصائص في سورة البقرة، فيراجع في الجزء الأول من التفسير.
{ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} المقدسة: المطهرة من الوثنية، لما بعث الله فيها من الأنبياء دعاة التوحيد، وفسر مجاهد " المقدسة ": بالمباركة.
ويصدق بالبركة الحسية والمعنوية، وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل أن الأرض المقدسة: ما بين العريش إلى الفرات، وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة: أنها الشام، والمعنى واحد، فالمراد بالقولين القطر السوري في عرفنا، وهذا يدل على أن هذا التحديد لسورية قديم، وحسبنا أنه من عرف سلفنا الصالح. وقالوا: إنه هو مراد الله تعالى ولا أحق ولا أعدل من قسمة الله تعالى وتحديده، وفي اصطلاح بعض المتأخرين أن سورية هي القسم الشمالي الشرقي من هذا القطر، والباقي يسمونه فلسطين أو بلاد المقدس، والمشهور عند الناس أنها هي " الأرض المقدسة "، والقول الأول هو الصحيح; فإن بني إسرائيل ملكوا سورية، فسورية وفلسطين شيء واحد في هذا المقام.
ويسمون البلاد المقدسة أرض الميعاد; فإن الله تعالى وعد بها ذرية إبراهيم، ويدخل فيما وعد الله به إبراهيم الحجاز وما جاوره من بلاد العرب، وقد خرج موسى ببني إسرائيل من مصر; ليسكنهم الأرض المقدسة التي وعدوا بها من عهد أبيهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ وإنما كان يريد موسى عليه السلام بأرض الموعد والبلاد المقدسة ما عدا بلاد الحجاز التي هي أرض أولاد عمهم العرب.
قال الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس: اختص اسم فلسطين أولا بأرض الفلسطينيين، ثم أطلق على كل أرض الإسرائيليين غربي الأردن، فكان يطلق عليها في الأصل اسم كنعان، وكانت فلسطين معروفة أيضا بالأرض المقدسة، وأرض إسرائيل، وأرض الموعد، واليهودية، وهي واقعة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط بين سهول النهرين (الدجلة والفرات) والبحر المذكور، وبين ملتقى قارتي آسية وإفريقية، وهي متوسطة بين أشور ومصر وبلاد اليونان والفرس، إلى أن قال: ويعسر علينا معرفة حدود فلسطين، فإنه مع دقة الشرح عن التخوم التي تفصل بين سبط وآخر لم يشرح لنا في الكتاب المقدس شرحا مستوفى، تتميز به تخوم فلسطين عن تخوم الأمم المجاورة لها، ويظهر أن هذه التخوم كانت تتغير من جيل إلى جيل، أما الأرض الموعود بها لإبراهيم والموصوفة في كتابات موسى فكانت تمتد من جبل هور إلى مدخل حماه، ومن نهر مصر العريش " إلى النهر الكبير نهر الفرات " (تك 15: 18 وعد 34: 2 - 12 وتث 1: 17) وأكثر هذه الأراضي كانت تحت سلطة سليمان، فكان التخم الشمالي حينئذ سورية، والشرقي الفرات والبرية السورية، والجنوبي برية التيه وأدوم، والغربي البحر المتوسط. انتهى بنصه، مع اختصار حذف به أكثر الشواهد، ولا حاجة لنا بغير الأخيرة منها، وهي التي ذكرناها.
فقوله تعالى: {كتب الله لكم} يريد به موسى ما وعد الله به إبراهيم، يعني: كتب لهم الحق في سكنى تلك البلاد المقدسة، بحسب ذلك الوعد، أو في علمه، وليس معناه أنها كلها تكون ملكا لهم دائما، أو لا يزاحمهم فيها أحد; لأن هذا مخالف للواقع، ولن يخلف الله وعده. فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم الملك في البلاد المقدسة غير صحيح.
ويحسن هنا أن نذكر نص التوراة العربية الموجودة الآن في هذا الوعد. جاء في سفر التكوين أنه لما مر إبراهيم بأرض الكنعانيين ظهر له الرب (12: 7 "وقال لنسلك أعطي هذه الأرض" وجاء فيه أيضا ما نصه (15: 18 في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات".
وهذا الوعد ذكر في سفر التكوين قبل ذكر ولادة إسماعيل، وجاء فيه بعد ذكر ولادة إسماعيل له، ووعد الله بتكثير نسله، وبكونهم يسكنون أمام جميع إخوتهم (17: 8 وأعطي لك، ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا، وأكون إلههم) فهذا وذاك يدلان على أن العرب أولى أولاد إبراهيم بأن يكونوا أول من تناولهم العهد والميثاق، والوفاء الأبدي لا يتحقق إلا به.
والأمر كذلك، فقد أصبحت تلك البلاد كلها عربية محضة. وليس فيه بعد ذكر ولادة إسحاق وعد لإبراهيم مثل هذا ببلاد ولا بأرض، ولكن فيه أنه يقيم معه عهدا أبديا لنسله، وأن هذا العهد لإسحاق دون إسماعيل، فما هذا العهد؟
إن كان عهد النبوة، فالواقع أنها ليست أبدية في نسل إسحاق; لأنها انقطعت بالفعل منهم من زهاء ألفي سنة، وكان خاتم النبيين من ولد إسماعيل، وإن كان عهد امتلاك الأرض المقدسة فهو لم يكن أبديا فيهم; لأنها نزعت منهم قبل العرب، ثم أخذها العرب، وصارت لهم بالامتلاك السياسي، ثم بالامتلاك الطبيعي؛ إذ غلبوا على سائر العناصر التي كانت فيها، وأدغموها في عنصرهم المبارك، الذي وعد الله إبراهيم بأن يباركه ويثمره، ويكثره جدا جدا، ويجعله أمة كبيرة (راجع 17: 18 من سفر التكوين).
نعم إن الفصل الرابع والثلاثين من سفر العدد صريح في أمر بني إسرائيل بدخول أرض كنعان، واقتسامها بين أسباط بني إسرائيل، وهذا حق قد وقع، فلا مراء فيه، وهو يوافق ما قلناه قبل من أن بني إسرائيل يكون لهم حظ في تلك البلاد في وقت ما، وأن وعد الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم يشمل ذلك، ولكنه ليس خاصا بهم، ولا هم أولى به من أولاد عمهم العرب، بل هؤلاء هم الأولى كما حصل بالفعل، وكان وعد الله مفعولا.
يوضح هذا ما نقله كاتب سفر تثنية الاشتراع عن موسى صلى الله عليه وسلم وهو (1: 6 الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلا: كفاكم قعودا في هذا الجبل 7 تحولوا وارتحلوا، وادخلوا جبل الأموريين، وكل ما يليه من العربة (وفي الترجمة اليسوعية القفر) والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعاني، ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات 80 انظروا قد جعلت أمامكم الأرض، ادخلوا وتملكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم) وأعاد التذكير بهذا الوعد في الفصل الثالث من هذا السفر، وهذا النص هو المراد من الآية التي نفسرها، وليس في العبارة شيء يدل على الاختصاص ولا التأبيد، ويدخل في عموم نسل إبراهيم نسل ولده إسماعيل.
وأما ذكر إسحاق ويعقوب هنا; فلأن الرب ذكرهما بوعده لإبراهيم أبيهما، وأكده لهما ولنسلهما، ولكن ليس فيه ذكر التأييد (تك 26 و28) كما سبق في وعد لإبراهيم، فالوعد المؤكد المؤبد إنما كان لإبراهيم، ولم يصدق إلا بمجموع نسله، وهم العرب والإسرائيليون.
ومما يجب التنبيه إليه أن ذكر الرب لإسحاق ما وعد به أباه إبراهيم من إعطاء نسله تلك البلاد معلل بحفظ أوامره وفرائضه وشرائعه (تك 26: 5 وخر 13) وهو عين الوعد الذي ذكره ليعقوب في المنام في الفصل الـ 28، وإن لم يذكر هنالك التعديل. وهو يدل على انتفاء المعلول بانتفاء علته، وتحرير هذا المعنى هو الذي أوحاه الله تعالى إلى خاتم رسله محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بقوله في سورة الإسراء التي تسمى أيضا سورة بني إسرائيل، وملخصه: أنهم يفسدون في الأرض مرتين قبل الإسلام، فيسلط عليهم كل مرة من يذلهم ويستولي على مدينتهم ومسجدهم، ويتبروا ما استولوا عليه منهما تتبيرا، وقد كان ذلك.
ثم قال:
{ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا } [الإسراء: 8] قال المفسرون: وقد عادوا، وعاد انتقام العدل الإلهي منهم، فسلط الله عليهم الروم قبل المسيحية وبعدها، ثم المسلمين، ومزقوا في الأرض كل ممزق.
وتدل بعض الآيات على أن الملك لا يعود إليهم، ولولا ذلك لكانت آية {عسى ربكم} أرجى الآيات لهم; لأنها تدل على أن الأمر يدور مع العلة وجودا وعدما، وأنهم إن عادوا إلى الإيمان الصحيح والإصلاح يعود إليهم ما فقد منهم.
ولا يتحقق هذا إلا بالإسلام، فإن أسلموا واتحدوا ببني عمهم العرب يملكون كل هذه البلاد وغيرها، ولكن الرجاء في هذا بعيد في هذا العصر; لأن الإسرائيليين شديدو التقليد والجمود في جنسيتهم النسبية والدينية، وهذا العصر عصر العصبية الجنسية للأقوام، حتى إن كثيرا من شعوب المسلمين يحلون رابطتهم الدينية لأجل شد عروة الرابطة اللغوية، وإن لم تكن لهم لغات ذات آثار يحرص عليها، بل منهم من يتكلفون تدوين لغاتهم وتأسيسها; لأنها لم تكن لغات علم وكتاب، ثم إن أمر الدنيا غالب فيه على أمر الدين، واليهود يريدون أن يعيدوا ملكهم لهذه البلاد بتكوين وتأسيس جديد، ويستعينون عليه بالمال وطرق العمران الحديثة

فيا دارها بالخيف إن مزارها قريب، ولكن دون ذلك أهوال

فإن الشعوب النصرانية ودولها القوية تعارضهم في التغلب على بيت المقدس. والعرب أصحاب الأرض كلها لا يتركونها لهم غنيمة باردة، ولا تغني عنهم الوسائل الرسمية والمكايدة، وإنما الذي يغني ويقني هو الاتفاق مع العرب على العمران; فإن البلاد تسع من السكان أضعاف من فيها الآن.
ويؤيد التعليل الذي بيناه أخيرا هذا النهي الذي عطف على الأمر بدخول الأرض المقدسة، وهو (ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) على أحد الوجهين في تفسيره.
وهو لا ترجعوا عما جئتكم به، من التوحيد والعدل والهدى إلى الوثنية أو الفساد في الأرض بالظلم والبغي واتباع الهوى; فيكون هذا الرجوع إلى الوراء انقلاب خسران تخسرون فيه هذه النعم، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء على شكر النعم التي تقدمتها، فتعود الدولة فيها لأعدائكم، وذلك أن شكر النعم مدعاة المزيد منها، وكفرها مدعاة سلبها وزوالها.
والوجه الآخر في الارتداد على الأدبار النكوص عن دخولها، والجبن عن قتال من فيها من الوثنيين، وقد فرض الله عليهم قتالهم، والخسران على هذا قيل هو خسران ثواب الجهاد، وخيبة الأمل في امتلاك البلاد.
والذي أجزم به أن المراد بالخسران تحريم الأرض المقدسة على المخاطبين وحرمانهم من خيراتها التي ورد في بعض أوصافها أنها " تفيض لبنا وعسلا "، وعقابهم بالتيه أربعين سنة، ينقرض فيها المرتدون على أدبارهم، كما سيأتي، فإن هذا الخسران هو الذي وقع بالفعل، وبينه الله في الكتاب، فلا معدل عنه.
ولا يعارضه كون الله تعالى كتبها لهم; فإن هذه الكتابة ليست لأولئك الأفراد بأعيانهم، وإنما هي لشعبهم وأمتهم، ومثل هذا الخطاب الذي يوجه إلى الأمم والأقوام معهود في عرف الناس ولغاتهم، يسند إلى الحاضرين المخاطبين ما كان من أعمال سلفهم الغابرين، ويبشرون أو يوعدون بما لا يكون إلا لخلفهم الآتين، كبشارة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه بأنهم سيفتحون القسطنطينية، قبيل قيام الساعة. على أن الله حرمها على جمهور الذين خالفوا وعصوا أمر موسى بدخولها، ولما دخلوها بعد التيه كان قد بقي من الذين خوطبوا بأنها كتبت لهم بقية. فقال بعض المفسرين: إن كونها كتبت لأولئك المخاطبين بأعيانهم يصدق بهؤلاء من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، ولكن الأسلوب الفصيح يأبى هذا التوجيه اللفظي كل الإباء.
وقال السدي: إن المراد بالكتابة هنا الأمر، فمعنى {كتب الله لكم} أمركم بدخولها، وهو بعيد أيضا، والمتبادر أنه كتب لهم ذلك في الكتاب وما أوحاه إلى آبائهم، ويؤيده الواقع، ولولاه لكان المعنى كتب لكم ذلك في علمه; أي أثبته بقضائه وقدره.
{قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} كان استعباد المصريين لبني إسرائيل قد أذلهم وأفسد عليهم بأسهم، وكان بنو عناق الذين يسكنون أمامهم في أدنى الأرض المقدسة أولي قوة وأولي بأس شديد، وكانوا كبار الأجسام، طوال القامات، وهو المراد من كلمة " جبارين ".
فالجبار يطلق في اللغة على الطويل القوي والمتكبر والقتال بغير حق، والعاتي المتمرد، والذي يجبر غيره على ما يريد، والقاهر المتسلط، والملك العاتي، وكله مأخوذ من قولهم: نخلة جبارة; أي طويلة، لا ينال ثمرها بالأيدي، وإن عد الزمخشري هذا من المجاز في أساسه; لأن الصيغة من صيغ المبالغة لاسم الفاعل، من جبره على الشيء; كأجبره.
والصواب أن الأصل في الألفاظ أن تكون موضوعة للأجسام ولما يدرك بالحواس، ويتفرع عنها ما وضع للمعاني، وما يدرك بالعقل والاستنباط، وقد رجعت بعد جزمي بما ذكرت إلى لسان العرب، فإذا هو ينقل مثله وما يؤيده. ذكر الآية وقال: قال اللحياني: أراد الطول والقوة والعظم، قال الأزهري: كأنه ذهب به إلى الجبار من النخيل، وهو الطويل الذي فات يد التناول، ويقال جبار إذا كان طويلا عظيما قويا، تشبيها بالجبار من النخل. انتهى.
وقال الراغب: أصل الجبر إصلاح الشيء بضرب من القهر، يقال جبرته فانجبر واجتبر، وقد جبرته فجبر; كقول الشاعر:

قد جبر الدين الإله فجبر

هذا قول أكثر أهل اللغة، إلى أن قال: والجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بشيء من التعالي لا يستحقه، وهذا لا يقال إلا على طريقة الذم، وذكر عدة آيات فيها الآية التي نفسرها، ثم قال: ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل نخلة جبارة وناقة جبارة انتهى.
وكأنه أراد أن يجمع بين المعنيين لمادة الجبر، معنى العلو والقوة ومعنى جبر الكسر وجبر الجرح وتجبيره وما أخذ منه; كجبر المصيبة بالتعويض عما فقد، وجبر الفقير بإغنائه، وكل هذه المعاني تدخل في معنى جبار النخل الذي هو القوة والنماء والطول.
والجبار من أسماء الله تعالى فيه معنى العظمة والقوة والعلو على خلقه، وكونه لا يمكن أن يناله أحد بتأثير ما، ومعنى جبر القلب الكسير، وإغناء البائس الفقير، ومعنى جبر الخلق بما وضعه من السنن الحكيمة والمقادير المنتظمة على ما أراده من التدبير، وهو العليم الخبير.
وهو مثل اسم المتكبر مدح للخالق، وذم للمخلوق; إذ ليس لمخلوق أن يبالغ في معنى الجبر؛ وهو العظمة والعلو والامتناع، كما أنه ليس له أن يتكبر بأن يظهر للناس المرة بعد المرة أنه كبير الشأن، ولو بالحق، فكيف إذا كان ذلك بالباطل، كما هو شأن البشر! فإن الكبير بالفعل لا يتعمد ويتكلف أن يظهر للناس أنه كبير؛ وإنما يتعمد ذلك ويتوخاه من يشعر بصغار نفسه في باطن سره، فيحمله حب العلو على تكلف إخفاء هذا الصغار، بما يتكلفه من إظهار كبره، فيكون من خلقه ألا يخضع للحق، ولا يقدر الناس قدرهم; لأنه جعل نفسه أكبر من الحق ومن الناس، فلا يرضى أن يكونوا فوقه.
ولذلك فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بهذا المعنى الذي هو موضع النقص وسبب المؤاخذة، فقال: " الكبر من بطر الحق وغمط الناس " رواه أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة بسند صحيح. وأما تكبر الخالق عز وجل وهو إظهار كبريائه وعظمته لعباده المرة بعد المرة فهو على كونه لا يكون إلا حقا; لأنه تعالى أكبر من كل شيء، وأعظم تربية وتغذية لإيمانهم، يوجه قلوبهم إلى الكمال الأعلى; فيقوى استعدادهم لتكميل أنفسهم وعرفانهم بها، فيكونون أحقاء بألا يرفعوها عن مكانها بالباطل ولا يسفهوها فيرضوا لها بالخسائس. وإنما أطلنا في تفسير كلمة " جبارين " واستطردنا إلى اسم الجبار والمتكبر من أسماء الله تعالى; لما نعلمه من ضلال بعض الناس في فهم الاسمين الكريمين.
أما ما روي في التفسير المأثور من وصف هؤلاء الجبارين، فأكثره من الإسرائيليات الخرافية التي كان يبثها اليهود في المسلمين، فرووها من غير عزو إليهم; كقولهم إن العيون الاثني عشر، الذين بعثهم موسى إلى ما وراء الأردن; ليتجسسوا ويخبروه بحال تلك الأرض ومن فيها قبل أن يدخلها قومه، رآهم أحد الجبارين فوضعهم كلهم في كسائه، أو في حجزته، وفي رواية كان أحدهم يجني الفاكهة، فكان كلما أصاب واحدا من هؤلاء العيون وضعه في كمه مع الفاكهة، وفي رواية أن سبعين رجلا من قوم موسى استظلوا في ظل خف رجل من هؤلاء العماليق.
وأمثل ما روي في ذلك وأصدقه قول قتادة عند عبد الرزاق وعبد بن حميد في قوله تعالى: {إن فيها قوما جبارين} قال: هم أطول منا أجساما، وأشد قوة، وأفرطوا في وصف فاكهتهم، كما أفرطوا في وصفهم; فروى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى:
{ اثني عشر نقيبا } [المائدة: 12] الذي مر تفسيره: أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منكم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة.
وهذه القصة مبسوطة في الفصل الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد الذي هو السفر الرابع من أسفار التوراة. وفي أولهما أن الجواسيس تجسسوا أرض كنعان كما أمروا، وأنهم قطعوا في عودتهم زرجونة فيها عنقود عنب واحد، حملوه بعتلة بين اثنين منهم مع شيء من الرمان والتين وقالوا لموسى وهو في ملأ بني إسرائيل: (12: 29 قد صرنا إلى الأرض التي بعثتنا إليها، فإذا هي بالحقيقة تدر لبنا وعسلا، وهذا ثمرها 30 غير أن الشعب الساكنين فيها أقوياء، والمدن حصينة عظيمة جدا، ورأينا ثم أيضا بني عناق - إلى أن قال الكاتب - 31 وكان كالب يسكت الشعب عن موسى قائلا: نصعد ونرث الأرض فإنا قادرون عليها 32 وأما القوم الذين صعدوا معه (أي للتجسس) فقالوا: لا نقدر أن نصعد إلى الشعب; لأنهم أشد منا 33، وشنعوا عند بني إسرائيل على الأرض التي تجسسوها، وقالوا:... هي أرض تأكل أهلها، وجميع الشعب الذين رأيناهم فيها طوال القامات 34، وقد رأينا ثم من الجبابرة، جبابرة بني عناق، فصرنا في عيوننا كالجراد، وكذلك كنا في عيونهم) هذا آخر الفصل، وذكر في الفصل الذي بعده تذمر بني إسرائيل من أمر موسى لهم بدخول تلك الأرض، وأنهم بكوا وتمنوا لو أنهم ماتوا في أرض مصر، أو في البرية، وقالوا (14: 3 لماذا أتى الرب بنا إلى هذه الأرض؟ حتى نسقط تحت السيف وتصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة؟ أليس خيرا لنا أن نرجع إلى مصر؟)... إلخ.
فأنت ترى أنه ليس في الرواية المعتمدة عند بني إسرائيل تلك الخرافات التي بثوها بين المسلمين في العصر الأول، وإنما فيها من المبالغة أنهم لخوفهم ورعبهم من الجبارين احتقروا أنفسهم، حتى رأوها كالجراد، واعتقدوا أن الجبارين رأوهم كذلك، وأما حمل زرجون العنب والفاكهة بين رجلين فلا يدل على مبالغة كبيرة في عظمها، وقد يكون سبب ذلك حفظها لطول المسافة.
والعبرة في هذه الروايات الإسرائيلية، التي راجت عند كثير من علماء التفسير والتاريخ، وقل من صرح ببطلانها أو الرجوع إلى كتب اليهود المعتمدة ليقفوا على المعتمد عليه عندهم فيها؛ إذ لم يقفوا عند ما بينه القرآن من أخبار الأنبياء والأقوام هي أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ما جاء به عن بعض أهل الكتاب، كما يزعم بعضهم وبعض الملاحدة، لكان ما جاء به نحو ما يذكره هؤلاء الرواة الذين غشهم اليهود، مع أنه كان يسهل عليهم من الاطلاع على كتبهم والتمييز بين حكايتهم عن اعتقادهم وبين كذبهم ما لا يسهل على الرجل الأمي في مثل مكة التي لم يكن فيها يهود ولا كتب، وأكثر أخبار الأنبياء والأمم في السور المكية.
وملخص معنى الآية: أن موسى لما قرب بقومه من حدود الأرض المقدسة العامرة الآهلة أمرهم بدخولها مستعدين لقتال من يقاتلهم من أهلها، وأنهم لما غلب عليهم من الضعف والذل باضطهاد المصريين لهم وظلمهم إياهم أبوا وتمردوا واعتذروا بضعفهم، وقوة أهل تلك البلاد، وحاولوا الرجوع إلى مصر (كما كان بعض العبيد يرجعون باختيارهم إلى خدمة سادتهم في أمريكة، بعد تحريرهم كلهم ومنع الاسترقاق بقوة الحكومة; لأنهم ألفوا تلك الخدمة والعبودية، وصارت العيشة الاستقلالية شاقة عليهم) وقالوا لموسى: إنا لن ندخل هذه الأرض ما دام هؤلاء الجبارون فيها، كأنهم يريدون أن يخرجهم منها بقوة الخوارق والآيات; لتكون غنيمة باردة لهم، وجهلوا أن هذا يستلزم أن يبقوا دائما على ضعفهم وجبنهم، وأن يعيشوا بالخوارق والعجائب ما داموا في الدنيا، لا يستعملون قواهم البدنية ولا العقلية في دفع الشر عن أنفسهم، ولا في جلب الخير لها، وحينئذ يكونون أكفر الخلق بنعم الله، فكيف يؤيدهم بآياته طول الحياة! والحكمة في مثل هذا التأييد أن يكون لبعض أصفياء الله تعالى موقتا بقدر الضرورة والسنة العامة; فهو كالدواء بالنسبة إلى الغذاء. وقولهم {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} تأكيد لمفهوم ما قبله، مؤذن بأنه لا علة لامتناعهم إلا ما ذكروه.
{قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} اتفق رواة التفسير على أن الرجلين هما: يوشع بن نون، وكالب بن يفنة; وفاقا لرواية التوراة عند أهل الكتاب; فهما اللذان كانا يحثان القوم على الطاعة ودخول أول بلد للجبارين; ثقة بوعد الله وتأييده.
والظاهر أن قوله: (يخافون) معناه يخافون الله تعالى، وقيل يخافون الجبارين، ومعنى النعمة هنا نعمة الطاعة والتوفيق حتى في حال الخوف، على القول بأنهما كانا من جملة الخائفين طبعا {ادخلوا عليهم الباب} أي باب المدينة {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} بنصر الله وتأييده لكم إذا أطعتم أمره، وصدقتم وعده {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} أي وعليكم، بعد أن تعملوا ما يدخل في طاقتكم من طاعة ربكم، أن تكلوا أمركم إليه وتثقوا به فيما لا يصل إليه كسبكم، فإن التوكل إنما يكون بعد بذل الوسع في مراعاة السنة وامتثال الأمر، إن كنتم مؤمنين بأن ما وعدكم ربكم على لسان نبيكم حق، وأنه قادر على الوفاء لكم بوعده، إذا أنتم قمتم بما يجب عليكم من طاعته وشكره والوفاء بميثاقه وعهده.
{قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} أي لم تنفع بني إسرائيل موعظة الرجلين، بل أصروا على التمرد والعصيان، وأكدوا لموسى بالقول بأنهم لا يدخلون تلك الأرض التي فيها الجبارون أبدا - أي مدة الزمن المستقبل - ما داموا فيها; لأن دخولها يستلزم القتال والحرب، وليسوا لذلك بأهل.
وقالوا لموسى ما معناه: إن كنت أخرجتنا من أرض مصر بأمر ربك; لنسكن هذه الأرض التي وعد بها آباءنا، وقد علمت أن هذا يتوقف على القتال وأننا لا نقاتل، فاذهب أنت وربك الذي أمرك بذلك، فقاتلا الجبارين، واستأصلا شأفتهم، أو اهزماهم وأخرجاهم منها، إنا هاهنا منتظرون ومتوقفون، أو قاعدون عن القتال، أو غير مقاتلين، فقد استعمل هذا اللفظ في هذا المعنى; كقوله تعالى:
{ وقيل اقعدوا مع القاعدين } [التوبة: 46] وقوله: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون } [النساء: 95] الآية.
وقد حاول بعض المفسرين حمل هذا القول السمج الخارج من حدود الآداب على معنى مجازي يليق بأهل الإيمان; ككون المراد بذهاب الرب إعانته ونصره، وقال بعضهم: لا حاجة إلى مثل هذا مع أمثال هؤلاء القوم الذين عبدوا العجل، وكان من فساد فطرتهم وجفاء طباعهم ما بينه الله تعالى في كتابه، والتوراة التي في أيديهم تؤيد ذلك أشد التأييد، تارة بالإجمال، وتارة بأوسع التفصيل.
والقرآن يبين صفوة الوقائع، ومحل العبرة فيها، لا ترجمة جميع الأقوال بحروفها، وشرح الأعمال ببيان جزئياتها، فما يقصه من أمور بني إسرائيل هو الواقع وروح ما صح من كتبهم، أو تصحيح ما حرف منها، وهذه العبارة منه تدل على منتهى التمرد، والمبالغة في العصيان والإصرار عليه والجفاء والبعد عن الأدب، فلا وجه لتأويلها بما ينافي ذلك.
{قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} هذا القول من موسى عليه السلام صورته خبر، ومعناه إنشاء، فهو من بث الحزن والشكوى إلى الله، والاعتذار إليه، والتنصل من فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عن ربه، ومعنى العبارة: إنني لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسي وأمر أخي، ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر، والمنشط والمكره.
وهذا يدل على أنه لم يكن يوقن بثبات يوشع وكالب على ما كانا عليه من الرغبة والترغيب في الطاعة إذا أمر الله موسى بأن يدخل أرض الجبارين، ويتصدى لقتالهم هو ومن يتبعه، فإن الذي يجرؤ على القتال مع الجيش الكثير، يجوز ألا يجرؤ عليه مع النفر القليل. وأما ثقته بأخيه فلعلمه اليقيني بأن الله تعالى أيده بمثل ما أيده به، ولو لم يعلم هذا بإعلام الله ووحيه، وما يجده من الوجدان الضروري في نفسه لكان بلاؤه معه في مقاومة فرعون وقومه، ثم في سياسة بني إسرائيل معه، وفي حال انصرافه لمناجاة ربه ما يكفي للثقة التامة، فلفظ " أخي " معطوف على " نفسي " وجعله بعضهم معطوفا على الضمير في " إني " أي وأخي كذلك لا يملك إلا نفسه.
{فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} الفرق: الفلق والفصل بين الشيئين أو الأشياء، ومنه فرق الشعر، ويطلق على القضاء وفصل الخصومات، وذلك قسمان حسي ومعنوي، ومعنى الجملة هنا: فافصل بيننا - يعني نفسه وأخاه - وبين القوم الفاسقين عن الطاعة، وهم جماعة بني إسرائيل، بقضاء تقضيه بيننا، إذ صرنا خصما لهم وصاروا خصما لنا، وقيل معناها: إذا أخذتهم بالعقاب على فسوقهم، فلا تعاقبنا معهم في الدنيا، وقيل الآخرة، والأول هو المختار الموافق لقوله:
{قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} أي قال الله لموسى مجيبا لدعائه إجابة متصلة به: فإنها - أي الأرض المقدسة - محرمة على بني إسرائيل تحريما فعليا، لا تكليفيا شرعيا، مدة أربعين سنة يتيهون في الأرض; أي يسيرون في برية من الأرض، تائهين متحيرين، لا يدرون أين ينتهون في سيرهم، فالتيه: الحيرة، يقال: تاه يتيه، ويتوه لغة، ويقال: مفازة تيهاء: إذا كان سالكوها يتحيرون فيها لعدم الأعلام التي يهتدى بها. والتحريم: المنع.
{فلا تأس على القوم الفاسقين} أي فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون مستحقون لهذا التأديب الإلهي، وسنبين هذا وحكمة الله تعالى فيه. وقال الراغب: الأسى: الحزن، وحقيقته إتباع الفائت الغم، يقال: أسيت عليه أسى، وأسيت له.
ذكرنا قبل أن هذه القصة مفصلة في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد، وذكرنا شيئا منهما، وفي الفصل الرابع عشر أن بني إسرائيل لما تمردوا وعصوا أمر ربهم سقط موسى وهارون على وجوههما أمامهم، وأن يوشع وكالب مزقا ثيابهما ونهيا الشعب عن التمرد، وعن الخوف من الجبارين ليطيع، فهم الشعب برجمهما، وظهر مجد الرب لموسى في خيمة الاجتماع (11 وقال الرب لموسى: حتى متى يهينني هذا الشعب؟ وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم؟ 12 إني أضربهم بالوباء وأبيدهم، وأصيرك شعبا أكبر وأعظم منهم) فشفع موسى فيهم لئلا يشمت بهم المصريون وبه، فقبل الرب شفاعته.
ثم قال (22 إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية، وجربوني الآن عشر مرات، ولم يسمعوا قولي 23 لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم، وجميع الذين أهانوني لا يرونها) واستثنى الرب كالب فقط.
ثم قال لموسى وهارون (27 حتى متى أغفر لهذه الجماعة الشريرة المتذمرة علي؟ قد سمعت تذمر بني إسرائيل الذي يتذمرونه علي 28 قل لهم " حي أنا " يقول الرب لأفعلن بكم كما تكلمتم في أذني 29 في هذا القفر تسقط جثثكم. جميع المعدودين منكم حسب عددكم، من ابن عشرين سنة فصاعدا، الذين تذمروا علي 30 لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأسكننكم فيها ما عدا كالب بن يفنة ويشوع بن نون 31 وأما أطفالكم الذين قلتم إنهم يكونون غنيمة فإني سأدخلهم، فيعرفون الأرض التي احتقرتموها 32 فجثثكم أنتم تسقط في هذا القفر 33، وبنوكم يكونون رعاة في القفر أربعين سنة، ويحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر 34 كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض أربعين يوما، للسنة يوم تحملون ذنوبكم; أي أربعين سنة، فتعرفون ابتعادي 35 أنا الرب قد تكلمت لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة علي، في هذا القفر يفنون، وفيه يموتون).
لا نبحث هنا في هذه العبارات التي أثبتناها، ولا في ترك ما تركناه من الفصل في موضوعها، لا من حيث التكرار، ولا من حيث الاختلاف والتعارض، ولا من حيث تنزيه الرب تعالى ولا نبحث عن كاتب هذه الأسفار بعد سبي بني إسرائيل؛ وإنما نكتفي بما ذكرناه شاهدا، ونقول كلمة في حكمة هذا العقاب، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، وهي:
إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها، ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة، وتألف الخضوع، وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة حتى تكون كالغرائز الفطرية، والطبائع الخلقية. إذا أخرجت صاحبها من بيئتها ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها، ويتفلت منك ليتقحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لهدايته وضلال الراسخين في الكفر من أمة الدعوة، فقال:
" مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، ويجعل يحجزهن، ويغلبنه فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها " رواه الشيخان.
أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر، وطبع عليها طابع المهانة والذل، وقد أراهم الله تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السلام، وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل والعبودية والعذاب إلى الحرية والاستقلال والعز والنعيم، وكانوا على هذا كله إذا أصابهم نصب أو جوع أو كلفوا أمرا يشق عليهم يتطيرون بموسى ويتململون منه، ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها، ولما غاب عنهم أياما لمناجاة ربه، اتخذوا لهم عجلا من حليهم الذي هو أحب شيء إليهم وعبدوه، لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين، وإعظام معبودهم العجل (أبيس) وكان الله تعالى يعلم أنهم لا تطيعهم نفوسهم المهينة على دخول أرض الجبارين، وأن وعده تعالى لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشري، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية للبشر وفساد الأخلاق، ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة وعدل الشريعة ونور الآيات الإلهية، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم حتى يبين لهم حجته عليهم; ليعلموا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم.
وعلى هذه السنة العادلة أمر الله تعالى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة بعد أن أراهم عجائب تأييده لرسوله إليهم فأبوا واستكبروا، فأخذهم الله تعالى بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين، جعلهم هم الأئمة الوارثين، جعلهم كذلك بهممهم وأعمالهم الموافقة لسنته وشريعته المنزلة عليهم; فهذا بيان حكمة عصيانهم لموسى بعد ما جاءهم بالبينات، وحكمة حرمان الله تعالى لذلك الجيل منهم من الأرض المقدسة.
فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها الله تعالى لنا، ونعلم أن إصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها، وقد كان يقوم بهذا في العصور السالفة الأنبياء، وإنما يقوم بها بعد ختم النبوة ورثة الأنبياء، الجامعون بين العلم بسنن الله في الاجتماع وبين البصيرة والصدق والإخلاص في حب الإصلاح وإيثاره على جميع الأهواء والشهوات، ومن يضلل الله فما له من هاد.