التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٥٤
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
٥٥
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ
٥٦
-المائدة

تفسير المنار

هذه الآيات من تتمة السياق السابق، فلما كان من يتولى الكافرين من دون المؤمنين يعد منهم كان أولئك الذين يسارعون فيهم من مرضى القلوب مرتدين بتوليهم إياهم، فإن أخفوا ذلك فإظهارهم للإيمان نفاق، ولما بين الله حالهم أراد أن يبين حقيقة يدعمها بخبر من الغيب، يظهره الزمن المستقبل; وهي أن المنافقين مرضى القلوب لا غناء فيهم، ولا يعتد بهم في نصر الدين وإقامة الحق، وإنما يقيم الله الدين ويؤيده بالمؤمنين الصادقين الذين يحبهم الله، فيزيدهم رسوخا في الحق، وقوة على إقامته، ويحبونه فيؤثرون ما يحبه من إقامة الحق والعدل وإتمام حكمته في الأرض على سائر محبوباتهم من مال ومتاع، وأهل وولد. هذه هي الحقيقة، وأما خبر الغيب فهو أنه سيرتد بعض الذين آمنوا عن الإسلام جهرا، فلا يضره ذلك; لأن الله تعالى يسخر له من ينصره ويجاهد لحفظه، فقال:
{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} قرأ ابن عامر ونافع " يرتدد " بدالين، والباقون " يرتد " بدال واحدة مشددة، وهما لغتان; فلغة إظهار الدالين هي الأصل، ولغة الإدغام تشديد يراد به التخفيف، والمعنى: من يرتد منكم يا جماعة الذين دخلوا في أهل الإيمان عن دينه لعدم رسوخه، فسوف يأتي الله مكانهم، أو بدلا منهم بقوم راسخين في الإيمان يحبهم ويحبونه... إلى آخر ما ذكره من صفات المؤمنين الصادقين.
أخرج رواة التفسير المأثور عن قتادة، واللفظ لابن جرير، أنه قال: أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام، إلا ثلاثة مساجد - أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس. قالوا (أي المرتدون): نصلي ولا نزكي، والله لا نغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا أعطوها وزادوها، فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه.
فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام، ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون - وهي الزكاة - صغرة أقمياء، فأتته وفود العرب فخيرهم بين حطة مخزية أو حرب مجلية; فاختاروا الحطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يستعدوا، أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم، وما أصاب المسلمين لهم من مال فهو لهم حلال، فالقوم الذين يحبهم الله ويحبونه على هذا هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، ونقل المفسرون هذا القول عن علي المرتضى والحسن وقتادة والضحاك.
ورووا عن السدي أنه قال: إنهم الأنصار; لأنهم هم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم الفرس لحديث ورد في مناقب سلمان أنهم قومه، ولكنه ضعيف، وقيل: نزلت في علي كرم الله وجهه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وعد في خيبر بأن يعطي الراية غدا رجلا يحبه الله، ثم أعطاها عليا، وليس هذا بدليل، ولفظ القوم لا يجري على الواحد; لأنه نص في الجماعة، وغلاة الرافضة يزعمون أن الذين ارتدوا هم أبو بكر ومن شايعه من الصحابة، وهم السواد الأعظم، فقلبوا الموضوع، ولكن عليا كان مع أبي بكر لا عليه، ولم يقتله، هذه دسيسة من زنادقة الفرس وساستهم الذين كانوا يريدون الانتقام من أبي بكر وعمر; لفتحهما بلادهم، وإزالتهما لملكهم، وخيار مسلمي الفرس نصروا الإسلام فيدخلون في عموم الآية إذا جعلت لعموم من تتحقق فيهم تلك الصفات.
وروى أهل التفسير المأثور حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القوم الذين يحبهم الله ويحبونه: إنهم قوم أبي موسى الأشعري. وروي عن بعضهم أنهم من أهل اليمن على الإطلاق، والأشعريون من أهل اليمن، وفي رواية: هم أهل سبأ، وفي حديث آخر:
" هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة، ثم من السكون، ثم التجيب " .
وقد رجح ابن جرير أن الآية نزلت في قوم أبي موسى الأشعري، من أهل اليمن، للحديث في ذلك، وإن لم يكونوا قاتلوا المرتدين مع أبي بكر. قال: الله تعالى وعد بأن يأتي بخير من المرتدين بدلا منهم، ولم يقل: إنهم يقاتلون المرتدين، ورأى أنه يكفي في صدق الوعد أن يقاتلوا ولو غير المرتدين، وأن مجيء الأشعريين على عهد عمر كان موقعه من الإسلام أحسن موقع، ولقائل أن يقول: إن الآية تصدق في كل من اتصف بمضمونها، ومن أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قاتلوا المرتدين هم أهلها بالأولى.
أما الذين ارتدوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده فكثيرون، وقاتلهم كثيرون، فكان كل مفسر يذكر قوما ممن حاربوا المرتدين، ويحمل الآية عليهم لمرجح ما، فقد روى أهل السير والتاريخ أنه قد ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة; ثلاث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
(الأولى): بنو مدلج، ورئيسهم ذو الخمار; وهو الأسود العنسي، كان كاهنا تنبأ باليمن، واستولى على بلاده، فأخرج منها عمال النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل، وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز الديلمي; بيته فقتله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل، فسر به المسلمون، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد، وأتى خبره في شهر ربيع الأول.
(الثانية): بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب بن حبيب، تنبأ وكتب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك. أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون. فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم رسولان له بذلك، فحين قرأ صلى الله عليه وسلم كتابه قال لهما: " فما تقولان أنتما؟ " قالا: نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما "، ثم كتب إليه " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين "، وكان ذلك في سنة عشر، فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، وكان يقول:
قتلت في جاهليتي خير الناس، وفي إسلامي شر الناس. وقيل: اشترك في قتله هو وعبد الله بن زيد الأنصاري؛ طعنه وحشي، وضربه عبد الله بسيفه، وهو القائل في أبيات:

يسائلني الناس عن قتله فقلت ضربت وهذا طعن

(الثالثة): بنو أسد; قوم طليحة بن خويلد، تنبأ، فبعث أبو بكر رضي الله عنه إليه خالد بن الوليد، فانهزم بعد القتال إلى الشام، فأسلم وحسن إسلامه.
وارتدت سبع فرق في عهد أبي بكر (1): فزارة قوم عيينة بن حصن. (2) غطفان قوم قرة بن سلمة القشيري. (3) بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل. (4) بنو يربوع قوم مالك بن نويرة. (5) بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر الكاهنة، تنبأت، وزوجت نفسها من مسيلمة في قصة شهيرة، وصح أنها أسلمت بعد ذلك، وحسن إسلامها. (6) كندة قوم الأشعث بن قيس. (7) بنو بكر بن وائل بالبحرين، قوم الحطم بن زيد، وكفى الله تعالى أمرهم على يدي أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وارتدت فرقة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه وهم غسان قوم جبلة بن الأيهم، تنصر ولحق بالشام، ومات على ردته، وقيل إنه أسلم، ويروى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتابا فيه: إن جبلة ورد إلي في سراة قومه فأسلم، فأكرمته، ثم سار إلى مكة فطاف، فوطئ إزاره رجل من بني فزارة، فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه - وفي رواية: قلع عينه - فاستعدى الفزاري على جبلة إلي، فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقلت: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية. فسأل جبلة التأخير إلى الغد، فلما كان من الليل ركب مع بني عمه، ولحق بالشام مرتدا، وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد:

تنصرت بعد الحق عارا للطمة ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر
فأدركني منها لجاج حمية فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني صبرت على القول الذي قاله عمر

فهؤلاء لم يقاتلهم أحد. وأبو بكر هو الذي قاتل جماهير المرتدين بمن معه من المهاجرين والأنصار. فهم الذين تصدق عليهم صفات الآية أولا وبالذات.
وصف الله هؤلاء الكملة من المؤمنين بست صفات:
(الصفة الأولى): أنه تعالى يحبهم; فالحب من الصفات التي أسندت إلى الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم; فهو تعالى يحب ويبغض كما يليق بشأنه، ولا يشبه حبه حب البشر; لأنه لا يشبه البشر
{ ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] وكذلك علمه لا يشبه علم البشر، ولا قدرته تشبه قدرتهم، ولا نتأول حبه بالإثابة وحسن الجزاء، كما تأولته المعتزلة وكثير من الأشاعرة فرارا من التشبيه إلى التنزيه; إذ لا تنافي بين إثبات الصفات وتنزيه الذات، وإلا لاحتجنا إلى تأويل العلم والقدرة والإرادة، وهم لا يتأولونها، ولا يخرجون معانيها عن ظواهر ألفاظها; فمحبته تعالى لمستحقيها من عباده شأن من شئونه اللائقة به، لا نبحث عن كنهها وكيفيتها، وحسن الجزاء من المغفرة والإثابة قد يكون من آثارها، قال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31] فجعل اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم سببا لمحبة الله تعالى للمتبعين وللمغفرة. فكل من المحبة والمغفرة جزاء مستقل; إذ العطف يقتضي المغايرة.
(الصفة الثانية): أنهم يحبون الله تعالى، وحب المؤمنين الصادقين لله تعالى ثبت في آيات غير هذه من كتاب الله تعالى كقوله:
{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] وقوله تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } [التوبة: 24].
وفي حديث أنس المرفوع في الصحيحين:
" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار " وحديثه الآخر في الصحيحين أيضاً: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب" قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك.
وقد تأول هذا الحب بعض الناس أيضا; قالوا: إن المراد به المواظبة على الطاعة; إذ يستحيل أن يحب الإنسان إلا ما يجانسه، ويرد هذا قوله تعالى:
{ أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله } [التوبة: 24] فإنه جعل الجهاد غير الحب، وحديث الأعرابي المذكور آنفا، فإنه فرق بين الحب والعمل، وجعل عدته للساعة الحب دون كثرة العمل الصالح. نعم، إن الحب يستلزم الطاعة ويقتضيها بسنة الفطرة، كما قيل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

وقد أطال أبو حامد الغزالي في كتاب المحبة من " الإحياء " في بيان محبة الله لعباده ومحبة عباده له، والرد على المنكرين المحرومين، فجاء بما يطمئن به القلب، وتسكن له النفس، وينثلج به الصدر. وللمحقق ابن القيم كلام في ذلك هو أدق تحريرا، وأشد على الكتاب والسنة انطباقا، ولسيرة سلف الأمة موافقة. ولولا أن هذا الجزء من التفسير قد طال جدا لحررت هذا الموضوع هنا، وأتيت بخلاصة أقوال النفاة المعترضين، وصفوة أقوال المثبتين، ولكننا نرجئ هذا إلى تفسير آية أخرى كآية التوبة "التوبة: 24" وقد بينا معنى حب الله من قبل في تفسير { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } [البقرة: 165] فحسبك الرجوع إليه الآن "راجع ص55 وما بعدها ج2 ط الهيئة".
(الصفتان الثالثة والرابعة): الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، والمروي في تفسيرهما أنهما بمعنى قوله تعالى:
{ أشداء على الكفار رحماء بينهم } [الفتح: 29] وقال الزمخشري: " أذلة " جمع ذليل، وأما " ذلول " فجمعه ذلل (ككتب) ووجه قوله: "أذلة على المؤمنين" دون " أذلة للمؤمنين " بوجهين: أحدهما أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف; كأنه قال: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع، والثاني أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم، وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم.
(الصفة الخامسة): الجهاد في سبيل الله، وهو من أخص صفات المؤمنين الصادقين، وأصل الجهاد احتمال الجهد والمشقة، وسبيل الله طريق الحق والخير الموصلة إلى مرضاة الله تعالى، وأعظم الجهاد بذل النفس والمال في قتال أعداء الحق، وهو أكبر آيات المؤمنين الصادقين، وأما المنافقون فقد قال الله تعالى فيهم:
{ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } [التوبة: 47] وضعاف الإيمان قد يجاهدون، ولكن في سبيل منفعتهم، دون سبيل الله، فإن رأوا ظفرا وغنيمة ثبتوا، وإن رأوا شدة وخسارة انهزموا.
وهل المراد بهذا الجهاد هنا قتال المرتدين، أم هو على إطلاقه؟ الظاهر الثاني، ولكنه يتناول مقاتلي المرتدين في الصدر الأول، أولا وبالأولى.
(الصفة السادسة): كونهم لا يخافون لومة لائم، وجملة هذا الوصف معطوفة على التي قبلها أو مبينة لحال المجاهدين، وفيها تعريض بالمنافقين الذين كانوا يخافون لوم أوليائهم من اليهود لهم إذا هم قاتلوا مع المؤمنين، والأبلغ أن تكون للوصف المطلق; أي إنهم لتمكنهم في الدين، ورسوخهم في الإيمان لا يخافون لومة ما من أفراد اللوم أو أنواعه من لائم ما كائنا من كان; لأنهم لا يعملون العمل رغبة في جزاء أو ثناء من الناس، ولا خوفا من مكروه يصيبهم منهم; فيخافون لوم هذا أو ذاك، وإنما يعملون العمل لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وتقرير المعروف، وإزالة المنكر; ابتغاء مرضاة الله تعالى بتزكية أنفسهم وترقيتها.
{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي ذلك الذي ذكر من الصفات الست فضل الله يعطيه من يشاء من عباده، فيفضلون غيرهم به، وبما يترتب عليه من الأعمال، وقد بينا مرارا أن مشيئته، سبحانه، لمثل هذا الفضل، تجري بحسب سنته التي أقام بها أمر النظام في خلقه، فمنهم الكسب والعمل النفسي والبدني، ومنه سبحانه آلات الكسب والقوى البدنية والعقلية، والتوفيق والهداية الخاصة، واللطف والمعونة {والله سميع عليم} فلا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن فضله ومنته، وما يقتضيه من شكره وعبادته.
ثم بين سبحانه من تجب موالاتهم بعد النهي عن تولي من تجب معاداتهم، فقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} أي ليس لكم أيها المؤمنون ناصر ينصركم إلا الله تعالى ورسوله، وأنفسكم بعضكم أولياء بعض، فهو نفي لنصر من يسارع من مرضى القلوب في تولي الكفار من دون الله، وإثبات لنصر الله وولايته، ولنصر من يقيم دينه من الرسول والمؤمنين الصادقين، ولما كان لقب " الذين آمنوا " يشمل كل من أسلم في الظاهر وصف هؤلاء الأولياء بقوله: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي دون المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، والذين يأتون بصورة الصلاة دون روحها ومعناها، فإذا قاموا إليها قاموا كسالى يراءون الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلا. فالمؤمنون الذين يقومون بحق الولاية هم الذين يقيمون الصلاة إقامة كاملة بالآداب الظاهرة، والمعاني الباطنة، والذين يعطون الزكاة مستحقيها، وهم خاضعون لأمر الله تعالى طيبة نفوسهم بأمره، لا خوفا ولا رياء ولا سمعة، أو يعطونها، وهم في ضعف ووهن لا يأمنون الفقر والحاجة، فاستعمل الركوع في المعنى النفسي لا الحسي، وهو التطامن والخشوع لله، أو الضعف وانحطاط القوى. قال في حقيقة الركوع من الأساس: وكانت العرب تسمي من آمن بالله ولم يعبد الأوثان راكعا، ويقولون: " ركع إلى الله "؛ أي اطمأن إليه خالصا، قال النابغة:

سيبلغ عذرا أو نجاحا من امرئ إلى ربه رب البرية راكع

فهذا هو الشاهد على الوجه الأول، وقال في مجاز الركوع: وركع الرجل: انحطت حاله وافتقر، قال:

لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه

وفسره بعضهم بركوع الصلاة؛ وهو الانحناء فيها، ورووا من عدة طرق أنها نزلت في أمير المؤمنين علي المرتضى كرم الله وجهه؛ إذ مر به سائر وهو في المسجد، فأعطاه خاتمه، لكن التعبير عن المفرد " بالذين آمنوا " وعن إعطاء الخاتم " بـ " يؤتون الزكاة " مما لا يقع في كلام الفصحاء من الناس، فهل يقع في المعجز من كلام الله على عدم ملاءمته للسياق؟
أما إفراد " وليكم " مع إسناد الجمع إليه فهو لبيان أن الولي الناصر بالذات هو الله تعالى كما قال:
{ الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257] وأن ولاية الرسول والمؤمنين تبع لولايته، ولو قال: " إن أولياءكم الله ورسوله والذين آمنوا " لما أفاد هذا المعنى; لأن هذا التعبير لا يدل على تفاوت ما بين المعطوف والمعطوف عليه، وهل يستوي الخالق والمخلوق، والرب والمالك، والعبد المملوك؟
{ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} أي إذا كان الله هو وليكم وناصركم، وكان الرسول والذين آمنوا أولياء لكم بالتبع لولايته فهم بذلك حزب الله تعالى والله ناصر لهم، ومن يتول الله تعالى بالإيمان به والتوكل عليه، ويتول الرسول والمؤمنين بنصرهم وشد أزرهم، وبالاستنصار بهم دون أعدائهم، فإنهم هم الغالبون، فلا يغلب من يتولاهم; لأنهم حزب الله تعالى، ففيه وضع المظهر موضع الضمير، ونكتته بيان علة كونهم هم الغالبين.
وقد استدلت الشيعة بالآية على ثبوت إمامة علي بالنص، بناء على ما روي من نزول الآية فيه، وجعلوا الولي فيها بمعنى المتصرف في أمور الأمة، وقد بينا ضعف كون المؤمنين في الآية يراد به شخص واحد. وعلمنا من السياق أن الولاية هاهنا ولاية النصر، لا ولاية التصرف والحكم; إذ لا مناسبة له في هذا السياق، وقد رد عليهم الرازي، وغيره بوجوه، وهذه المجادلات ضارة غير نافعة، فهي التي فرقت الأمة وأضعفتها، فلا نخوض فيها، ولو كان في القرآن نص على الإمامة لما اختلف الصحابة فيها; أو لاحتج به بعضهم على بعض، ولم ينقل ذلك.