التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٩٠
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ
٩١
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ
٩٢
لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
٩٣
-المائدة

تفسير المنار

تقدم في تفسير آية البقرة { يسألونك عن الخمر والميسر } [البقرة: 219] أن الله تعالى حرم الخمر بالتدريج، وصدرنا الكلام هناك بحديث أبي هريرة عند الإمام أحمد في ذلك، كما رواه السيوطي في أسباب النزول مختصرا،
وروي في سبب نزول آيات المائدة أن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) قال:"في نزل تحريم الخمر صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فأتاه ناس فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر، وذلك قبل تحريم الخمر فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار خير، وقالت قريش: قريش خير، فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره فكان سعد مفزور الأنف قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية، رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النحاس في ناسخه، وروى الطبراني عنه"أنه نادم رجلا فعارضه فعربد عليه فشجه فنزلت الآيات في ذلك".
وعن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان رءوفا رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} فقال ناس من المتكلمين: هي رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفي بطن فلان قتل يوم أحد؟ فأنزل الله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية، رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي.
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي والترمذي أن عمر كان يدعو الله تعالى:"اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فلما نزلت آية البقرة قرأها عليه النبي صلى الله عليه وسلم فظل على دعائه، وكذلك لما نزلت آية النساء، فلما نزلت آية المائدة دعي فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: {فهل أنتم منتهون} قال: انتهينا انتهينا".
والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج: أن الناس كانوا مفتونين بها حتى إنها لو حرمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به، لأنهم حينئذ ينظرون إليه بعين السخط فيرونه بغير صورته الجميلة، فكان من لطف الله وبالغ حكمته أن ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للاجتهاد، ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه، (راجع ص255 270ج2ط الهيئة)، وذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة، إذ نهى عن قرب الصلاة في حال السكر، فلم يبق للمصر على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء وضرره قليل،
وكذا الصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له ولا يخشى أن يمتد سكره إلى وقت الظهر، وقليل ما هم، وكان شيخنا يرى أن آية النساء نزلت قبل آية البقرة، ثم تركهم الله تعالى على هذه الحال زمنا قوي فيه الدين، ورسخ اليقين، وكثرت الوقائع التي ظهر لهم بها إثم الخمر وضررها، ومنه كل ما ذكر في سبب نزول هذه الآيات.
أخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت في البقرة
{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } [البقرة: 219] شربها قوم لقوله: {ومنافع للناس} وتركها قوم لقوله: (إثم كبير) منهم عثمان بن مظعون، حتى نزلت الآية التي في النساء { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [النساء: 43] فتركها قوم وشربها قوم يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل، حتى نزلت الآية التي في المائدة {إنما الخمر والميسر} الآية قال عمر:"أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام؟ بعدا لك وسحقا، فتركها الناس،
ووقع في صدور أناس من الناس منها، فجعل قوم يمر بالرواية من الخمر فتخرق فيمر بها أصحابها فيقولون: قد كنا نكرمك عن هذا المصرع، وقالوا: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول: إن في نفسي شيئا، فيقول صاحبه: لعلك تذكر الخمر فيقول: نعم، فيقول: إن في نفسي مثل ما في نفسك، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه، فقالوا: كيف نتكلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد (أي حاضر) وخافوا أن ينزل فيهم (أي قرآن) فأتوا رسول صلى الله عليه وسلم وقد أعدوا له حجة فقالوا: أرأيت حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش أليسوا في الجنة؟ قال: بلى، قالوا: أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر؟ فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه؟ فقال: قد سمع الله ما قلتم فإن شاء أجابك فأنزل الله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} فقالوا: انتهينا، ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية، ولأصحاب التفسير المأثور روايات أخرى في سبب النزول وما كان من اجتهاد بعض الصحابة في آيتي البقرة والنساء، وقد بينا وجهه في تفسير آية البقرة ومنه حديث لأبي هريرة وآثار سيأتي بعضها في سياق تفسير الآيات.
{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} الخمر كل شراب مسكر، وهذه التسمية لغوية وشرعية، وقيل: شرعية فقط وهو قول ضعيف وقيل: إن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد، وهذا أضعف مما قبله ولا دليل على هذا العصر من اللغة ولا من الشرع وقد بينا ذلك في آية البقرة (راجع ص 257 وما بعدها ج2ط الهيئة).
ومن أحسن ما رد به أصحاب هذا القول وأخصره قول القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر. وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر بالاجتناب تحريم كل ما يسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا ولم يستفصلوا ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم،
وقد أخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من الحنطة خمر ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر" وروى أيضا "أنه خطب عمر على المنبر وقال: ألا إن الخمر قد حرمت وهي من خمسة، من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل" وهو في الصحيحين وغيرهما وهو (أي عمر) من أهل اللغة اهـ.
وقد تعقب هذا بعضهم بأنه يحتمل أن يكون بيانا للاسم الشرعي لا اللغوي، وهذا التعقيب ضعيف لا يغني عن الحقيقة شيئا، لأنهم لا يقولون إن المسكر من غير عصير العنب خمر داخل في عموم الآية شرعا، ووجه ضعفه أن لفظ الخمر ليس اسما لعمل شرعي لم يكن معروفا قبل الشرع فلما جاء به الشرع أطلق عليه كلمة من اللغة تتناوله بطريق المجاز بل هو اسم لنوع من الشراب يمتاز عن سائر الأشربة بالإسكار وهذه التسمية معروفة عنهم قبل نزول ما نزل من آيات الخمر، وقد نزلت آية البقرة جوابا عن سؤال سألوه عن الخمر، ولم يقل أحد من مفسري السلف ولا الخلف ولا خطر على بال أحد أنه سألوه صلى الله عليه وسلم عن خمر عصير العنب خاصة وأنها هي المقصودة بالجواب بأن فيها إثما كبيرا ومنافع للناس، وأن غيرها ألحق بها في التحريم بطريق القياس أو تفسير النبي والصحابة للخمر الشرعية.
وقد بينا فيما أوردناه آنفا من أسباب النزول أنه لم يشق عليهم تحريم شيء كما شق عليهم تحريم الخمر، وأن بعضهم كان يود لو يجد مخرجا من تحريمها كما وجد المخرج من آية البقرة الدال على تحريم الخمر بتسميتها إثما مع تصريح القرآن قبل ذلك بتحريم الإثم، ولأجله تركها بعضهم وتفصى منه آخرون بتخصيص الإثم بما كان ضررا محضا لا منفعة فيه والنص قد أثبت أن في الخمر منافع، وقد أهرقوا ما كان عندهم من الخمر عند الجزم بالنهي عنها كما رأيت وكما ترى بعد، وقلما كان يوجد عندهم من خمر العنب شيء، فلو كان مسمى الخمر في لغتهم ما كان سكرا من عصير العنب فقط لما بادروا إلى إهراق ما كان عندهم.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه قال:"نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها من شراب العنب شيء"وروى أحمد والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس قال:"كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة (هو زوج أم أنس) حتى كاد الشراب يأخذ منهم فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اسكب ما بقي في إنائك، فوالله ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ"هذا لفظ أحمد، وزاد أنس في رواية أخرى:"أبا دجانة ومعاذ بن جبل في رهط من الأنصار"
وفي رواية الصحيحين:"أنه كان يسقيهم الفضيخ، وهو شراب البسر والتمر يفضخان أي يشدخان وينبذان في الماء، فإذا اشتد واختمر كان خمرا وكان هذا أكثر خمر المدينة، كما صرح به أنس، وفي رواية لمسلم عنه"كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ - البسر والتمر - فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت قال: فجرت في سكك المدينة، فقال أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها"الحديث.
نعم قد روى النسائي بسند رجاله ثقات عن ابن عباس مرفوعا
"حرمت الخمر قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب" وقد اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه، وبين النسائي علله ومن خالف فيه، ومعناه على تقدير صحته والاحتجاج به أن الأشربة التي شأنها أن يسكر قليلها وكثيرها محرمة لذاتها بالنص، سواء كانت من العنب أو الزبيب أو التمر أو البسر أو غير ذلك، وأما سائر الأشربة التي ليس من شأنها الإسكار كالنبيذ الذي لم يشتد ولم يخمر، وهو ما ينبذ من تمر أو زبيب أو غيرهما في الماء حتى ينضح ويحلو ماؤه فشربه حلال ما لم يصل إلى حد الإسكار.
ومن المعلوم أن الأنبذة يسرع إليها الاختمار في بعض البلاد كالحارة وبعض الأواني: كالقرع والمزفت، وأن من الناس من يسكر بها عند أدنى تغير يعرض لها، أو إذا أكثر منها وإن لم تختمر، ولأجل هذا اختلف العلماء في النبيذ، فذهب الجمهور إلى أنه إذا صار يسكر الكثير منه فشرب القليل منه يكون حراما لسد ذريعة السكر، وهو إنما يسكر كثيره إذا تغير ولو بحموضة قليلة، وذهب بعضهم إلى أنه لا يحرم منه حينئذ إلا المقدار المسكر، لأنه لا يسمى خمرا فيتناوله النص، فإذا كان ما يشرب منه لم يسكر فلا وجه لقياسه على الخمر، فإن صار بحيث يسكر فهو خمر لغة وشرعا، كما هو المتبادر من فهم الصحابة للآية، ومن تعليل عمر في خطبته لتسمية الخمر بأنها ما خامر العقل، أو شرعا فقط ودلالة الحقيقة الشرعية أقوى من دلالة الحقيقة اللغوية في الأحكام.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"كل مسكر خمر وكل خمر حرام" رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر، وفي رواية لمسلم والدارقطني"كل مسكر خمر وكل خمر حرام".
وقد غلط ابن سيده في اقتصاره على قول صاحب العين: الخمر عصير العنب إذا أسكر، ولعل سبب ذلك أن خمر العنب كانت كثيرة في زمن تدوين اللغة، فظن بعضهم أن الإطلاق ينصرف إليها لكثرتها وجودتها، ونقل الصحيحين والمسانيد والسنن بيان معنى الخمر عن الصحابة أصح من نقل جميع اللغويين للغة.
ولما لم يجد من اطلع من الحنفية على الأحاديث السابقة ونحوها تفصيا منها للاتفاق على صحة الكثير منها حملوا إطلاق لفظ الخمر فيها على المسكر من غير العنب على مجاز التشبيه كما في فتح القدير، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن ابن عمر قال:"لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، وهذه العبارة مبهمة لا يعرف لمن قالها وبأي مناسبة قالها، فيحتمل أن يكون بعض الناس قد ذكر خمر العنب، فقال ابن عمر ما معناه: إن الخمر لما حرمت لم يكن يوجد في المدينة شيء من خمر العنب، وإنما كانت خمور أهلها من التمر والبسر في الغالب، ويحتمل أن يكون معنى كلامه أن الله حرم الخمر ولأجل هذا لا يوجد في المدينة منها شيء
بهذا يجمع بين سائر الأحاديث والآثار التي تقدم بعضها حتى عنه وعن أبيه وإلا كانت متعارضة، ولما كانت العبارة محتملة لعدة وجوه سقط الاستدلال بها على ما قالوه ولا يمكن الجمع بينها وبين ما عارضها بحمل ما خالفها على المجاز، لأن تلك العبارات تأبى أن تكون تشبيها كقول عمر في خطبته:"ونزل تحريم الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل"فهل يمكن أن يقال: نزل تحريم خمرة العنب وهي من خمسة أشياء إلخ؟ أم يمكن أن يقال: نزل تحريم ما يشبه الخمر في الإسكار وهو من خمسة أشياء: العنب والتمر؟ إلا أن هذا لا يقوله أحد يفهم العربية وإن كان يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ما لا يجيزه الحنفية.
أطلنا هذه الإطالة في بيان حقيقة الخمر لأنه قد ظهر في الناس من عهد بعيد مصداق ما ورد في الحديث من استحلال أناس لشرب الخمر بتسميتها بغير اسمها، وقد اخترع الناس بعد زمن التنزيل أنواعا كثيرة من الخمور أشد من خمر العنب ضررا في الجسم والعقل باتفاق الأطباء، وأشد إيقاعا في العداوة والبغضاء، وصدا عن ذكر الله وعن الصلاة، والقول بأنه لا يحرم منها قطعا إلا ما كان من عصير العنب وأنه إنما يحرم القدر المسكر منه فقط يجرئ الناس على شرب القليل من تلك السموم المهلكة، والقليل يدعو إلى الكثير، فالإدمان فالإهلاك، ففي هذا القول مفسدة عظيمة، وليس في تضعيفه وترجيح قول جمهور السلف والخلف عليه إلا المصلحة الراجحة وسد ذرائع شرور كثيرة.
وأما الميسر فهو في أصل اللغة القمار بالقداح في كل شيء كما نقل لسان العرب عن عطاء ثم غلب في كل مقامرة، وقد بينا الأقوال في اشتقاقه في تفسير آية البقرة (ص 258 وما بعدها ج2ط الهيئة) وبينا هنالك معنى القداح التي كانوا يتقامرون بها وهي الأزلام والأقلام والسهام، ولذلك عدنا إلى بيانها والفرق بين القداح العشر التي يتقامرون بها وبين ما كانوا يستقسمون به للتفاؤل والتشاؤم في تفسير الآية الثالثة من سورة المائدة (ص 122 وما بعدها ج6ط الهيئة).
كل قمار ميسر محرم بالنص إلا ما أباحه الشرع من المراهنة في السباق والرماية، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: الشطرنج من الميسر رواه ابن أبي حاتم، وروي أيضا عن عطاء ومجاهد وطاوس أو اثنين منهم قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، وروي عن رشدين بن سعد وضمرة بن حبيب قالا:"حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان"وعن ابن عمر: الميسر هو القمار وعن ابن عباس: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة، وعن سعيد بن المسيب: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين (أي من ميسرهم) ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره.
ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري عند ابن أبي حاتم"اجتنبوا هذه الكعاب المرسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر"وقال حديث غريب وفسر الكعاب بالنرد، وأقول: الحديث ضعيف وهو من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد، وعلي هذا ضعيف وضعفوا عثمان في روايته عنه.
ثم ذكر حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي""من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"رواه مسلم، ولعل الحكمة في تشبيه اللعب به بما ذكر أن المقامرة به كالمقامرة على لحم الخنزير لا على لحم الأنعام الذي كانت العرب تقامر عليه في الجاهلية وأيد هذا بحديث أبي موسى عند مالك وأحمد وأبي داود وابن ماجه"من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله"وقد روي مرفوعا وموقوفا على أبي موسى من قوله.
ثم ذكر أن ابن عمر قال في الشطرنج إنه من النرد وأن عليا قال: إنه من الميسر قال: ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد وكرهه الشافعي رحمهم الله تعالى:
أقول: إن ما روي عن علي كرم الله وجهه وهو الذي بين لنا وجه ما ورد في النرد (وهو المسمى الآن بالطاولة) من الحديث، وهو أنه كان من لعب القمار، ويؤيده التشبيه الذي بينا حكمته في حديث مسلم، والظاهر أن من حرم الشطرنج حرمه من حيث كونه قمارا، ومن كرهه لكونه مدعاة الغفلة عن ذكر الله، لأن أكثر لاعبيه يفرطون في الإكثار منه، وسنزيد المسألة بيانا في تفسير الآية التالية.
وأما الأنصاب فقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، ذكره ابن كثير أيضا، وروى أنهم كانوا يعبدونها ويتقربون إليها وتحقيق ذلك تقدم في تفسير {وما ذبح على النصب} في أول السورة (ص121، 123 ج6ط الهيئة).
وأما الأزلام فهي قداح أي قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفاؤل أو التشاؤم، وقد شرحنا معناها وطريقة الاستقسام بها في أوائل السورة (ص122 127 ج6ط الهيئة) وبينا الفرق بين خرافة الاستقسام وسنة الاستخارة فيراجع هنالك. وأما الرجس فهو المستقذر حسا أو معنى،
وقال الزجاج: الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل، فبالغ الله في ذم الأشياء المذكورة في الآية فسماها رجسا
أقول: وقد ذكر في تسع آيات من القرآن ليس فيها موضع يظهر فيها معنى القذارة الحسية إلا قوله تعالى:
{ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس } [الأنعام: 145] قوله: {فإنه رجس} عائد إلى جميع ما ذكر، أي فإن ذلك أو ما ذكر رجس، ومثله: { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره } [يس: 34-35]; أي من ثمر ذلك أو ما ذكر، واستشهد الزمخشري لهذا الأخير بقول رؤبة:

فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق.

وذكر أن رؤبة سئل عن ذلك فقال: أردت كأن ذلك، ويحتمل أن يراد بالرجس أنه قذر معنوي من حيث كونه ضارا ومحتقرا تعافه الأنفس، وقد فسر بعضهم الرجس في الآية التي نفسرها بالمأثم وهو ما كان ضارا، وقد بينا ضرر الخمر والميسر في تفسير آية البقرة من عدة وجوه.
وقال الراغب: الرجس الشيء القذر، يقال: رجل رجس، ورجال أرجاس، قال تعالى: {رجس من عمل الشيطان} والرجس يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، وإما من كل ذلك كالميتة، فإن الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا، والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل: إن ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبه بقوله:
{ وإثمهما أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن كل ما يوفى إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنبه، وجعل الكافرين رجسا من حيث إن الشرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } [التوبة: 125] إلخ.
وقوله تعالى: {رجس من عمل الشيطان} نص في كون الرجس معنويا، وهو محمول على جميع ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، كما قال في آية أخرى:
{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان } [الحج: 30] وكانت الأنصاب والأزلام من لوازم الأوثان وأما رجس الخمر والميسر فبيانه في الآية التالية.
وقد استدل بعض الفقهاء بالآية على كون الخمر نجسة العين فتكلفوا كل التكلف إذ زعموا أن (رجس) خبر عن الخمر وخبر ما عطف عليها محذوف، ولو سلم لهم هذا لما كان مفيدا لنجاسة الخمر نجاسة حسية، فإن نجس العين ما كان شديد القذارة كالبول والغائط، والخمر ليست قذرة العين، والصواب أن (رجس) خبر عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كما قلنا تبعا للجمهور، لأن هذا هو المتبادر إلى الفهم من العبارة، لأنه الأصل في الإخبار عن المبتدأ وما عطف عليه، لأنه في الأنصاب والأزلام يوافق قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} وأما إفراده مع كونه خبرا عن متعدد فلأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير كقوله تعالى:
{ إنما المشركون نجس } [التوبة: 28] أو لأن في الكلام مضافا تقديره أن تعاطي ما ذكره رجس من عمل الشيطان فقوله تعالى: (من عمل الشيطان) تفسير وإيضاح لكون ما ذكر رجسا، ومعنى كونها من عمل الشيطان أنها من الأعمال التي زين لأعدائه بني آدم ابتداعها وإيجادها، ثم هو يوسوس لهم بأن يعكفوا عليها، ويزينها لهم لما فيها من شدة الضرر بهم.
{فاجتنبوه لعلكم تفلحون} أي فإذا كان الأمر كذلك فاجتنبوا هذا الرجس كله أو فاجتنبوا ما ذكر كله، أي ابعدوا عنه وكونوا في جانب غير الجانب الذي هو فيه، رجاء أن تفلحوا وتفوزوا بما فرض عليكم من تزكية أنفسكم، وتحليتها، بذكر ربكم، ومراعاة سلامة أبدانكم والتواد والتآخي فيما بينكم، وتعاطي ما ذكر يصد عن ذلك ويحول دونه كما بينه تعالى بقوله:
{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} بين حظ الشيطان من الناس في الخمر والميسر دون ما قرن بهما في الآية الأولى من الأنصاب والأزلام، لأن بيان تحريمهما هو المقصود بالذات، وقد تقدم في أول السورة (أي في الآية الثالثة منها) تحريم ما ذبح على النصب والاستقسام بالأزلام وكون ذلك فسقا، وكان المؤمنون قد تركوهما; لأنهما من أعمال الجاهلية وخرافات الوثنية، والخطاب هنا للمؤمنين الذين طهرهم التوحيد من خرافات الشرك كلها، ولذلك قال عمر عند نزول الآية:"أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام؟ بعدا لك وسحقا، فعلم من ذلك أن ذكر الأنصاب والأزلام وهما من الخرافات الاعتقادية ولزمهما مع الخمر والميسر وهما من الرذائل المالية والاجتماعية قد أريد به أن كل ذلك من رجس الجاهلية، وأنه لا يليق شيء منه بأهل الحنيفية.
والعداوة ضرب من التجاوز الذي هو أصل معنى مادة (عدا يعدو) وهو تجاوز الحق إلى الإيذاء، قال في لسان العرب: والعادي الظالم، يقال: لا أشمت الله بك عاديك، أي عدوك الظالم لك، قال أبو بكر: قول العرب فلان عدو فلان: معناه فلان يعدو على فلان بالمكروه ويظلمه اهـ. وقالوا أيضا: العدو ضد الصديق وضد الولي أي الموالي، فعلم من ذلك أن العداوة سيئة عملية، والبغضاء انفعال في القلب وأثر في النفس فهو ضد المحبة، فالعداوة والبغضاء يجتمعان ويوجد أحدهما دون الآخر.
أما كون الخمر سببا لوقوع العداوة والبغضاء بين الناس، حتى الأصدقاء منهم فمعروف وشواهده كثيرة، وعلته أن شارب الخمر يسكر فيفقد العقل الذي يعقل الإنسان أي يمنعه من الأقوال والأعمال القبيحة التي تسوء الناس ويستولي عليه حب الفخر الكاذب، ويسرع إليه الغضب بالباطل، وقد جرت عادة محبي الخمر على الاجتماع للشرب، فقلما تكون رذائلهم قاصرة عليهم، غير متعدية إلى غيرهم، وكثيرا ما تتعدى إلى غير من يشرب معهم كالأهل والجيران، والخلطاء والعشراء، وقد تقدم في أسباب نزول الآيات بعض الشواهد على ذلك،
ومن أغرب أخبار شذوذ السكر الذي يفضي مثله عادة إلى العداوة والبغضاء والهرج والقتال، حديث علي كرم الله وجهه مع عمه حمزة (رضي الله عنهما) وملخصه"أنه كان له شارفان (ناقتان مسنتان) أراد أن يجمع عليهما الإذخر (نبات طيب الرائحة) مع صائغ يهودي ويبيعه للصواغين ليستعين بثمنه على وليمة فاطمة عليها السلام عند إرادة البناء بها، وكان عمه حمزة يشرب الخمر مع بعض الأنصار ومعه قينة تغنيه فأنشدت شعرا حثته به على نحر الناقتين وأخذ أطايبهما ليأكل منها الشرب، فثار حمزة وجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلما رأى علي ذلك تألم، ولم يملك عينيه وشكا حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي على حمزة ومعه علي وزيد بن حارثة فتغيظ عليه وطفق يلومه، وكان حمزة ثملا قد احمرت عيناه فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له ولمن معه: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل نكص على عقبيه القهقرى وخرج هو ومن معه"والحديث في الصحيحين، ولولا حلم الرسول وعصمته وعقله وأدب علي وفضله، وبلاء حمزة في إقامة الإسلام وقربه لما وقفت هذه الحادثة عند الحد الذي وقفت عنده.
وإن حوادث العداوة والبغضاء التي يثيرها السكر وما ينشأ عنها من القتل والضرب والعدوان والسلب، والفسق والفحش، ومن إفشاء الأسرار، وهتك الأستار، وخيانة الحكومات والأوطان، قد سارت بأخبارها الركبان، وما زالت حديث الناس في كل زمان ومكان.
وأما الميسر فهو مثار للعداوة والبغضاء أيضا ولكن بين المتقامرين، فإن تعداهم فإلى الشامتين والعائبين، ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين، وإن المقامر ليفرط في حقوق الوالدين والزوج والولد، حتى يوشك أن يمقته كل أحد.
قال الفخر الرازي: وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال، لأن من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فيه، وقد يتفق ألا يحصل له ذلك إلى ألا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده!! ولا شك أنه بعد ذلك يصير فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له، اهـ.
وأما كون كل من الخمر والميسر يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهو مفسدتها الدينية فهو أظهر من كونهما مثارا للعداوة والبغضاء وهو مفسدتها الاجتماعية لأن كل سكرة من سكرات الخمر، وكل مرة من لعب القمار، تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر الله الذي هو روح الدين، وعن الصلاة التي هي عماد الدين، إذ السكران لا عقل له يذكر به آلاء الله وآياته، ويثني عليه بأسمائه وصفاته، أو يقيم به الصلاة التي هي ذكر الله، وزيادة أعمال تؤدي بنظام لغرض وقصد، ولو ذكر السكران ربه، وحاول الصلاة لم تصح له، والمقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح ويخشى الخسارة فلا يبقى له من نفسه بقية يذكر الله تعالى بها، أو يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها، ولعله لا يوجد عمل من الأعمال يشغل القلب ويصرفه عن كل ما سواه ويحصر همه فيه مثل هذا القمار، حتى إن المقامر ليقع الحريق في داره وتنزل المصائب بأهله وولده، ويستصرخ ويستغاث فلا يصرخ ولا يغيث، بل يمضي في لعبه، ويكل أمر الحريق إلى جند الإطفاء، وأمر المصابين من الأهل إلى المواسين أو الأطباء، وما زال الناس يتناقلون النوادر في ذلك عن المقامرين، من الأولين والمعاصرين.
على أن المقامر إذا تذكر الصلاة أو ذكره غيره بها، وترك اللعب لأجل أدائها، فإنه لا يكاد يؤدي منها إلا الحركات البدنية بدون أدنى تدبر أو خشوع، ولا سيما إذا كان يريد أن يعود إلى اللعب، نعم إنه قد يأتي بأفعال الصلاة تامة فيفضل السكران بهذا إذ لا يكاد يأتي منه ضبط أفعالها، ولكن السكران قد يفضله بأعمال القلب والخشوع ولو بغير عقل، فكم من سكران يذكر الله تعالى ويذكر ذنوبه حتى سكره ويبكي، ويدعو الله تعالى أن يتوب عليه،
لقيت مرة سكرانا في أحد شوارع القاهرة فأقبل علي يقبل يدي ويبكي ويقول: ادع الله لي أن يتوب علي من السكر ويغفر لي، أنت ابن الرسول، ودعاؤك مقبول، وأمثال هذا الكلام، وإذا كان الله تعالى لا يقبل صلاة السكران لأنه لا يعقل ما يقول وما يفعل، فهو بالأولى لا يقبل صلاة المقامر الذي يقف بين يديه، وقلبه مشغول عنه بما حرمه عليه، فلا يتدبر القرآن، ولا يخشع للرحمن، وهو عاقل مكلف قادر على مجاهدة نفسه، وتوجيهها إلى مراقبة ربه ولا يفيد مثل هذا المصلي الساهي عن صلاته إفتاء الفقهاء بصحتها، إذا كملت شروطها وفروضها، فما كل صحيح عند علماء الرسوم بمقبول
{ فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون } [الماعون: 4-5].
قد يقال: إن الله تعالى قد بين بهذه الآية علتين لتحريم الخمر والميسر إحداهما اجتماعية والأخرى دينية تصدق على الألعاب التي اشتد ولوع كثير من الناس بها; كالشطرنج فالظاهر أن تعد بذلك محرمة كالميسر; لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وإن كان اللعب بها على غير مال؟ قال السيد الآلوسي في هذا المقام من تفسيره (روح المعاني): وقد شاهدنا كثيرا ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج الحلف الكاذب والغفلة عن الله تعالى وما ينفر منه الفيل، وتكبو له الفرس ويصحو من همومه الرخ بل يتساقط ريشه، ويحار لشناعته بيذق الفهم، ويضطرب فرزين العقل، ويموت شاه القلب، وتسود رقعة الأعمال، اهـ.
وأقول: إن اللعب بالشطرنج إذا كان على مال دخل في عموم الميسر وكان محرما بالنص كما تقدم، وإذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بتحريمه قياسا على الخمر والميسر إلا إذا تحقق فيه كونه رجسا من عمل الشيطان، موقعا في العداوة والبغضاء، صادا عن ذكر الله وعن الصلاة، بأن كان هذا شأن من يلعب به دائما أو في الغالب، ولا سبيل إلى إثبات هذا وإننا نعرف من لاعبي الشطرنج من يحافظون على صلواتهم وينزهون أنفسهم عن اللجاج والحلف الباطل، وأما الغفلة عن الله تعالى فليست من لوازم الشطرنج وحده، بل كل لعب وكل عمل فهو يشغل صاحبه في أثنائه عن الذكر والفكر فيما عداه إلا قليلا، ومن ذلك ما هو مباح وما هو مستحب أو واجب، كلعب الخيل والسلاح والأعمال الصناعية التي تعد من فروض الكفايات، ومما ورد النص فيه اللعب; لعب الحبشة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بحضرته،
وإنما عيب الشطرنج من أنه أشد الألعاب إغراء بإضاعة الوقت الطويل، ولعل الشافعي كرهه لأجل هذا، ونحمد الله الذي عافانا من اللعب به وبغيره، كما نحمده حمدا كثيرا أن عافانا من الجرأة على التحريم والتحليل، بغير حجة ولا دليل.
ولما بين جل جلاله علة تحريم الخمر والميسر وحكمته أكده بقوله: {فهل أنتم منتهون} فهذا استفهام يتضمن الأمر بالانتهاء، قال الكشاف: من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل قبل قد تلي عليكم من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟.
قال هذا بعد بيان ما أكد الله تحريم الخمر والميسر في هاتين الآيتين من سبعة وجوه وتبعه في ذلك الرازي وغيره، ونحن نبين المؤكدات بأوضح مما بينوها به وأوسع فنقول:
(أحدها) أن الله تعالى جعل الخمر والميسر رجسا، وكلمة الرجس تدل على منتهى القبح والخبث، ولذلك أطلقت على الأوثان كما تقدم، فهي أسوأ مفهوما من كلمة الخبيث وقد علم من عدة آيات أن الله أحل الطيبات وحرم الخبائث، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
"الخمر أم الخبائث" رواه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عمر وقال:"الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر"ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته"رواه الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن عمر وكذا من حديث ابن عباس بلفظ"من شربها وقع على أمه"إلخ، وليس فيه ترك الصلاة، وقد علم السيوطي على هذه الأحاديث في جامعه بالصحة.
(ثانيها) أنه صدر الجملة: بـ (إنما) الدالة على الحصر للمبالغة في ذمها، كأنه قال: ليست الخمر والميسر إلا رجسا فلا خير فيها البتة.
(ثالثها) أنه قرنها بالأنصاب والأزلام التي هي من أعمال الوثنية وخرافات الشرك وقد أورد المفسرون هنا حديث"مدمن الخمر كعابد وثن"رواه ابن ماجه عن أبي هريرة في سنده محمد بن سليمان الأصبهاني صدوق يخطئ، ضعفه النسائي.
(رابعها) أنه جعلهما من عمل الشيطان، لما ينشأ عنهما من الشرور والطغيان وهل يكون عمل الشيطان إلا موجبا لسخط الرحمن.
(خامسها) أنه جعل الأمر بتركهما من مادة الاجتناب وهو أبلغ من الترك، لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن جانب المتروك كما تقدم، ولذلك نرى القرآن لم يعبر بالاجتناب إلا عن ترك الشرك والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان وسائر مصادر الطغيان، وترك الكبائر عامة، وقول الزور الذي هو من أكبرها، قال تعالى:
{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } [الحج: 30] وقال: { واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36] كما قال: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } [الزمر: 17] وقال: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} [النجم: 32]. (سادسها) أنه جعل اجتنابهما معدا للفلاح، ومرجاة له، فدل ذلك على أن ارتكابهما من الخسران والخيبة، في الدنيا والآخرة.
(سابعها) أنه جعلهما مثارا للعداوة والبغضاء، وهما شر المفاسد الدنيوية المتعدية إلى أنواع من المعاصي في الأموال والأعراض والأنفس، ولذلك سميت الخمر أم الخبائث وأم الفواحش، وقد قيل إن امرأة فاسقة راودت رجلا صالحا عن نفسه فاستعصم فسقته الخمر فزنى بها، وأغرته بالقتل فقتل، حكوا هذه عن بعض الأمم الغابرة، ومثله كثير في هذا الزمان، وقد قال بعض الفساق في مصر: إنه لولا السكر لقل أن يوجد في الناس من يقرب من هؤلاء البغايا العموميات، وقد علم مما تقدم أن هاتين مفسدتان منفصلتان، لأن العداوة غير البغضاء فيجتمعان ويفترقان.
(تاسعها وعاشرها) أنه جعلهما صادين عن ذكر الله وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده، وزاد المؤمن وعتاده، وقد علم مما تقدم أيضا أن الصد عن ذكر الله غير الصد عن الصلاة.
(حادي عشرها) الأمر بالانتهاء عنها بصيغة الاستفهام المقرون بفاء السببية، وهل يصح الفصل بين السبب والمسبب؟ وفي الآية الثانية ثلاث مؤكدات أخرى نوردها معدودة مع ما قبلها:
(ثاني عشرها) قوله عز وجل: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أي أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما، كما تجتنبون الأنصاب والأزلام أو أشد اجتنابا في كل شيء، أطيعوا الرسول فيما بينه لكم مما نزله الله عليكم، ومنه قوله:
"كل مسكر خمر وكل خمر حرام" وقد تقدم قريبا.
(ثالث عشرها) قوله عز وجل: {واحذروا} أي احذروا عصيانهما أو ما يصيبكم إذا خالفتم أمرهما من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، فإنه حرام عليكم إلا ما يضركم في دنياكم وآخرتكم، قال تعالى:
{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [النور: 63]. (رابع عشرها) الإنذار والتهديد في قوله: {فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} أي فإن توليتم وأعرضتم عن الطاعة، فاعلموا أنما على رسولنا أن يبين لكم ديننا وشرعنا، وقد بلغه وأبانه وقرن حكمه بأحكامه وعلينا نحن الحساب والعقاب وسترونه في إبانه، كما قال: { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } [الرعد: 40] وإنما الحساب لأجل الجزاء.
لم يؤكد تحريم شيء في القرآن مثل هذا التأكيد لا قريبا منه، وحكمته شدة افتتان الناس بشرب الخمر، وكذا الميسر، وتأولهم كل ما يمكن تطرق الاحتمال إليه من أحكام الأديان التي تخالف أهواءهم، كما أولت اليهود أحكام التوراة في تحريم أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، وكما استحل بعض فساق المسلمين شرب بعض الخمور بتسميتها بغير اسمها، إذ قالوا هذا نبيذ لا يسكر إلا الكثير منه، وقد أحل ما دون القدر المسكر منه فلان وفلان يقولون ذلك فيما هو خمر لا حظ لهم من شربه إلا السكر.
بل تجرأ بعض غلاة الفساق على القول بأن هذه الآيات لا تدل على تحريم الخمر، لأن الله قال: (فاجتنبوه) ولم يقل: حرمته فاتركوه، وقال: (فهل أنتم منتهون) ولم يقل فانتهوا عنه، وقال بعضهم: سألنا هل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، ثم سكت وسكتنا ويصدق على هؤلاء قوله تعالى:
{ اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [المائدة:: 57] ويمكن أن يقال: إن هذا الغلو قلما يصدر عمن كان صحيح الإيمان فما قاله تعالى أبلغ من تحريمه مما قالوا.
أما المؤمنون فقد قالوا انتهينا ربنا وقال بعضهم: انتهينا أكدوا الاستجابة والطاعة كما أكد عليهم التحريم، وكان فيهم المدمنون للخمر من عهد الجاهلية حتى شق عليهم تحريمها، فكان أشد من جميع التكاليف الشرعية، وكانوا قد اجتهدوا في آية البقرة، لأن الدلالة على التحريم فيها ظنية غير قطعية، كما بيناه غير مرة، فلما جاء الحق اليقين والتحريم الجازم انتهوا وأهرقوا جميع ما كان عندهم من الخمور في الشوارع والأزقة حتى ظل أثرها وريحها زمنا طويلا، وقد قدح بعض أذكيائهم زناد الفكر عسى أن يهتدوا إلى شيء يجدون فيه بعض الرخصة من النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا إلا أن من قد مات من أهل بدر وأحد، كسيد الشهداء حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره ماتوا وهم دائبون على شربها، فلم تغن عنهم هذه الشبهة شيئا، لأن الله لا يكلف الناس العمل بأحكام الشريعة قبل نزولها وهاك بعض ما ورد في ذلك زائدا على ما أوردنا من قبل:
روى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال:"قام رسول الله فقال:
"يا أهل المدينة، إن الله يعرض عن الخمر تعريضا لا أدري لعله سينزل فيها أمر أي قاطع ثم قام فقال:يا أهل المدينة إن الله قد أنزل إلي تحريم الخمر، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها" .
وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، إن الله عرض بالخمر، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به، فلم نلبث إلا يسيرا حتى قال: إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع" ، قال فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن ربكم يقدم في تحريم الخمر" ، ثم نزلت آية النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم يقرب في تحريم الخمر" ثم نزلت آية المائدة فحرمت الخمر عند ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: أول ما نزل من تحريم الخمر
{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } [البقرة: 219] الآية فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها وقال آخرون: لا خير في شيء فيه إثم ثم نزلت: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [النساء: 34} الآية، فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية، فنهاهم فانتهوا،
وأخرج أيضا عن قتادة عن تفسير آية النساء أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال حين نزلت هذه الآية:
"إن الله قد تقرب في تحريم الخمر" ، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب وعلم أنها تسفه الأحلام وتجهد الأموال وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة".
وروى أحمد عن أبي هريرة قال:"حرمت الخمر ثلاث مرات، ثم ذكر نزول الآيات، وما كان من شأن الناس عند كل واحدة منهن، وقال في آية النساء: ثم أنزل الله آية أغلظ منها، أي من آية البقرة، وقال مثل ذلك في آية المائدة وبيانه أن الأولى تحريم ظني، والثانية تحريم قطعي في معظم الأوقات، والثالثة قطعي مستغرق لكل زمن".
فهذه الأخبار والآثار وغيرها في التصريح بالقطع بتحريم الخمر تدل دلالة قاطعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحبة كافة فهموا من آية المائدة أن الله تعالى حرم الخمر تحريما باتا لا هوادة فيه، وأن الخمر عندهم كل شراب من شأنه أن يسكر شاربه، وقد صرحوا فيها بلفظ التحريم، وأنه كان تعريضا، فجعلته آية المائدة تصريحا أو أن آيتي البقرة والنساء كانتا مقدمة لتحريمها أو مفيدتين له إفادة ظنية، كما قلنا من قبل وأن جميع المؤمنين أهرقوا ما كان عندهم من الخمور عند نزول الآية، وكان كلها أو أكثرها من خمر التمر والبسر الذي يكثر في المدينة، وأنهم لم يجدوا لهم مخرجا من ذلك بتأول ولا رخصة.
نعم إنهم كانوا يسمون بعض الأنبذة بأسماء خاصة، وقد سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ما حكمها إذا صار يسكر كثيرها أو مطلقا، قال أبو موسى الأشعري:"قلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر، وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم بخواتمه فقال:
"كل مسكر حرام" رواه أحمد والشيخان، وفي حديث علي كرم الله وجهه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الجعة"رواه داود والنسائي وغيرهما، والجعة بكسر ففتح نبيذ الشعير وتسمى بالإفرنجية"بيرا".
والأصل في النبيذ أن ينقع الشيء في الماء حتى ينضح، فيشرب بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، ولم يقصد به أن يترك ليختمر ويصير سكرا كما تقدم، ونزيد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النبذ في الأواني التي يسرع إليها الاختمار لعدم تأثير الهواء فيها كالحنتم، أي جرار الفخار المطلية، والنقير أي جذوع النخل المنقور، والمزفت وهو المقير أي المطلي بالقار وهو الزفت، والدباء، وهو القرع الكبير ثم يبين أن الظروف لا تحل ولا تحرم، وأذن بالنبذ في كل وعاء مع تحريم كل مسكر رواه مسلم وأصحاب السنن.
وعن ابن عباس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقي الخادم أو يهراق"رواه أحمد ومسلم، أي يصير بعد ثلاثة أيام مظنة الإسكار، فهذه نهاية المدة التي يحل فيها النبيذ غالبا وفي آخرها كان يحتاط النبي صلى الله عليه وسلم فلا يشربه، بل ولا يسقيه الخادم أو يريقه لئلا يختمر ويشتد فيصير خمرا، والعبرة بالإسكار وعدمه.
(فائدة تتبعها قاعدة) علم من الروايات التي أوردناها آنفا أن بعض الصحابة فهم من آيتي البقرة والنساء تحريم الخمر فتركها، ولكن عشاقها وجدوا منها مخرجا بالاجتهاد، وكان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذر المجتهدين في اجتهادهم، وإن كان بعضهم مخطئا فيه، وقد يجيزه له إذا كان قاصرا عليه"أجنب رجل فأخر الصلاة إذ لم يجد الماء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت"و"أجنب آخر فتيمم وصلى إذ لم يجد الماء فذكره له كالأول، قال له ما قال للأول: أصبت"رواه النسائي، وأجاز عمل عمرو بن العاص إذ تيمم للجنابة مع وجود الماء خوفا من البرد وصلى إماما، فسأله عن ذلك فاحتج بقوله تعالى:
{ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195} رواه أحمد والبخاري تعليقا وأبو داود والدارقطني، ولكنه قال لمن ترك الصلاة مع الجماعة وسأله عن ذلك فاعتذر بالجنابة وفقد الماء:"عليك بالصعيد فإنه يكفيك"رواه البخاري.
ويؤخذ من هذه الأحاديث ومن تلك أن التحريم الذي كلفه جميع الناس هو ما كان نصا صريحا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلف الناس إراقة ما كان عندهم من الخمر إلا عندما نزلت آية المائدة الصريحة بذلك، مع كونه فهم من آيتي البقرة والنساء تحريم الخمر بالتعريض، والمراد من التعريض عين المراد من التصريح، إلا أن التعريض حجة على من فهمه خاصة، والتصريح حجة على المكلفين كافة، ومن هنا تعرف سبب ما كان من تساهل السلف في المسائل الخلافية، وعدم تضليل أحد منهم لمخالفه، وتعلم أيضا أن ما قال العلماء بتحريمه اجتهادا منهم لا يعد شرعا يعامل الناس به، وإنما يلتزمه من ظهر له صحة دليلهم من قياس أو استنباط من آية أو حديث دلالتها عليه غير صريحة، وإن في تعريض كلام الله ورسوله حكما، وسيأتي لهذا المبحث تتمة في تفسير:
{ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [المائدة: 101]
{ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} ورد في عدة روايات تقدم بعضها أن بعض الصحابة استشكلوا عند نزول هذا التشديد في الخمر والميسر حال من مات من المؤمنين الذين كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، ولا سيما من حضر منهم غزوتي بدر وأحد، وكان أمر الخمر عندهم أهم، ومنهم من كلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك،
وفي رواية أنهم سألوا عمن ماتوا وعن الغائبين الذين لم تبلغهم آية القطع بالتحريم، وأن هذه الآية نزلت جوابا لهم، وقيل: إن الآية نزلت فيمن كانوا يشددون على أنفسهم في الطيبات من الطعام والشراب ختما للسياق بما يتعلق بحال من بدئ بهم والروايات المأثورة على الأول.
الطعام ما يؤكل، والطعم (بالفتح) ما يدرك بذوق الفم من حلاوة ومرارة وغيرهما يقال: طعم (كعلم وغنم) فلان بمعنى أكل الطعام وطعم الشيء يطعمه ذاق طعمه أو ذاقه فوجد طعمه منه، استعمل في ذوق طعام الشيء من طعام وشراب يؤخذ قليل منه بمقدم الفم، ومن الأول قوله تعالى:
{ فإذا طعمتم فانتشروا } [الأحزاب: 53] أي أكلتم، ومن الثاني: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني } [البقرة: 249] أي لم يذق طعم مائه. قال الجوهري: الطعم بالفتح ما يؤديه الذوق، يقال: طعمه مر أو حلو، وقال طعم يطعم طعما (بالضم) فهو طاعم إذا أكل أو ذاق مثل غنم يغنم غنما فهو غانم فالطعم بالضم مصدر، وأنشد ابن الأعرابي:

فأما بنو عامر بالنسار ... غداة لقونا فكانوا نعاما
نعاما بخطمة صعر الخدو... د، لا تطعم الماء إلا صياما

شبههم بالنعام التي لا ترد الماء ولا تذوقه، وصرح في لسان العرب بأن طعم بمعنى أكل الطعام، وأنه إذا جعل بمعنى الذوق جاز فيما يؤكل ويشرب، واستشهد المفسرون بقول الشاعر:

فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا.

النقاخ بالضم الماء البارد، والبرد النوم، قال الزمخشري: ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم، ويقال: ما ذقت غماضا. اه.
وقال الآلوسي في تفسيره: وأما استعماله (أي طعم الماء) بمعنى شربه واتخذه طعاما فقبيح إلا أن يقتضيه المقام، كما في حديث:"زمزم طعام طعم وشفاء سقم"فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه، ولا يخدش هذا ما حكي أن خالدا القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد: أطعموني ماء، فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به، وحملوه على شدة جزعه، وقيل فيه:

بل المنابر من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لما جد في الهرب
وألحن الناس كل الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق في الخطب

لأن ذلك إنما عيب عليه; لأنه صدر عن جزع، فكان مظنة الوهم وعدم قصد المعنى الصحيح، وإلا فوقع مثله في كلامهم مما لا ينبغي أن يشك فيه: اه.
أقول: أما الحديث فرواه ابن أبي شيبة والبزار بسند صحيح، وهو على تشبيه مائها بالغذاء فليس مما نحن فيه، وأما كلام خالد فهو لحن إلا أن يريد به أذيقوني طعم الماء مبالغة في طلب القليل منه أو إرادة ترطيب اللسان، لأن الكلام يجفف الريق، لا يقع مثله في كلام الفصحاء إلا بهذا المعنى، فإذن لا يمكن أن يكون"طعم"في القرآن بمعنى الشرب مطلقا، ولا يجوز أن يفيد هذا المعنى إلا بالتبع لمعنى الأكل تغليبا له، فيجعل"طعموا"هنا بمعنى أكلوا الميسر وشربوا الخمر، كتغليب الأكل في كل استعمال في مثل النهي عن أكل أموال اليتامى وأكل أموال الناس بالباطل، ولم أر أحدا هدي إلى هذا الإيضاح بهذا التدقيق.
والجناح ما فيه مشقة أو مؤاخذة، أنشد ابن الأعرابي:

ولاقيت من جمل وأسباب حبها ... جناح الذي لاقيت من تربها قبل.

وقال ابن حلزة:

أعلينا جناح كندة أن يغـ ... نم غازيهم ومنا الجزاء

ويفسرونه غالبا بالإثم وهو ما فيه الضرر، والضرر يكون دينيا ودنيويا، ولم يستعمل في القرآن إلا في حيز النفي بمعنى رفع الحرج والمؤاخذة.
ومعنى الآي على رأي الجمهور: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات} من الأحياء والميتين والشاهدين والغائبين (جناح) إثم ولا مؤاخذة (فيما طعموا) أكلوا من الميسر أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمها ولا في غير ذلك مما لم يكن محرما ثم حرم (إذا ما اتقوا) أي إذا هم اتقوا في ذلك العهد ما كان محرما عليهم ومنه الإسراف في الأكل والشرب من المباح (وآمنوا) بما كان قد نزله الله تعالى (وعملوا الصالحات) التي كانت قد شرعت، كالصلاة والصوم والجهاد (ثم اتقوا) ما حرمه الله تعالى بعد ذلك عند العلم به (وآمنوا) بما نزل فيه وفي غيره كما قال:
{ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } [التوبة: 124- 125] وكما قال: { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } [المدثر: 31]
{وعملوا الصالحات} التي هي من لوازم الإيمان، {ثم اتقوا} أي ارتقوا عن ذلك فاتقوا الشبهات تورعا وابتعادا عن الحرام، {وأحسنوا} أعمالهم الصالحات بأن أتوا بها على وجه الكمال، وتمموا نقص فرائضها بنوافل الطاعات {والله يحب المحسنين} فلا يبقى في قلوبهم أثرا من الآثار السيئة التي وصف بها الخمر والميسر من الإيقاع في العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهما صقال القلوب وزيتها الذي يمد نور الإيمان.
وطالما استشكل المفسرون اشتراط ما اشترطته الآية لنفي الجناح من التقوى المثلثة والإيمان المثنى والإحسان الموحد، وطالما ضربوا في بيداء التأويل واستنباط الآراء، وطالما رد بعضهم ما قاله الآخرون في ذلك، وسبب ذلك اتفاقهم على أن الله تعالى لا يؤاخذ يوم القيامة أحدا بعمل عمله قبل تحريمه، كما قال الله تعالى بعد ذكر محرمات النكاح: (إلا ما قد سلف) فقيل: إن ما ذكر ليس بشرط رفع الجناح، بل لبيان حال من نزلت فيهم الآية، أما تكرار التقوى فقيل: إنه لمجرد التأكيد أو للأزمنة الثلاثة، أو لاختلاف من يتقى من الكفر والكبائر والصغائر أو من مطلق ومقيد، أو بعضها للثبات والدوام.
وغفل هؤلاء عن معنى الشبهة التي وقعت لبعض الصحابة ونزلت الآية جوابا عنها، وبيانها من وجهين:
(أحدهما) أن الله تعالى حرم الخمر والميسر في الآية الأولى من هذه الآيات، وبين في الثانية علة التحريم من وجهين، وهذه العلة لازمة لها، فإذا لم تكن مطردة في العداوة والبغضاء، فهي مطردة في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وناهيك بما ينقص من دين من صد عنهما، وإنما كان الدين ومناط الجزاء في الآخرة ما يكون من تأثير الإيمان والعمل الصالح في تزكية النفس، وإنارة القلب.
(ثانيهما) أن الله تعالى قد عرض بتحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة بما يبينه في سورة البقرة والنساء واللبيب تكفيه الإشارة فكان من لم يفطن لذلك مقصرا في اجتهاده وربما كان ذلك لإيثار الهوى أو الشهوة.
هذا وجه الشبه، وتلخيص الجواب عنها: أن من صح إيمانه، وصالح عمله، وعمل في كل وقت بالنصوص القطعية المنزلة، وبحسب ما أداه إليه اجتهاده في الظنية، واستقام على ذلك حتى ارتقى إلى مقام الإحسان فلا يحول دون تزكية ذلك لنفسه، وصقله لقلبه، ما كان قد أكل أو شرب مما لم يكن محرما عليه بحسب اعتقاده، وإن كان من الإثم ما حرم بعد لأجله.
ذلك بأن الله تعالى ما حرم شيئا إلا لضرره في الجسم أو العقل أو الدين أو المال أو العرض، والضرر يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال، وقد يتخلف أحيانا، إذ يكفي التحريم أن يكون ضارا في الغالب، فمن عمل عملا من شأنه الضرر في الجسم فربما ينجو من ضرره بقوة مزاجه إذا هو لم يسرف فيه، ومن عمل عملا من شأنه نقص الدين وهو غير محرم عليه عالم بتحريمه فربما ينجو من سوء تأثيره الذاتي بقوة إيمانه ويقينه وكثرة أعماله الصالحة بحيث يكون ذلك الضرر كنقطة من القذر وقعت في البحر أو النهر، ولكن قوة الإيمان ورسوخ الدين بالعمل الصالح ينافي الإقدام على ارتكاب المحرم، إلا ما يكون من اللمم والهفوات التي لا يصر المؤمن عليها،
فالجناح العظيم والخطر الكبير من ارتكاب المعصية بعد العلم بتحريمها ليس فيما عساه يصيب مرتكبها من ضررها الذاتي التي حرمت لأجله فقط، لأن هذا قد يتخلف أو يكون ضعيفا أو مغلوبا، بل الجناح والخطر الديني في الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى ترجيح هوى النفس على مقتضى الإيمان والاعتقاد، وهذا شيء قد حفظ الله منه من كانوا يشربون الخمر من أهل بدر وأحد، بل حفظهم الله تعالى من ضرر الخمر الاجتماعي الدنيوي أيضا لأنهم لم يسرفوا فيها ولا سيما بعد نزول آية سورة النساء التي لم تبقي لهم إلا وقتا ضيقا لشربها، والآية تدل على ذلك، ويؤيده أن الله تعالى قد أنفس بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخوانا، بل كان ذلك شأن الصحابة عامة: كان يكاد الشقاق يقع بينهم كما مر في أسباب نزول الآيات، ولكن لا يلبث أن يغلبه الإيمان، فكانوا مصداقا لقوله تعالى:
{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [الأعراف: 201] فالمعصية لا تفسد الروح إلا إذا كان فاعلها غير ميال بحرمة الشرع، ولا يكون تأثيرها الذاتي قويا إلا بالإسراف فيها والإصرار عليها.
وقد سألني بعض الباحثين في علم الأخلاق وفلسفة الاجتماع من المصريين عن السبب في سوء تأثير الزنا في إفساد أخلاق فساق المصريين، وإذلال أنفسهم وإضعاف بأسهم، وعدم تأثيره في اليابانيين مثل هذا التأثير، فأجبته على الفور: إن اليابانيين لا يدينون الله بحرمة الزنا كالمصريين، فمعظم ضرره فيهم بدني، وأقله اجتماعي، ولكن ليس له ضرر روحي فيهم، وأما المصريون فمعظم ضرره فيهم روحي، لأنهم يقدمون على شيء يعتقدون دينا وعرفا بقبحه وفحشه، فهم بذلك يوطنون أنفسهم على دنيئة الفحش، والاتصاف بالقبح، فلذلك كان من أسباب المهانة والفساد فيهم فأعجب بالجواب وأذعن له.
(شبهة لعشاق الخمر ودحضها).
قال الإمام الرازي: زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة في العداوة والبغضاء، وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة بين في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق قالوا ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم، لأنه لو كان المراد ذلك لقال:"ما كان جناح على الذين عملوا"كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة:
{ وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] لكنه لم يقل ذلك بل قال: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} إلى قوله: {إذا ما اتقوا وآمنوا} ولا شك أن (إذا) للمستقبل لا الماضي
واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأئمة. وقولهم: عن كلمة"إذا"للمستقبل لا للماضي، فجوابه ما روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر:"يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها"؟ فأنزل الله هذه الآيات (الصواب الآية) وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية، لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص: انتهى كلام الرازي بحروفه.
وأقول إن جوابه ضعيف فيما أقره وفيما رده إلا نقل الإجماع، وقد كانرحمه الله على سعة اطلاعه في العلوم العقلية والنقلية غير دقيق في البلاغة وأساليب اللغة حتى إن عبارته نفسها ضعيفة، فالصواب أن يقال في الرد على احتجاج أصحاب هذا التحريف:
(أولا) إن قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا} إلخ، ليس خبرا عمن نزلت الآية بسبب السؤال عنهم، وإنما هي قاعدة عامة إنشائية المعنى، يعلم منها حكم من مات قبل القطع بتحريم الخمر، وحكم من نزلت الآية في عهدهم وتليت عليهم، وحكم غيرهم من عصرهم إلى آخر الزمان، وهذا أبلغ وأهم فائدة من بيان حكم المسئول عنهم خاصة.
(ثانيا) إن قول المشتبهين: لو كان المراد من الآية بيان حكم الذين ماتوا لقال:"ما كان جناح على الذين طعموا"باطل، وقوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} الذي احتجوا به لا يدل على ما زعموا، فإن مثل هذا التركيب يدل على نفي الشأن لا على نفي حديث مضى، فمعناه: ما كان من شأنه تعالى ولا من مقتضى سنته وحكمته أن يضيع إيمانكم،
وقد بينا هذا من قبل غير مرة ونقلناه عن الكشاف فهو يعم الماضي والمستقبل ومثاله:
{ ما كان لنا أن نشرك بالله } [يوسف: 38] ويشبه العبارة التي قالوها قوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } [الأحزاب: 38] ولم يقل أحد إنها لنفي الحرج في الزمن الماضي بل تعم نفيه في الحال والاستقبال، وهو موضع الفائدة له صلى الله عليه وسلم منها.
(ثالثا) لو كان معنى الآية ما ذكروه لأخذ به من شق عليهم تحريم الخمر من الصحابة ومن كان يميل إليهم بعدهم.
نعم إنه لولا ما ورد من سبب نزول الآية لكان المتبادر من معناها أنه ليس على المؤمنين الصالحين تضييق وإعنات فيما أكلوا (وإن شئت قلت أو شربوا) من اللذائذ كما توهم الذين كانوا حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم مبالغة في النسك إذا كانوا معتصمين بعرى التقوى في جميع الأوقات والأحوال، راسخين في الإيمان متحلين بصالح الأعمال محسنين فيها، لأن الله تعالى لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات، وإنما حرم عليهم الخبائث; كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله والخمر والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل
إنما الجناح الحرج في الطعام والشراب على الكافرين الفاسقين الذين يسرفون فيهما، ويجعلونها أكبر همهم من حياتهم الدنيا، ولا يجتنبون الخبيث منهما، فالعبرة في الدين بالإيمان والتقوى والعمل الصالح والإحسان فذلك هو النسك كله، لا بالطعام والشراب وتعذيب النفوس وإرهاقها،
ولعل شيخنا لو فسر الآية لجزم بأن هذا هو المعنى المراد، وأن ما ورد في سبب نزولها إذا صح يؤخذ الجواب عنه من فحوى الآية وهو أنه لا جناح على من كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها لأن العمدة في الدين هو التقوى لا أمر الطعام والشراب الذي لا يحرم منه شيء إلا لضرره.
وإذا لم يراع سبب النزول في تفسير الآية فلا يمكن أن يقال: إن معناه"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إثم فيما يشربون من الخمر"بعد القطع بتحريمها وتأكيده بما في سياق آيات التحريم من المؤكدات، لأن كلمة (طعموا) لا مدلول له في اللغة إلا أكل الطعام في الماضي أو تذوق كل ما له طعم من طعام وشراب يقدم للفم في الزمن الماضي أيضا، ولو صح أن يكون معنى الآية ما ذكروه لكان نسخا لتحريم شرب الخمر متصلا بالتحريم المؤكد، أو تخصيصا له بغير أهل التقوى الكاملة من المؤمنين الصالحين، وليس لهذا نظير في الإسلام، ولا في غيره من الشرائع والأديان، ولا يتفق مع بلاغة القرآن.
فإن قيل: إن الأفعال الماضية إذا وردت في سياق الأحكام التشريعية والقواعد العلمية تفيد التكرار الذي يعم المستقبل، بمعنى أن هذا الفعل كلما وقع كان حكمه كذا فلم لا يجوز على هذا أن يكون معنى الآية رفع الحرج والمؤاخذة عن المؤمن إذا شرب قليلا من الخمر بالشروط الشديدة المبينة فيها، ويدخل في عموم التقوى منها ألا يسكر ولا يكون بحيث توقع الخمر بينه وبين أحد من الناس بغضا ولا عداوة، ولا بحيث تصده عن ذكر الله وعن الصلاة؟
قلت: إن الطعم في اللغة لا يدل على الشرب القليل ولا الكثير بل على ذوق المشروب بمقدم الفم، أو إدراك طعمه من ذوقه بهذه الصفة، كما حرره الجوهري وتبعه ابن الأثير في النهاية، وقد مر بيان ذلك، وأنت ترى الفرق الجلي بين الشرب الكثير والشرب القليل وبين طعام الماء بتذوقه في قصة طالوت:
{ قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم } [البقرة: 249] فقد جعل هذا الابتلاء على ثلاثة مراتب:
الأولى البراءة ممن شرب حتى روي والثانية الاتحاد التام بمن لم يذق طعمه البتة،
والثالثة بين بين، وهي لمن أخذ غرفة بيده فكسر بها سور الظمأ ولم يكرع فيروه، هذا ما جرينا عليه في تفسير الآية (ص: 386 وما بعدها ج 2ط الهيئة) وهو ما تغطيه اللغة وجرى عليه جهابذتها في تفسير اللفظ كالزمخشري وتبعه البيضاوي وأبو السعود والرازي والآلوسي وغيرهم، وقالوا إن قوله: (إلا من اغترف غرفة) استثناه من قوله: (فمن شرب منه) إلا أن بعضهم خلط، وأدخل في تفسير الآية ما لا يدل عليه لفظها، تبعا للروايات أو لاصطلاحات الفقهاء فيما يحنث به من حلف أنه لا يشرب من هذا النهر مثلا، وإذا كان هذا هو معنى طعموا فلا فائدة من إباحة تذوق طعم الخمر بمقدم الفم لأحد، فيكون لغوا ينزه كتاب الله عنه.
ولو كان المراد من الآية ما ذكروه لكان نصها: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في شرب القليل من الخمر أو ما لا يسكر ولا يضر من الخمر إذ ما اتقوا إلخ، ولكن أجدر الناس بفهم ذلك منهم من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم ومن خوطبوا بها أولا من فصحاء العرب، ولم يؤثر عن أحد منهم ذلك بل صح عنهم ضده.
روى أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" الفرق بفتح الراء وسكونها مكيال يسع ستة عشر رطلا، وقيل: إن ساكن الراء مكيال آخر يسع 120 رطلا، ورواة هذا الحديث كلهم محتج بهم في الصحيحين إلا أبو عثمان عمر أو عمرو بن سالم قاضي مرو التابعي، فهو مقبول كما قال الحافظ في تقريب التهذيب، ونقل في أصله توثيقه عن أبي داود وابن حبان.
وروى أحمد وابن ماجه والدارقطني وصححه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما أسكر كثيره فقليله حرام" وروى مثله أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث جابر، قال الحافظ ابن حجر: رواته ثقات، في إسناده داود بن بكر بن أبي الفرات قال في التقريب: صدوق، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا بأس به ليس بالمتين، وسئل عنه ابن معين فقال: ثقة.
وروى النسائي والدارقطني عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" وفي رواية أخرى، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قليل ما أسكر كثيره"وأكثر رجال هذا الحديث قد احتج بهم البخاري ومسلم في الصحيحين، وفيهم الضحاك بن عثمان احتج به مسلم في صحيحه، فلم يبق إلا شيخ النسائي محمد بن عبد الله بن عمار نزيل الموصل، قال الحافظ في تقريب التهذيب: ثقة حافظ فهذا حديث صحيح لا مطعون فيه، ولا عبرة بما يوهمه كلام مثل العيني في هذا المقام، فتحريم قليل كل مسكر وكثيره صح في عدة أحاديث وثبت بالإجماع.
قال الحافظ النسائي بعد رواية حديث سعد وما في معناه: وفي هذا دليل على تحريم المسكر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحليلهم آخر الشربة وتحليلهم ما تقدمها الذي يشرب في الفرق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السكر بكليته لا يحدث عن الشربة الآخرة دون الأولى والثانية بعدها وبالله التوفيق اه. أي أن السكر يكون من مجموع ما يشرب لا من الشربة التي تعقبها النشوة.
(شبهة أخرى على تحريم قليل المسكر وعلة تحريمه).
ويعلم من هذه الأحاديث فساد قوله من عساه يقول: إن القليل من الخمر لا تتحقق فيه علة التحريم، والقياس أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، ومتى فقدت العلة كان إثبات الحكم منافيا للحكمة، ووجه فساده: أنه لا قياس مع النص وأن قاعدة سد ذرائع الفساد الثابتة في الشريعة تقتضي منع قليل من الخمر والميسر لأنه ذريعة لكثيره، ولعله لا يوجد في الدنيا ما يشابههما في ذلك.
بينا في تفسير آية البقرة التعليل لكون قليل الخمر يدعو إلى كثيرها كذلك الميسر وكون متعاطيهما قلما يقدر على تركهما (ص267 وما بعدها ج2ط الهيئة) ولهذا يقل أن يتوب مدمن الخمر، لأن ما يبعثه على التوبة من وازع الدين أو خوف الضرر يعارضه تأثير سم الخمر الذي يسمى لغة"الغول"بالفتح واصطلاحا الكحول في العصب الداعي بطبع إلى معاودة الشرب، وهو ألم يسكن بالشرب مؤقتا ثم يعود كما كان أو أشد. ومتى تعارضت الاعتقادات والوجدانات المؤلمة أو المستلذة في النفس رجحت عند عامة الناس الثانية على الأولى، وإنما يرجح الاعتقاد عند الخواص وهم أصحاب الدين القوي والإيمان الراسخ، وأصحاب الحكمة والعزيمة القوية، وهذا الألم الذي أشرنا إليه قد ذكره أهل التجربة في أشعارهم كقول أبي نواس:

وداوني بالتي كانت هي الداء.

وقال الشاعر:

وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها.

وإننا نرى جميع المتعلمين على الطريقة المدنية في هذا العصر وأكثر الناس في البلاد التي تنشر فيها الجرائد والمجلات العلمية يعتقدون أن الخمر شديدة الضرر في الجسم والعقل والمال وآداب الاجتماع، ولم نر هذا الاعتقاد باعثا على التوبة منها إلا للأفراد منهم، حتى إن الأطباء منهم وهم أعلم الناس بمضارهم كثيرا ما يعاقرونها ويدمنونها، وإذا عذلوا في ذلك أجابوا بلسان الحال أو لسان المقال بما أجاب به طبيب عذله خطيب على أكله طعاما غليظا كان ينهى عن أكله إذ قال: إن العلم غير العمل فكما أنك أيها الخطيب تسرد على المنبر خطبة طويلة في تحريم الغيبة والخوض في الأعراض ثم يكون جل سمرك في سهرك اغتياب الناس، كذلك يفعل الطبيب في نهيه عن الشيء لا ينتهي عنه إذا كان يستلذه وأنكرت ذلك على طبيب فقال: لأن أعيش عشر سنين منعما آثر عندي من عشرين، قلت: وهذا مردود على قواعدكم وتجاربكم لأن السكر يحدث الأمراض والأدواء وقد يعيش صاحبها طويلا وصح قولي هذا فيه.
وقد مضت سنة الله تعالى بأن تكون قوة تأثير الدين على أشدها وأكملها في نشأته الأولى كما يفيده قوله تعالى:
{ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } [الحديد: 16] ولهذا ترك جمهور المؤمنين الخمر في عصر التنزيل ولكن بقي من المدمنين من لم يقو على احتمال آلام الخمار وما يعتري الشارب بعد تنبه العصب بنشوة السكر، من الفتور والخمود الداعي إلى طلب ذلك التنبيه، فكان أفراد منهم يشربون فيجلدون ويضربون بالجريد وكذا بالنعال، ثم يعودون راضين بأن يكون هذا الحد الذي يحدونه، أو التعزير الذي يعزرونه، مطهرا من الذنب الديني عند الله تعالى، لا يبالون بعد ذلك ما تحملوا في سبيل الخمر من إيذاء وإهانة.
وقد كان من هؤلاء المدمنين أبو محجن الثقفي رضي الله عنه ولما أبلى في وقعة القادسية ما أبلى، وكان نصر المسلمين على يده، وترك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إقامة الحد عليه، وكان قد اعتقله لسكره، تاب إلى الله تعالى، وعلل توبته في بعض الروايات بأنه كان يشرب عالما أن العقاب الشرعي يطهره، وإذ حابوه به كما ظن تاب إلى الله تعالى خوفا من عقاب الآخرة، ولم يترك سعد عقابه محاباة كما ظن بل لأن الحدود لا تقام في حال الغزو، ولا في دار الحرب، والتعزير يرجع إلى الاجتهاد، والتحقيق أن عقاب السكر تعزير وأن سعدا أداه اجتهاده إلى ترك تعزير أبي محجن بعد أن بذل نفسه في سبيل الله وأبلى يومئذ ما أبلى، ولا مطهر من الذنب أقوى من هذا. وهل يوجد في هذا العصر كثير من الناس يشابهون أبا محجن في قوة إيمانه وقوة عزيمته في دينه؟
(بعض العبر في الخمر).
من آيات العبرة أن الإفرنج الذي يستبيحون شرب الخمر دينا، ويستحسنونه أدبا ومدنية، ويصنعون منه أنواعا كثيرة يربحون منه ألوف الألوف من الدنانير في كل عام قد ألفوا جمعيات للنهي عن الخمور والسعي لإبطالها، وأقوى هذه الجمعيات نفوذا وتأثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن عجائب وقائع تقليد متفرنجي المسلمين للإفرنج ميل بعضهم إلى الدخول في هذه الجمعيات وتأليف الفروع لها في البلاد الإسلامية، وما أغنى المسلمين عن تقليد غيرهم في هذا، وما أجدرهم بأن يكونوا هم الأئمة المتبوعين.
ومن آيات العبرة فيها: أن العرب كانوا يعدون من منافع الخمر الحماسة في الحرب وقوة الإقدام فيها وقد ثبت عند الإفرنج أن السكر يضعف الجنود عن القيام بأعباء الحرب واحتمال أثقالها، فقررت بعض الدول إبطال الخمور الوطنية الشديدة الرواج في بلادها - وأكثر انتفاعها المالي منها - مدة الحرب، ولعل الدول كلها تجمع على هذا بعد، ومع هذا كله لا يزال بعض المسلمين الجغرافيين يتململون من تحريم الإسلام للخمر
{ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } [فصلت: 53].
(استدراكان)
الاستدراك الأول: الخمر نوعان نوع يخمر تخميرا، ونوع يقطر تقطيرا، وأقوى الخمور سما وأشدها ضررا ما كانت مقطرة، ويعبرون عنها بالأشربة الروحية وهذا من مرجحات اختيارنا لقول سيدنا عمر بن الخطاب في تعليل تسمية الخمر، وأنه مخامرتها العقل، وقد بينا جميع ما قيل في ذلك في تفسير آية البقرة (ص257 وما بعدها ج2ط الهيئة) والمرجح الثاني كون هذا القول لإمام من أفصح العرب الخلص، وأما غيره فهو مما استنبطه المولدون من كلام العرب، والثالث أن نقله أصح، فهو مروي في الصحيح وكتب السنن كما تقدم.
وقد استدل بعضهم على كون الخمر مما يعصر، أي لا مما ينبذ ويقطر، بقوله تعالى حكاية عن أحد صاحبي يوسف صلى الله عليه وسلم في السجن
{ إني أراني أعصر خمرا } [يوسف: 36} وهو استدلال ضعيف وسخيف، فإن اتخاذ الخمر من العصير لا ينافي اتخاذها من غيره، وليس في العبارة ما يدل على الحصر، دع ما يمكن أن يقال من أن هذا القول حكاية عن أعجمي في بيان رآه في نومه مما هو معهود في بلاده، فليس بحجة في لغة العرب ولا صناعتهم وصناعة غيرهم للخمر، وبالأولى لا يكون حجة في الشرع.
وقد اشتبه على بعض الناس ما طبخ من العصير قبل وصوله إلى حد الإسكار أو بعده، هل يسمى خمرا أم لا؟ كما اشتبه على الكثيرين أمر النبيذ، من المطبوخ الطلاء وهو الدبس، ويسمى المثلث إذ اشترطوا أن يغلي العصير حتى يبقى ثلثه، ومنه الباذق وهو ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخ حتى صار شديدا، وهو اسم أعجمي، وقيل: أول من صنعه وسماه بذلك بنو أمية وإنه مسكر، وأظن أنه يكون قبل الطبخ مسكر فلا يزيل الطبخ القليل إسكاره، أو يترك فيه الماء بعد طبخه فيختمر كما يختمر العسل، وكذلك كانوا يفعلون بالدبس، ولو جاء الإسكار من طريقة الطبخ لكان نوعا ثالثا من الخمر،
وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن الباذق فقال:"سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق فما أسكر فهو حرام"أي إن العبرة بما يسكر من الشراب ولا عبرة بالأسماء، فالعسل حلال ولكنه يمزج بالماء ويترك حتى يختمر ويسكر فيصير خمرا وكل من عصر العنب ونبيذ الزبيب وغيره حلال، فإذا اختمر وصار مسكرا حرم قطعا وسمي خمرا، لا عصيرا ولا نبيذا، ومتى علم أنه صار مسكرا حرم شرب قليله وكثيره لا قبل ذلك.
على أن من قال من أهل اللغة:"إن الخمر هو المسكر من عصير العنب"إطلاقا لما هو الغالب أو الأهم في عصر تدوين اللغة لم يمنعهم ذلك ولا تسميتهم لبعض الخمر من غيرها بأسماء أخرى أن يطلقوا اسم الخمر على جميع الأشربة المسكرة، فهذا ابن سيده نقل ذلك الإطلاق في المخصص عن صاحب كتاب العين، كما أشرنا إليه في موضعه، وأطال في بيان أسماء الخمر بحسب صفاتها، ثم عقد بابا للأنبذة التي تتخذ من التمر والحب والعسل قال فيه ما نصه:
"أبو حنيفة (أي الدينوري اللغوي): فأما خمور الحبوب فما اتخذ من الحنطة فهو المزر، وما اتخذ من الشعير فهو الجعة، ومن الذرة السكركة والسقرقة عجمي، أبو عبيد: الغبيراء السكركة إلى أن قال ابن دريد: البتع ضرب من شراب العسل، وقد تقدم أنها الخمر بعينها"أشار إلى قوله في باب الخمر:"أبو علي عن العسكري: البتع: الخمر يمانية، وقد بتعنا بتعا خمرنا خمرا، البتاع الخمار"اه. (فائدة لغوية) ذكرنا فيما سبق من التفرقة بين الخمر والنبيذ أن أهل بلاد الشام يسمون النبيذ، نقوعا"وأن الصواب أن يقال نقيع، ثم رأيت في المخصص نقلا عن صاحب العين: النقوع والنقيع (بفتح النون فيها) شيء ينقع فيه الزبيب وغيره ثم يصفى ماؤه ويشرب.
(الاستدراك الثاني) يحتج القائلون بكون الخمر المحرمة بنص القرآن هي ما كان من عصير العنب بأنه هو القطعي المجمع عليه، وغيره ظني مختلف فيه، وهذه العبارة قد تذكر في كثير من كتب الفقه وشروح الحديث مسلمة من غير بحث، وفيها أن أول من قال بهذا القول (من الكوفيين) لا حجة له فيه، فإن أهل الإجماع الذين لا خلاف في إجماعهم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم لم يختلفوا في تحريم ما كان عندهم من خمر البسر والتمر والحنطة والشعير وغيرها، وقد خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة كبار علماء الصحابة وجمهورهم فقال:"أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل"فصرح بأن الخمر كانت من هذه الخمسة عندهم، وأن مراد الشرع تحريم ما كان من غيرها أيضا،
وأن حقيقة الخمر ما خامر العقل، أي خالطه فأفسد عليه إدراكه وحكمه، ومنه الداء المخامر، ومن قال: خامره غطاه; فقد راعى أصل معنى خمر الشيء والمراد واحد، والحديث متفق عليه، ولم يقل إن أحدا من الصحابة أنكر على عمر قوله هذا، ولذلك قال من قال من أهل الحديث والأصول: إن هذا القول له حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو تفسير لحكم شرعي لا يقوله الصحابي برأيه، فإن قال قائل: إنه يمكن أن يقوله باعتبار فهمه للقرآن والسنة، قلنا: إذا كان هذا ما فهمه هذا الإمام في اللغة والدين ووافقه عليه جمهور الصحابة ولم ينقل عن أحد أنه خالفه فيه فهل يمكن أن نجد لنص شرعي تفسيرا أصح وأقوى من تفسير يصرح به أمير المؤمنين على منبر الرسول ويوافقه عليه علماء الصحابة وعامتهم؟ وهل نقل عن الصحابة إجماع مستند أى دليله أقوى من هذا الإجماع؟ فظهر بهذا أن كون كل شراب من شأنه الإسكار خمرا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة المقرين بدليله وبالقياس، فإن قيل: إن هذا من الإجماع السكوتي المختلف فيه قلنا: إنه ليس منه إذ السكوتي عبارة عن قول مجتهدي عصره فلا ينقل عنهم موافقة له ولا إنكار وإن إقرار جمهور الصحابة لقول عمر في حكم الموافقة القولية، وقوله على المنبر جدير بأن ينقل ويشيع، وأن يراجعه فيه البعيد إذا بلغه كالقريب، ولو راجعه أحد في ذلك لعاد إلى ذكر المسألة على المنبر كما فعل عند ما أنكرت عليه المرأة ما كان أراده من الأمر بتحديد المهر، ثم إن إجماعهم العملي على ترك جميع المسكرات منذ نزلت الآية يؤيد ذلك وإذا لم يكن مثل هذا إجماعا فلا سبيل إلى ثبات إجماع قولي قط.
فالحاصل: أن أول من قال بهذا القول في الخمر لا حجة له فيه، بل هو من جعل الدليل عين المدلول، فإنه هو المخالف وحده، فكيف تكون دعواه الخلاف حجة لخلافه؟ هذه مصادرة بديهية، نعم يصح أن يقال: إن هذه شبهة عرضت لمن لم يبلغه النقل عن الصحابة، فهو معذور فيها إلى أن يبلغه النقل، فمتى بلغه زالت الشبهة بالحجة.
وأما من جاء بعد المخالف الأول وبلغه خلافه فشبهته أقوى عند أهل التقليد، وهؤلاء ليسوا من أهل الحجة والبصيرة في الدين، فالكلام معهم لغو ما لم يحكموا الدليل ويرضوا بحكم قوله تعالى:
{ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } {النساء: 59] الآية، فإن رضوا به بينا لهم ما صح من فهم الصحابة لقوله تعالى وعملهم به بغير خلاف، وما صح من قول رسوله:"كل مسكر خمر"ولفظ المسكر اسم جنس.
(تشديد السنة في شرب الخمر).
روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منه حرمها في الآخرة" زاد مسلم في رواية "فلم يسقها" .
قيل: معناه أنه لا يدخل الجنة فيشربه فيها، وقيل: لا يشربها فيها وإن مات مؤمنا ودخلها، لأنه استعجل شيئا فجوزي بحرمانه، وقيل: إلا أن يعفو الله عنه، والقول الأول لا يصح إلا بالحمل على المستحل لشربها، لأنه راد للشريعة غير مذعن لها، ورواية مسلم "فلم يسقها" ظاهرة في رده.
وروي هذا الحديث بلفظ
"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة" وقد عزاه الحافظ المنذري إلى الشيخين وأبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي قال ولفظه في إحدى رواياته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وإن دخل الجنة" وهذا يرد ذلك التأويل أيضا ولكنه لم يمنع المنذري من حكايته كغيره.
وروى أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" وفي رواية البخاري تقدم الخمر على السرقة، قيل: هذا في المستحل، وقيل: النفي لكمال الإيمان: وقيل: وهو خبر بمعنى النهي، وقيل: إن الإيمان يفارق مرتكب أمثال هذه الكبائر مدة ملابسته لها وقد يعود إليه بعدها، وحقق الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء أن مرتكب ذلك لا يكون حال ارتكابه متصفا بالإيمان الإذعاني بحرمة ذلك، وكونه من أسباب سخط الله وعقوبته، لأن هذا الإيمان يستلزم اجتناب العصيان.
وروى أحمد بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقيها" وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر حديثا بمعناه وليس فيه ذكر جبريل، والترمذي وابن ماجه من حديث أنس "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرا: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له" قال الترمذي: حديث غريب.
(حكمة تشديد الإسلام في الخمر دون الأديان السابقة).
(ورد شبهة على تحريمها).
إذا قيل: إن دين الله في حقيقته وجوهره والحكمة منه واحد لا خلاف فيه بين الرسل المبلغين له، وإنما يختلف بعض الشرائع في أمرين أصلين
(أحدهما): ما يختلف باختلاف الزمان والمكان، وأحوال الشعوب والأجيال،
(وثانيهما): ما اقتضته حكمة الله تعالى من سير أمور البشر كلها على سنة الترقي التدريجي الذي من مقتضاه أن يكون الآخر أكمل مما قبله، بهذه السنة أكمل الله تعالى دينه العام، بإنزال القرآن وعموم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قلت: إن في الخمر من الضرر الذاتي، ما كان سببا للقطع بتحريمها وما ذكرت من التشديد فيها، وهذا يقتضي أن تكون محرمة على ألسنة جميع الأنبياء أنفسهم كانوا يشربونها هذه شبهة على تحريم الخمر تحدث بها المحبون لها، واستدل بها بعضهم على حل ما دون القدر المسكر مما سوى خمرة العنب التي زعموا أن نص القرآن قاصرا عليها تعبدا، كما نقل ذلك صاحب العقد الفريد وأمثاله من الأدباء الذين يعنون بتدوين أخبار الفساق والمجان وغيرهم، وأنت ترى أن هذه الشبهة أقوى من شبهة بعض الصحابة التي تقدمت ولا يدفعها جوابك عنها، بل زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من نبيذ مسكر ولكنه مزجه فلم يسكر به، فما قولك في ذلك؟ فالجواب عن هذا من وجهين:
(أحدهما) أن نقل أهل الكتاب ليس بحجة عندنا، ولم يثبت عندنا في كتاب ولا سنة ما ذكروه، وإذا كان قد وجد في المسلمين من حاول إثبات أن شرب ما دون القدر المسكر من الخمور كلها حلال إلا ما اتخذ من عصير العنب وهو أقلها ضرا وشرا مع نقل القرآن بالتواتر، وحفظ السنة وسيرة أهل الصدر الأول بضبط وإتقان لم يتفق مثله لأمة من الأمم في نقل دينها أو تاريخها، فهل يبعد أن يدعي أهل الكتاب مثل هذه الدعوى وينسبونها إلى أنبيائهم وهم لا يقولون بعصمتهم؟
(الوجه الثاني) أننا إذا سلمنا ما ينقلونه في العهدين القديم والجديد من الأخبار الدالة على حل الخمر وعدم التشديد إلا في السكر، نقول (أولا) إن هذا التحريم من إكمال الدين بالإسلام، وقد مهد الأنبياء له من قبل بتقبيح السكر وذمه، ولم يشددوا في سد ذريعته بالنهي عن القليل من الخمر لما كان من افتتان البشر بها ومنافعهم منها، كما فعل الإسلام في أول عهده. (وثانيا) إن الله تعالى ما أكمل دينه العام بالإسلام إلا وهو يعلم أن البشر سيدخلون في طور جديد تتضاعف فيه مفاسد السكر، وأن مصلحتهم وخيرهم أن يتسلح المؤمنون بأقوى السلاح الأدبي لاتقاء شرور ما يستحدث من أنواع الخمور الشديدة الفتك بالأجساد والأرواح التي لم يكن يوجد منها شيء في صور أولئك الأنبياء عليهم السلام، وما ذلك إلا سد ذريعة هذه المفسدة بتحريم قليل الخمر وكثيرها. وهاك بعض ما يؤثر عن كتبهم في ذمها:
جاء في نبوة أشعيا عليه السلام (5: 11 ويل للمبكرين صباحا يتبعون المسكر للمتأخرين في القمة تلهبهم الخمر 12 وصار العود والرباب والدف والناس والخمر ولائمهم، وإلى فعل الرب ينظرون، وعمل يديه لا يرون 13 لذلك سبي شعبي لعدم المعرفة، وتصير شرفاؤه رجال جوع وعامته يابسين من العطش 14 لذلك وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاهها بلا حد) يشير إلى ما استحقوه بذنوبهم تلك من عذاب الدنيا والآخرة.
ثم قال (28: 1 ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادي سمائن المضروبين بالخمر إلى أن قال ولكن هؤلاء ضلوا بالخمر وتاهوا بالمسكر، الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر، ابتلعتهما الخمر، تاها من المسكر، ضلا في الرؤيا) واعلم أن النبي عندهم لا يشترط فيه أن يكون موحى إليه.
ومن شواهد العهد الجديد في ذلك قول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (5: 18 ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة) ونهيه عن مخالطة السكير (1 كو 5: 11) وجزاه بأن السكيرين لا يرثون ملكوت السماوات (غلاه: 21و 1 كو 6: 9، 10).
نبينا صلى الله عليه وسلم لم يشرب الخمر:
أما نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يكن يشرب الخمر في الجاهلية ولا الإسلام كما صرحوا به في سيرته، ولكنه كان يشرب النبيذ، قبل تحريمها وبعده، فإذا اشتبه في وصله إلى حد الإسكار لم يشرب منه كما تقدم، وقد روى الحميدي عن أبي هريرة
"أن رجلا كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم راوية خمر فأهداها إليه عاما وقد حرمت فقال النبي صلى الله عليه وسلم:إنها قد حرمت فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها: قال: أفلا أكارم بها اليهود؟ قال: إن الذي حرم شربها حرم أن يكارم بها اليهود، قال: فكيف أصنع؟ قال: شنها على البطحاء" وهذا حديث يدل على شربه لها، على أنه لم يصح هكذا، ولكن له أصلا في صحيح مسلم وسنن النسائي من حديث ابن عباس قال: "إن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله تعالى حرمها؟ قال: لا، فسار (أي الرجل) إنسانا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بما ساررته؟ قال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها" ومن العجيب أن صاحب المنتقى أورد حديث أبي هريرة وترك حديث ابن عباس الصحيح، وأن الشوكاني لم يتكلم على سنده.
وما روي في المسند من شربه صلى الله عليه وسلم من نبيذ السقاية بمكة وهو ما يشرب منه الناس في الحرم ومن كونه شمه أولا (وقيل ذاقه) فقطب وأمر بأن يزاد فيه الماء فهو إن صح لا يدل على كونه كان مسكرا ولا على كونه شرب منه كان نسخا لتحريم كل مسكر، كما يزعم بعض المفتونين بالنبيذ، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت الرواية دالة على أنهم كانوا مصرين على شرب المسكر وعلى إسقائه للحجاج جهرا في الحرم
وهذا زعم لم يقل به أحد، بل هو منقوص بالروايات المتفق عليها ربما تواتر من أنهم تركوا بعد نزول آيات المائدة كل مسكر وإنما يفسر ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس إذ أذن لهم بالانتباذ في الأسقية (أي قرب الجلد) قال:"فإن اشتد فاكسروه بالماء فإن أعياكم فأهريقوه"وفي رواية ابن عباس أنهم سألوه ماذا يفعلون إذا اشتد في الأسقية فقال:"صبوا عليه الماء فسألوه، فقال لهم في الثالثة أو الرابعة: أهريقوه... الحديث"رواه أبو داود،
وهو يفسر لنا أمره بكسر ما في سقاية الحجاج بالماء إذ شمه فعلم أنه بدا فيه التغير وقرب أن يصير خمرا، وكما أنه لم يصح شربه صلى الله عليه وسلم من النبيذ المسكر لم يصح أيضا ما رواه الدارقطني وابن أبي شيبة من أن رجلا شرب من إداوة عمر فسكر، فجلده وقال: جلدناك للسكر، أي لا لمجرد الشرب.
ويقول بعض النصارى: إن النبي صلى الله عليه وسلم شرب الخمر مع بحيرا الراهب وبعض الصحابة، وأن بعض من سكر من الصحابة قتل الراهب بسيف النبي صلى الله عليه وسلم فكان ذلك سبب تحريم النبي صلى الله عليه وسلم للخمر وهذا قول مختلق لا أصل له البتة، فلم يرو من طريق صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، وبحيرا الراهب لم يجئ الحجاز، وإنما روي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب وغيره من تجار مكة في بصرى بالشام ولما اختبر حاله علم أنه سيكون هو النبي الذي بشر به عيسى والأنبياء (عليهم السلام) وأوصى به عمه وحذره من اليهود أن يكيدوا له، وكانت سن النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، ولم يثبت أن بحيرا أدرك البعثة، وليس النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حرم الخمر كما حرم صيد المدينة وخلاها: بل كان ذلك بوحي تدريجي كما تقدم.
(التداوي بالخمر).
اختلف العلماء في التداوي بالخمر والنجاسات والسموم لحديث طارق بن سويد الجعفي في الخمر سيأتي وحديث أبي هريرة"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث يعني السم"رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه، وحديث أبي الدرداء مرفوعا:"إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام"رواه أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش وهو ثقة في الشاميين كما هنا، ضعيف في الحجازيين وثبت في الصحيحين إذن النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين بالتداوي بأبوال الإبل، قال بعضهم بعدم الجواز مطلقا، وقال آخرون: يجوز بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام، وقال شيخنا محمد عبده: يشترط في التداوي بالخمر ألا يقصد المتداوي بها اللذة والنشوة ولا يتجاوز مقدار ما يحدده الطبيب، وقد جاء في فتاوى المجلد السابع عشر من المنار السؤال والجواب الآتيين:
(السؤال) هل يحل التداوي بالخمر إذا ظن نفعها بخبر طبيب أخذا من آية
{ وما جعل عليكم في الدين من حرج } [الحج: 78] ومن القاعدة المتفق عليها: الضرورات تبيح المحظورات؟ وإذا جوزتم فماذا ترون في حديث"إنها داء وليس بدواء"أو كما ورد؟
(الجواب)
التداوي بالخمر لمن ظن نفعها شيء والاضطرار إلى شربها شيء آخر، فأما الاضطرار فإنما يعرض لبعض الأفراد في بعض الأحوال، وهو يبيح المحرم من طعام وشراب بنص قوله تعالى:
{ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } [الأنعام: 119] ينفي الحرج والعسر وغير ذلك من الأدلة (أي كالنهي عن الإلقاء بالنفس إلى التهلكة) وقد مثل الفقهاء له في شرب الخمر بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر ومثله من دنق من البرد وكاد يهلك ولم يوجد ما يدفع به الهلاك بردا سوى جرعة أو كوب من خمر. ومثله أو أولى منه من أصابته نوبة ألم في قلبه كادت تقضي عليه وقد علم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع عنه الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر القوية كالنوع الإفرنجي الذي يسمونه (كونياك) فإننا نسمع من الأطباء أنه يتعين في بعض الأحيان لعلاج ما يعرض من مرض القلب ودفع الخطر وقد ثبت ذلك بالتجربة، وهذا النوع من العلاج لا يكاد يكون شربا للخمر وإنما يؤخذ منه نقط قليلة لا تسكر، وأما التداوي المعتاد بالخمر لمن يظن نفعها ولو بإخبار الطبيب كتقوية المعدة أو الدم ونحو ذلك مما نسمعه من كثير من الناس، هذا هو الذي كان الناس يفعلونه قبل الإسلام نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ونص الحديث الذي أشار إليه السائل"إنه ليس بداء ولكنه داء"رواه أحمد ومسلم وأبو داود وسببه أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي عن الخمر وكان يصنعها فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقاله، وقوله:"ولكنه داء"وهو الحق وعليه إجماع الأطباء، فإن المادة المسكرة من الخمر سم تتولد منه أمراض كثيرة يموت بها في كل عام ألوف كثيرة، والسموم قد تدخل في تركيب الأدوية، ولكن الذين يشربون الخمر ولو بقصد التداوي بها لا يلبثون أن يؤثر في أعصابهم سمها، فتصير مطلوبة عندهم لذاتها، أي لا لمجرد التداوي بها، فيتضررون بسمها، فلا يغترن مسلم بأمر أحد من الأطباء بالتداوي بها لمثل ما يصفونها له عادة والله الموفق اه.
هذا ما أجبنا به عن ذلك السؤال ونزيد في إيضاحه بالقواعد الشرعية واعتبار القياس فنقول إن المقدار المسكر من الخمر محرم لذاته، أي لما فيه من الضرر والمفاسد التي بينا أنواعها في تفسير آية البقرة وما دون ذلك محرم لسد الذريعة كما بيناه في تفسير هذه الآيات،
والقاعدة أن ما حرم لذاته يباح للضرورة إن كان مما يضطر إليه كأكل الميتة ولحم الخنزير، ومنه شرب الخمر كما تقدم في الفتوى آنفا، (وليس منه مثل الزنا كما لا يخفى) ويعبرون عن هذه القاعدة بقولهم:"الضرورات تبيح المحظورات"وإذا وصل التداوي بالخمر إلى حد الإضرار إليه بشهادة الثقة من الأطباء يجب أن يراعى فيه قاعدة"الضرورات تقدر بقدرها"فلا يجوز الزيادة على ما يقول الطبيب حتى إذا حدده بالنقط امتنع زيادة نقطة واحدة،
وأما المحرم لسد الذريعة فقد يباح للحاجة كرؤية الطبيب لعورات الرجال والنساء لأجل التداوي فالتداوي بالخمر على هذا جائز مطلقا أو إذا لم يوجد غيره يقوم مقامه، وعده بعضهم كتداوي العرنيين بأبوال الإبل بناء على أن علة المنع أن كلا منهما نجس عند القائلين بذلك من الفقهاء كالشافعية،
وظاهر حديث طارق بن سويد أن الخمر لا يجوز أن يكون دواء فيكون مستثنى من القاعدة ولا قياس مع النص، هذا إذا كان التداوي بالخمر مباشرة لغير اضطرار، أما دخول نقط من الخمر في علاج مركب تكون أجزاء الخمر فيه مغلوبة غير ظاهرة ولا من شأنها أن تسكر فلا يدخل في ذلك فهو كالقليل من الحرير في الثوب.
(أسباب ترجيح شرب الخمر الضار على حفظ الصحة والعقل والدين).
ثبت بالاختبار والإحصاء الذي عني به الإفرنج أن أكثر من يبتلون بشرب الخمر لا يقدمون على شربها إلا بإغراء القرناء والمعاشرين والأصحاب، وأنهم يحتسونها في أول العهد إلا كرها، لبشاعة طعمها ولاعتقاد الكثيرين منهم أنهم يقدمون على عمل منكر أو ضار ولكن غريزة التقليد في الإنسان وضعف إرادة أكثر الناس عن مخالفة العشراء والخلان، هما اللذان يمهدان السبيل لطاعة الشيطان.
أما الشبهة التي يرجح به العالمون بضرر الخمر داعيتي التقليد ومواتاة العشراء أولا وطاعة غول الخمر آخرا على داعية المحافظة على صحة الجسم والعقل، فهي ظنه أن الضرر المتيقن إنما يكون بالإسراف في الشرب، والانهماك في السكر، وأن شرب القليل من الخمر إما أن ينفع وإما ألا يضر، فلا ينبغي أن يترك فيه من لذة النشوة والذهول عن المكدرات ومن مجاملة الإخوان، لتوهم ضرر نجا منه فلان وفلان،
ولو سأل هؤلاء المخدوعون من سبقهم إلى هذه المحنة وأسرفوا في السكر حتى أفسد عليهم صحتهم وعفتهم وبيتهم وثروتهم: هل كنتم يوما بدأتم بشرب الإثم تنوون الإسراف فيه وإدمانه؟ لأجابهم جميع من سألوهم أو أكثرهم لا لا، وإنما كنا ننوي أن نشرب القليل، وما كنا لنعلم أن القليل يقسرنا على الكبير، ويرمينا بعد ذلك بالداء الوبيل حتى لا نجد إلى الخروج من سبيل;
ومن هنا تعلم أن ما ذكرناه من قبل في تعلل شرب بعض المتعلمين الأطباء للخمر من أن العلم لا يستلزم العمل مبني على التسامح والأخذ بالظاهر فالعلم يستلزم العمل ما لم يعارضه ما هو أرجح منه.
وأما المؤمنون بتحريم الخمر فلهم شبهات متعددة لا شبهة واحدة فمنهم من تعلق بقول من ذهب إلى أن الخمر المتخذة من عصير العنب هي المحرمة لذاتها وأن ما عداها من المسكرات لا يحرم منه إلا القدر المسكر بالفعل، أو الحسوة الأخيرة التي تعقبها نشوة المسكر، وأولوا ما ورد في الأحاديث الصحيحة من النص على تحريم كل مسكر بأن لفظ المسكر وصف لموصوف محذوف، وأن المراد أن المقدار المسكر من الشراب بالفعل هو الحرام
وقد بينا رد هذا فيما سبق، وأن لفظ مسكر في تلك الأحاديث اسم جنس يعم كل شراب من شأنه الإسكار، ولذلك ورد في الصحيح مقرونا بكل كقوله صلى الله عليه وسلم:
"كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" كما تقدم لا يمكن أن يكون المعنى كل مقدار مسكر بالفعل يسمى خمرا، كما هو بديهي عند كل من له شمة من هذه اللغة، وكما يعرف بالعقل، لما ترتب عليه من التناقض أيضا، فإن المقدار المسكر لزيد ربما لا يكون مسكرا لعمرو،
ولا يزال بعض الناس يبحث عن بعض الأخبار والآثار حتى الضعيفة والموضوعة ليستدل بها على أن شرب القليل من المسكر غير محرم، وإن كانت وقائع أحوال لا يحتج بها على فرض صحتها ويجعل ذلك مخرجا على نص القرآن والأحاديث المتفق عليها وعمل أهل الدين من السلف والخلف، قد تقدم تفنيد المزاعم ودحض الشبهات التي يتوكأ عليها هؤلاء الناس وأمثالهم كالذين زعموا أن تحريم كل مسكر قد نسخ،
نعم روى الطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة أن ابن مسعود قال في حديث:
"كل مسكر حرام" هي الشربة التي تسكر، وحجاج هذا ضعيف ومدلس وما زعمه مردود لغة فلا يقوله مثل ابن مسعود.
وإنما نريد أن نشير إلى تعلات من يقدمون على شرب أي نوع من أنواع الخمر لأجل السكر وهم يعتقدون أن ذلك من كبائر المعاصي، وفقد فات زمن الذين كانوا يغشون أنفسهم والناس بترك النبيذ الذي هو نقيع الزبيب والتمر ونحوهما زمنا يسكر فيه كثيره ثم قليله ويشربونه على توهم أنه حلال، فإن سكروا أحالوا على غفلتهم عن الكثرة أو على جور السقاة عليهم وكابروا أنفسهم بأنهم لم يكونوا يقصدون السكر، كما كان يقع من بعض المترفين في القرون الأولى، حتى عزي إلى بعض الخلفاء العباسيين، وبعض رجال العلم والدين.
من اختبر حال المبتدئين بشرب الخمر على اعتقاد ضررها في الدنيا، والمبتدئين بشربهم على اعتقاد ضررها في الآخرة، يرى بينهما شبها في أن كلا منهما ينوي في أول الأمر أن يقتصر على القليل الذي لا يترتب عليه فساد يذكر، فأما الذين يقلدون من قالوا إن القليل من غير خمر العنب ليس كالكثير فيكون اطمئنانهم أشد،
وأما الذين يتبعون النصوص ويوافقون الجمهور في تحريم قليل ما أسكر كثيره فمنهم المتفقهة وغير المتفقهة فالمتفقهة يعللون أنفسهم أولا بمسألة علة التحريم وحكمته، وقد فندنا شبهتهم هذه فيما سبق، وغير المتفقهة يعتمدون على عفو الله تعالى قبل التعود والإدمان، كما يعتمدون عليه هم والمتفقهة بعده عندما يعلمون بالاختبار والعمل أن قليل الخمر يفضي إلى كثيرها، ويرون أنفسهم قد انغمست في شرورها ومفاسدها.
فالتكأة الأخيرة لمن يشرب الخمر من أهل الدين هي تكأة أكثر المرتكبين لسائر المعاصي وهي الغرور بكرم الله وعفوه، إما بضميمة الاعتماد على بعض الأعمال الصالحة ولا سيما ما يسمى منها بالمكفرات، أو على الشفاعات، وإما بدون ضميمة، ومن مكفرات الذنوب ما له أصل في السنة ومنها ما لا أصل له، وما له أصل قيدوه بالصغائر أو بمقارنة التوبة له، وقد فندنا جهل هؤلاء وغرورهم في مباحث التوبة الكفارة من تفسير سورة النساء (راجع تفسير):
{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } [النساء: 17] (راجع ص268 وما بعدها ج4ط الهيئة) وتفسير: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31] (في ص 39 وما بعدها ج5 ط الهيئة) وهذا الجهل والغرور يرسخ في قلوب هؤلاء، بما نظمه وينظمه لهم فساق الشعراء، كقول أبي نواس الشهير بالسكر والفجور:

تكثر ما استطعت من المعاصي ... فإنك واجد ربا غفورا تعض ندامة كفيك مما
... تركت مخافة النار السرورا

وقوله من قصيدة يذكر بها استعانته بالخمر على الفجور بغلام نصراني هرب منه إلى دير وترهب فيه:

ورجوت عفو الله معتمدا ... على خير الأنام محمد المبعوث.

لو صح ما يهذي به هؤلاء الفجار، لكان الدين كله لغوا وعبثا لا حاجة إليه وحاشا لله.
(توضيح واستدراك وتصحيح).
في بحث عدم شرب نبينا صلى الله عليه وسلم الخمر.
حديث إهداء الخمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم المعزو إلى الحميدي في (ص74) من حديث أبي هريرة وإلى مسلم والنسائي من حديث ابن عباس رواه أحمد وكذا البغوي عن طريق عبد الله بن لهيعة وسليمان بن عبد الرحمن عن نافع بن كيسان الثقفي عن أبيه:
"أنه كان يتجر في الخمر وأنه أقبل من الشام فقال: يا رسول الله إني جئتك (في الإصابة: جئت) بشراب جيد فقال صلى الله عليه وسلم: يا كيسان إنها حرمت بعدك، قال: أفأبيعها؟ قال: إنها حرمت وحرم ثمنها" وفي توثيق ابن لهيعة وسليمان وتضعيفهما مقال معروف.
وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية خمر فلما كان عام حرمت جاء براوية فقال:"أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟ قال: أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فنهاه".
ذكر الحافظ بن حجر الحديثين في الفتح وقال أولا: إن في حديث أحمد الأول أن المهدي كان من ثقيف أو دوس وأن ذلك كان عام الفتح، ثم قال: ويستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس (أي الذي رواه مسلم والنسائي أقول: وكذا في حديث أبي هريرة الذي عزاه صاحب المنتقى إلى الحميدي) ومن حديث تميم تأييد الوقت المذكور فإن إسلام تميم كان بعد الفتح. اه.
وأقول: قد اتضح من مجموع الروايات أن تميما هو الذي قالوا إنه كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم راوية خمر في كل عام دون كيسان، وتميم هذا قد أسلم سنة تسع من الهجرة كما نقله الحافظ في الإصابة وأشار إليه في الفتح، فهو لم يدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا سنة واحدة كانت الخمر محرمة فيها باتفاق الروايات، فإهداؤه الراوية إليه في كل عام كما قيل متعذر فهذا حديث ينقض نفسه بنفسه فلا يحتج به، على فرض قوة سنده، على أنه لو صح متنا وسندا لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب من تلك الخمر ولم ينقل أحد، وأنه ليوجد كثير من الناس يقتنون الخمر ولا يدينون الله بحرمتها وهم مع ذلك لا يشربونها، وقد يشربها بعض أهل البيت منهم دون بعض ويقدمونها للضيوف، فالاقتناء لا يدل على الشرب.
وأما حديث شربه صلى الله عليه وسلم من نبيذ السقاية الذي أشرنا إليه في ص74 يعزوه إلى المسند فقد رواه النسائي أيضا من طريق يحيى بن يمان عن أبي مسعود قال:"عطش النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة فاستسقى فأتي بنبيذ من السقاية فشمه فقطب فقال: علي بذنوب من ماء زمزم فصب عليه ثم شرب، فقال رجل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا"
وقد صرح أحمد والنسائي راوياه بضعفه، لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب سفيان وهو ضعيف، قال النسائي: ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غيره محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمد الكذب إلا أنه يخطئ ويشبه عليه، وقال غيرهم: كان سريع الحفظ سريع النسيان، كان يحفظ في المجلس الواحد خمسمائة حديث، وقال الحافظ في الفتح: وقد ضعف حديث أبي مسعود المذكور النسائي وأحمد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم ينفرد يحيى بن يمان يرفعه وهو ضعيف.
وفي معنى حديث السقاية حديث ابن عمر:
"رأيت رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه نبيذ وهو عند الركن ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فرده على صاحبه، فقال له رجل من القوم: يا رسول الله أحرام هو؟ فقال: علي بالرجل فأتي به فأخذ منه القدح ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطب ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم قال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء"

رواه النسائي من طريق عبد الملك بن نافع وقال فيه: ليس بالمشهور ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته، ثم أورد الروايات عنه بأنه قال:"اجتنب كل شي ينش"وقال:"المسكر قليله حرام وكثيره حرام"وغير ذلك،
وقال الذهبي: عبد الملك بن نافع عن ابن عمر مجهول مرة وخبره منكر.
أقول: طالما دس المتلاعبون بالروايات أسماء المجهولين في الأسانيد الصحيحة ليروجوا بها ما يفترونه فأبطل رجال الجرح والتعديل دسيستهم ولو ثبت هذا الحديث لجاز القول بأن ذلك الشراب كان قد بدأ فيه التغير ولم يصل إلى حد الإسكار فكسره بالماء لئلا يصير مسكرا ولا يمكن موافقته للروايات الصحيحة إلا بهذا.
وقد روى النسائي والبيهقي نحوا من هذا عن عمر، ولفظ النسائي: عن يحيى بن سعيد سمع سعيد بن المسيب يقول:"تلقت ثقيف عمر بشراب فدعا به فلما قربه إلى فيه كرهه فدعا به فكسره بالماء فقال: هكذا فافعلوا"ثم روى عن عتبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي قد شربه عمر قد تخلل (أي صار خلا) وذكر الحافظ الأثر في الفتح عن البيهقي وفيه أنه قطب وجهه"وقال: قال نافع: والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسكار حين ذاقه، ولكنه تخلل، وعن عتبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل
وروى الأثرم عن الأوزاعي وعن العمري أن عمر إنما كسره بالماء لشدة حلاوته، ثم جمع الحافظ بين القولين بأن ذلك كان في حالتين، وأنه لما قطب كان لحموضته، ولما لم يقطب كان لحلاوته.
وجملة القول: أن ما ورد من كسر النبيذ بالماء يدل مجموعه على أن يكسر إذا أخذ في الاشتداد والتغير خشية أن يصير مسكرا، فأما إذا صار مسكرا فلا علاج له إلا إراقته كما ورد في الحديث المرفوع، إذ لا يباح حينئذ قليله ولا كثيره، ولو أزيل تأثيره بالماء، والمراد بالاشتداد الذي ورد في الأخبار والآثار اشتداد الحموضة أو الحلاوة كما قاله البيهقي، ومثله الاغتلام.
وروى النسائي عن عمر أنه قال:"إذا خشيتم من نبيذ شدته فاكسروه بالماء، قال عبد الله: من قبل أن يشتد"انتهى ويمكن أن يحمل على هذا التفسير كل ما ورد في الاشتداد على طريقة العرب في التغير بالفعل عن قرب وقوعه وإرادته.
ومن الاستدراك على ما تقدم حديث أبي بردة بن نيار "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" قال النسائي هذه حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، ولا نعلم أن أحدا من أصحاب سماك تابعه عليه وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين وخطأه فيه أحمد أيضا. ومثله حديث عائشة"اشربوا ولا تسكروا"قال النسائي: وهذا غير ثابت أيضا، وقال في قرصافة راويته عن عائشة لا يدرى من هي، والمشهور عن عائشة خلاف ما روته عنها قرصافة، ثم ذكر الروايات عنها في ذلك كقولها:"لا أحل مسكرا وإن كان خبزا وإن كان ماء"وقولها للنساء:"وإن أسكركن ماء حبكن فلا تشربنه"أقول: كذبوا على عائشة كما كذبوا على ابن عمر بخلاف ما صح عنهما.
وجملة القول أنه لم يصح في هذا المعنى شيء، على أنه يمكن حمل معناه على ما يوافق سائر النصوص وهو الإذن بشرب النبيذ (النقيع) إذا علم أنه لم يختمر فيصير مسكرا لئلا يكسر به، وأما حمله على الأحاديث الكثيرة في تحريم كل مسكر وفي تسميته خمرا على المسكر بالفعل فهو تحريف للغة وإفساد لها كما تقدم، وإني لأعجب كيف يقول عاقل إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الصحابة بأن يشربوا من المسكر وألا يسكروا، هل يتيسر لواحد من ألف من الناس أن يشرب من المسكر ولا يسكر؟
(عقوبة شارب الخمر).
ثبت في أحاديث الصحيحين مجتمعين ومنفردين"أنه كان يؤتى بالشارب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيضرب بالأيدي والجريد والثياب والنعال"وفي حديث أنس عند أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي"أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين، قال وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر"وفي الصحيحين عن علي كرم الله وجهه"ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت وأجد في نفسي شيئا إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته (أي دفعت ديته) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه".
وفي صحيح مسلم: "أن عثمان أتى بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين وقال: أزيدكم فشهد عليه حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، وأمر بجلده، فجلده عبد الله بن جعفر وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي"أقول: يعني الأربعين الذي أمر بها، وقوله:"وكل سنة"معناه أنه جرى به العمل، وهذا لا يعارض قوله في رواية الصحيحين:"أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن حد الخمر;"لأن ضربه أربعين مرة واحدة لا يعد سنة محدودة له مع مخالفته غير مرة، وإنما صار سنة عملية لجري أبي بكر عليه،
ويستفاد من مجموع الروايات أن المشروع في العقاب على شرب الخمر وهو الضرب المراد منه إهانة الشارب وتنفير الناس من الشرب، وإن ضرب الشارب أربعين وثمانين كان اجتهادا من الخلفاء فاختار الأول أبو بكر لأنه أكثر ما وقع بين يدي النبي واختار عمر الثمانين بموافقته لاجتهاد عبد الرحمن بن عوف بتشبيهه بحد قذف المحصنات،
وروى الدارقطني هذا الاجتهاد عن علي أيضا، قال:"إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة"ورواه عنه غيره بروايات فيها مقالات تراجع في كتب الحديث لأهله، فمنها يعرف الصحيح وغير الصحيح لا من كتب الفقهاء التي يورد أهل كل مذهب منها مما يقوي مذهبه، ويضعف مذهب غيرهم.
(فائدة في المشروع من المسابقة والرماية).
ذكرنا في الكلام على الميسر أن أخذ المال في المسابقة جائز شرعا، وقد يتوهم بعض العامة منه أن مسابقة الخيل في مصر وغيرها من ذلك الجائز، وما هي إلا من القمار المحرم، وأما الجائز شرعا فحكمته أنه من الاستعداد للقتال في سبيل الله،
وقد اشترط فيه أن يكون السبق بفتح السين والباء وهو الجعل الذي يكون لصاحب الفرس السابق إما عن الإمام (أي الخليفة والسلطان) وهذا لا خلاف فيه، وإما من أحد المتسابقين وعليه الجمهور، ولا يجوز أن يكون مال السبق من كل منهما، وإذا دخل بينهما ثالث اشترط أيضا ألا يخرج من عنده شيئا،
وبهذه الشروط السابقة من معنى الميسر والقمار، وما اشترطه الفقهاء من كون المسابقة معروفة الابتداء والانتهاء، وكون الجعل والمسافة التي يستحق بها معلومين وكون الفرسين أو الأفراس معينة، وكون كل منهما أو منها يحتمل أن يسبق كل ذلك مما يشترطه المقامرون أيضا ويزيدون عليه.
روى أحمد بسند رجاله ثقات عن ابن عمر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بالخيل وراهن"وفي لفظ:"سابق بين الخيل وأعطى السابق"وروى بسند رجاله ثقات أيضا من حديث أنس وقيل له: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكان رسول صلى الله عليه وسلم يراهن؟ قال: نعم، والله لقد راهن على فرس يقال له سبحة فسبق الناس فبهش لذلك وأعجبه"
وروى الشافعي وأحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم عن طرق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" ولم يذكر ابن ماجه"أو نصل"صححه ابن القطان وابن حبان وحسنه الترمذي، والمراد بالنصل السهام، وعبر عن السهم بحديدته الجارحة، يقاس على الرمي بالسهم الرمي ببندق الرصاص وقذائف المدافع، وأجاز الشافعي المسابقة على الأقدام بعوض، وهذا من الرياضة القوية للأبدان على القتال وغيره من الأعمال.