التفاسير

< >
عرض

يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٩٤
يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ
٩٥
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٩٦
-المائدة

تفسير المنار

بينا في تفسير الآية (90) أن هذه السورة افتتحت بآيات من أحكام الحلال والحرام في الطعام وأحكام النسك (ومنها الصيد في أرض الحرام أو في حال الإحرام) وتلاها سياق طويل في بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم، ثم عاد الكلام إلى شيء من تفصيل تلك الأحكام إلخ،
ونقول الآن إن الله جلت آلاؤه نهى عباده المؤمنين عن تحريم الطيبات ومن الاعتداء فيها وفي غيرها، وأمرهم بأكل الحلال والطيب، ولما كان بعض المبالغين في النسك قد حلفوا على ترك بعض الطيبات بين لهم بهذه المناسبة كفارة الأيمان، ثم بين لهم تحريم الخمر والميسر لأنها من أخبث الخبائث، فكان هذا وذاك متمما لما في أول السورة من أحكام الطعام والشراب، وناسب أن يتمم أحكام الصيد في الحرم والإحرام أيضا فجاءت هذه الآيات في ذلك.
وقال الرازي في مناسبة هذا لما قبله ما نصه: ووجه النظم أنه تعالى كما قال:
{ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } [المائدة: 87] ثم استثنى الخمر والميسر من تلك فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد عن المحللات وبين دخولهم في المحرمات انتهى وما قلناه خير منه وأصح، وليس الخمر والميسر من الطيبات فيستثنيان منها بل هما رجس خبيث.
{ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} الابتلاء: الاختبار، والصيد مصدر أطلق على ما يصطاد من حيوان البحر مطلقا ومن حيوانات البر الوحشية لتؤكل، وقيل مطلقا فيدخل فيه غير المأكول لحمه إلا ما أبيح قتله كما يأتي وتقدم تفصيل الكلام في الصيد في تفسير أول السورة، وسيأتي في تفسير الآية التالية الخلاف فيما يكفر به المحرم عن صيده
ووصف الصيد بكونه تناله الأيدي والرماح يراد به كثرته وسهولة أخذه، وإمكان الاستخفاء بالتمتع به، وروي عن ابن عباس ومجاهد: أنه ما يؤخذ بالأيدي صغاره وفراخه وبالرماح كباره،
وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية: فكان الوحش والطير تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون.
ووجه الابتلاء بذلك أن الصيد ألذ الطعام وأطيبه، وناهيك باستطابته وبشدة الحاجة إليه في السفر الطويل كالسفر بين الحرمين، وسهولة تناول اللذيذ تغري به، فترك ما لا ينال إلا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من الله تعالى كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة، وقد قيل: إن من العصمة ألا نجد، وهل يعد ترك الزنا ممن لا يصل إليه إلا بسعي وبذل مال وتوقع فضيحة كترك يوسف الصديق له إذ غلقت امرأة العزيز الأبواب دونه وقالت: هيت لك؟
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إن الله تعالى يقسم بأنه سيختبركم بإرسال شيء كثير من الصيد أو ببعض من أنواعه يسهل عليكم أخذ بعضه بأيديكم وبعضه برماحكم
{ليعلم الله من يخافه بالغيب} أي يبتليكم به وأنتم محرمون ليعلم من يخافه غائبا عن نظر الناس غير مراء ولا خائف من إنكارهم، فيترك أخذ شيء من الصيد ويختار شظف العيش على لذة اللحم خوفا من الله تعالى وطاعة له في سره، أو يخافه حال كونه متلبسا بالإيمان بالغيب الذي يقتضي الطاعة في السر والجهر، فإذا وقع ذلك منكم علمه الله تعالى لأن علمه يتعلق بالواقع الثابت، ويترتب على علمه به رضاه عنكم وإثباتكم عليه كما يعلم حال من يعتدي فيه، وقد بين جزاءه في الجملة الآتية، فدل ذلك على ما حذف من جزاء من يخافه،
والمشهور أن المراد بمثل هذا التعبير أنه تعالى يعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن يعلم الشيء وإن كان علام الغيوب، لأن هذا من ضروب تربيته لكم وعنايته بتزكيتكم، وقد تقدم تفسير مثل هذا التعليل بعلم الله تعالى (راجع ص7 ج2 وص142 ج4 وما بعدهما ط الهيئة).
{فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} أي فمن اعتدى بأخذ شيء من ذلك الصيد بعد ذلك البيان والإعلام الذي أخبركم الله به قبل وقوعه فله عذاب شديد الألم في الآخرة قيل: وفي الدنيا بالتعزير والضرب لأنه لم يبال باختبار الله له، بل سجل على نفسه أنه لا يخاف الله تعالى بالغيب، ولكنه قد يخاف لوم المؤمنين وتعزيرهم إذ هو أخذ شيئا من الصيد بمرأى منهم، وهذا شأن المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، لا شأن المؤمنين الصادقين الأبرار.
{يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} هذا النداء توطئة لبيان ما يجب على المحرم المعتدي في الصيد من الجزاء والكفارة في الدنيا، سبق في أول السورة تحريم الصيد على من كان محرما بحج أو عمرة ومن كان في أرض الحرم، وقد أعاده هنا ليرتب عليه جزاءه، وتقدم هناك أن الحرم بضمتين جمع حرام وهو المحرم بحج أو عمرة وإن كان في الحل.
{ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} أي ومن قتل شيئا من الصيد وهو محرم قاصد لقتله فجزاؤه أو فعليه جزاء من الأنعام مماثل لما قتله في هيئته وصورته إن وجد، وإلا ففي قيمته، وقيل: في قيمته مطلقا وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك،
قرأ عاصم وحمزة والكسائي " فجزاء " بالرفع والتنوين و " مثل " الرفع والإضافة لما بعده، وهو ظاهر،
وقرأ الباقون بإضافة جزاء إلى مثل وهو مخرج على أن مثل الشيء عينه، على حد
{ ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] أو هو من قبيل خاتم فضة أي من فضة، وأن المعنى فعليه جزاء الذي قتله، أي جزاء عنه،
وقال الزمخشري: أصله " فجزاء مثل ما قتل " بنصب مثل بمعنى فعليه أن يجزي مثل ما قتل من النعم ثم أضيف كما نقول: عجبت من ضرب زيدا، ثم من ضرب زيد اه.
قتل المحرم بحج أو عمرة الصيد حرام بالإجماع لنص الآية، ولكن أكل المحرم ما صاده من ليس بمحرم مختلف فيه، فقيل: يحرم مطلقا عملا بظاهر الآية الآتية، وحديث الصعب بن جثامة عن أحمد ومسلم وغيرهما، وقيل: يجوز مطلقا، لما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلوا مما أهدي إليهم من لحم الحمار الوحشي
وهو التحقيق الذي يجمع به بين الروايات كما يدل عليه حديث أبي قتادة في الصحيحين وغيرهما، وهو الذي صاد الحمار الوحشي وأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية.
وقد اختلفوا في الصيد الذي نهت الآية عن قتله، فقال الشافعي: هو كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا جزاء في قتل الأهلي وما لا يؤكل لحمه من السباع والحشرات وهي كبيرة في مذهبه، ومنها الفواسق الخمس التي ورد الإذن في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بقتلها في الحل والحرم وهي الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. وأخرجاه أيضا عن طريق مالك وأيوب عن نافع عن ابن عمر، قال أيوب: قلت لنافع فالحية: قال: الحية لا شك فيها ولا يختلف في قتلها، وألحق مالك وأحمد وغيرهما بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد لأنها أشد ضررا منه،
وقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة: الكلب العقور يشمل هذا السباع العادية كلها، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب الجزاء في قتل كل حيوان إلا الفواسق الخمس، وجعل الذئب منها لأنه كلب بري، والمراد بالغراب الأبقع الضار لا الأسحم الذي يؤكل فإنه صيد،
الحاصل أن الحيوانات الضارة التي تقل اتقاء ضررها، لا جزاء على المحرم إذا قتلها، طلب ذلك بعضهم، قال الحافظ ابن كثير وقال مالكرحمه الله : لا يقتل الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه، وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه، وروي مثله عن علي كرم الله وجهه،
وقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما يقتل المحرم؟ فقال
"الحية والعقرب والفويسقة (أي الفأرة) ويرمي الغراب ولا يقتله والكلب العقور والحدأة" رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي عن أحمد بن منيع كلاهما عن هشيم، ثم ذكر أن الترمذي حسنه.
واختلفوا في اشتراط التعمد لوجوب الجزاء، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يشترط التعمد وقالوا: إن الكتاب دل على جزاء المتعمد وسكت عن جزاء المخطئ ولكن السنة مضت بأن عليه الجزاء أيضا، قاله الزهري:
والجمهور على أن المتعمد والقاصد لقتله مع ذكره لإحرامه وعلمه بحرمة قتل ما يقتله، ومنهم من يشترط نسيان الإحرام، ولم نر للجمهور حديثا مرفوعا يدل على تغريم المخطئ، ولا رواية صحيحة صريحة في كون ذلك كان من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، إلا ما رواه الحاكم عن عمر أنه كتب بذلك،
وروى الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ، وما قاله الزهري أصرح منه، ولكن لا يعد مثل هذه دليلا شرعيا، ولذلك احتج الشافعي بالقياس على قتل الخطأ لا بالروايات،
ويشبه أن يكون قول عمرو بن دينار حكاية للإجماع ولكن لا يصح، فالخلاف في المسألة مروي عن ابن عباس وطاوس وسعيد بن جبير كلهم صرحوا باشتراط العمد وعبارة طاوس: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، إنما يحكم على من أصابه عمدا، والله ما قال الله إلا " ومن قتله منكم متعمدا " وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن سيرين اشتراط العمد للقتل مع نسيان الإحرام، والروايات في الخلاف مفصلة في الدر المنثور وغيره، واشتراط العمد مذهب داود الظاهري، وقد شرح الرازي استدلاله بالآية شرحا يؤذن باختياره له.
وروي عن سعيد بن جبير ما يصح أن يكون بيانا لسبب الخلاف لولا إجمال فيه، وذلك قوله: إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمدا ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا، وانتهى
ولم يبين من أين جاء التغليظ، فإن صحت الرواية عن عمر أنه كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعند جاز أن يكون هذا اجتهادا منه في أحوال خاصة لسده ذريعة صيد العمد في حال الإحرام، كما فعل في إمضاء الطلاق الثلاث باللفظ الواحد لمنع الناس منه ثم يتبعه الجمهور في هذا وذاك لأن الإمام الأعظم تجب طاعته في المسائل الاجتهادية ومراعاة المصلحة التي أرادها وعدم تعديها،
ومن لم يتبعه في ذلك ولا سيما بعد انقضاء خلافته يقول: إن اجتهاده ليس شرعا ولا دليلا من أدلة الشرع، فكيف يؤخذ على علاته فيما كان كمسألتنا من المسائل المنصوصة في القرآن أو التي مضت فيها السنة قبله وفي صدر خلافته كمسألة الطلاق الثلاث؟ هذا مع علمنا بأنه كان يخطئ فيرجع فيعترف بخطئه ويرجع عنه.
فإن قيل: إن العلماء المجتهدين قد اتبعوه في ذلك لإقرار الصحابة إياه عليه وعدم معارضتهم له كعادتهم فيما يرونه خطأ قلنا: إنه لم يثبت أنه عرض مسألة تغريم من قتل الصيد خطأ عن الصحابة وأقروه عليها، وإنما قال الحكم: " إنه كتب، ولم يقل لمن كتب " والظاهر إن صح أنه لبعض عماله، ويحتمل أن يكون في واقعة حال اقتضت ذلك ونص كتابه لم يذكر في الرواية،
والحكم الذي روى هذا الأثر هو ابن عتيبة الكندي الكوفي كما يظهر من إطلاق اسمه وهو على توثيق الجماعة له من المدلسين كما قال ابن حبان في الثقات وقال فيه ابن مهدي: الحكم بن عتيبة ثقة ثبت ولكن يختلف معنى حديثه، ولم نقف على رجال السند إليه عند الذين رووا الأثر عنه وهم ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور لنعرف درجة روايتهم، وجملة القول أن هذا الأثر ليس بحجة، وسيأتي ما صح من حكم عمر.
بعد كتابة ما تقدم راجعت تفسير شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، فإذا به قد أورد في روايته قول من قالوا: إن المراد من التعمد في الآية هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله لإحرامه حال قتله إياه، وقول من قالوا: إنه العمد لقتله مع ذكر قاتله لإحرامه ولكنه ذكر في هذه الروايات قول من قالوا بالجزاء في العمد بالكتاب وفي الخطأ بالسنة أو لسد الذريعة وحفظ حرمات الله أي بالقياس ثم قال:
" والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله تعالى حرم قتل صيد البر على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما بقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ثم بين حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله ولم يخصص المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه، ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه بل عم في إيجاب الجزاء على كل قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا، وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نص كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع عن الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه، فإذا كان كذلك فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه، أم عامدا قتله ناسيا لإحرامه، أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه، فإن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو: (مثل ما قتل من النعم) إلخ.
أقول: هذا هو الاستدلال الصحيح المبين، لكن لا يظهر دخول القسم الأخير من التفصيل فيه، وهو قوله: " أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه " ; لأن هذا من قتل الخطأ لا العمد إلا أن يريد صورة معينة وهي أن يقصد قتل صيد غيره وهو ذاكر لإحرامه، إذ يصدق عليه حينئذ أنه قصد قتل الصيد بإطلاق، وأنه منتهك لحرمة الإحرام، ولعل هذا هو المراد، ويقرب منه ما إذا قصد رميه لجرحه لا لقتله، وأما إذا رمى غرضا لا حيوانا أو حيوانا يباح قتله كالكلب العقور فأصاب سهمه أو رصاصه صيدا لم يكن يراه مثلا فلا جزاء فيه في هذا بمقتضى الدليل الذي قرره، وسيأتي أن عمر قال في مثله إنه أشرك فيه العمد بالخطأ.
ثم قال ابن جرير: وأما ما يلزم بالخطأ قاتله فقد بينا القول فيه في كتابنا (كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع) بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع، وليس هذا الموضع موضع ذكره لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل، وليس في التنزيل للخطأ ذكر فنذكر أحكامه. اه.
واختلفوا في المثل المراد من الآية، فذهب الجمهور إلى اعتبار مثل المقتول في خلقه كصورته وفعله وذهب إبراهيم النخعي إلى اعتبار القيمة وتبعه أبو حنيفة وأبو يوسف، والأول مؤيد بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وحكم علماء الصحابة، روى أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، والحاكم عن جابر قال " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد " ; أي لأنه يؤكل لحمه كما ثبت في غير هذا الحديث أيضا، وقد روي مرفوعا وموقوفا،
وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فصححه، ورواه الدارقطني عن الأجلح بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة" ، قال: الجفرة التي قد ارتعت، والأجلح هذا قال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، ووثقه يحيى بن معين، وقال ابن عدي: صدوق، قال الحافظ في تقريب التهذيب: صدوق شيعي من السابعة، فاعتمد توثيقه،
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحديث جابر أخرجه البيهقي وأبو يعلى وقالا: عن عمر رفعه، وأما الدارقطني فرواه عن طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه وكذلك الحكم ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير موقوفا على جابر وصحح وقفه الدارقطني من هذا الوجه.
وقال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل" .
أقول: والحديث يدل على اعتبار السن في المماثلة فالعنز بالتحريك أنثى المعز كالنعجة من الضأن، والعناق بالفتح الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة والجفرة بفتح الجيم الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر.
{يحكم به ذوا عدل منكم} أي يحكم بالجزاء من النعم وكونه مثل المقتول من الصيد رجلان من أهل العدالة والمعرفة منكم أيها المؤمنون، ووجه الحاجة إلى حكم العدلين أن المماثلة بين النعم وهي الإبل والبقر والغنم بأنواعها وبين الصيد الوحشي وأنواعه كثيرة، مما يخفى على أكثر الناس.
قال ابن جرير: ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل أن ينظر إلى المقتول أو يستوصفاه، فإن ذكر أنه أصاب ظبيا صغيرا حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم، فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرا حكما عليه من الضأن الكبير، وإن كان الذي أصاب حمار وحش حكما عليه ببقرة، وإن كان الذي أصاب كبيرا فكبير من البقر، وإن كان صغيرا فصغير، وإن كان المقتول ذكرا فمثله من ذكور البقر، وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى، ثم أورد من الشواهد على ذلك ما حكم به عمرو وعبد الرحمن بن عوف على اللذين قتلا الظبي، وقد رواها من عدة طرق ولا يبعد أن تكون القصة متعددة، وقد حكما بشاة، وسيأتي.
وأما ما لا مثل له من النعم بوجه من وجوه الشبه فيحكم العدلان فيه بالقيمة، قال الحافظ ابن كثير: وأما قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأ " فجزاؤه مثل ما قتل من النعم " وفي قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) (على كل من القراءتين دليل) لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور من وجوب الجزاء في مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي خلافا لأبي حنيفةرحمه الله حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلي، قال: وهو مخير، إن شاء تصدق بقيمته وإن شاء اشترى به هديا، والذي حكم به الصحابة في المثل لأولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة رواه البيهقي.
ثم قال: وقوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) يعني أنه يحكم بالجزاء بالمثل أو بالقيمة في غير المثل عدلان من المسلمين،
اختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين
(أحدهما) لا، لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك،
(والثاني) نعم لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكوما عليه في مرة واحدة
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم
الفضل بن دكين، حدثنا جعفر هو ابن برقان عن ميمون بن مهران " أن أعرابيا أتى أبا بكر فقال: قتلت صيدا وأنا محرم فما ترى علي من الجزاء؟ قال أبو بكر رضي الله عنه لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال الأعرابي؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك وأنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم} شاورت صاحبي إذا اتفقنا على أمر أمرناك به
" وهذا إسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون والصديق، ومثله يحتمل ههنا فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيا جاهلا، وإنما دواء الجهل التعلم
فأما إذا كان المعترض منسوبا إلى العلم فقد قال ابن جرير: حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا وكيع بن الجراح عن المسعودي عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر، قال: " خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة أقدنا رواحلنا فنتماشى نتحدث، قال: فبينا نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح، رماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه، فركب وودعه ميتا، قال: فعظمنا عليه، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقص عليه القصة، قال: وإلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله فقال عمر: ما أراك إلا أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وانتفع بإهابها،
قال: فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل عظم شعائر الله فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك، يعني أن يجزي عنك،
قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة (يحكم به ذوا عدل منكم) فبلغ عمر مقالتي فلم يفاجأنا منه إلا ومعه الدرة قال: فعلا صاحبي ضربا بالدرة أقبلت في الحرم وسفهت في الحكم
قال ثم أقبل علي، فقلت يا أمير المؤمنين: لا أحل اليوم شيئا يحرم عليك مني، فقال: يا قبيصة بن جابر إني أراك شاب السن فسيح الصدر بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب " .
ثم ذكر ابن كثير طرقا أخرى لأثر قبيصة
ثم نقل عن ابن جرير الطبري أن ابن جرير البجلي قال أصبت ظبيا وأنا محرم فذكرت ذلك لعمر فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدا فحكما علي بتيس أعفر،
ثم نقل عنه أيضا أن رجلا رمى ظبيا فقتله وهو محرم فأتى عمر ليحكم عليه فقال له عمر: احكم معي فحكما فيه بجدي قد جمع الماء والشجر ثم قال عمر: (يحكم به ذوا عدل منكم) قال ابن كثير: وفي هذا دلالة على جواز أن يكون القاتل أحد الحكمين كما قال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى.
(ثم قال): واختلفوا هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل وإن كان قد حكم من قبله الصحابة؟ يرجع فيه إلى عدلين وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا.
وقد استدل الحنفية بتحكيم العدلين على كون المراد بالمثل القيمة، قالوا لأن التقويم هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون المماثلة، والظاهر خلاف ذلك، لأن قيم هذه الأشياء مما يعرفه كل الناس في الغالب، وإنما يحتاج إلى الاجتهاد والنظر في دقائق المشابهة بين الحيوانات الوحشية على كثرتها واختلاف صورها وطباعها وبين الأنعام على قلتها وتقارب صفاتها، ومال الآلوسي إلى جعل كل من القولين محتاجا إلى هذا الاجتهاد من الحكمين، جمعا بين مذهبه الأول ومذهبه الثاني إذ كان من فقهاء الشافعية ثم صار مفتي الحنفية.
وأما قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} فمعناه أن ذلك الجزاء الواجب على قاتل الصيد يجب أن يكون هديا يصل إلى الكعبة ويذبح هناك أي في جوارها حيث تؤدى المناسك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وقد تقدم في أول تفسير الآية الثانية من السورة أن الهدي لا يكون إلا من الأنعام، فهو يؤيد ما ذهب إليه الجمهور من كون المماثلة في الجزاء إنما تعتبر في الصفات والهيئات وكلمة (هديا) حال من (جزاء) بناء على أنه خبر، أو من الضمير في قوله: {يحكم به} أو منصوب على المصدر أي يهدي هديا.
{أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} قرأ نافع وابن عامر بإضافة (كفارة) إلى (طعام) أي كفارة طعام لا كفارة هدي ولا صيام، والباقون بتنوين (كفارة)، أي فعلى من قتل الصيد وهو محرم متعمد جزاء من النعم مماثل له أو كفارة طعام مساكين، أو ما يعادل ذلك الطعام من الصيام، والعدل بالفتح المعادل للشيء المساوي له مما يدرك بالبصيرة والعقل كالعدل في الأحكام، وبالكسر المعادل والمساوي مما يدرك بالحس كالغرارتين من الأحمال على جانبي البعير يسمى كل منها عدلا، هذا معنى ما قاله الراغب،
وقال الزمخشري بعد ذكر القراءة الشاذة بالكسر: والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعدله ما عدل به في المقدار، ومنه عدلا الحمل لأن كلا منها عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية بالمصدر، والمكسور بمعنى المفعول به كالذبح ونحوه، ونحوهما الحمل والحمل، وهذا القول هو المروي من أئمة اللغة.
وهذه الأنواع الثلاثة هي التي ذكرت في فدية الحلق بقوله تعالى:
{ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } [البقرة: 196} فالنسك هناك بمعنى الهدي هنا، وقد ثبت في الصحيح: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه لما آذته القمل، وأن يطعم ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام " فعلم بذلك أن صيام اليوم الواحد يعدل إطعام مسكينين، وأن إطعام ستة مساكين وصيام ثلاثة أيام تعدل ذبح شاة في النسك، فإن قيل: إن هذا مخالف لجعل صيام ثلاثة أيام معادلة لإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين قلنا: إن الصيام في كفارة اليمين لم يجعل مساويا للإطعام بل تخفيفا على من لم يستطع الإطعام وإلا لخير بينهما، وقد علم من كفارة الظهار أن صيام شهرين أعظم من إطعام ستين مسكينا، إذ فرض الإطعام على من لم يستطع الصيام هي على الترتيب لا التخيير، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه جعل كفارة المجامع في نهار رمضان ككفارة الظهار،
والمروي عن ابن عباس في تفسير الآية موافق لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة في المعادلة والتقدير، ولكنه جعل الثلاثة هنا على الترتيب لا التخيير.
وكذلك قال مجاهد و السدي بالترتيب في الثلاثة، وعن مجاهد رواية أخرى بأنها على التخيير وهو يرويها عن ابن عباس، وعلى هذا القول جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنهما.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد فعليه فيه الجزاء، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه ذبح شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجدها صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا فإن لم يجد صام ثلاثين يوما، والطعام مد مد يشبعهم.
وروى ابن جرير عن ابن عباس أيضا أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل صاع يوما.
ثم ذكر رواية أخرى عنه أنه قال فإن لم يجد جزاء قوم عليه الجزاء طعاما ثم صام لكل صاع يومين، والظاهر أن رواية صيام يوم عن كل صاع مبنية على القول بأن يطعم كل مسكين نصف صاع أي مدين، وهو المروي عن تلميذه مجاهد وأن رواية صيام يومين عن كل صاع مبنية على القول بأن يطعم كل مسكين مدا واحدا كما سبق في الرواية الأولى عنه.
واختار ابن جرير أن كل مسكين يطعم مدا، وعليه علماء الحجاز كمالك والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه يوجبون مدين لكل مسكين، وقال أحمد: مد من حنطة ومدان من غيره، وقد أطال الشافعي في بيان التفرقة بين كفارة الصيد وفدية الأذى، وتكلم في سائر الكفارات وأثبت بدقائق القياس التي لا يغوص عليها إلا مثله أن صيام يوم يعدل طعام مد، وقد عقد الربيع بابا خاصا لهذه المسألة في الأم كما أطال في جميع فروع هذه المسائل مقرونة بالشواهد والدلائل.
وذهب الجمهور إلى أن التقويم يكون في المكان الذي قتل فيه الصيد، وقيل: بل يقوم بمكة حيث تكون الكفارة وهو مروي عن الشعبي، وذهب الجمهور القائلون بالتخيير بين الثلاثة إلى أن المخير بينهما هو قاتل الصيد، وقيل: بل التخيير للحكمين، وحكى هذا عن محمد بن الحسن.
واختلفوا في مكان الإطعام فقال بعضهم: مكانه مكان الهدي أي مكة لأنه بدله وقال آخرون: بل هو مخير فيه.
{ليذوق وبال أمره} هذا تعليل لإيجاب الجزاء، وفسر الوبال بسوء العاقبة هو من الوبل والوابل الذي هو المطر الثقيل، قال الراغب: ولمراعاة الثقل، قيل للأمر الذي يخاف ضرره وبال، ويقال: طعام وبيل، والذوق مستعمل في الإدراك العام، غير خاص بإدراك اللسان، وقد استعمله القرآن في إدراك ألم العذاب والوبال، ولم يستعمل في إدراك الطعوم إلا في قوله تعالى:
{ فلما ذاقا الشجرة } [الأعراف: 22] وفي قوله: { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا } [النبأ: 24-25] وكل استعماله فيما يكره ويذم، ولا شك في أن الجزاء والعقوبة من أثقل الأشياء وأشقها على الناس سواء كانت مالية أو بدنية.
{عفا الله عما سلف} أي لا يؤاخذكم الله تعالى بما سلف قبل التحريم أو قبل الجزاء، وقيل: عما سلف في الجاهلية لأن الإسلام يجب ما قبله ويطهر نفس صاحبه من الأدران السابقة، فلا يبقي لها أثرا في النفس تترتب عليه مؤاخذة.
{ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام} أي ومن عاد إلى قتل الصيد بعد تحريمه وإيجاب الجزاء والكفارة عليه أو من عاد إلى قتله مرة ثانية بعد أن كفر عنه في المرة الأولى فإن الله ينتقم منه في الآخرة، لأن الجزاء في الدنيا لم يزجره عن الإصرار على مخالفته " والله عزيز " أي غالب على أمره فلا يغلبه العاصي، " ذو انتقام " ممن أصر على الذنب، والانتقام المبالغة في العقوبة،
وظاهر الآية أن الجزاء في الدنيا إنما يمنع العقاب في الآخرة إذا لم يتكرر الذنب، فإن تكرر استحق صاحبه الجزاء في الدنيا والعقاب في الآخرة، بهذا قال الجمهور، روي عن سعيد بن جبير وعطاء أن الانتقام هنا هو الكفارة، وهو خلاف الظاهر، وروي عن ابن عباس أن من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله، فإن قتل عمدا يحكم عليه مرة واحدة فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله عز وجل والمراد أنه لا تجتمع عليه عقوبتا الدنيا والآخرة وبهذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، كما رواه ابن جرير.
{أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} المراد بالبحر الماء الكثير المستبحر الذي يوجد فيه السمك وغيره من الحيوانات المائية التي تصاد فيدخل فيه الأنهار والآبار والبرك ونحوها، وصيد البحر ما يصاد منه مما يعيش فيه عادة وإن أمكن أن يعيش خارجه قليلا أو كثيرا كالسرطان والسلحفاة، وقيل: هو ما لا يعيش إلا فيه، وطير الماء ليس منه فيما يظهر على القولين، لأنه ليس من الحيوانات المائية، وإنما يلازم الماء لصيد طعامه منه
قال الشافعي في الأم بعد بيان معنى البحر بمعنى ما تقدم: ومن خوطب بإحلال صيد البحر وطعامه عقل أنه إنما أحل له ما يعيش في البحر من ذلك وأنه أحل كل ما يعيش في مائه لأن صيده، وطعامه عندنا ما ألقي وطفا عليه والله أعلم، ولا أعلم الآية تحتمل إلا هذا المعنى، أو يكون طعامه من دواب تعيش فيه فتؤخذ بالأيدي من غير تكلف كتكلف صيده فكان هذا داخلا في ظاهر جملة الآية والله أعلم اه.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية وقال:
"ما لفظه ميتا فهو طعامه" ورواه ابن جرير عنه، وروي مثله عن أبي بكر وعمر وابن عباس، وذكر أن أبا بكر قاله على المنبر، وفي لفظ لابن عباس ما قذف به ميتا، وقال جابر بن عبد الله: ما حسر عنه وعن أبي أيوب: ما لفظ البحر فهو طعامه وإن كان ميتا،
فهؤلاء يرون أن المراد بطعامه في الآية ما لا عمل للإنسان ولا كلفة في اصطياده كالذي يطفو على وجهه والذي يقذف به إلى الساحل والذي ينحسر عنه الماء في وقت الجزاء أو لأسباب أخرى، لا فرق بين حيه وميته، وعن ابن عباس في رواية أخرى قال: صيد الطري وطعامه المالح للمسافر والمقيم وأخذ بهذا بعض العلماء،
ولولا هذه الروايات لكان المتبادر من الآية عندي: أحل لكم أن تصطادوا من البحر وأن تأكلوا الطعام المتخذ من حيوانه سواء صدتموه أنتم أو صاده لكم غيركم أو ألقاه البحر إليكم. وسواء كنتم حلالا أو محرمين،
وأما قوله: (متاعا) فمعناه لأجل تمتعكم به أو متعكم الله به متاعا حسنا، والسيارة جماعة المسافرين ويتزودون منه، فهو متاع للمقيم والمسافر.
{وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} هذا أعم من تحريم الصيد فإنه يشمل أخذه من غير قتل، وقيل: يشمل أكله وإن صاده غير المحرم مطلقا، والتحقيق التفصيل فما صاده غير المحرم لأجل المحرم أو بإعانته أو إذنه لا يحل للمحرم الأكل منه، وما صاده غير المحرم لنفسه أو لمثله ثم أهدى منه المحرم فهو حل له،
وقد قلنا في تفسير الآية السابقة إن هذا ما يجمع به بين الروايات، وفيه أنه تخصيص للكتاب بأخبار الآحاد، وقد أجازه الجمهور ومنعه بعض الحنابلة مطلقا، ولبعض العلماء تفصيل فيه لا محل لذكره هنا.
روى أحمد والشيخان عن أبي قتادة قال:
"كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك فقال: هل معكم منه شيء؟ فقلت نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم"
وفي رواية لهم "هو حلال فكلوه" وفي رواية لمسلم "هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوه" ولفظ البخاري "هل أشار إليه أحد أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها" ورواية التأنيث مبنية على أن ما صاده أبو قتادة كان أتانا لا حمارا، ففي رواية البخاري " فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا " ... إلخ، وهذا هو الصواب إلا أن تكون الواقعة متعددة خلط الرواة بعضها ببعض.
وفي رواية لأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة " وأن أبا قتادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وإني إنما صدته لك، فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل " وسنده جيد وقد استغربوا هذه الزيادة وشكوا في كونها محفوظة، لمخالفتها رواية الصحيحين، وحاول بعضهم الجمع بكونه أكل قبل أن يخبره بأنه اصطاده له وامتنع به العلم بذلك، وهو تكلف ظاهر، ولا يظهر الجمع إلا إذا ثبت أو احتمل تعدد الواقعة،
وفي هذه الرواية شذوذ آخر وهو أن أبا قتادة قال: " خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمارا فحملت عليه فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أني لم أكن أحرمت وأني إنما اصطدته لك إلى آخر ما تقدم " واستشكلوه بأنه كيف جاز أن يترك الإحرام وهو معهم، والصواب كما قال ابن عبد البر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وجهه على طريق البحر مخافة العدو، فذلك لم يكن محرما، فعلى هذا لا يكون لتعبيره عن خروجه وعدم إحرامه هنا وجه ظاهر.
وروى أحمد والشيخان عن الصعب بن جثامة " أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء، أو بودان كلاهما في طريق مكة فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " . وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم" وله طرق لا يخلو واحد منها من علة، قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس.
{واتقوا الله الذي إليه تحشرون} فلا تحلوا ما حرمه عليكم من الصيد وغيره مخافة أن يعاقبكم يوم تحشرون إليه، أي تجمعون وتساقون إليه يوم الحساب.