التفاسير

< >
عرض

وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ
١٠٠
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٠١
ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
١٠٢
لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ
١٠٣
-الأنعام

تفسير المنار

حكى الله تعالى في هذه الآيات بعض ضروب الشرك التي قال بها بعض العرب ، وروى التاريخ كثيرا من نوعها عن أمم العجم ، وهي اتخاذ شركاء الله من عالم الجن المستتر عن العيون، واختراع نسل له من البنات والبنين، حكى هذا بعد تفصيل ما تقدم فيما قبله من أنواع الآيات الدالة على توحده بالخلق والتدبير في عوالم الأرض والسماوات، وتعقبه بإنكاره وتنزيه الخالق المبدع عنه، وذلك قوله عز وجل:
{وجعلوا لله شركاء الجن} أي وجعل هؤلاء المشركون لله سبحانه شركاء - وفسر هؤلاء الشركاء بالجن على طريق البدل النحوي - ولم يقل وجعلوا الجن شركاء لله، بل قدم وأخر في النظم لإفادة أن محل الغرابة والنكارة أن يكون لله شركاء لا مطلق وجود الشركاء. ثم كون الشركاء من الجن، فقدم الأهم فالمهم. ولو قال وجعلوا الجن شركاء لله لأفاد أن موضع الإنكار أن يكون الجن شركاء لله لكونهم جنا، وليس الأمر كذلك، بل المنكر أن يكون لله شريك من أي جنس كان. وفي المراد بالجن هنا أقوال أحدها: أنهم الملائكة فقد عبدوهم، روي هذا عن قتادة والسدي.
والثاني: أنهم الشياطين فقد أطاعوهم في أمور الشرك والمعاصي، روي عن الحسن وسنشير إلى شاهد يأتي له بعد عشرين آية.
والثالث: أن المراد بالجن إبليس، فقد عبده أقوام وسموه ربا، ومنهم من سماه إله الشر والظلمة، وخص الباري بألوهية الخير والنور،
وروي عن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في الزنادقة الذين يقولون إن الله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والحيوان وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشر، ورجحه الرازي وضعف ما سواه وقال: إن المراد بالزنادقة المجوس الذين قالوا: إن كل خير في العالم فهو من (يزدان) وكل شر فهو من (أهرمن) أي إبليس، فأما كون إبليس والشياطين من الجن فقطعي، وأما كون الملائكة منهم فقيل: إنه حقيقي لأنهم من العوالم الخفية فتصدق عليهم كلمة الجن، وقيل إنه مجازي،
وفسروا الجنة في قوله تعالى:
{ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } [الصافات: 158] بالملائكة، وقال بعض العرب: إنه تعالى صاهر إلى الجن فولدت سرواتهم له الملائكة وقد يقابل الجن بالملائكة كقوله تعالى في موضوع عبادة المشركين لهم: { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } [سبأ: 40-41] فهذا مع آية الأنعام الآتية: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } [الأنعام: 121] مما يرد إنكار الرازي لتسمية طاعة الشياطين عبادة.
{وخلقهم} أي والحال أن الله تعالى قد خلق هؤلاء الجاعلين له الشركاء وليس لشركائهم فعل ولا تأثير في خلقهم، أو خلق الشركاء المجعولين، كما خلق غيرهم من العالمين، فنسبة الجميع إليه واحدة، وامتياز بعض المخلوقين على بعض في صفاته وخصائصه، أو ما خلق مستعدا له من الأعمال التي يفضل بها غيره، لا يخرجه عن كونه مخلوقا، ولا يجعله أهلا لأن يكون إلها أو ربا.
{وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} أي واختلقوا له تعالى بحماقتهم وجهلهم بنين وبنات بغير علم ما بذلك كما سيأتي، فسمى مشركو العرب الملائكة بنات الله
{ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } [التوبة: 30] وهاك بيان ذلك: الخرق والخزق والخرب والخرز ألفاظ فيها معنى الثقب بإنفاذ شيء في الجسم، وقال الراغب: الخرق قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تدبر ولا تفكر، قال تعالى: { أخرقتها لتغرق أهلها } [الكهف: 71] وهو ضد الخلق، فإن الخلق هو فعل الشيء بتقدير ورفق، والخرق بغير تقدير - وذكر الآية - وقوله بغير تقدير، أي بغير نظام ولا هندسة هو الصواب، وقوله قبله: من غير روية ولا تدبر، خطأ ظاهر، ويناسب هذا من معاني المادة الخرق " بالضم " وهو الحمق ضد الرفق. يقال: خرق زيد يخرق - بالضم فيهما - فهو أخرق وهي خرقاء.
وقال صاحب اللسان: وخرق " من باب ضرب " الكذب وتخرقه وخرقه كله اختلقه، وذكر الآية وأن نافعا قرأ " وخرقوا " بالتشديد وسائر القراء قرءوا بالتخفيف، ثم قال: ويقال: خلق الكلمة واختلقها وخرقها واخترقها إذا ابتدعها كذبا انتهى. ولعل ما تقدم من الفرق بين الخلق والخرق في الأفعال، يأتي نظيره في الأقوال، فالخلق الكذب المقدر المنظم، والخرق الكذب الذي لا تقدير فيه ولا نظام، ولا روية ولا إنعام، فهاهنا يظهر التقييد بنفي التدبر والنظر، ويؤيده قوله تعالى: (بغير علم)
قال في الكشاف: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ وصواب، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية انتهى. وهو بيان وتوكيد لمعنى (خرقوا) فهذا التعبير من أدق بلاغة التنزيل، وهو بيان معنى الشيء بما يدل على تزييفه، وتنكير العلم هنا في حيز النفي " بغير " للدلالة على انسلاخ هؤلاء المشركين في خرقهم هذا عن كل ما يسمى علما، فلا هم على علم بمعنى ما يقولون ولا على دليل يثبته، ولا على علم بمكانه من الفساد والبعد من العقل، ولا بمكانه من الشناعة والإزراء بمقام الألوهية والربوبية، إذ لو علموا بذلك لما ارتضوه لأن أكثرهم مؤمنون بخالقهم وخالق كل شيء، وهم يتقربون إليه بما اتخذوه له من شريك وولد
{سبحانه وتعالى عما يصفون} أي هو منزه عن ذلك متعال عنه لأنه نقص ينافي انفراده بالخلق والتدبير، وكونه ليس كمثله شيء، وتقدم تحقيق معنى سبحان والتسبيح والتقديس في أواخر سورة المائدة، والتعالي العلو والبعد عما لا يليق الذي يظهر للناظر المتفكر مرة بعد مرة بالنسبة إلى ما علا عنه وبعد عن مشابهته من الأشياء كلها، فهو من قبيل " توافد القوم " في الجملة، ولو كان له تعالى ولد لكان له جنس يعد جميع أفراده - ولا سيما أولاده - نظراء له فيه، وهذا باطل عقلا ونقلا عن جميع رسل الله وجميع حكماء البشر وعقلائهم من جميع الأمم، ولكن الذين اخترعوا للناس عقائد الوثنية في عصور الظلمات وأزمنة التأويلات ذهبوا هذه المذاهب من الأوهام، ولا نعرف أول من جعل لله ولدا ولا منشأ اختراع هذه العقيدة، وأقرب المآخذ لذلك ما بيناه في أواخر تفسير سورة النساء فيراجع هنالك في ج 6 تفسير.
وأما عبادة الجن فقديمة في الملل الوثنية أيضا. ففي الخرافات اليونانية والرومانية يجعلونهم ثلاث مراتب. الأولى: الآلهة وأولهم المولد لهم أجينوس وهو الخالق لكل شيء عندهم وهو نفس (زفس) أو (جوبتير). والثانية: توابع الشعوب والأقطار والبلاد، فلكل منها رب من الجن مدبر له ومتصرف فيه، وقد نصب الروم لجني رومية تمثالا من الذهب. والثالثة: توابع الأفراد أي قرناؤهم. والهنود القدماء يقسمون الجن إلى قسمين أخيار وأشرار، فيسمون الأخيار (ديوه) وهم عندهم فرق كالآلهة أشهرها (الكنارة) الذين دأبهم الترنم بمدائح (بواسيتا) ويليها (الياكة) الذين يقسمون الثروة والغنى بين الناس و (الغندورة) وهم العازفون للشمس، ويتألف منهم أجواق في السماء تدخل فيها الكنارة فيسبون العقول بتسبيحهم على معازفهم.
ومنهم " الإبسارة " وهن إناث يملأن العالم كله، ومختاراتهن في سماء " أندرا " يرقصن الرقص البهج تحت أشجار الذهب والياقوت في جنة " مندانا " ومنهم " الراجينة " وهن قيان موكلات بالمعازف مقامهن في سماء " برهما " وعددهن 16 ألفا ومنهم الفعلة الإلهيون ويسمون " الجيدارة " وهم الذين بنوا قصر الآلهة وأنشأوا جميع المباني العجيبة في العالم. ويقسمون الجن الأشرار إلى طوائف أيضا، منهم (الديتية والأسورة والدنارة والرشاقة) ويقولون: إن مقامهم في الظلمة وأنهم هاجموا الآلهة لينزلوهم عن عروشهم ففروا منهم إلى بلاد الساقة وأرادوا أن يسلبوهم شجر الحياة.
وعقائد المانوية من الفرس في إلهي الخير والشر معروفة، في أساطير الفرس أن " جنستان " أي بلاد الجن في غربي إفريقية، وقيل غير ذلك، وأساطير الأمم القديمة في الجن كثيرة.
وأما أهل الكتاب فقد لخص الدكتور جورج بوست في آخر الجزء الأول من قاموس الكتاب المقدس عقائدهم في الشيطان قال: الشيطان كائن حقيقي وهو أعلى شأنا من الإنسان ورئيس رتبة من الأرواح النجسة " 1: كو 6. 3 " ويخبر الكتاب المقدس بطبيعته وصفاته وحاله وكيفية اشتغاله وأعماله ومقاصده ونجاحه ونصيبه، فلنا في شخصيته نفس البراهين التي لنا في شخصية الروح القدس والملائكة، أما طبيعة الشيطان فروحية وهو ملاك يمتاز بكل ما تمتاز به هذه الرتبة من الكائنات إلى أن قال بعد ذكر كونه عدوا لله مطرودا من وجهه - غير أن طرده إلى عالم الظلمة لا يمنع اشتغاله في الأرض كإله هذا العالم وعدوا للإنسان وخالقه اهـ.
وقد تقدم في تفسير هذه السورة كلام في الملائكة والجن والشياطين مما يؤثر عن العرب في الجاهلية، وما ورد في الكتاب والسنة، وبعض ما قاله علماؤنا في ذلك والتقريب بينه وبين العلوم النفسية والمادية، وعندنا أن ما يحفظ من أساطير الأولين والآخرين في ذلك له أصل من الوحي إلى أنبيائهم، خلطوا فيه من بعدهم وجعلوا الحقيقة مجازا والمجاز حقيقة، على نحو ما حققناه في تحريفهم معنى كلمة الله التي عبر بها عن التكوين فجعلوها ذاتا فاعلة خالقة وسماها بعضهم إلها وبعضهم " ابن الله " وتحريفهم معنى روح القدس كذلك، وكلمة " ابن " المجازية كما بيناه في أواخر تفسير سورة النساء (ج 3 تفسير) فلا تتخذ موافقة الوحي لبعض تلك الأساطير شبهة على الوحي. وسنزيد مسألة عبادة الجن بيانا في مواضع أخرى إن شاء الله تعالى.
{بديع السماوات والأرض} هذا بيان لما قبله من معنى تسبيح الباري وتعاليه عما يصفه به المشركون. البدع - بالفتح - الإنشاء والإيجاد المبتدأ، أو البدع - بالكسر - والبديع الشيء الذي يكون أولا كما قال في اللسان، ومنه البدعة في الدين، ويقال: بدع الشيء (من باب قطع) وأبدعه وابتدعه. وقال الراغب: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، ومنه قيل ركية بديع أي جديدة الحفر. وإذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلا لله.
وقال صاحب اللسان: والبديع المحدث العجيب، والبديع المبدع، وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال، والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء. ويجوز أن يكون بمعنى مبدع، أو يكون من بدع الخلق أو بدأه. والله تعالى كما قال سبحانه: {بديع السماوات والأرض} أي خالقهما ومبدعهما فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق انتهى. وذكر أن بديعا من بدع لا من أبدع، وهو معروف، فإن الأصل في صيغة فعيل أن تكون من الثلاثي وقد سمع ورودها من الأفعال الرباعية شذوذا، وهي تأتي بمعنى فاعل كقدير، وبمعنى مفعول كقتيل، وهو هنا بمعنى الفاعل أو الصفة المشبهة.
والمعنى على اختلاف التقدير - أن الله هو الذي بدع السماوات والأرض، أو البديع سماواته وأرضه بما كان من إبداعه واختراعه لهما، أو البديع فيهما بمعنى أنه لا شبه له ولا نظير فيهما، وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض، ولم يوصفا بكونهما من ولده فكذلك الملائكة، وأولى بهذا وأجدر أن يكون خلقه للمسيح من أم بغير أب غير مسوغ لجعله ولدا له إذ قصارى ذلك أن يكون إبداعا ما. والإبداع التام - وهو إيجاد ما لم يسبق له نظير في ذاته ولا في وصفه ولا في سببه إن كان له سبب - ليس ولادة، وأثر هذا الإبداع وهو المبدع لا يسمى ولدا ; إذ الولادة ما كان ناشئا عن ازدواج بين ذكر وأنثى من جنس واحد، وليس له جنس فيكون له منه زوج ولذلك قال:
{أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} أي كيف يكون له - وهو المبدع لكل شيء - ولد، والحال أنه لم يكن له زوج ينشأ الولد من ازدواجه بها، ولا معنى للولد إلا ما كان كذلك، وإنما صدور جميع الكائنات السماوية والأرضية عنه صدور إيجاد إبداعي للأصول الأولى، وإيجاد سببي كالوالد بينها بحسب سننه في التوالي، ولذلك قال:
{وخلق كل شيء} خلقا ولم يلده ولادة، فما خرقتم له من الولد مخلوق له لا مولود منه، فإن خرجتم عن وضع اللغات وسميتم صدور المخلوقات عنه ولادة فكل ما في السماوات والأرض يكون من ولده، وحينئذ يفوتكم ما أردتم من تخصيص بعض المخلوقات بهذه المرتبة تفضيلا لها على غيرها، ولا يقول أحد منهم بهذا، وهذه الجملة استئنافية مقررة لإنكار نفي الولد، أو حال بعد حال، واستدلال بعد استدلال، ومثلها قوله:
{وهو بكل شيء عليم} وبيانه أن علمه بكل شيء ذاتي له، ولا يعلم كل شيء إلا الخالق لكل شيء
{ ألا يعلم من خلق } [الملك: 14] ولو كان له ولد لكان هو أعلم به ولهيأ العقول إليه بآيات الوحي ودلائل العلم، ولكنه كذب الذين خرقوه له - بغير علم - بالوحي المؤيد بدلائل العقل، قال البيضاوي: وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: (الأول) أنه من مبدعاته السماوات والأرض، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها، فهو أولى بأن يتعالى عنها، (والثاني) أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين، والله تعالى منزه من التجانس، (والثالث) أن الولد كفء للوالد، ولا كفء له لوجهين، الأول: أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه، والثاني: أنه لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره بالإجماع انتهى، وقد تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة.
{ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} الخطاب للمشركين المحجوجين أو لجميع المكلفين، والإشارة إلى الأشياء، وإحاطة العلم بالجليات والخفيات من المشهودات والغائبات، أي ذلك الذي شأنه ما ذكر هو الله ربكم لا من خرقوا له من الأولاد، وأشركوا به من الأنداد، فاعبدوه إذا ولا تشركوا به شيئا لا إله إلا هو خالق كل شيء، فإنما الإله المستحق للعبادة هو الرب الخالق وما عداه مخلوق يجب عليه أن يعبد خالقه، فكيف يعبده ويؤلهه من هو مثله في ذلك؟
{وهو على كل شيء وكيل} أي وهو مع كل ما ذكر موكول إليه كل شيء يتصرف فيه ويدبره بعلمه وحكمته، يقال: فلان وكيل على عقار فلان وماله، وقيل: إن الوكيل هنا بمعنى الرقيب، وفي سورة المؤمن:
{ ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } [غافر: 62] قام فيه وصفه بالخلق على كلمة التوحيد عكس ما هنا، لأن ما هنا رد على المشركين فناسب فيه تقديم كلمة التوحيد، وآية سورة " المؤمن " جاءت بين آيات في خلق ونعم الله فيه فناسب تقديم الوصف بالخلق فيها على التوحيد الذي هو نتيجة لذلك وغاية.
{لا تدركه الأبصار} البصر العين إلا أنه مذكر، وأبصرت الشيء رأيته، وقيل: البصر حاسة الرؤية، ابن سيده: البصر حسن العين والجمع أبصار، ذكره في اللسان وقال الراغب: البصر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله:
{ كلمح البصر } [النحل: 77] { وإذ زاغت الأبصار } [الأحزاب: 10] وللقوة التي فيها،
والإدراك اللحاق والوصول إلى الشيء، قال أصحاب موسى إنا لمدركون، وأتبع فرعون بجنوده بني إسرائيل
{ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } [الشعراء: 61] ويقال: أدركه الطرف والموت ومنه { حتى إذا أدركه الغرق } [يونس: 90] في كل ذلك معنى اللحاق بعد اتباع حسي أو معنوي والدرك - بالفتح - أقصى قعر البحر، ومنه { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } [النساء: 145] قرئ بالفتح والتحريك، وقال الراغب: الدرج كالدرك لكن الدرج يقال باعتبار الصعود والدرك اعتبارا بالحدور وأدرك بلغ أقصى الشيء، وأدرك الصبي بلغ غاية الصبا وذلك حين البلوغ، انتهى ويقال فيما بعد أو دق أو خفي: لا يدركه الطرف، فإن اجتهاد النظر لإدراك ما لطف ودق إعماله في محاولة إبصار البعيد، ففي الإدراك معنى اللحوق ومعنى بلوغ غاية الشيء،
ومن هنا فسر الجمهور الإدراك في الآية برؤية الإحاطة التي يعرف بها كنهه عز وجل فتكون بمعنى
{ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [طه: 110] نفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم، وكذلك نفي إدراك البصر للشيء لا يستلزم نفي رؤيته إياه مطلقا، وهذا أقوى ما جمع به أهل السنة بين الآية والأحاديث الصحيحة الناطقة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة من جهة اللغة،
ومن سلم للمعتزلة وغيرهم من منكري الرؤية قولهم إن الإدراك هنا بمعنى الرؤية مطلقا قالوا: إن النفي خاص بحال الحياة الدنيا التي يعهدها المخاطبون ولا يعرفون فيها رؤية إلا للأجسام وصفاتها من الأشكال والألوان، وهي التي يشترط فيها ما ذكروه كالمقابلة وعدم الحائل، وقالوا: إن عائشة كانت تثبت الرؤية في الآخرة وتنفيها في الدنيا حتى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي كان يرى من وراءه كما يرى من أمامه لغلبة روحه الشريفة اللطيفة على جثته المنيفة،
وقد جلينا مسألة رؤية الرب في الآخرة في باب الفتوى من مجلد المنار التاسع عشر (ص 282 - 288) وسنعود إليها في تفسير قوله تعالى لموسى عليه السلام:
{ لن تراني } [الأعراف: 143] من سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وهنالك نلم بمسلك الصوفية في نفي الإدراك وإثبات الرؤية للرب، بتجليه تعالى الذي يكون هو به بصر العبد الثابت في الحديث القدسي "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" الحديث، وهو في صحيح البخاري،
وخلاصة هذا المسلك أنه تعالى هو الذي يرى نفسه بتجليه في بصر عبده، فما يرى الله إلا الله، وفاقا لقولهم: لا يعرف الله إلا الله.
وأما قوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار} فمعناه أن الله تعالى يرى العيون الباصرة أو قوى الإبصار المودعة فيها رؤية إدراك وإحاطة، بحيث لا يخفى عليه حقيقتها ولا من عملها شيء،
وقد عرف البشر من تشريح العين ما تتركب منه طبقاتها ورطوباتها ووظائف كل منها في ارتسام المرئيات فيها، وعرفوا كثيرا من سنن الله تعالى في النور ووظائفه في رسم صور الأشياء في العينين، ولكن لم يعرفوا كنه الرؤية ولا كنه قوة الإبصار ولا حقيقة النور، وفي لسان العرب عن أبي إسحاق: أعلم الله أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الإبصار، أي لا يعرفون حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه فاعلم أن خلقا من خلقه اللطيف الخبير، فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغير مدفوع، وليس في هذه الآية دليل على دفعها، لأن معنى الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته وهذا مذهب أهل السنة والعلم بالحديث اهـ.
{وهو اللطيف الخبير} أي وهو اللطيف بذاته، الباطن في غيب وجوده بحيث تخسأ الأبصار دون إدراك حقيقته، على أنه الظاهر بآياته التي تعرفه بها العقول بطريق البرهان، الظاهر في مجال ربوبيته لأهل العرفان، بتجلياته التي تكمل في الآخرة فيكون العلم به رؤية عيان، وهو في كل من بطونه وظهوره منزه عن مشابهة الخلق فتعالى الله الملك الحق وهو الخبير بدقائق الأشياء ولطائفها، بحيث لا يعزب عن إدراكه ألطف أرواحها وقواها ولا أدق جواهرها وأعراضها، ففي الآية لف ونشر مرتب.
اللطيف من الأجرام ضد الكثيف والغليظ فيطلق على الدقيق منها والرقيق، واللطيف من الطباع ضد الجافي، قال في اللسان: واللطيف من الأجرام والكلام مالا خفاء فيه، وجارية لطيفة ضد الجافية، قال في اللسان: واللطيف من الأجرام ومن الكلام. ما لا خفاء فيه وجارية لطيفة الخصر إذا كانت ضامرة البطن، واللطيف من الكلام ما غمض معناه وخفي، واللطف في العمل الرفق فيه انتهى،
وكذا اللطف في المعاملة هو الرفق الذي لا يثقل منه شيء، ويستعمل فعله لازما ومتعديا، يقال: لطف الشيء (بوزن حسن) أي صغر أو دق وصار لطيفا. ويقال: لطف به ولطف له (بوزن نصر)
وقال ابن الأثير في تفسير اللطيف. من أسماء الله تعالى: هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه انتهى. أرجعه إلى صفات الأفعال وإلى العلم من صفات المعاني.
وهو في الأول أظهر وأكثر من الثاني، فمنه قوله تعالى في سورة الحج بعد ذكر الإنبات بالماء:
{ إن الله لطيف خبير } [الحج: 63] وقوله في سورة الشورى: { الله لطيف بعباده يرزق من يشاء } [الشورى: 19] أي رفيق بهم يوصل إليهم الخير والرزق، بمنتهى العناية والرفق. وفي سورة يوسف حكاية عنه { إن ربي لطيف لما يشاء } [يوسف: 100] فسروه بلطف التدبير والعناية به وبأبويه وإخوته بجمع شملهم بعد أن نزغ الشيطان بينهم.
وعد بعضهم من لطف العلم قوله تعالى في سورة لقمان حكاية عنه
{ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله إن الله لطيف خبير } [لقمان: 16] والأظهر في معناه هنا أنه اللطيف باستخراجها من كن خفائها الخبير بمكانها منه، ونزيد عليهم أن من لطفه تعالى جعل أحكام دينه يسرا لا حرج فيها وهي من صفة الكلام الذي هو مظهر لعلمه، ومنه قوله تعالى في سورة الأحزاب، في آخر ما خاطب به نساء الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المواعظ والحكم والأحكام: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا } [الأحزاب: 34] فلم يبق إلا الشاهد على لطفه تعالى في ذاته، المناسب في الكمال للطفه في صفاته وأفعاله وأحكامه، وهو الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا يظهر فيها غيره.
والمتكلمون يأبون جعل اللطيف من صفات الذات له سبحانه - كالرحيم والحليم - والأثريون والصوفية لا يأبون مثل ذلك بل يثبتونه، وقد قال الزمخشري في الآية كلمة تشبه أن تكون تأييدا لمذاهب أهل الأثر والصوفية وهو معتزلي مبالغ في التنزيه، وقد تابعه عليها المفسرون من الأشاعرة وغيرهم كالرازي والبيضاوي وأبي السعود والآلوسي قال: وهو لطيف يلطف عن أن تدركه الأبصار، الخبير بكل لطيف فهو يدرك الأبصار لا تلطف عن إدراكه، وهذا من باب اللف انتهى. نقلوا هذا المعنى عنه وجعلوا اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها.
قال الآلوسي: ويفهم من ظاهر كلام البهائي - كما قال الشهاب - أنه لا استعارة في ذلك حيث قال في شرح أسماء الله تعالى الحسنى: اللطيف الذي يعامل عباده باللطف، وألطافه جل شأنه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والأخرى
{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } [إبراهيم: 34] وقيل: اللطيف العليم بالغوامض والدقائق، من المعاني والحقائق ; ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكثافة. وهو وإن كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم، لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم لأن الجسمية يلزمها الكثافة، وإنما لطافتها بالإضافة، فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلا عن الأبصار، ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال، وينزه عن حلول الألوان والأشكال، فإن كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه، ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما دونه في اللطافة، ويوصف بالإضافة إليه بالكثافة، انتهى.
وتعقبه الآلوسي بقوله: والمرجح أن إطلاق اللطيف بمعنى مقابل الكثيف - على ما ينساق إلى الذهن - على الله تعالى ليس بحقيقة أصلا كما لا يخفى اهـ.
وأقول: إن ما ذكر في هذا الكلام اللطيف من إثبات اللطف بالذات للذات التي لا تشبهها الذوات، ومن الإشارة إلى تضعيف جعل اللطيف بمعنى العليم بالدقائق كلاهما من باب الحقائق، إذ ما فسر به اللطيف هنا هو معنى الخبير، وقوله: إن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم إلخ، له وجه من اللغة، ولكن الجسم في عرف علماء المعقول من المتكلمين والحكماء أعم من الجسم في أصل اللغة، ومدلول اشتقاقها.
فالجسم في اللغة من الجسامة أي الضخامة، وهو كما في اللسان وغيره: جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخلق وأما في عرف العلماء فهو القابل للقسمة أو ما له طول وعرض وعمق، والموجودات المادية أعم من هذا أيضا،
وقد عرف في علوم الكون واتساعها في هذا العصر ما هو ألطف من كل ما كان يعرف في العصور الخالية التي كان يضرب فيها المثل بلطف الهواء أو النسيم، إذ ثبت أن هذا النسيم اللطيف مركب من عنصرين كل منها ألطف من المجموع المركب منهما، وقد ثبت أن للهواء المحيط بأرضنا حدا قريبا، وأن في الكون موجودا آخر ألطف منه ومن كل من عنصريه وأمثالهما من العناصر البسيطة اللطيفة الخفية، وهو الذي يحمل النور والحرارة من الشموس والكواكب المتفاوتة الأبعاد الشاسعة إلى هوائنا فأرضنا ويسمونه (الأثير) فهذا الموجود الساري في جميع الكائنات، الرابط لبعضها ببعض كما يجزم به علماء الكون نظرا واستدلالا، قد لطف عن أدراك العيون وعن تصرف أيدي الكيماويين الذين يرجعون الماء والهواء وغيرهما من المركبات إلى بسائطها اللطيفة التي لا ترى، ويتصرفون فيها أنواعا من التصرف، ويستعملونها في كثير من المضار والمنافع،
ويرى بعض المثبتين لاستقلال الأرواح البشرية وقدرتها على الشكل في الأشباح اللطيفة والكثيفة أنها تستعين على هذا التشكل بالأثير، فألطف شبح تتجلى به يتخذ من الأثير المكثف بعض التكثيف بحيث تدركه الأبصار، ولا يمنعه ذلك من النفوذ في كثائف الأجرام، وقد تأخذ شبحا لها من جسم بشر بينها وبينه تناسب كمستحضري. الأرواح، فإذا خلعت الروح من هذا الثوب امتنعت رؤيتها لتناهي لطافتها.
وإذا كان كل موجود في كل رتبة من رتب الوجود، وكل صفة من صفات تلك لرتب قد استفاد وجوده وصفاته من الخالق الحكيم، وكان اللطف من تلك الصفات التي أشرنا إلى تفاوتها العظيم، فلا بد أن يكون لطفه تعالى أدق وأخفى من لطفها، وإذا كان لطف بعضها لا يستلزم الجسمية اللغوية ولا العرفية فلطفه عز وجل أجدر بذلك وأحق، فعلماؤنا كافة والروحيون من علماء الإفرنج وغيرهم الذين يقولون - كما يقول الصوفية - بتجلي أرواح الموتى في صور متفاوتة في اللطف، وبتجرد بعض أرواح الأحياء وظهورها في أشباح لطيفة أخرى، والروحيون المنكرون منهم لذلك - كلهم متفقون على أن الروح لم يعرف كنهها، وأنها ألطف وأخفى من الأثير ومن البسائط المادية بأسرها، وهى مع ذلك عاقلة متصرفة، والماديون يقولون: إن مادة الكون الأولى التي ظهرت فيها صور جميع العناصر ومركباتها لا يعرف لها كنه، ولا يدركها طرف، ولا يوضع لها حد، وإنها في منتهى اللطف وهى أزلية أبدية
فجميع العلماء من روحيين وماديين متفقون على أن لطف ذات الشيء لا يستلزم التركيب ولا الحد ولا التحيز، فلطف ذات الخالق أولى بتنزهه عن ذلك. وإنما فر المتكلمون من هذه اللوازم حتى لجأ بعضهم إلى التعطيل وبعضهم إلى التأويل لأكثر ما وصف الله تعالى به نفسه في كتبه، وما ذاك إلا من قياس الغائب على الحاضر والواجب على الجائز، والله تعالى فوق ذلك. وهو اللطيف الخبير، السميع البصير العلي الكبير، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.