التفاسير

< >
عرض

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ
١١٦
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ
١١٧
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ
١١٨
وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ
١١٩
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ
١٢٠
وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
١٢١
-الأنعام

تفسير المنار

هذه الآيات سياق جديد في بيان ضلال جميع الأمم في عهد بعثة خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام، وغلبة الشرك عليهم في أثر بيان ضلال مشركي العرب ومن على شاكلتهم في عقائدهم وإقامة حجج الإسلام عليهم، ووصل ذلك ببيان مسألة اعتقادية عملية من أكبر أصول الشرك وهي مسألة الذبائح لغير الله تعالى. قال عز وجل:
{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} هذه جملة معطوفة على ما قبلها متممة له، فإنه بين فيما قبلها وحي شياطين الإنس والجن الذي يلقونه لغرور الناس به، وصغي قلوب منكري الآخرة له وافتتانهم به، وما يقابل ذلك من هداية وحي الله المفصل لكل ما يحتاج الناس إليه من أمر دينهم الذي يترتب عليه صلاح دنياهم،
فهو تعالى يقول لرسوله: لا تبتغ أنت ومن اتبعك حكما غير الذي أنزل إليك الكتاب مفصلا، فهذا الكتاب هو الهداية التامة الكاملة، فادع إليه الناس كافة، وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله التي بينها لك فيه ; لأنهم ضالون متبعون لوحي الشيطان {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} أي ما يتبعون في عقائدهم وآدابهم وأعمالهم إلا الظن الذي ترجحه لهم أهواؤهم، وما هم فيها إلا يخرصون خرصا في ترجيح بعضها على بعض، كما يخرص أهل الحرث ثمرات النخيل والأعناب وغيرها ويقدرون ما تأتي به من التمر والزبيب، فلا شيء منها مبني على علم صحيح ولا ثابت بدلائل تنتهي إلى اليقين.
وهذا الحكم القطعي بضلال أكثر أهل الأرض ظاهر بما بينه به من اتباع الظن والخرص - ولا سيما في ذلك العصر - تؤيده تواريخ الأمم كلها، فقد اتفقت على أن أهل الكتاب كانوا قد تركوا هداية أنبيائهم وضلوا ضلالا بعيدا، وكذلك أمم الوثنية التي كانت أبعد عهدا عن هداية رسلهم، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وهو أمي لم يكن يعلم من أحوال الأمم إلا شيئا يسيرا من شئون المجاورين لبلاد العرب خاصة.
{إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي إن ربك الذي رباك وعلمك أيها الرسول بما أنزل إليك الكتاب مفصلا، وبين لك فيه ما لم تكن تعلم من الحق ومن شئون الخلق، وهو أعلم منك ومن سائر خلقه بمن يضل عن سبيله القويم، وهو أعلم بالمهتدين السالكين صراطه المستقيم، إذ الضلال ما يصد عن سبيله ويبعد السالك عنه، والاهتداء ما يجذبه إليه ويقربه منه، فكيف لا يكون أعلم به من نفسه وأصدق في الحكم عليه من حسه، وهو فوق ذلك محيط بكل شيء علما.
ومن مباحث اللفظ أن البصريين والكوفيين من النحاة اضطربوا في إعراب قوله تعالى: {أعلم من يضل} لمجيئه على خلاف المعهود الشائع من اقتران معمول اسم التفضيل بالباء كقوله -تعالى- في مثل هذه الآية من سورة القلم:
{ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [القلم: 7] فكان أبعد إعرابهم له عن التكلف أن الباء حذفت منه اكتفاء باقترانها بمقابله المتصل به وهو قوله: {أعلم بالمهتدين} ومخالفة المعهود في أساليب اللغة لا يكاد يقع في كلام بلغاء أهلها إلا لنكتة يقصدونها به، وكلام رب البلغاء ومنطقهم باللغات أولى بذلك.
والنكت منها لفظي كالاختصار والتفنن في الأسلوب، ومنها معنوي وهو أعلى. وقد يكون من نكت مخالفة المعهود الكثير تنبيه الذهن المتأمل، كمن يريد إيقاف سالك الطريق في مكان منه لفائدة له في الوقوف، كما أرى الله تعالى نبيه موسى النار في الشجرة بجانب الطور فحمل أهله على المكث فيه لما علمنا من حكمة ذلك.
وقد بينا هذا النوع من النكت من قبل وجعلنا منه عطف المرفوع على المنصوب في قوله تعالى:
{ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } [المائدة: 69] أي وكذا الصابئون أو والصابئون كذلك، خص هؤلاء بإخراجهم عن نسق من قبلهم في الإعراب لأن الناس لم يكونوا يعرفون أنهم بقايا أهل كتاب وقد يكون حذف الباء في قوله: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} للتنبيه إلى التأمل والتفكر في كون الله تعالى أعلم بأحوالهم لأنها هي المقصودة هنا بالذات بدليل سابق الكلام ولاحقه إذ هو فيهم، وما ذكر العلم بالمهتدين إلا لأجل التكملة والمقابلة; ولذلك عطف على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، فتأمل.
ولو جازت الإضافة هنا نحو " أفضل من حج واعتمر ". لكان الكلام احتباكا تقديره هو أعلم من يضل ومن يهتدي وهو أعلم بالضالين وبالمهتدين، فحذف من كل من المتقابلين ما أثبت نظيره في الآخر، وليس المانع من جواز الإضافة هنا كون صلة " من " فعلا مضارعا لا ماضيا كالمثال الذي أوردناه ونظائره، بل المانع هو أن المضاف في مثل هذا الكلام من جنس المضاف إليه وهو ممتنع في الآية لأنه تعالى لا جنس له، ولو اقترن الموصول هو بالجار فقيل: هو أعلم ممن يضل عن سبيله، لجزمنا بالاحتباك.
بعد أن بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أكثر أهل الأرض يضلون من أطاعهم لأنهم ضالون خراصون، وأنه هو أعلم بالضالين والمهتدين، رتب على ذلك أمر اتباع هذا الرسول بمخالفة الضالين من قومهم وغير قومهم في مسألة الذبائح وبترك جميع الآثام فقال: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} أي إذا كان أمر أكثر الناس على ما بينته لكم فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح دون غيره - وهو ما يصرح به بعد آيتين من السياق - إن كنتم بآياته التي جاءتكم بالهدى والعلم مؤمنين، وبما يخالفها من ضلال الشرك والكفر وجهل أهله مكذبين،
وحكمة الاهتمام بهذه المسألة وقرنها بمسائل العقائد هو أن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات، بل نظموها في سلك أصول الدين والاعتقادات، فصاروا يتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدسوا من رجال دينهم، ويهلون لهم بها عند ذبحها كما يأتي، وهذا شرك بالله لأنه عبادة توجه إلى غيره سواء أسمى ذلك الغير إلها أو معبودا أم لا،
وقد غفل عن هذا بعض كبار المفسرين فلم يهتد إليه بذكائه وعلمه ولم يروه عن غيره، فاستشكل هو ومن تبعه المسألة وقالوا: إن المشركين لم يكونوا يحرمون ما ذكر اسم الله عليه ولا يمتنعون من أكله، ولكنهم كانوا يأكلون الميتة أيضا، فكيف نازعهم في المتفق عليه وسكت عن المختلف فيه؟ وأجابوا عن السؤال باحتمال أنهم كانوا يحرمون المذكاة، وبجواز أن يكون المراد بما ذكر اسم الله عليه الاقتصار على المذكى دون غيره فيكون بمعنى تحريم الميتة، وكل من الوجهين باطل ولا محل له هنا كما علمت،
وقد بينا من قبل أن سبب غفلة أذكياء المفسرين عن أمثال هذه المسائل اقتصارهم في أخذ التفسير على الروايات المأثورة ومدلول الألفاظ في اللغة أو في عرف الفقهاء والأصوليين والمتكلمين الذي حدث بعد نزول القرآن بزمن طويل، ولا يغني شيء من ذلك عن الاستعانة على فهم الآيات الواردة في شئون البشر بمعرفة الملل والنحل وتاريخ أهلها وما كانوا عليه في عصر التنزيل.
وقد كان من أثر تقصير المفسرين وعلماء العقائد والأحكام في أهم ما يتوقف عليه فهم المراد من أمثال هذه الآيات أن وقع كثير من المسلمين فيما كان عليه أولئك الضالون من مشركي العرب وغيرهم، حتى الذبح لبعض الصالحين وتسييب السوائب لهم كعجل البدوي المشهور أمره في أرياف مصر، ولما سرت هذه الضلالة إلى المسلمين ذكر الفقهاء حكمها ومتى تكون كفرا كما سيأتي، وجملة القول أن مسألة الذبائح من مسائل العبادات التي كان يتقرب بها إلى الله تعالى، ثم صاروا في عهد الوثنية يتقربون بها إلى غيره وذلك شرك صريح، وهذا هو الوجه لذكرها في هذه السورة بين مسائل الكفر والإيمان والشرك والتوحيد.
{وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} تقول العرب ما لك ألا تفعل كذا، وهو من موجز الكلام بالحذف والتقدير، وتقدير الكلام هنا وأي شيء ثبت لكم من الفائدة في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه؟ وكلمة " في " تحذف قبل أن وأن قياسا.
وقيل: إن معنى الجملة: وأي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟ وإن هذا معروف في كلامهم، والتقدير الأول أظهر وأبعد عن التكليف. والاستفهام هنا للإنكار، أي لا فائدة لكم ألبتة في عدم الأكل مما ذكر اسم الله وحده عليه دون ما أهل به لغيره كما يفعله المشركون من قومكم
{وقد فصل لكم ما حرم عليكم} أي والحال أنه فصل لكم ما حرم عليكم وبينه بقوله الآتي في هذه السورة
{ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145] أي ذكر اسم غيره عليه عند ذبحه كأسماء الأصنام أو الأنبياء والصالحين الذين وضعت الأصنام والتماثيل ذكرى لهم.
والتفصيل والتبيين واحد، فهو فصل بعض الأشياء وإبانتها من بعض آخر يتصل بها اتصالا حسيا أو معنويا، كالأمور التي يشتبه بعضها ببعض حتى تعد كأنها شيء واحد في الجنس، إذ أزلت ما به الاشتباه بينها بما يمتاز به بعضها عن بعض وجعلتها أنواعا تكون قد فصلت كل نوع من الجنس وأبنته من الآخر. وتكرير الفصل هو التفصيل.
وقوله: {إلا ما اضطررتم إليه} استثناء مما حرمه، فمتى وقعت الضرورة بأن لم يوجد من الطعام عند شدة الجوع إلا المحرم زال التحريم. وهذه قاعدة عامة في يسر الشريعة الإسلامية، والضرورة تقدر بقدرها، فيباح للمضطر ما تزول به الضرورة ويتقى الهلاك وقد تقدم ذلك في تفسير آية التحريم المفصلة في أوائل سورة المائدة، ولعل بعض المؤمنين كانوا يأكلون مما يذبح المشركون على النصب ويهلون به لغير الله قبل نزول هذه الآيات، بل مثل هذا من الأمور المعتادة التي لا يتركها أكثر الناس إلا بعد التصريح بتحريمها عليهم، وإنما يفطن لقبحها خواص أهل البصيرة فيتنزهون عنها قبل أن تحرم عليهم ; ولذلك بينت بما ترى من الإسهاب والإطناب.
قرأ أهل الكوفة غير حفص " فصل " بفتح الفاء و " حرم " بضم الحاء، وقرأ أهل المدينة وحفص ويعقوب وسهل الفعلين بفتح أولهما وقرأهما الباقون بضم أولهما، ولا فرق بين هذه القراءات في المعنى وإنما هي توسعة في اللفظ.
{وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} قرأ الجمهور يضلون {بضم الياء} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء والأولى أبلغ، وفائدة القراءتين بيان وقوع الأمرين بالإيجاز العجيب، والمعنى أن من الثابت القطعي أن كثيرا من الناس يضلون غيرهم كما ضلوا في مثل أكل ما أهل به لغير الله بذكر اسم ذلك الغير من نبي أو صالح أو وثن وضع لتعظيمه والتذكير به، كما أن كثيرا منهم يضل في ذلك من تلقاء نفسه أو بإضلال غيره ولا يتصدى لإضلال أحد فيه للعجز عن الإضلال أو لفقد الداعية، وكل من ذلك الضلال والإضلال واقع بأهواء أهله لا بعلم مقتبس من الوحي، ولا مستنبط بحجج العقل.
ومهب هذه الأهواء ما كان سبب الوثنية وأصلها، وهو أنه كان في القوم الذين أرسل الله إليهم نبيه نوحا - عليه السلام - رجال صالحون على دين الفطرة القديم، فلما ماتوا وضعوا لهم أنصابا تمثلهم ليتذكروهم بها ويقتدوا بهم، ثم صاروا يكرمونها لأجلهم، ثم جاء من بعدهم أناس جهلوا حكمة وضعهم لها، وإنما حفظوا عنهم تعظيمها وتكريمها والتبرك بها تدينا وتوسلا إلى الله تعالى، فكان ذلك عبادة لها. وتسلسل في الأمم بعدهم،
فعلى هذا الأصل الذي بنيت عليه الوثنية - كما في البخاري عن ابن عباس - يبني المضلون شبهاتهم على جميع أنواع العبادة التي عبدوا بها غير الله تعالى، كالتوسل به ودعائه وطلب الشفاعة منه وذبح القرابين باسمه والطواف حول تمثاله أو قبره والتمسح بأركانهما، وكل ذلك شرك في العبادة شبهته تعظيم المقربين من الله تعالى للتقريب بهم إليه، وغير ذلك. وقد راجت هذه الشبهات الوثنية في أهل الكتب الإلهية بالأهواء الجهلية. وأولوا لأجلها النصوص القطعية،
وأجاز بعض منتحلي العلم الديني منهم لأنفسهم وأتباعهم من ذلك ما يعدونه كفرا وشركا من غيرهم إما بإنكار تسميته عبادة أو بدعوى أن العبادة التي يتوجه بها إلى غير الله تعالى لأجل جعله واسطة ووسيلة إليه لا تعد شركا به، وما الشرك في العبادة إلا هذا، ولو وجهت العبادة إلى هؤلاء الوسطاء لذواتهم طلبا للنفع أو دفع الضرر منهم أنفسهم - وهذا واقع أيضا - لكانت توحيدا لعبادة هؤلاء لا إشراكا لهم مع الله عز وجل
{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } [البينة: 5] والمخلص لله: من خلصت عبادته من التوجه إلى غيره معه، والحنيف: من كان مائلا عن غيره إليه، فما كل من يؤمن بالله موحدا له { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [يوسف: 106] وتقدم توضيح هذه المعاني مرارا.
{إن ربك هو أعلم بالمعتدين} هذا التذييل التفات عن خطاب المؤمنين كافة إلى خطاب الرسول خاصة، أي إن ربك الذي بين هذه الهداية على لسانك هو أعلم منك ومن سائر خلقه بالمعتدين الذين يتجاوزون ما أحله لهم إلى ما حرمه عليهم، أو يتجاوزون حد الضرورة عند وقوعها اتباعا لأهوائهم، وتقدم تفصيل القول في الاعتداء العام والخاص في تفسير قوله تعالى من سورة المائدة:
{ ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87] وهذا الإخبار يتضمن الإنذار والوعيد، أي فهو يجازيهم على اعتدائهم.
وقد استنبط بعضهم من الآية تحريم القول في الدين بمجرد التقليد وعصبية المذاهب، لأن ذلك من اتباع الأهواء بغير علم، إذ المقلد غير عالم بما قلد فيه وذلك بديهي في العقل، ومتفق عليه في النقل. قال الرازي: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد قول بمحض الهوى والشهوة والآية دلت على أن ذلك حرام.
{وذروا ظاهر الإثم وباطنه} الإثم في اللغة: القبيح الضار، وفي الشرع: كل ما حرمه الله تعالى، وهو لم يحرم على العباد إلا ما كان ضارا بالأفراد في أنفسهم أو أموالهم أو عقولهم أو أعراضهم أو دينهم، أو ضارا بالجماعات في مصالحهم السياسية أو الاجتماعية.
والظاهر منه ما فعل علنا والباطن ما فعل سرا، أو الظاهر ما ظهر قبحه أو ضرره للعامة، وإن فعل سرا، والباطن ما يخفى ذلك فيه إلا عن بعض الخاصة وإن فعل جهرا، أو الظاهر ما تعلق بأعمال الجوارح، والباطن ما تعلق بأعمال القلوب كالنيات والكبر والحسد والتفكير في تدبير المكايد الضارة والشرور، ويجوز الجمع بين هذه الوجوه.
ومما يقتضيه السياق مما يدخل في عموم باطن الإثم على بعض الوجوه ما أهل به لغير الله، فهو مما يخفى على غير العلماء بحقيقة التوحيد، ومنه الاعتداء في أكل المحرم الذي يباح للمضطر بأن يتجاوز فيه حد الضرورة. وقيل الحاجة. وذلك قوله تعالى:
{ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } [المائدة: 3] وهذه الجملة من جوامع الكلم والأصول الكلية في تحريم الآثام حتى قال ابن الأنباري: إن المراد بهذا التعبير ترك الإثم من جميع جهاته، أي جميع أنواع الظهور والبطون فيه.
وقد خص بعض المفسرين الظاهر بزنا السفاح الذي يكون في المواخير، والباطن باتخاذ الأخدان والصديقات في السر، وكانوا في الجاهلية يستبيحون زنا السر ويستقبحون السفاح بالجهر، وخص بعضهم الظاهر بنكاح الأمهات والأخوات وأزواج الآباء، والباطن بالزنا، والتخصيص بغير مخصص باطل.
{إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} تقدم معنى لفظ الاقتراف في تفسير الآية 113 من هذه السورة. ومعنى الجملة: إن الذين يكتسبون جنس الإثم سواء أكان ظاهرا أم باطنا سيلقون جزاء إثمهم بقدر ما كانوا يبالغون في إفساد فطرتهم، وتدسية أنفسهم بالإصرار عليه ومعاودته المرة بعد المرة، كما يدل عليه فعل الكون، وصيغة المضارع الدالة على الاستمرار، وأما الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون: فأولئك يتوب الله عليهم ويمحو تأثير الإثم من قلوبهم بالحسنات المضادة لها
{ إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود: 114] فتعود أنفسهم زكية طاهرة، وتلقى ربها سليمة بارة.
{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} أمر الله -تعالى- بالأكل مما ذكر اسمه عليه في مقام بيان ضلال المشركين وإضلالهم بأكل ما ذكر اسم غيره عليه، ثم صرح بالمفهوم المراد من ذلك الأمر، ولم يكتف بدلالة السياق على القصر، لشدة العناية بهذا الأمر الذي هو من أظهر أعمال الشرك، أي ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح عند تزكيته، والحال إنه لفسق أهل به لغيره كما قال في آية المحرمات:
{ أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145].
فالآية لا تدل على تحريم كل ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فضلا عن غيرها من الأطعمة خلافا لمن قال بهذا وذاك ; لأنها خاصة بتلك القرابين الدينية وأمثالها بقرينة السياق كما تقدم شرحه، وبدليل تقييد النهي بالجملة الحالية كما حققه السعد التفتازاني، ويؤيده قوله:
{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} أي وإن شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ليوحون إلى أوليائهم بالوسوسة والتلقين الخادع الخفي ما يجادلونكم به من الشبهات في هذه المسألة، وإن أطعتموهم فيها فجاريتموهم في هذه العبادة الوثنية الباطلة إنكم لمشركون مثلهم؛ فإن التعبد بالذبح لغير الله شرك كدعاء غير الله وسائر ما يتوجه به من العبادات لغيره، وإن كان لأجل التوسل بذلك الغير إليه ليقرب المتوسل إليه زلفى ويشفع له عنده كما يفعل أهل الوثنية. ومن المعلوم أن أولياء الشياطين لم يجادلوا أحدا من المؤمنين فيما لم يذكر اسم الله ولا اسم غيره عليه من الذبائح المعتادة التي لا يقصد بها العبادة، وأن من يأكل هذه الذبائح لا يكون مشركا، وكذلك من يأكل الميتة لا يكون مشركا بل يكون عاصيا إن لم يكن مضطرا وإن كان قد وقع الجدال في هذه.
قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} فقال بعضهم: عنى بذلك شياطين فارس ومن على دينهم من المجوس [إلى أوليائهم] من مردة مشركي قريش، يوحون إليهم زخرف القول ليصل إلى نبي الله وأصحابه في أكل الميتة.
وروي بسنده عن عكرمة في تحريم الميتة قال: أوحت فارس إلى أوليائهم من قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له: إن ما ذبحت فهو حلال وما ذبح الله فهو حرام؟
وفي رواية عنه: كتبت فارس إلى مشركي قريش أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه وأما ما ذبحوا هم فيأكلون. وذكر أنه وقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فنزلت الآية في ذلك.
ثم ذكر عن بعض آخر أنهم أولوا الآية بوسوسة شياطين الجن لمشركي قريش ما قالوه للمسلمين في روايات أخرى كرواية ابن عباس أنهم قالوا لهم: ما قتل ربكم فلا تأكلونه وما قتلتم أنتم تأكلونه؟ فأنزل الله الآية في ذلك، أي في أثناء السورة.
ورجح ابن جرير شمول الآية للقولين في وحي الشياطين؛ لأن هذا من فروع قوله تعالى قبله:
{ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } [112] ثم ذكر خلافهم في المحرم - بهذه الآية - المراد بما لم يذكر اسم الله عليه فروي عن ابن جرير أنه قال: قلت لعطاء: ما قوله {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه}؟ قال: يأمر بذكر اسم الله عليه، قال وينهى عن ذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان.
ثم ذكر روايات أخرى ورجح شمول الآية لما ذبح للأصنام والآلهة وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته من المشركين دون المسلمين وأهل الكتاب، قال: وذبائح أهل الكتاب ذكية سموا عليها أم لم يسموا ; لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها يذبحون الذبائح بأديانهم كما يذبح المسلم بدينه سمى الله على ذبيحته أم لم يسمه، إلا أن يكون من ترك تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل أو بعبادة شيء سوى الله فيحرم حينئذ أكل ذبيحته. انتهى ملخصا.
وقال الرازي في المسألة الأولى من مسائل الآية " نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام وشراب فهو حرام تمسكا بعموم هذه الآية. وأما سائر الفقهاء فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح. ثم اختلفوا فقال مالك: كل ما ذبح ولم يذكر عليه اسم الله فهو حرام سواء ترك ذلك الذكر عمدا أو نسيانا. وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين. وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى -: إن ترك الذكر عمدا حرم، وإن ترك نسيانا حل، وقال الشافعيرحمه الله تعالى: يحل متروك التسمية سواء كان عمدا أو خطأ إذا كان الذابح أهلا للذبح، وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله:
{ إلا ما ذكيتم } [المائدة: 3] فلا فائدة في الإعادة.
" قال الشافعيرحمه الله : هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب ويدل عليه وجوه {أحدها} قوله تعالى: {وإنه لفسق} وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية. {وثانيها} قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة. روي أن ناسا من المشركين قالوا للمسلمين: ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه وما يقتله الله فلا تأكلونه؟ وعن ابن عباس أنهم قالوا: تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله. فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة،
{وثالثها} قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} وهذا مخصوص بما ذبح على النصب، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلاهية الأوثان فقد رضيتم بإلاهيتها وذلك يوجب الشرك.
" قال الشافعيرحمه الله تعالى: فأول هذه الآية وإن كان عاما بحسب هذه الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص ومما يؤكد هذا المعنى أنه تعالى قال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} فقد صار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان هذا الأكل فسقا، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقا، فرأينا هذا الفسق مفسرا في آية أخرى وهو قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} فصار الفسق في هذه الآية مفسرا بما أهل به لغير الله، وإذا كان كذلك كان قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} مخصوصا بما أهل به لغير الله اهـ.
وقد سبق البحث فيما أهل به لغير الله وفي الذبائح والتسمية عليها في تفسير آية المائدة فتراجع في الجزء السادس من التفسير [ص113، 145 وما بعدهما ط الهيئة].
وقد عد بعض الفقهاء مما يذبح لغير الله ويتناوله التحريم ما ذبح عند قدوم السلطان أو غيره من كبراء الدنيا تكريما له إذا ذكر اسمه عليه عند ذبحه. والتحقيق في هذا المقام أن كل ما يذبح بباعث ديني فهو عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى فلا يذكر غير اسمه عليه، وما كان لأجل التكريم بالمبالغة في الضيافة فلا يدخل في هذا الباب، ولا يذكر المسلم اسم السلطان أو غيره من الضيوف المكرمين عند الذبح كما يذكر اسم الله تعالى، أو كما يهل من يذبحون للأصنام أو للأنبياء والصالحين بأسمائهم عند الذبح. وإنما يذكره من يذكره لبيان أن هذا لأجل ضيافته. وقد ذكر هذه المسألة صاحب (الروضة الندية بشرح الدرر البهية) وبين وجه الخلاف فيها وجاء في سياق الكلام بفوائد تتعلق بالمقام فقال:
" وأما الذبح للسلطان وهل هو داخل في عموم ما أهل به لغير الله أم لا؟ فقد أجاب الماتنرحمه الله في بحث له على ذلك بما لفظه: اعلم أن الأصل الحل كما صرحت به العمومات القرآنية والحديثية، فلا يحكم بتحريم فرد من الأفراد أو نوع من الأنواع إلا بدليل ينقض ذلك الأصل المعلوم من الشريعة المطهرة، مثل تحريم ما ذبح على النصب والميتة والمتردية والنطيحة والموقوذة وما أهل به لغير الله ولحم الخنزير، وكل شيء خرج من ذلك الأصل بدليل من الكتاب أو السنة المطهرة كتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وتحريم الحمر الإنسية.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أصول التحريم الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أو وقوع الأمر بالقتل أو النهي عنه أو الاستخباث أو التحريم على الأمم السالفة - إذا لم ينسخ - فلا بد للقائل بتحريم فرد من الأفراد أو نوع من الأنواع من اندراجه تحت أصل من هذه الأصول، فإن تعذر عليه ذلك فليس له أن يتقول على الله ما لم يقل، فإن من حرم ما أحل الله كمن حلل ما حرم الله لا فرق بينهما، وفي ذلك من الإثم ما لا يخفى على عارف،
ولا شك أن البراءة الأصلية بمجردها كافية على ما هو الحق، فكيف إذا انضم إليها من العمومات مثل قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} الآية. وقوله:
{ أحل لكم الطيبات } [المائدة: 4] وقوله: { والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32] وقوله: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} وقوله: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] وقوله: { ويحل لهم الطيبات } [الأعراف: 157].
" والحاصل أن الواجب وقف التحريم على المنصوص على حرمته والتحليل على ما عداه، وقد صرح بذلك حديث سلمان عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه " وأخرج أبو داود عن ابن عباس موقوفا: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه فأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث قبيصة بن هلب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال له رجل: إن من الطعام طعاما أتحرج منه، فقال:
"ضارعت النصرانية لا يختلجن في نفسك شيء" .
" إذا تقرر هذا فمسألة السؤال أعني ما ذبح من الأنعام لقدوم السلطان والاستدلال على تحريم ذلك بقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} فاسد، فإن الإهلال رفع الصوت للصنم ونحوه وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى. كذا قال الزمخشري في الكشاف:
والذابح عند قدوم السلطان لا يقول عند ذبحه " باسم السلطان "، ولو فرض وقوع ذلك كان محرما بلا نزاع، ولكنه يقول باسم الله، وقد استدل على ذلك بما رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"لعن الله من ذبح لغير الله" الحديث. وليس ذلك الاستدلال بصحيح فإن الذبح لغير الله كما بينه شراح هذا الحديث من العلماء، أن يذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى أو للكعبة أو نحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو يهوديا أو نصرانيا كما نص على ذلك الشافعي، وأصحابه
قال النووي في شرح مسلم فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له - وكان غير الله تعالى - والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا انتهى.
" وهذا إذا كان الذبح باسم أمر من تلك الأمور لا إذا كان لله وقصد به الإكرام لمن يجوز إكرامه، فإنه لا وجه لتحريم الذبيحة. هاهنا كما سلف.
وذكر الشيخ إبراهيم المروذي من أصحاب الشافعي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه ; لأنه مما أهل به لغير الله، وقال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم انتهى. وهذا هو الصواب، وفي روضة الإمام النووي: من ذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله أو لرسول الله لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يمنع الذبيحة بل تحل. قال: ومن هذا القبيل الذبح الذي يذبح عند استقبال السلطان استبشارا بقدومه فإنه نازل منزلة الذبح لعقيقة الولادة. انتهى. وقد أشعر أول كلامه أن من ذبح للسلطان تعظيما له لكونه سلطان الإسلام كان ذلك جائزا مثل الذبح له لأجل الاستبشار بقدومه، إذ لا فرق بين ذلك وبين الذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله. وذكر الدواري أن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف عنه شرهم فهو حلال، وإن قصد الذبح لهم فهو حرام. انتهى.
وهذا يستفاد منه حل ما ذبح لإكرام السلطان - بالأولى - وذلك هو الحق، لما أسلفناه من أن الأصل هو الحل، وأن الأدلة العامة قد دلت عليه، وعدم وجود ناقل عن ذلك الأصل ولا مخصص لذلك العموم والله أعلم. " انتهى كلام الشوكاني. وفيه دليل على التفرقة بين ما يذبح للتقرب إلى غير الله تعالى وبين ما يذبح لغيره من الاستبشار ونحوه كالذبح للعقيقة والوليمة والضيافة ونحوها، فالأول يحرم والثاني يحل.
قال ابن حجر المكي في الزواجر: وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة أن يقول باسم الله واسم محمد أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بجر اسم الثاني - أو محمد إن عرف النحو فيما يظهر، أو أن يذبح كتابي لكنيسة أو لصليب أو لموسى أو لعيسى أو مسلم للكعبة أو لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو تقربا لسلطان أو غيره أو للجن فهذا كله يحرم المذبوح وهو كبيرة
قال: ومعنى ما أهل به لغير الله ما ذبح للطواغيت والأصنام قاله جمع. وقال آخرون: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله. قال الفخر الرازي: وهذا القول أولى لأنه أشد مطابقة للفظ الآية. قال العلماء: " لو ذبح مسلم ذبيحة وقصد بذبحه التقرب بها إلى غير الله تعالى صار مرتدا وذبيحته ذبيحة مرتد ". انتهى كلام الزواجر، وقال صاحب الروض: إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر، انتهى، قال الشوكاني في الدر النضيد: وهذا القائل من أئمة الشافعية وإذا كان الذبح لسيد الرسل صلى الله عليه وسلم كفرا عنده فكيف الذبح لسائر الأموات؟ انتهى.
قال الشيخ الفاضل مفتي الديار النجدية عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ابن سليمان بن علي في كتابه " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " في باب ما جاء في الذبح لغير الله قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية -رحمه الله - في كتابه {اقتضاء الصراط المستقيم} في الكلام على قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} الظاهر أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا. وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم، وإن قال فيه باسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال ; لكونه يجتمع في الذبيحة مانعان: الأول: أنه مما أهل لغير الله به، والثاني أنها ذبيحة مرتد.
ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح الجن انتهى. قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن فأضيفت إليهم الذبائح لذلك. انتهى كلام فتح المجيد. وقد نقل الشوكاني أيضا العبارة المتقدمة لشيخ الإسلام في رسالته {الدر النضيد} واستدل به على تحريم ما ذبح لغير الله تعالى سواء لفظ به الذابح عند الذبح أو لم يلفظ وهذا هو الحق. انتهى كلام الروضة الندية.
{تنبيه} السنة الثابتة في التسمية على الطعام والذبح والصيد هي " باسم الله " فقط ومن زاد " الرحمن الرحيم " فليس له حجة.