التفاسير

< >
عرض

وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٢٩
يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ
١٣٠
ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ
١٣١
وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٣٢
-الأنعام

تفسير المنار

{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون} {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} المعنى العام لمادة الولاء هو أن يكون بين الشيئين أو الأشياء نوع من الاتصال في الحصول أو العمل، بأن لا يفصل بينهما أو بينها ما شأنه أن يفصل من حدث أو جثة أو زمن، وولي الرجل العمل أو الأمر قام به بنفسه، ومنه ولاية الأحكام " بكسر الواو " وصاحبها وال، وولاية القرابة وولاية النصرة " وكلاهما بفتحها " وصاحبهما ولي. ومنه الموالاة في الوضوء، وولى وجهه الكعبة - توجه إليها { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144] وولاه الشيء أو العمل أو القضاء: جعله إليه ليقوم به بنفسه فتولاه، وتولى زيد عمرا: نصره، وكذلك القوم { لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } [الممتحنة: 13] -
وأما تولية الله الناس بعضهم بعضا فهو جعلهم أولياء وأنصارا بعضهم لبعض، إما بمقتضى أمره في شرعه ومقتضى سننه وقدره معا، وإما بمقتضى الثاني فقط فالأول ولاية المؤمنين بعضهم بعضا في الحق والخير والمعروف، فقد أمرهم بذلك في شرعه ونهاهم عن ضده، وهو مقتضى الإيمان الصادق وأثره الذي لا ينفك عنه بحسب تقدير الله الذي مضت به سنته في خلقه، والثاني ولاية الكفار المجرمين والمنافقين بعضهم بعضا، فهو أثر مترتب على الاعتقاد والأخلاق والمنفعة المشتركة بينهم بحسب تقديره وسننه في نظام الحياة البشرية، وهو لم يأمرهم بشيء مما يتناصرون به في الباطل والشر والمنكر بل نهاهم عنه. وقد بينا مرارا أن هذا النظام المعبر عنه بالقدر والتقدير الشامل للحق والباطل والخير والشر هو عبارة عن نفي ما زعمت القدرية من أن الله تعالى يخلق كل ما وقع في الكون خلقا آنفا، أي مبتدأ منه غير جار على نظام تكون فيه المسببات على قدر الأسباب.
الجبر يستلزم نفي القدر أيضا. فتولية الله الناس بعضهم لبعض ليس خلقا مبتدأ من الله ولا واقعا من الناس بالإجبار والاضطرار. ولا بالاستقلال المنافي للخضوع للسنن والأقدار، وإنما جرت سنة الله تعالى في البشر بأن يكون لكل عمل من الأعمال النفسية والبدنية التي تصدر منهم تأثير في أنفسهم يصير بالتكرار عادة فخلقا وملكة، وأن الأفراد والجماعات يميل كل منهم إلى من على شاكلته في ذلك، ويتولى بعضهم بعضا في التعاون والتناصر فيما يشتركون فيه على من يخالفهم فيه، وقد جهل الجبرية والقدرية النفاة جميعا حقيقة القدر، وصار كل منهما يحمل الآيات على ما ذهب إليه كأنها مختلفة متعارضة، وهي مخالفة لكل منهما ولا اختلاف ولا تعارض فيها.
فمعنى الآية على ما تقدم، ومثل ذلك الذي تقدم - أي في الآية التي قبلها - من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا لما بينهم من التناسب والمشاكلة، نولي بعض الظالمين لأنفسهم وللناس بعضا بسبب ما كانوا يكسبونه باختيارهم من أعمال الظلم الجامعة بينهم، أي يقع ذلك منهم بسنتنا وقدرنا، الذي قام به النظام العام في خلقنا، فليس خلقا مبتدأ كما تزعم القدرية، ولا أفعالا اضطرارية كما تزعم الجبرية، ويؤيد هذا روايات في التفسير المأثور.
روي عن قتادة أنه قال في الآية: إنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحيثما كان، والكافر ولي الكافر من أين كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولعمري لو عملت بطاعة الله ولم تعرف أهل طاعة الله ما ضرك ذلك، ولو عملت بمعصية الله وتوليت أهل طاعة الله ما نفعك ذلك شيئا. انتهى.
يعني أن انتماء المرء إلى المؤمنين ودخوله في جامعتهم ونصرته لهم لا تجعله منهم حقيقة، إلا إذا كان يعمل عملهم وينصرهم لمشاركته إياهم في ذلك لا لمجرد العصبية الجنسية أو المنفعة الدنيوية، وأما العمل بهدي دينهم فإنه ينفعه بدون توليهم إذا كان عدم توليهم لعدم معرفته بهم، وهو لا يكون إلا كذلك لأنه إذا عرفهم لا يسعه إلا أن يتولاهم إذا كان موافقا لهم في الجامعة الاعتقادية العملية التي تقتضي المشاركة بحسب قدر الله وشرعه قال تعالى:
{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض [الأنفال: 72 الآية. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } [الأنفال: 73] أي إن لا تفعلوا أيها المؤمنون هذا التولي بالتعاون والتناصر بينكم تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. رواه ابن جرير عن ابن جريج ورجحه لأن اللفظ يدل عليه دون القول الآخر بأنه خاص بولاية الإرث. وقد وقعت الفتنة والفساد الكبير بترك المسلمين هذه الولاية بينهم وتخاذلهم وتولي بعضهم لمن نهاهم الله عن ولايتهم، وأولئك هم الظالمون. وقال تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم } [التوبة: 67] إلخ. ثم قال بعد أربع آيات: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله } [التوبة: 71] فالآيات كلها تقرن الولاية بين كل فريق بالعمل الاختياري. وقد قدم في الآية الأخيرة العمل المتعلق بالأمور الاجتماعية، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على العمل الشخصي حتى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة; لأنه هو المناسب لمقام التعاون والتناصر.
وروى أبو الشيخ، عن منصور بن أبي الأسود، قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم. والأعمش تابعي، فهو إنما يسأل عن أقوال الصحابة وكبار علماء التابعين،
وهذا المعنى الذي قاله يدخل في عموم قول قتادة، فإن الأمة الصالحة لا تقبل الأمراء والحكام الفاسدين الظالمين، بل تسقطهم إذا نزوا على مصالحها وتولي الخيار، ولا سيما إذا كان صلاحها بقواعد الإسلام الذي جعل أمر الناس شورى بينهم، فأهل الحل والعقد من زعماء الأمة هم الذين يولون الإمام الأعظم، ويراقبون سيره في إقامة الحق والعدل، ويعزلونه إذا اقتضت المصلحة ذلك.
وقد اتبع السيوطي رواية الأعمش في {الدر المنثور} بأثر من الزبور في انتقام الله تعالى من المنافق بالمنافق، ثم الانتقام منهم جميعا، ثم قال: وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي في شعب الإيمان من طريق يحيى بن أبي هاشم، حدثنا يونس بن إسحاق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كما تكونون كذلك يؤمر عليكم" قال البيهقي: هذا منقطع ويحيى ضعيف. ثم نقل البيهقي آثارا إسرائيلية في معنى هذا الحديث أولها قول كعب الأحبار: إن لكل زمان ملكا يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم ملكا مصلحا، وإذا أراد هلكتهم بعث عليهم مترفهم.
ذلك بأن الملوك يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالة تصرف الرعاة في الأنعام السائمة، فالملك المترف - وهو الذي أكبر همه التمتع باللذات الجسدية ومظاهر العظمة والسلطان - يتخذ لنفسه الوزراء والقواد والبطانة والحاشية من أمثاله المترفين. فيقلدهم جمهور الناس في أعمالهم السيئة لأن الناس كما قيل على دين ملوكهم، وبذلك يكون الفساد أغلب من الصلاح، والفسق عن أمر الله وسننه في القوة والنظام أعم من الاتباع. وبهذا هلك من هلك من الأمم بانقراض أهلها، أو بتسلط الأمم القوية عليها، كما قال تعالى:
{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } [الإسراء: 16] وكما بيناه من قبل فأثر كعب الأحبار مفسر للآية.
ولما كان الملك المترف يفسد الأمة حتى تهلك، كان الملك الصالح يصلح الأمة الفاسدة باتخاذ الوزراء والقواد والبطانة والحاشية له من الصالحين المصلحين الذين يقيمون ميزان الحق والعدل، ويكونون قدوة للناس في العفة والاعتدال والقصد، ويأخذون على أيدي أهل الفحشاء والمنكر والبغي فيقلدهم الأكثرون، ويرهب جانبهم الأشرار والمفسدون فتقوى دولتهم، وتعتز أمتهم، حتى يمكن الله لهم في الأرض ويجعلهم من الوارثين
{ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } [الأنبياء: 105] أي الصالحون لتوليها والقيام بشئونها، ولو بالنسبة إلى من يعارضهم في ذلك ممن هو دونهم صلاحية، فالصلاح كالتقوى يفسر في كل مقام بحسبه.
وأما الأمم العالمة بسنن الاجتماع ذات الرأي الذي يمثله الزعماء الذين تعتمد عليهم في الحل والعقد، فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاءون كما قلنا آنفا، بل يكونون فيها تحت مراقبة أولي الأمر منها.
وقد وضع الإسلام هذا الأساس المتين للإصلاح بجعله أمر الأمة شورى بين أهل الحل والعقد المذكورين، وأمره الرسول نفسه بالمشاورة، وجريان الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى برجوعه عن رأيه إلى رأي الأمة، وجعله الولاية العامة وهي الإمامة أو الخلافة بالانتخاب، وقد أفصح عن ذلك الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقوله في أول خطبة خطب بها الناس عقب مبايعته: أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني، واشتهر عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال على المنبر: من رأى منكم في عوجا فليقومه. إلخ. وروي عن الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه أنه قال على المنبر في أيام الفتنة: أمري لأمركم تبع،
وبعد علي والحسن عليهما السلام تحول أمر الإسلام من خلافة نبوة إلى ملك مصداقا للحديث الصحيح
"الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث سفينة.
وقد دعم بنو أمية ملكهم بالعصبية فلم تغن عنهم حين ظهر فيهم الفسق، فنفر منهم معظم الأمة لغلبة الصلاح فيها فسهل انتزاع الملك منهم بسرعة. وليس التطويل في هذه المسألة من موضعنا هنا فحسبنا إيضاح ما ورد في التفسير المأثور عن السلف في الآية والتذكير بأن الأمم الأخرى قد استفادت من هداية الإسلام في هذا الأمر - الذي ترك المسلمون هداية دينهم فيه - فلم يعد أمر صلاحها وفسادها بأيدي ملوكها ورؤساء حكوماتها وحدهم، بل في أيدي نوابها الذين نختارهم لمراقبة الحكومة والسيطرة عليها. على أن الوزراء كثيرا ما يغشون جمهور نواب الأمة ويستعينون ببعضهم على بعض.
وليس لفظ الظالمين في الآية خاصا بالملوك والأمراء وتعاونهم مع عمالهم على أعمالهم، بل هو عام يشمل ظالمي أنفسهم والظالمين للناس من الحكام وغيرهم، كل من هؤلاء وأولئك يتولى من يشاكله في أخلاقه وأعماله، ويتناصرون على من يخالفهم فيها وإن وافقهم في غيرها من الروابط والجوامع الأخرى حتى رابطة الدين والجنس، فإن كل جامعة بين الناس لا يؤيدها العمل تضعف حتى تكون صورية أو لفظية;
ولذلك نرى الطامحين من العلماء الأقوياء إلى السيادة على الجهلاء الضعفاء يجدون في السعي قبل كل شيء إلى إفساد تربيتهم، وتعليمهم ما يضعف كل الروابط العامة التي تربط بعضهم ببعض، أو يحلها ويذهب بها فلا يكون للأفراد منهم هم إلا في أشخاصهم وتمتيعها باللذات والشهوات، وحينئذ يتولون من يوصلهم إليها ولو بمساعدته على أمتهم إذا كان يفيض عليهم من بعض ما ينتزعه منها بمؤازرتهم، ولو آزروها عليهم لكان خيرا لهم.
فالمدار في الولاية بين الناس على المشاكلة النفسية التي قررها الكسب والعمل، لا الصورية أو اللفظية التي لم يقرر الكسب معناها; ولذلك قال: {بما كانوا يكسبون} ولم يقل بما كانوا يلقبون.
وسنذكر عند مناسبة أخرى غرائب من خذلان الأمم في التعاون على الظلم والفساد، مما هو مشاهد في كثير من البلاد، وسره وأغربه مساعدة عبيد الشهوات للأجانب على استعباد أمتهم والسيطرة على بلادها لينالوا في ظل سيادتهم عليها ما لا يطمعون بمثله في حال حريتها واستقلالها، ثم هم يدعون أنهم يخدمونها بذلك; لأن سلطة الأجنبي لا مندوحة عنها بزعمهم، ومشاركتهم إياه ومساعدتهم له تخفف عن الأمة ثقل وطأته، وتحفظ لها بعض الحقوق والمنافع، وتمهد لهم السبيل إلى الترقي الذي يرجى أن تسير فيه إلى الحرية والاستقلال.
وهذه الدعاوى من الخدع التي تعلموها من ساسة الأجانب قد يخدعون بها أنفسهم وهم لا يشعرون، ومن أكبر مصائب أمتهم بهم قولهم عن اعتقاد أو غير اعتقاد أنه لا بد للأمة - أو لا مندوحة - من سيطرة الأجانب عليها، وانخداع كثير من العوام بهم وتصديقهم لقولهم إنهم يخدمون الأمة بتخفيف الضغط الأجنبي عن كاهلها:
وكيف لا ينخدع العوام بأقوال أمرائهم وقوادهم وساداتهم وكبرائهم، وهم جاهلون بسنن الاجتماع، وبما أرشد إليه القرآن؟ فإن فيه من العبر، ما يكفي لإصلاح جميع البشر، ولكن أكثر الناس في غفلة عن الاعتبار، وإنما يعتبر أولو الأبصار، نسأله تعالى أن يكثر في أمتنا منهم فإنه لا حياة إلا بذلك وإلا فهي هالكة لا محالة، وهذا جزاء مطرد بسنن الله تعالى في الدنيا، وجزاء الآخرة أشد منه وأنكى، وقد أشار إليه بقوله عز وجل:
{يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} هذا بيان لما يخطر في بال من يقرأ ما قبله أو يسمعه، فإنه يقول في نفسه: يا ليت شعري كيف يكون حال هؤلاء الظالمين الذين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا بما كانوا يكسبون من الأوزار إذا قدموا على الله يوم القيامة؟ فجاء الجواب في هذه الآية بأنهم ينادون ويسألون عن دعوة الرسل لإقامة الحجة عليهم بها فيما يترتب من الجزاء على مخالفتها، وقد حققنا معنى المعشر في تفسير الآية 130 فما العهد بها ببعيد.
والاستفهام هنا للتقرير التوبيخي، وقوله: {رسل منكم} ظاهره أن كلا من الفريقين قد أرسل الله منهم رسلا إلى قومهم، والجمهور على أن الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات، كحصر الرسالة في الرجال وجعلها في ذرية نوح وإبراهيم; ولذلك صرفوا النظم عن ظاهره وقالوا: إن المراد بقوله: {منكم} من جملتكم - لا من كل منكم، وهو يصدق برسل الإنس الذين تثبت رسالتهم إلى الإنس والجن، وذكروا له شاهدا من القرآن قوله تعالى:
{ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } [الرحمن: 22] بعد قوله: { مرج البحرين } [الرحمن: 19] إلخ. أي الملح والحلو وهو البحيرات وكبار الأنهار، وهذا مبني على زعمهم أن البحار الحلوة لا يخرج منها لؤلؤ ولا مرجان. والصواب أن اللؤلؤ يخرج من بعضها كبعض أنهار الهند، ثبت ذلك قطعا واستدركه {سايل} مترجم القرآن بالإنكليزية على البيضاوي.
وهو مما أخبر به القرآن من حقائق الأكوان التي لم تكن معروفة عند العرب حتى في أيام حضارتهم واستعمارهم للأقطار. ذكر هذا الشاهد ابن جرير وتبعه به من بعده.
وروي عن ابن جريج أنه قال في الآية: جمعهم كما جمع قوله:
{ ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها } [فاطر: 12] ولا يخرج من الأنهار حلية انتهى. وقد علمت أن هذا خطأ، ولفظ هذه الآية أبعد عن هذا التأويل من آية الرحمن بل هو يبطله، وخرجه بعضهم من باب التغليب كقولهم: أكلت تمرا ولبنا. {قال ابن جريج} قال ابن عباس: هم الجن الذين لقوا قومهم وهم رسل إلى قومهم. انتهى.
يعني أن الرسل من الجن هم الذين تلقوا منهم الدعوة من رسل الإنس وبلغوها لقومهم من الجن كالذين أنزل الله فيهم قوله في سورة الأحقاف:
{ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين } [الأحقاف: 29] الآيات. وهو مبني على جواز تسمية رسول الرسول رسولا. وذكروا أن منه رسل أصحاب القرية في أوائل سورة " يس " [يس: 13 - 20] وذكر ابن جرير أن المسألة خلافية، وروي أن الضحاك سئل عن الجن هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم فقال للسائل: ألم تسمع إلى قول الله: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} فقالوا: بلى؟ وذكر أن الذين يقولون بقول الضحاك يردون التأويل السابق بأنه خلاف المتبادر من اللفظ، ولو صدق في رسل الجن لصدق في رسل الإنس لعدم الفرق. وذكر غيره أن الضحاك استدل على ذلك بقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } [فاطر: 24] ومثله قوله: { ولكل أمة رسول } } [يونس: 47] وقوله: { { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36] مع ضميمة إطلاق لفظ الأمة على جميع أنواع الأحياء لقوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [الأنعام: 38] وتقدم في تفسيره أن بعض الصوفية قال بتكليف الحيوانات واستدلوا بآية [فاطر: 24] وأن الشعراني ذكر في الجواهر أنه يجوز أن يكون نذرها منها وأن يكونوا من غيرها، واستدل أيضا بقوله تعالى: { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } [الأنعام: 9] أي بناء على استئناس الجنس بالجنس وفهمه عنه، وقد يرد هذا بأنه ثبت في القرآن أن الجن يفهمون من رسل الإنس.
وجملة القول في الخلاف أنه ليس في المسألة نص قطعي، والظواهر التي استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإنس لأن الكلام معهم، وليست أقوى من ظاهر الآيات التي استدل بها على كون الرسل من الفريقين
والجن عالم غيبي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص، وقد دل القرآن - وكذا الحديث الصحيح - على رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إليهم، وحكى تعالى عن الذين استمعوا القرآن منهم أنهم قالوا:
{ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } [الأحقاف: 30] فظاهره أنه كان مرسلا إليهم. فنحن نؤمن بما ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى الله تعالى، ثم إنه تعالى وصف الرسل الذين أرسلهم إلى الفريقين منهم بقوله: {يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} أي يتلون عليكم آياتي التي أنزلتها عليكم المبينة لأصول الإيمان، ومكارم الأخلاق وحسنات الأعمال التي يترتب عليها صلاح الأحوال وسلامة المآل وينذرونكم لقاء يومكم هذا بإعلامكم ما يقع فيه من الحساب والعقاب على من كفر عن جحود أو ارتياب.
{قالوا شهدنا على أنفسنا} هذا ما حكاه تعالى من جوابهم عن السؤال عندما يؤذن لهم في مواقف القيامة بالكلام، وثم مواقف أخرى لا ينطقون فيها ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ومواقف يكذبون فيها على أنفسهم بما ينكرون من كفرهم وأعمالهم، وتقدم شيء من ذلك، وجوابهم هذا وجيز يدل على أنهم يعترفون بكفرهم ويقرون بإتيان الرسل وبلوغهم دعوتهم منهم أو ممن نقلها عنهم. وأنهم كذبوا واتبعوا أهواءهم; ولذلك قال:
{وغرتهم الحياة الدنيا} أي غرهم متاع الحياة الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة والسلطان على الناس، ورأوا من دعوة الرسل في عصرهم أن اتباعهم إياهم يجعل الرئيس منهم مرءوسا ومساويا لضعفاء المؤمنين في جميع الحقوق والمعاملات. وقد يكرمون عليه بما يفضلونه به من التقوى وصالح الأعمال، وكذلك حال من على مقربة من الرؤساء والزعماء بشجاعتهم أو ثروتهم أو عصبيتهم، فهؤلاء كانوا يكفرون بالرسل كفر كبر وعناد يقلدهم فيه كثير من أتباعهم تقليدا، فيغتر كل منهم بما يعتز به من التعاون مع الآخر.
وكان عصر الخلفاء الراشدين نحوا من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المساواة، ولكنه اختلف عنه بما تجدد للإسلام من الملك والثروة والقوة، ولم يكن ذلك مانعا لجبلة بن الأيهم من الارتداد عنه لما علم أن عمر يقتص منه لأحد السوقة.
وأما غرور أهل هذه الأعصار بالدنيا المانع لهم من اتباع الرسل، فهو ما غلب عليهم من الإسراف في الشهوات المحرمة والجاه الباطل المذمومين في كل دين، وقد زالت من أكثر البلاد الحكومات الدينية التي كان أهل الدين يعتزون بها، وحل محلها حكومات مادية لا يرتقي فيها ولا ينال الحظوة عند أهلها من يتبع الرسل، بل لم يعد هذا الاتباع سببا من أسباب نعيم الدنيا ورياستها المشروعين، فما القول بالمحظورين. وهذا على خلاف الأصل في الدين فإنه شرع ليكون سببا لسعادة الدنيا والآخرة، ولكن الناس لبسوه مقلوبا حتى جهلوا حقيقته، ولا سيما دين الإسلام الكامل المكمل المتمم بجمعه بين حاجة الروح والجسد وجميع مصالح الاجتماع والسيادة بالحق.
ولو كان للإسلام ملك قوي في هذا العصر لقل في اللابسين لباسه النفاق والفسوق - دع الكفر والمروق - ولدخل الناس فيه من سائر الأمم أفواجا.
{وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} أي وشهدوا في ذلك الموقف من مواقف ذلك اليوم إذ تقوم الحجة عليهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين بتلك الآيات والنذر التي جاء بها الرسل; إذ لا يجدون فيه مجالا للكذب والمكابرة ولا للتأويل. وليس الكفر بما جاء به الرسل محصورا في تكذيبهم بالقول، بل منه عدم الإذعان النفسي الذي يتبعه العمل بحسب سنة الله تعالى في الطباع والأخلاق وترتب الأعمال عليها، فالكفر نوعان: عدم الإيمان بما جاء به الرسول، وعدم الإسلام له بالإذعان والعمل. والذنب العارض لا ينافي الإسلام كما فصل مرارا.
{ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أي ذلك الذي ذكر من إتيان الرسل يقصون على الأمم آيات الله تعالى في الإصلاح الروحي والاجتماعي، وينذرونهم يوم الحشر والجزاء، بسبب أن ربك أيها الرسول المبعوث بالإصلاح الأكمل لبقية الأمم كلها، لم يكن من شأنه ولا من سننه في تربية خلقه أن يهلك القرى أي الأمم بعذاب الاستئصال الذي أوعد به مكذبي الرسل، ولا بعذاب فقد الاستقلال الذي أوعد به مخالفي هدايتهم بعد قبولها بظلم منه لهم، أو بظلم منهم وهم غافلون عما يجب عليهم أن يتقوا به هذا الهلاك، بل يتقدم هلاك كل أمة إرسال رسول يبلغها ما يجب أن تكون عليه من الصلاح والحق والعدل والفضائل بما يقصه عليها من آيات الوحي في عصره، أو بما ينقل إليها من يبلغونها دعوته من بعده، فإنما العبرة بالدعوة التي تنبه أهل الغفلة، فلا يكون أخذهم على غرة; ذلك بأن من حكمة الله تعالى في الأمم جعل جميع ما ينزل بهم من عقاب جزاء على عمل استحقوه به، فيكون عقابهم تربية لمن يسلم منهم ولكل من عرف سنة الله في ذلك ولهذا عبر بلفظ الرب، ومنه يعلم أن له تعالى الحجة البالغة على خلقه بأنه لا يظلمهم شيئا، وإنما هم الذين يظلمون أنفسهم. وأن الإهلاك والتعذيب ليس صفة من صفاته النفسية التي لا بد من وقوع متعلقها سواء أذنب المكلفون أم لم يذنبوا، بل هو من أفعاله التي يربي بها عباده.
أشرنا إلى أن قوله: {بظلم} فيه وجهان للمفسرين بيناهما بما رأيت، وقد سبق إلى ذلك شيخهم ابن جرير الطبري ولخص قوله الحافظ ابن كثير وشايعه عليه قال: قال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: {بظلم} وجهين: أحدهما ذلك من أجل أن لم يكن ربك ليهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون. يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم من ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، والوجه الثاني: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم يقول لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك والله غير ظلام للعبيد ثم شرع يرجح الوجه الأول ولا شك أنه أقوى والله أعلم اهـ.
وتقول: إن كلا من المعنيين صحيح في نفسه، ومذهبنا أنه لا مانع من إرادة الله تعالى لكل ما يحتمله نظم كتابه من معنى صحيح. وقد ورد في هذا الموضوع عدة آيات منها ما هو نص في إهلاك القرى بظلمها، ومنها ما هو بيان لسنته تعالى في ذلك كهذه الآية.
ومن الأول قوله تعالى في سورة هود:
{ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } [هود: 102] ومن الثاني قوله فيها: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } [هود: 117] وقد جزم بعضهم بأن المراد بالظلم هنا الشرك، واستدلوا عليه بما صح مرفوعا من تفسيره به في معنى قوله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82] الآية. واستشهاد الحديث على ذلك بقول لقمان الذي حكاه الله عنه: { إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13] وقد بينا في تفسير تلك الآية أن الظلم إنما صح تفسيره فيها بالشرك الذي هو أعظم الظلم - وهو نكرة في سياق النفي - لأنه وارد في الظلم الذي يلبس به الإيمان فصح فيه العموم المقيد الذي ورد فيه; لأن قليل الشرك يفسد الإيمان ككثيره.
وأما الظلم في الآية التي نفسرها الآن وفي آية هود المماثلة لها فقد ورد نكرة في سياق النفي في مقام بيان سبب إهلاك القرى، فيجب أن يكون العموم فيه مطلقا لما ثبت في الآيات الأخرى المؤيدة بوقائع التاريخ من هلاك الأمم بالظلم في الأعمال والأحكام، وبقائها زمنا طويلا مع الشرك إذا كانت مصلحة فيهما كما هو ظاهر آية هود.
ولله در الحافظ ابن كثير فإنه نقل عبارة الإمام ابن جرير بالمعنى فقال في الوجه الأول: بالشرك ونحوه، أي وما يشبهه من الظلم في الأعمال والأحكام، فأشار إلى العموم، وعبارة ابن جرير: بشرك من أشرك وكفر من كفر من أهلها كما قال لقمان: {إن الشرك لظلم عظيم}، وهي تنافي صيغة العموم وسبحان من لا يخطئ ولا يعزب عن علمه شيء.
هذا وإننا قد فصلنا من قبل ما ذكرناه آنفا بالإجمال من أن عقاب الله تعالى للأمم وكذا للأفراد في الدنيا والآخرة أنواع، وأن منه ما يسمى عذاب الاستئصال لمن عاندوا الرسل بعد أن جاءوهم بما اقترحوا عليهم من الآيات الكونية وأنذروهم الهلاك إذا لم يؤمنوا بعد تأييد الله إياهم بها كعاد وثمود وقوم لوط، فسنة الله في ذلك خاصة وقد انقطعت بانقطاع إرسال الرسل إذ ليست جارية على سائر سنن الاجتماع.
ومنه هلاك الأمم بما يغلب عليها من الظلم أو الفسق والفجور الذي يفسد الأخلاق ويقطع روابط الاجتماع، ويجعل بأس الأمة بينها شديدا فيكون ذلك سببا اجتماعيا لسلب استقلالها وذهاب ملكها بحسب سنن الاجتماع، وقد أنذرنا الله هذا في كتابه وعلى لسان رسوله كما شرحناه من قبل فيراجع تفصيل ذلك فيما مضى من التفسير.
ثم إن هذه الآية وما في معناها من الآيات - كآية هود - من قواعد علم الاجتماع البشري الذي لا يزال في طور الوضع والتدوين; وهو العلم بسنن الله تعالى في قوة الأمم والشعوب وضعفها وعزها وذلها وغناها وفقرها وبداوتها وحضارتها وأعمالها ونحو ذلك. وفائدة هذا العلم في الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة، وفي القرآن الحكيم أهم قواعده وأصوله وقد سبق بعض الحكماء المسلمين إلى بيان بعضها، وبدأ ابن خلدون بجعله علما مدونا يرتقي بالتدريج كغيره من العلوم والفنون، ولكن استفاد غير المسلمين بما كتبه في ذلك وبنوا عليه ووسعوه فكان من العلوم التي سادوا بها على المسلمين الذين لم يستفيدوا منه كما كان يجب; لأنه كتب في طور تدنيهم وانحطاطهم، بل لم يستفيدوا من هداية القرآن العليا في إقامة أمر ملكهم وحضارتهم على ما أرشدهم إليه من القواعد وسنن الله تعالى فيمن قبلهم.
ولا يزالون معرضين عن هذا الرشد والهداية على شدة حاجتهم إليها بسبب ما وصل إليه تنازع البقاء بين الأمم في هذا العصر، وإنا نرى بعضهم يعزي نفسه عن ضعف أمته ويعتذر عن تقصيرها بالقدر الذي يفهمه مقلوبا بمعنى الجبر أو يسليها بأن هذا من علامات الساعة وارتكس بعضهم في حمأة جهله بالإسلام حتى ارتدوا عنه سرا أو جهرا زاعمين أن تعاليمه هي التي أضعفتهم وأضاعت عليهم ملكهم، والتمسوا هداية غير هدايته ليقيموا بها دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
{ولكل درجات مما عملوا} أي ولكل من معشري الجن والإنس الذين بلغتهم دعوة الرسل درجات ومنازل من جزاء أعمالهم تتفاوت بتفاوتهم فيها {وما ربك بغافل عما يعملون} بل هو عالم به ومحصيه عليهم. فجزاء سيئة سيئة مثلها، ويضاعف الله الحسنات دون السيئات; لأن الفضل ما كان فوق العدل.
فإن أريد بكل من الفريقين آخر من ذكر منهم وهم الكافرون على ما هو الأكثر في الاستعمال - فالدرجات بمعنى الدركات كالدرج والدرك، والأصل في الأول أن يستعمل في الخير وجزائه، والثاني في مقابله ومنه:
{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } [النساء: 145]
والراغب يفرق بينهما بأن الدرج يقال باعتبار الصعود والدرك باعتبار الحدور والهبوط، وجمهور المفسرين جعلوا كلاهما عاما لفريقي المؤمنين والكافرين فيكون استعمال الدرجات من باب تغليب المؤمنين.
وشذ من قال: إن مسلمي الجن لا يدخلون الجنة إذ ليس لهم ثواب، وأشد منه شذوذا من زعم أنهم لا يدخلون الجنة ولا النار نقل ذلك السيوطي عن ليث بن أبي سليم وهو مخالف لنصوص القرآن وليث هذا مضطرب الحديث، وإن روى عنه مسلم وقد اختلط عقله في آخر عمره ولعله قال هذا القول وغيره مما أنكر عليه بعد اختلاطه.
هذا وإننا وإن بينا أن هذه الآية مبطلة للقول بالجبر الباطل الهادم للشرائع والأديان الذي ألبسوه ثوب القدر الثابت بالعلم المؤيد للقرآن، فإننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي - عفا الله عنه - قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر وأن نذكر عبارته بنصها ونبين بطلانها وإن سبق لنا مثل ذلك في غيرها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته قال:
" اعلم أن هذه الآية تدل أيضا على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر; وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة، وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمرة الملائكة المقربين، فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم ولصار ذلك العلم جهلا ولصار ذلك الإشهاد كذبا وكل ذلك محال، فثبت أن لكل درجات مما عملوا {وما ربك بغافل عما يعملون} [132] وإذا كان الأمر كذلك فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه " اهـ.
ونقول: إن حكم الله تعالى القدري لا يمكن أن يكون ناقضا ومبطلا لحكمه الشرعي ومكذبا لوحيه، وقد قال تعالى: إن الدرجات تكون للمكلفين بأعمالهم. وإذا كان الرازي قد صرح بأنه تعالى " قد حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة " إلخ. فمن أين علم أنه قد جعله مجبورا على هذا الفعل وهو يجد في نفسه أنه مختار، والقرآن قد صدق الوجدان بإثبات المشيئة والإرادة للإنسان. ونوط مشيئته بمشيئة الله معناه أنه تعالى شاء أن يكون فاعلا بالإرادة والاختيار، ولو لم يشأ ذلك لم يكن ولكن شاءه فكان، وعلم ذلك وكتبه ورتب عليه دينه وشرعه.