التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
١٤١
وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
١٤٢
ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
١٤٣
وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٤٤
-الأنعام

تفسير المنار

هذه الآيات إلى تمام العشر بعدها في تتمة سياق مسألة تحريم المشركين ما لم يحرم الله تعالى من الأنعام وغيرها من الأغذية وما يتعلق به، وقد قلنا: إنه ذكر في هذه السورة المنزلة في أصول الدين وما يقابلها من أصول الشرك والكفر; لأنه من هذه الأصول لا لمجرد كونه من جهالاتهم وضلالاتهم العملية،
ذلك أصل الدين الأعظم توحيد الله تعالى باعتقاد الألوهية والربوبية له وإفراده بالعبادة، وحق التشريع بأن نؤمن بأنه لا رب ولا خالق غيره ولا إله يعبد معه أو من دونه، ولا شارع سواه لعبادة ولا حلال ولا حرام، وفي هذه العقيدة منتهى تكريم الإنسان. فتأمل ذلك كله في هذه الآيات البينات.
{وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع} الإنشاء إيجاد الأحياء وتربيتها، وكذا كل ما يكمل بالتدريج كإنشاء السحاب وكتب العلم والشعر والدور والجنات البساتين والكروم الملتفة الأشجار بحيث تجن الأرض وتسترها. والمعروشات المسموكات على العرائش وهي ما يرفع من الدعائم ويجعل عليها مثل السقوف من العيدان والقصب.
ومادة عرش تدل على الرفع ومنها عرش الملك. والمعروشات معروفة عند العامة والخاصة، يقال: عرش دوالي العنب عرشا وعروشا وعرشها تعريشا إذا رفعها على العريش. ويقال: عرشت الدوالي تعرش {بكسر الراء} إذا ارتفعت بنفسها. وعن ابن عباس: أن المعروشات ما يعرش من الكرم وغيره، وغير المعروشات ما لا يعرش منها،
وفي رواية عنه أن الأول: ما عرش الناس أي في الأرياف والعمران. والثاني ما خرج في الجبال والبرية من الثمرات.
والمعهود أن الكرم منه ما يعرش ومنه ما يترك منبسطا على الأرض، وكله من جنس المعروشات التي أودع الله فيها خاصية التسلق والاستمساك بما تتسلق عليه من عريش مصنوع أو شجر أو جدار ونحوه، فالمتبادر من صيغة الجمع في القسمين أن المراد بالأول أنواع المعروشات بالقوة كالكرم وإن لم يوجد ما تعرش عليه بالفعل، وبالثاني غير المعروشات من سائر أنواع الشجر الذي يستوي على سوقه ولا يتسلق على غيره، وخصهما بعضهم بالكرم. وعلى هذا يكون عطف النخل عليه وقرنه به لأنه قسيمه في كون ثمرهما من أصول الأقوات وقرينه فيما سيأتي بيانه من الفوائد والشبه.
وأما على القول بأن النخل من قسم الجنات غير المعروشات فيكون ذكره تخصيصا له من إفراد العام لما فيه من المنافع الكثيرة ولا سيما للعرب، فإن بسره ورطبه فاكهة وغذاء وثمره من أفضل الأقوات التي تدخر، وأيسرها تناولا في السفر والحضر، ليس فيه مؤنة ولا يحتاج إلى طبخ ولا معالجة، ونواه علف للرواحل، ولهم منه شراب حلال لذيذ إذا نبذ في الماء زمنا قليلا - وهو النبيذ أي النقوع - وكان أكثر خمرهم منه ومن بسره (ولا منة في الرجس) دع ما في جريد النخل وليفه من المنافع والفوائد، فهو بمجموع هذه المزايا يفضل الكرم الذي هو أقرب الشجر منه وأشبههه به شكلا ولونا في عنبه وزبيبه ومنافعه تفكها وتغذيا وتحليا وشربا:
ثم عطف عليه الزرع وهو النبات الذي يكون بحرث الناس، وهو عام لكل ما يزرع على القول بالعموم فيما قبله. وأما على القول بتخصيص الجنات بالكرم فينبغي أن يخص بما يأتي منه القوت كالقمح والشعير، ويكون ترتيب المعطوفات على طريقة الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم، فإن الحبوب هي التي عليها معول أكثر البشر في أقواتهم، وهذا عكس الترتيب في قوله تعالى:
{ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه } [الأنعام: 99] فترتيب الأقوات في هذه الآية على طريق التدلي من الأعلى في الاقتيات إلى الأدنى فالأدنى،
والفرق بينهما أن هذه جاءت في مقام سرد الآيات الكونية على وحدانية الله وقدرته وحكمته ورحمته بعباده، وقبلها آيات في آياته في العالم العلوي وفي خلق الإنسان وهو دونه، وعالم النبات أدنى منهما، فروعي التدلي في أنواعه كما روعي فيما بينه وبين ما قبله.
والمقام في الآية التي نفسرها وما بعدها مقام ذكر الأقوات لبيان شرع منشئها في إباحتها، في مقابلة ضلال المشركين فيما ذكر قبلها من التحليل والتحريم بأهواء الشرك وهو قوله:
{ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } [الأنعام: 136] إلخ فقدم هنالك الحرث على الأنعام لأن ضلالهم فيه أقل من ضلالهم فيها.
وجرى هنا على هذا الترتيب فذكر الحرث أولا لما ذكر، وترقى إلى ذكر الأنعام لكثرة ضلالهم فيها وما يحتاج إليه من تفصيل القول الحق في ذلك، وهو انتقال من المهم إلى الأهم في المعنى المراد، وتأخير لما اقتضت الحال إطالة القول فيه على الأصل. فحسن الترقي في ذكر أنواع الأقوات النباتية تفصيلا كما حسن فيما بينها بجملتها وبين الأقوات الحيوانية، ولما ذكرنا من اختلاف المقام في الآيتين قال في آية:
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99] وقال هنا: {كلوا من ثمره} ولم أر أحدا تعرض لهذه النكت هنا.
أنشأ تعالى ما ذكر {مختلفا أكله} الأكل ما يؤكل وفيه لغتان: ضم الهمزة والكاف وبه قرأ جمهور القراء، وسكون الكاف مع ضم الهمزة وبه قرأ نافع وابن كثير، والضمير فيه قيل: إنه راجع إلى الزرع ومنه يعلم حكم ما قبله، وقيل: بالعكس، والأرجح أنه راجع إلى كل ما قبله، والمعنى أنه أنشأ ما ذكر من الجنات والنخل والزرع حال كونه مختلفا ثمره الذي يؤكل منه في شكله ولونه وطعمه وريحه عندما يوجد، أي قدر الاختلاف فيه عند إنشائه، فهو كقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر الحب وجنات النخيل والأعناب:
{ ليأكلوا من ثمره } [يس: 35] أي ثمر المذكور. قاله الزمخشري وجها واستشهد له ولمثله في آيات أخرى بقول رؤبة بن العجاج:

فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق

وقال إنه قيل له في ذلك، أي لم قال: " كأنه " ولم يقل " كأنها " وهي جمع مؤنث؟ فقال: أردت كأن ذلك. والذي راجعه فيه هو الراوية أبو عبيدة.
{والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} أي وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر وغير متشابه في المطعم قاله ابن جريج، قيل: إن المراد التشابه بين الزيتون والرمان في شكل الورق دون الثمر، وقيل: بل المراد ما بين أنواع الرمان من التشابه في الشجر والتمر، مع التفاوت في الطعم من حلو وحامض ومر، وفي لون الحب من أحمر قانئ قمد أو فقاعي وأبيض ناصع أو أزهر مشرب بحمرة. ويراجع في هذا وفي مكان الزيتون والرمان مما ذكر قبله تفسير الآية (99) من هذه السورة ومنه تعلم وجه تخصيص هذين النوعين بالذكر.
{كلوا من ثمره إذا أثمر} أي كلوا من ثمر ذلك الذي ذكر من أول الآية على ما اخترناه في قوله مختلفا أكله وسيأتي معنى هذا الشرط. وقد قالوا: إن الأمر هنا للإباحة، أي بعد أن آذن الله تعالى عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستغلون منه أقواتهم، آذنهم بأنه أباحه كله لهم فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم; لأن التحريم حق للرب الخالق للعباد وللأقوات جميعا، فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى،
ومن أذعن لتحريم غير الله وأطاعه فيه فقد أشركه معه سبحانه وتعالى، كما علم من تفسير الآيات التي قبل هذه، ويؤكده ما في الآيات بعدها، والكلام في التحريم الديني كما هو ظاهر. وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعا شرعيا، أي تحريما كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره، فمن ثبت عنده بشهادة الطبيب الثقة أن التمر يضره مثلا حرم عليه أن يأكله، وهذا التحريم ليس تشريعا من الطبيب بل الله تعالى هو الذي حرم كل ضار، وإنما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار، فلا فرق بينه وبين من يخبر بأن هذا الطعام قد طبخ بلحم الخنزير أو لحم كبش أهل به لغير الله فيحرم على كل من صدقه أكله ما لم يكن مضطرا إليه.
وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة، كالحاجة إلى كثرته في حفظ بعض الزرع لأنه يأكل الحشرات المهلكة له مثلا. ولكن مثل هذين ليس تحريما ذاتيا لما ذكر يدوم بدوامه بل موقتا بدوام سببه، ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم شيئا بمحض إرادته، وإنما هو مكلف شرعا بصيانة المصالح ودرء المفاسد، فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الإنكار عليه ووجب عليه الرجوع إلى الحق.
وقوله: {إذا أثمر} لإفادة أن أول وقت إباحة الأكل وقت إطلاع الشجر الثمر والزرع الحب لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، وفي آية أخرى {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} فالكرم ينتفع بثمره حصرما فعنبا فزبيبا، والنخل يؤكل ثمره بسرا فرطبا فتمرا، والقمح يؤكل حبه فريكا قبل يبسه، وأكله برا مطبوخا أو طحنه وجعله خبزا. وقيل: إن المراد إباحة الأكل منه قبل أداء حقه الذي أمر به في قوله:
{وآتوا حقه يوم حصاده} أي وأعطوا الحق المعلوم من الزرع وغيره لمستحقيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين زمن حصاده في جملته بحسب العرف، لا كل طائفة منه ولا بعد تنقيته وفيه تغليب الحصاد الخاص بالزرع في الأصل فيدخل فيه جني العنب وصرم النخل، كتغليب الثمر فيما قبله لإدخال حب الحصيد فيه وهو في الأصل خاص بالشجر، وهذه مقابلة تشبه الاحتباك جديرة بأن تعد نوعا خاصا من أنواع البديع.
أخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} قال:
"ما سقط من السنبل" وقال مجاهد فيه: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، فإذا طيبته وكرمته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، فإذا دسته وذريته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه فإذا ذريته وجمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته.
وإذا بلغ النخل وحضرك المساكين فاطرح لهم من التفاريق والبسر، فإذا جددته {أي قطعته} فحضرك المساكين فاطرح لهم منه فإذا جمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته. وعن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم: أن أهل المدينة كانوا إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه فهو قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} وعن سعيد بن جبير قال: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، الرجل يعطي من زرعه ويعلف الدابة ويعطي اليتامى والمساكين ويعطي الضغث.
يعني أن هذا الأمر في الصدقة المطلقة غير المحدودة المعينة ويؤيده أن السورة مكية والزكاة المحدودة فرضت بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة. وقيل: إنه في الزكاة المفروضة المحدودة في الأقوات التي هي العشر وربع العشر، وقد روي عن أنس بن مالك وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وهو قول الحسن، وطاوس، وزيد بن أسلم وغيرهم ويرد عليه الإجماع على أن السورة مكية ولم يصح استثناء هذه الآية منها إلا أن يقال: مرادهم أن الإطلاق فيها قيد بعد الهجرة بالمقادير التي بينتها الزكاة كأمثالها من الآيات المكية التي ورد فيها الأمر بالزكاة، وقد صرح بعضهم بأن الزكاة المقيدة المعروفة نسخت فرضية الزكاة المطلقة، والنسخ عند السلف أعم من النسخ في عرف الأصوليين فيدخل فيه تخصيص العام.
أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: نسخها العشر ونصف العشر.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن عطية العوفي فيها قال: كانوا إذا حصد وإذا درس وإذا غربل أعطوا منه شيئا فنسخها العشر ونصف العشر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن سفيان قال: سألت السدي عن هذه الآية قال: هي مكية نسخها العشر ونصف العشر. قلت له عمن؟ قال: عن العلماء أي علماء الصحابة والتابعين وهذا هو الصواب ومعناه نسخ فرضيتها المطلقة فلم يبق بعد فرض الزكاة المحدودة إلا صدقة التطوع كما هو صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله بعد أن أخبره بالزكاة المفروضة: هل علي غيرها؟ قال صلى الله عليه وسلم
"لا إلا أن تطوع" على أن الزكاة المحدودة المعينة لا يمكن أداؤها يوم الحصاد، وما تأولوه في ذلك فهو تكلف
فإن قلت: أليس إطعام المعدم المضطر واجبا على من علم بحاله؟ قلنا الكلام في الحق الواجب على الأعيان في الأموال بشروطها المعروفة، وإغاثة المضطر من الواجبات الكفائية العارضة لا العينية الثابتة. والحصاد - بفتح الحاء وكسرها - مصدر حصد الزرع إذا جزه أي قطعه كما قال في الأساس، قرأه ابن كثير ونافع وحمزة بالكسر والباقون بالفتح.
واستدل الرازي على زعمه أن حمل الآية على الزكاة المحدودة أصح بأنه إنما يحسن ذكر قوله تعالى: {وآتوا حقه} إذا كان ذلك الحق معلوما قبل نزوله، لئلا تبقى الآية مجملة. {قال}: وقد قال عليه الصلاة والسلام:
"ليس في المال حق سوى الزكاة" فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة اهـ.
ونقول: إن الحق المراد بها كان معلوما عندهم وهو الصدقة المطلقة المعتادة التي ذكرنا بعض الروايات عن السلف فيها، والحديث الذي ذكره رواه ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس بسند ضعيف لا يحتج به على أنه صريح في أنه ورد بعد فرض الزكاة بالمدينة، فلا يمكن تحكيمه في تفسير آية مكية نزلت قبل فرض الزكاة المذكورة.
ثم قال الرازي: قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} بعد ذكر الأنواع الخمسة وهو العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان يدل على وجوب الزكاة في الكل، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كما كان يقوله أبو حنيفةرحمه الله .
فإن قالوا لفظ الحصاد مخصوص بالزرع فنقول: لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع، والدليل عليه أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل، وأيضا الضمير في قوله: {يوم حصاده} يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه. انتهى
بعبارته السقيمة، وخطأ المعنى فيها أشنع من خطأ العبارة، فليست الآية في الزكاة، والحصد في اللغة: جز الزرع لا مطلق القطع، وإنما يطلق على غيره مجازا أو تغليبا، فجني الزيتون ليس من الحصد ولا القطع، وليس عود الضمير إلى آخر ما ذكر في الآية واجبا، والآخر هو الرمان، فإن لم يعد الضمير إليه وحده لاستحالة أن يكون هو الذي ثبت الحق فيه وحده، فالظاهر رجوعه إلى جملة المذكورات بتقدير اسم الإشارة كما مر قريبا، أو إلى ما يحصد منه حقيقة لا تغليبا وهو الزرع، والأول هو الذي يريده التفسير المأثور.
ثم إن إيجابه رجوع الضمير إلى الأخير يبطل أصل دعواه وهو أن الآية تدل على وجوب الزكاة في الأنواع الخمسة بالنص لذكر الحق بعدها، فما أضعف دلائل هذا (الإمام) الشهير، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير.
وسنبين إن شاء الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [التوبة: 103] ما تجب فيه الزكاة ببيان السنة، ومنها الأحاديث التي تحصر زكاة الزرع والثمر بالحنطة والشعير والتمر والزبيب وكذا الذرة في حديث مرفوع فيه متروك يعضده مرسل لمجاهد والحسن. وأن الحكمة فيها كونها القوت الغالب، فإن جاز أن يقال عليها فإنما يكون فيما يكون قوتا يدخر عنده من اتخذوه قوتا غالبا كالأرز عند بعض العرب وأهل اليابان أو مطلقا وهو مذهب الشافعي.
وقوله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} فيه ثلاثة أوجه: تقدير
الأول: كلوا مما رزقكم الله ولا تسرفوا في الأكل كقوله تعالى في سورة الأعراف:
{ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: 31] وهو في معنى ما تقدم في سورة المائدة { ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 90] فالإسراف مجاوزة الحد والاعتداء كذلك، والحد الذي ينهى عن تجاوزه إما شرعي كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما يتعلق بهما إلى الحرام، وإما فطري طبعي وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة.
الوجه الثاني لا تسرفوا في الصدقة أي في أمرها، قال السدي: أي لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء، وعن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليس له ثمرة، فأنزل الله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ولكن ثابتا من الأنصار، ومعنى الرواية أنها نزلت يوم نزلت بمكة في حكم مثل هذا العمل - كما تقدم نظيره مرارا - ومثله قول أبي العالية: كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة، ثم إنهم تباذروا وأسرفوا فأنزل الله {ولا تسرفوا} إلخ. وجعل بعضهم الإسراف في أمر الصدقة منعها. فعن سعيد بن المسيب في قوله: {ولا تسرفوا} قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا. وجعله بعضهم خاصا بالحكام الذين يأخذون الصدقات. فعن زيد ابن أسلم في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: عشوره. وقال للولاة: {ولا تسرفوا} لا تأخذوا ما ليس لكم بحق. فأمر هؤلاء بأن يؤدوا حقه، وأمر الولاة بأن لا يأخذوا إلا الحق.
الوجه الثالث أن النهي عام يشمل الإسراف في أكل الإنسان من ماله بغير سرف، وفي إنفاقه على غيره من صدقة وغيرها، فالإسراف مذموم في كل شيء،
وإليه ذهب عطاء واختاره ابن جرير ونقله ابن كثير عنه وقال: لا شك أنه صحيح أي في نفسه لا في عبارة الآية، فإنه اختار فيها أن الوجه الأول هو الظاهر - وهو كما قال بالنظر إلى مورد الآية وسياقها; ولذلك قدمناه وأيدناه بآيتي الأعراف والمائدة وهذا لا يمنع دلالة اللفظ بعمومه مع صرف النظر عن موقعه على النهي عن كل إسراف، وناهيك بتعليل النهي بكونه تعالى لا يحب المسرفين. وقد وصف الله عباده الصالحين بقوله:
{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } [الفرقان: 67] وقال: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا } [الإسراء: 26] وقال: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } [الإسراء: 29].
{ومن الأنعام حمولة وفرشا} أي وأنشأ من الأنعام حمولة، وهي ما يحمل عليه الناس الأثقال من الإبل والبقر وهو كبارها - وهي كالركوبة لما يركب لا واحدا له من لفظه - وفرشا: وهو ما يفرش للذبح من الضأن والمعز وكذا صغار الإبل والبقر، أو ما يتخذ الفرش من صوفه ووبره وشعره، وقد روي نحو هذا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وروي عن عبد الله بن مسعود أن الحمولة ما حمل عن الإبل والفرش صغارها، وهو رواية عن ابن عباس وتلميذه مجاهد، والرواية الأخرى عنه أن الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، والفرش الغنم، وهذا التفسير للحمولة لغوي، فإن الخيل والبغال والحمير ليست من الأنعام، وعن أبي العالية الحمولة الإبل والبقر، والفرش الضأن والمعز، ذكره في الدر المنثور من رواية عبد بن حميد عنه.
قال بعضهم: وهذا ظاهر على القول أن الفرش سميت فرشا لصغرها ودنوها من الأرض. وقال الراغب في مفرداته: والفرش ما يفرش من الأنعام، أي يركب. وكني بالفراش عن كل واحد من الزوجين فقال النبي صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش " وفلان كريم المفارش. انتهى.
وفي معنى هذه الآية آيات كقوله تعالى في سورة المؤمن:
{ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون } [غافر: 79، 80] ومثلهما في سورة يس وفي سورة النحل.
{كلوا مما رزقكم الله} من هذه الأنعام وغيرها وانتفعوا بسائر أنواع الانتفاع منها {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} بتحريم ما لم يحرمه الله عليكم ولا بغير ذلك من إغوائه، فهو سبحانه هو المنشئ والمالك لها حقيقة، وقد أباحها لكم وهو ربكم، فأنى لغيره أن يحرم عليكم ما ليس له خلقا وإنشاء ولا ملكا، ولا هو برب لكم فيتعبدكم به تعبدا،
والخطوات جمع خطوة بالضم وهي المسافة التي بين القدمين، ومن بالغ في اتباع ماش يتبع خطواته كلما انتقل تأثره فوضع خطوه مكان خطوه، وتحريم ما أحل الله من أقبح المبالغة في اتباع إغواء الشيطان; لأنه ضلال في حرمان من الطيبات لا في تمتع بالشهوات كما هو أكثر إغوائه.
{إنه لكم عدو مبين} هذا تعليل للنهي، أي لا تتبعوه لأنه عدو لكم من دون الخلق مظهر للعداوة، أو بينها أي ظاهرها بكونه لا يأمر إلا بما يفحش قبحه ويسوء فعله أو أثره في الحال أو الاستقبال، وبالافتراء المحض على الله بغير علم كما قال تعالى:
{ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 169] وهذا حق بين لكل من حاسب نفسه وأقام الميزان لخواطرها، ومن أجهل ممن يتبع خطوات عدوه حتى في حرمان نفسه من منافعها!
{ثمانية أزواج} نصب ثمانية على أنه بدل من حمولة وفرشا بناء على كونهما قسمين لجميع الأنعام على القول الراجح. والزوج يطلق في اللغة على كل واحد من القرينين الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة، وعلى كل قرينين فيها وفي غيرها كالخف، والنعل، وعلى كل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا. قال الراغب: والاثنان زوجان. يقال: له زوجا حمام
{ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } [النجم: 54] وقوله:
{من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} شروع في بيان هذه الأزواج الثمانية، وتبكيتهم وتجهيلهم على تحريم بعضها دون بعض بغير مخصص، أي من الضأن زوجين اثنين هما الكبش والنعجة، ومن المعز زوجين اثنين هما التيس والعنز،
وفي المعز لغتان قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بفتح العين والباقون بسكونها - وقد بدأ في هذا التفصيل بنوع الفرش على أحد الأقوال فيه، وبما لا يصلح إلا للأكل منه على القول بشموله لصغار الإبل والبقر; لأنه هو المناسب في مقام إنكار تحريم أكل بعضه دون بعض بغير مخصص، بعد أن قدم في الإجمال ذكر الحمولة لأنها أهم مقام الخلق والإنشاء والمنة بكون خلقها أعظم والانتفاع بها أعم، فإنها كما يحمل عليها يؤكل منها، وناهيك بسائر منافعها وبقوله تعالى تعجيبا بخلق أعظم صنفيها:
{ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } [الغاشية: 17].
{قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} أي قل لهم أيها الرسول: أحرم الله الذكرين من كل واحد من الزوجين وحدهما كما يدل عليه تقديم المفعول على عامله، أم الأنثيين وحدهما، أم الأجنة التي اشتملت عليها أرحام إناث الزوجين كليهما سواء أكانت ذكورا أم إناثا؟ والاستفهام للإنكار، أي أنه لم يحرم شيئا من هذه الثلاث.
وبهذا السؤال التفصيلي يظهر للمتفكر فيه منهم أنه لا وجه يعقل لقولهم; لأن ترتيب الحكم على الوصف بالذكورة أو الأنوثة أو الحمل يكون لغوا أو جهالة فاضحة إذا لم يكن تعليلا، والتعليل بهذه الأوصاف لا وجه له ويلزمه ما لا يقولون به، وبعدمه يلزمهم التحكم في أحكام الله وكون الافتراء عليه بغير أدنى علم ولا عقل، ولذلك قال: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} أي خبروني بعلم يؤثر عن أحد رسل الله أو ببينة متلبسة بعلم يركن إليه العقل بأن الله حرمها عليكم، وإلا كان تخصيص ما حرمتم دون أمثاله جهلا محضا كما أنه افتراء كذب.
{ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} الإبل اسم جمع لجنس الأباعر، وهي مؤنثة لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل لزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صغر نحو أبيلة وغنيمة، وتسكن ياؤه لغة للتخفيف. ومفرده بعير وهو يقع في أصل اللغة على الذكر والأنثى مثل الإنسان ولكنه غلب في عرف المولدين على الذكر، وإنما الجمل اسم للذكر كالرجل في الناس، والناقة للأنثى كالمرأة.
والبقر اسم جنس وتطلق البقرة على الذكر والأنثى كما قال الجوهري كالشاة من الغنم وإنما الهاء للوحدة، والثور الذكر من البقر والأنثى ثورة والجمع ثيران وأثورة وثيرة {كعنبة} والبقر الأهلية صنفان عراب وجواميس ويقابلها بقر الوحش، وليست من الأنعام وإن كانت تؤكل، والمراد بالذكرين والأنثيين وما حملت أرحام الأنثيين مثل ما تقدم في الغنم والمعز إذ لا فرق بينهما في طريق الإنكار المراد من الاستفهام. وقد لخص السيد الآلوسي أقوال المفسرين في هذه الآية أحسن تلخيص بقوله في روح المعاني:
والمعنى كما قال كثير من أجلة العلماء: إنكار أن الله تعالى حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع الأربعة وإظهار كذبهم في ذلك، وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة وأولادها كيفما كانت تارة أخرى، مسندين ذلك كله لله سبحانه، وإنما لم يل المنكر وهو التحريم الهمزة، والجاري في الاستعمال أن ما نكر وليها لأن ما في النظم الكريم أبلغ، وبيانه على ما قاله السكاكي: إن إثبات التحريم يستلزم إثبات محله لا محالة، فإذا انتفى محله وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهاني، كأنه وضع الكلام موضع من سلم أن ذلك قد كان ثم طالبه ببيان محله كي يتبين كذبه ويفتضح عند المحاقة، وإنما لم يورد سبحانه الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة بأن يقال: قل آلذكور حرم أم الإناث؟ أما اشتملت عليه أرحام الإناث لما في التكرير من المبالغة أيضا في الإلزام والتبكيت.
ونقل الإمام عن المفسرين أنهم قالوا: إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام فاحتج الله سبحانه على إبطال ذلك بأن للضأن والمعز والإبل والبقر ذكرا وأنثى، فإن كان قد حرم سبحانه منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما، وإن كان حرم جل شأنه الأنثى وجب أن يكون إناثها حراما، وإن كان حرم الله تعالى ما اشتملت عليه أرحام الإناث وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث.
وتعقبه بأنه بعيد جدا لأن لقائل أن يقول: هب أن هذه الأجناس الأربعة محصورة في الذكور والإناث إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو غير ذلك من الاعتبارات، كما إذا قلنا: إنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل، فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى، ولما لم يكن هذا الكلام لازما عليه فكذا هو الوجه الذي ذكره المفسرون.
ثم ذكر في الآية وجهين من عنده وفيما ذكرنا غنى عن نقلهما، ومن الناس من زعم أن المراد من الأنثيين في الضأن والمعز والبقر: الأهلي والوحشي، وفي الإبل: العربي والبختي، وهو مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وما روي عن ليث بن سليم لا يدل عليه، وقول الطبرسي إنه المروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه كذب لا أصل له وهو " شنشنة أعرفها من أخزم " اهـ.
وأقول: إن قول الرازي إن علة تحريم ما حرموا من الأنعام هي كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة لا كونها ذكرا أو أنثى أو حملا لها - فيه أن الإنكار عليهم في جعلهم إياها كذلك كما هو صريح آية المائدة فهو جهل لا يعقل أن يكون علة التحريم فالحرام منه مثل الحلال، وما ذكر في التفصيل في الإنكار يذكر المفكر المستقل بأن ما قالوه عين الجهل، وهو ما انفردنا ببيانه آنفا.
وقوله: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} بعد تعجيزهم عن الإتيان بعلم يؤثر عن أحد من رسل الله بتحريم ما زعموا، ألزمهم هنا ادعاء تحريم الله إياه عليهم بوصية سمعوها منه; لأن العلم عن الله إما أن يكون برواية رسول له يخبر بوصية عنه، أو يتلقى ذلك منه سبحانه وتعالى بغير واسطة رسول، والشهداء هم الحضور المشاهدون للشيء وهو جمع شهيد.
والمعنى: أعندكم علم يؤثر عن أحد من رسل الله فنبئوني به، أم شاهدتم ربكم فوصاكم بهذا التحريم كفاحا بغير واسطة؟ وهم لا يدعون هذا ولا ذاك وإنما يفترون على الله الكذب بدعوى التحريم افتراء مجردا من كل علم، ويقلد بعضهم بعضا في قوله: إن الله أمركم بتحريم ما حرموا واقتراف كل ما اقترفوا كما قال تعالى فيهم:
{ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28] والاستفهام الإنكاري هنا يتضمن التهكم بهم، إذ كانوا بعدم اتباع أحد من رسل الله كالمدعين على إنكارهم للرسالة بأنهم يشاهدون الله ويتلقون منه أحكام الحلال والحرام، وما استبعدته أنظارهم السقيمة من الوحي أقرب من هذا الذي يقعون فيه بإنكارهم له بمثل قولهم: { ما أنزل الله على بشر من شيء } [الأنعام: 91] وإلا لزمهم الافتراء على الله تعالى لإضلال عباده وهو أشد الظلم الذي يجنيه الإنسان على نفسه وغيره، ولذلك قال تعالى تعقيبا على ما تقدم:
{فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} أي وإذا كان الأمر كذلك وقامت عليكم الحجة به، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا بتحريم ما لم يشرعه وشرع ما لم يشرعه، ليضل الناس به بحملهم على اتباعه فيه مع نسبته إلى الله تعالى بغير علم ما يكون حجة له فيه. والاستفهام إنكاري والمعنى لا أحد أظلم منكم لأنكم من هؤلاء المفترين على الله بقصد الإضلال عن جهل عام تام. فالعلم المنفي يشمل ما يؤثر أو يعقل ويستنبط كالنظر العقلي والتجارب العملية، وطرق درء المفاسد والشرور والمضار وتقدير المصالح والمنافع وعمل البر والخير، كما يدل عليه تنكيره في حيز النفي المستفاد من كلمة غير، فإن قيل: ما حكمة نفي كل نوع من أنواع العلم في أمر التشريع الديني الذي ليس له مصدر غير وحي الله ورسله؟ قلنا: هي تسجيل الجهل العام المطلق عليهم عامة. وسوء النية على مفتري ذلك لهم خاصة بأنه ليس له أثارة من علم، ولا قصد إلى شيء من الهدى إلى حق أو خير، وتسجيل الغباوة وعمى البصيرة على متبعيه بمحض التقليد من غير عقل ولا هدى.
وقد وجد في البشر أناس آخرون تفكروا وبحثوا في العلم الإلهي وما يجب أن يشكر الله تعالى به تعبدا من اتباع الحق والعدل وفعل الخيرات التي يدل عليها العقل، وفيما ينبغي اجتنابه من طعام وشراب ضار بالبدن أو العقل - وهم الحكماء - فأصابوا في بعض ما هدتهم إليه عقولهم وتجاربهم، وأخطئوا في بعض، فكانوا خير الناس لأنفسهم وللناس في فترات الرسل التي فقدت فيها هداية الوحي. وهم المشار إليهم بقوله تعالى:
{ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]
فالذين يأمرون بالقسط وهو العدل والاعتدال في الأخلاق والآراء والأعمال وبشكر المنعم هم حكماء البشر وعقلاؤهم، وقد وضع قصي للعرب سننا حسنة لسقاية الحاج ورفادتهم وإطعامهم وللشورى في الخطوب، ومن أعمال قريش الحسنة حلف الفضول لمنع الظلم وقد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام لأنه من الأمر بالقسط بسائق العقل وسلامة الفطرة
ومن أهل الجاهلية من حرم على نفسه الخمر لمفاسدها. ويدل هذا القيد على تعظيم الإسلام لشأن العلم وله نظائر في الكتاب العزيز.
وقد ثبت في الصحيح أن عمرو بن لحي الخزاعي هو أول من سيب لهم السوائب وبحر البحائر وغير دين إسماعيل فاتبعوه، وسنعقد لهذا فصلا خاصا وفاء بما وعدنا في تفسير آية المائدة.
{إن الله لا يهدي القوم الظالمين} إلى الحق والعدل. لا من طريق الوحي ولا من طريق العلم. فإنهم ما داموا متصفين بالظلم متعاونين عليه فهو يصدهم عن استعمال عقولهم، فيما يهديهم إلى صوابهم، وإذا كان هذا شأن الظالمين مهما تكن درجة ظلمهم فكيف يكون أظلم الناس على الإطلاق وهم الذين وصفت الآية ظلمهم بالافتراء على الله لإضلال عباده!.
فصل في تاريخ وثنية العرب الإسماعيليين وما تبعها من هذه الضلالة
روى أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب - زاد مسلم - وبحر البحيرة وغير دين إسماعيل " وروى نحوه البخاري من حديث عائشة في غير ما موضع.
وروى البخاري في باب قصة خزاعة من كتاب المناقب عن أبي هريرة قبل حديثه المذكور آنفا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة" قال الحافظ في شرح الحديث الأول من الفتح: وأورده ابن إسحاق في السيرة الكبرى عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي صالح أتم منه. ولفظه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون: "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار; لأنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحامي" ثم قال الحافظ: وذكر ابن إسحاق أن سبب عبادة لحي للأصنام أنه خرج إلى الشام وبها يومئذ العماليق وهم يعبدون الأصنام فاستوهبهم واحدا منها وجاء إلى مكة فنصبه إلى الكعبة {وهو هبل} وكان قبل ذلك قد فجر رجل يقال له أساف بامرأة يقال لها نائلة في الكعبة فمسخهما الله جل وعلا حجرين فأخذهما عمرو بن لحي فنصبهما حول الكعبة فصار من يطوف يتمسح بهما يبدأ بأساف ويختم بنائلة.
وفي تفسير سورة نوح من صحيح البخاري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في تفسير الأوثان التي كانت في قوم نوح ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر - أنها كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. وأخرج عبد بن حميد، عن محمد بن كعب فيهم قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليها فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم. فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا قبلكم كانوا يعبدونها، فعبدوها. ومعنى قول إبليس وحيه ووسوسته.
وكانت العبادة لهم توسلا بهم واستشفاعا وتقربا إلى الله وذبائح تذبح لهم منذورة أو غير منذورة، وطوافا بتماثيلهم ونحو ذلك مما يفعل الآن كثير من أهل الكتاب ومن اتبع سننهم من المسلمين شبرا بشبر وذراعا بذراع مصداقا للحديث المتفق عليه، فإن المسلمين لا يتخذون للأنبياء والصالحين صورا ولا تماثيل يعظمونها ويطوفون بها ويذبحون عندها، وإنما استبدلوا القبور المشيدة وما يضعونه عليها بالتماثيل. وقد تساهل بعض مقلدة الفقهاء في إنكار هذه الأعمال، بل قالوا أقوالا جرأت الناس على استحسان هذه البدع كقول بعضهم إن قبور الصالحين تزار للتبرك بها. وإجازة بعضهم تشريفها بالبناء وكسوتها كالكعبة واتخاذها مساجد خلافا للأحاديث الصحيحة، وتشريعا شركيا لترويج الشرك، وقد ذكر السهيلي في التعريف أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا يتبركون بدعائهم، وذكر غيرهم أنهم صوروهم ليتذكروا بصورهم وتماثيلهم ما كان من عبادتهم لله تعالى فيقتدوا بهم،
وهكذا فعل النصارى بصور الأنبياء والصالحين وما زال بعضهم إلى الآن يقولون: إنهم لا يعبدون هذه الصور التي يتخذونها في كنائسهم، بل يريدون بوضعها فيها تذكر أصحابها للاقتداء بهم، وتعظيمهم بالتبرك بهذه الذكرى، ولا أزال أذكر كلمة راهب قالها لي في كنيسة دير البلمند في جبل لبنان، وهي أول كنيسة دخلتها لأجل التفرج والاختبار وكنت غلاما يافعا، وكان ذلك الراهب يخبرني أنا ومن معي بما في الكنيسة وبأسماء أصحاب الصور التي في جدرها وقد قال غير مرة إنهم لا يعبدونها ولكنها " تذكار " وكان يكرر كلمة " تذكار " ولعله كان يجهل كما يجهل كثير من المسلمين حقيقة معنى العبادة، فيظن أن تعظيم تلك الصور ووضعها في الكنائس ودعاءها ونداءها والنذر لها والتوسل والاستشفاع بها إلى الله لا يسمى عبادة لها ولأصحابها،
وأما مشركو العرب في زمن البعثة فلم يكونوا يجهلون أن هذا كله يسمى عبادة; لأن اللغة لغتهم، ولم يكن لهم عرف ديني مخصص لعموم العبادة اللغوي ولا باعث على التأويل أو التحريف، فكانوا يصرحون بأنهم يعبدون أصنامهم ويسمونها آلهة; لأن الإله هو المعبود وإن لم يكن ربا خالقا، ويقولون كما أخبر الله عنهم:
{ هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [يونس: 18] ويسمونهم أولياء أيضا { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر: 3] الآية.
وقد فعل أهل الكتاب ومن اتبع سننهم من المسلمين مثل ذلك ولكن سموه توسلا وأنكروا تسميته عبادة والتسمية لا تغير الحقائق وكذلك تغيير المعبودات من البشر والملائكة وما يذكر بها من صورة وتمثال أو قبر أو تابوت كالتابوت الذي يتخذه بعض أهل الهند للشيخ الصالح عبد القادر الجيلاني، فكل تعظيم ديني لهذه الأشياء أو الأشخاص بما ذكر أو غيره مما لم يرد به شرع عبادة لها وإشراك مع الله عز وجل من حيث ذاته ومن حيث كونه شرعا لم يأذن به الله.