التفاسير

< >
عرض

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
١٥١
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
١٥٢
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٥٣
-الأنعام

تفسير المنار

بين الله تعالى فيما قبل هذه الآيات حجته البالغة على المشركين الذين حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه عليهم ربهم، ودحض شبهتهم التي احتجوا بها على شركهم به وافترائهم عليه، بعد أن بين لهم جميع ما حرمه على عباده من الطعام - ثم بين في هذه الآيات أصول المحرمات ومجامعها في الأعمال والأقوال، وما يقابلها من أصول الفضائل والبر، فقال عز من قائل:
{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} أي قل - أيها الرسول - لهؤلاء المتبعين للخرص وللتخمين في دينهم، وللهوى فيما يحرمون ويحللون لأنفسهم ولسائر الناس أيضا بما لك من الرسالة العامة: تعالوا إلي وأقبلوا علي أتل وأقرأ لكم ما حرم ربكم عليكم فيما أوحاه إلي من العلم الصحيح وحق اليقين، فإن الرب وحده هو الذي له حق التحريم والتشريع، وإنما أنا مبلغ عنه بإذنه، أرسلني لذلك وعلمني - على أميتي - ما لم أكن أعلم، وأيدني بالآيات البينات،
وقد خص التحريم بالذكر مع أن الوصايا التي بين بها التلاوة أعم لمناسبة ما سبق من إنكار أن يحرم غير الله; ولأن بيان أصول المحرمات كلها يستلزم حل ما عداها لأنه الأصل، وقد صرح بأصول الواجبات من هذا الحلال العام.
وأصل (تعالوا) و (تعال) الأمر ممن كان في مكان عال لمن دونه بأن يتعالى ويصعد إليه، ثم توسعوا فيه فاستعملوه في الأمر في الإقبال مطلقا.
واستعمال المقيد في المطلق من ضروب المجاز المرسل إلا إذا كثر فلم يحتج إلى قرينة، ولم ينظر فيه إلى علاقة كهذه الكلمة ولا سيما في غير هذا الموضع، ولهي فيه خطاب ممن هو في أعلى مكان من العلم والهدى لمن هم في أسفل درك من الجهل والضلال، عبدة الأصنام، ومتبعي الظنون والأوهام، ولغيرهم ممن لا يسمو إلى ذلك المقام، وإن كان دونهم في الجهل والآثام.
وقوله: {ألا تشركوا به شيئا} شروع في بيان ما حرم الرب وما أوصى به من البر، وقد أورد بعضه بصيغة النهي عن الشيء، وبعضه بصيغة الأمر بضده حسب ما تقضيه البلاغة كما سيأتي،
و " أن " تفسيرية، وندع النحاة في اضطرابهم وخلافهم في تطبيق ما في حيزها من النهي والأمر على قواعدهم، فنحن لا يعنينا إلا فهم المعاني من الكلام بغير تكلف، وما وافق القرآن من قواعدهم كان صحيحا مطردا، وما لم يوافقه فهو غير صحيح أو غير مطرد، وسنريك فيه من البيان، ما يغنيك عن تحقيق السعد، وحل إشكالات أبي حيان.
بدأ تعالى هذه الوصايا بأكبر المحرمات وأفظعها وأشدها إفسادا للعقل والفطرة وهو الشرك بالله تعالى، سواء كان باتخاذ الأنداد له، أو الشفعاء المؤثرين في إرادته المصرفين لها في الأعمال، وما يذكر بهم من صور وتماثيل وأصنام أو قبور - أو كان باتخاذ الأرباب الذين يشرعون الأحكام، ويتحكمون في الحلال والحرام - وكذا من يسند إليهم التصرف الخفي فيما وراء الأسباب - وكل ذلك واضح من الآيات السابقة وتفسيرها.
وتقدير الكلام: أول ما أتلوه عليكم في بيان هذه المحرمات وما يقابلها من الواجبات - أو - أول ما وصاكم به تعالى من ذلك كما يدل عليه لاحق الكلام، هو ألا تشركوا بالله شيئا من الأشياء وإن كانت عظيمة في الخلق كالشمس والقمر والكواكب، أو عظيمة في القدر كالملائكة والأنبياء والصالحين، فإنما عظم الأشياء العاقلة وغير العاقلة بنسبة بعضها إلى بعض، وذلك لا يخرجها عن كونها من خلق الله ومسخرة بقدرته وإرادته، وعن كون العاقل منها من عبيده
{ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } [مريم: 93] -
أو ألا تشركوا به شيئا من الشرك صغيره أو كبيره - ومقابله أن تعبدوه وحده بما شرعه لكم على لسان رسوله لا بأهوائكم، ولا بأهواء أحد من الخلق أمثالكم، وهذا هو المقصود بالذات الذي دعا إليه جميع الرسل، وهو لازم للنهي عن الشرك الذي عبر به هنا; لأن الخطاب موجه إلى المشركين أولا وبالذات.
{وبالوالدين إحسانا} أي والثاني مما أتلوه عليكم، أو مما وصاكم به ربكم أن تحسنوا بالوالدين إحسانا تاما كاملا لا تدخرون فيه وسعا، ولا تألون فيه جهدا، وهذا يستلزم ترك الإساءة وإن صغرت، فكيف بالعقوق المقابل لغاية الإحسان وهو من أكبر كبائر المحرمات،
وقد تكرر في القرآن القران بين التوحيد والنهي عن الشرك وبين الأمر بالإحسان للوالدين. وتقدم بعضه في سورة البقرة والنساء، وسيأتي أوسع تفصيل فيه في وصايا سورة الإسراء {أو بني إسرائيل} التي بمعنى هذه الوصايا في هذه السورة، وفيه النهي عن قول " أف " لهما
وقد اختير في هذه الآية وأمثالها الأمر بالواجب من الإحسان على النهي عن مقابله المحرم وهو الإساءة مطلقا، للإيذان بأن الإساءة إليهما ليس من شأنها أن تقع فيحتاج إلى التصريح بالنهي عنها في مقام الإيجاز; لأنها خلاف ما تقتضي الفطرة السليمة والآداب المرعية عند جميع الأمم.
وقد سبق في تفسير مثل هذه الجملة أن الإحسان يتعدى بـ " الباء " و " إلى " فيقال: أحسن به وأحسن إليه، والأولى أبلغ، فهو بالوالدين وذي القربى أليق; لأن من أحسنت به هو من يتصل به برك وحسن معاملتك، ويلتصق به مباشرة على مقربة منك وعدم انفصال عنك - وأما من أحسنت إليه فهو الذي تسدي إليه برك ولو على بعد أو بالواسطة إذ هو شيء يساق إليه سوقا.
ولم ترد هذه التعدية في التنزيل إلا في تعبيرين في مقامين: {أحدهما} التعبير بالفعل حكاية عن يوسف عليه السلام في سورته، وهو قوله لأبيه وإخوته:
{ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } [يوسف: 100]. {والثاني} التعبير بالمصدر المفيد للتأكيد والمبالغة في مقام الإحسان بالوالدين في أربع سور: البقرة والنساء وقد عطف فيهما ذو القربى على الوالدين بالتبع - والأنعام والإسراء. وفي سورة الأحقاف: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا } [الأحقاف: 15] كما قرأ الكوفيون من السبعة وقرأه الباقون {حسنا} كآية سورة العنكبوت التي رويت كلمة إحسانا فيها من الشواذ. والظاهر أن الباء فيهما متعلقة بوصينا.
ولو لم يرد في التنزيل إلا قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} ولو غير مكرر لكفى في الدلالة على عظم عناية الشرع بأمر الوالدين، بما تدل عليه الصيغة والتعدية، فكيف وقد قرنه بعبادته وجعله ثانيها في الوصايا، وأكده بما أكده به في سورة الإسراء، كما قرن شكرهما بشكره في وصية سورة لقمان فقال:
{ أن اشكر لي ولوالديك } [لقمان: 14] وورد في معنى التنزيل عدة أحاديث نكتفي منها بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين والترمذي والنسائي قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العلم أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها وفي رواية لوقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين: قلت: ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله" فقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله الذي هو أكبر الحقوق العامة على الإنسان. ذلك كله بأن حق الوالدين على الولد أكبر من جميع حقوق الخلق عليه، وعاطفة البنوة ونعرتها من أقوى غرائز الفطرة، فمن قصر في بر والديه والإحسان بهما كان فاسد الفطرة مضياعا للحقوق كلها فلا يرجى منه خير لأحد. وقد بالغ بعض العلماء في الكلام على بر الوالدين حتى جعلوا من مقتضى الوصية بهما أن يكون الولد معهما كالعبد الذليل مع السيد القاسي الظالم، وقد أطمعوا بذلك الآباء الجاهلين المريضي الأخلاق حتى جرءوا ذا الدين منهم على أشد مما يتجرأ عليه ضعفاء الدين من القسوة على الأولاد وإهانتهم وإذلالهم، وهذا مفسدة كبيرة لتربية الأولاد في الصغر، وإلجاء لهم إلى العقوق في الكبر، وإلى ظلم أولادهم كما ظلمهم آباؤهم، وحينئذ يكونون من أظلم الناس للناس، وقد فصلنا القول في ظلم الوالدين للأولاد وتحكمهما في شئونهم ولا سيما تزويجهم بمن يكرهون، في تفسير آية النساء (راجع صفحة 70 وما بعدها ج 5 ط الهيئة) وكم أفسدت الأمهات بناتهن على أزواجهن.
والصواب أنه يجب على الوالدين تربية الأولاد على حبهما واحترامهما احترام المحبة والكرامة، لا احترام الخوف والرهبة، وسنفصل ذلك في تفسير آيات سورة الإسراء إن أحيانا الله تعالى ووفقنا.
{ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} أي والثالث مما أتلوه عليكم - مما وصاكم به ربكم - ألا تقتلوا أولادكم الصغار من فقر واقع بكم لئلا تروهم جياعا في حجوركم; فإنه هو الذي يرزقكم وإياهم، أي ويرزقهم بالتبع لكم، فالجملة تعليل للنهي، وسيأتي في سورة الإسراء:
{ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم } [الإسراء: 31] فقدم رزق الأولاد هنالك على رزق الوالدين - عكس ما هنا - لأنه متعلق بالفقر المتوقع في المستقبل الذي يكون الأولاد فيه كبارا كاسبين. وقد يصير الوالدون في حاجة إليهم لعجزهم عن الكسب بالكبر.
ففرق في تعليل النهي في الآيتين بين الفقر الواقع والفقر المتوقع، فقدم في كل منهما ضمان الكاسب للإشارة إلى أنه تعالى جعل كسب العباد سببا للرزق خلافا لمن يزهدونهم في العمل بشبه كفالته تعالى لرزقهم. وقد ذكرنا هذه النكتة من بلاغة القرآن في تفسير:
{ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } [الأنعام: 137].
{ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} أي والرابع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم ألا تقربوا ما عظم قبحه من الأفعال والخصال كالزنا واللواط وقذف المحصنات ونكاح أزواج الآباء،
وكل منها سمي في التنزيل فاحشة، فهو مما ثبتت شدة قبحه شرعا وعقلا، ولذلك يستتر بفعل الأولين أكثر الذين يقترفونهما، وقلما يجاهر بهما إلا المستولغ من الفساق الذي لا يبالي ذما ولا عارا إذا كان مع مثله، وهو يتبرأ منهما لدى خيار الناس وفضلائهم، وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا ويعدونه أكبر العار، ولا سيما إذا وقع من الحرائر، فكان وقوعه منهن نادرا، وإنما كان يجاهر به الإماء في حوانيت ومواخير تمتاز بأعلام حمر فيختلف إليها أراذلهم، وأما أشرافهم فيزنون سرا ممن يتخذون من الأخدان كما سبق بيانه في تفسير
{ محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } [النساء: 25] والخدن الصديق يطلق على الذكر والأنثى، ويعبرون بمصر عن خدن الفاحشة بالرفيقة والرفيق، وعن المخادنة بالمرافقة، وهو عند فساقهم فاش ولا سيما الأغنياء منهم،
روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية أنه قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا بالسر والعلانية، أي بهذه الآية وما في معناها، وليس هذا تخصيصا للفواحش ببعض أفرادها كما ظن بعض المفسرين، بل مراده أن الآية دلت على ذلك بعمومها،
وفي رواية عنه من طريق عطاء: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر {قال}: العلانية. وما بطن.. قال: السر. وعنه أيضا: ما ظهر منها نكاح الأمهات والبنات، وما بطن الزنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
"أرأيتم الزاني والسارق وشارب الخمر ما تقولون فيهم ؟ - قالوا: الله ورسوله أعلم قال هن فواحش وفيهن عقوبة"
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم الرهاوي أنه سمع مولاه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مسألة الناس من الفواحش" وأخرج أيضا عن يحيى بن جابر قال: بلغني أن من الفواحش التي نهى الله عنها في كتابه تزويج الرجل المرأة فإذا نفضت له ولدها طلقها من غير ريبة. نفضت له ولدها: ولدت له: وأخرج هو وأبو الشيخ عن عكرمة. ما ظهر منها ظلم الناس، وما بطن الزنا والسرقة. أي لأن الناس يأتونها في الخفاء. ذكر ذلك كله " في الدر المنثور " فدل على أن مفسري السلف في جملتهم يحملون الفواحش على عمومها، وما ذكروه منها أمثلة لا تخصيص.
وما تقدم في تفسير
{ وذروا ظاهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120] من الوجوه في ظاهره وباطنه يأتي مثله هنا فيراجع في تفسير الآية: [120] من هذه السورة وهذا الجزء، إلا أن الإثم أعم من الفاحشة لأنه يشمل كل ضار من الصغائر والكبائر فحش قبحه أم لا; ولذلك قال تعالى في صفة المحسنين من سورة النجم: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } [النجم: 32] وقال في آية الأعراف: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 33] قيل: إنها جمعت أصول المحرمات الكلية وهي على الترقي في قبحها كما سيأتي في تفسيرها، وفي حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" رواه الشيخان في صحيحيهما.
{ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} أي والخامس مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم ألا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها بالإسلام أو عقد الذمة أو العهد أو الاستئمان، فيدخل في عمومها كل أحد إلا الحربي.
ويطلق العهد على الثلاثة، ومنه ما ورد في النهي عن قتل المعاهد وإيذائه، كقوله صلى الله عليه وسلم:
"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما" رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم "من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفا" رواه الترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وقوله: {إلا بالحق} هو ما يبيح القتل شرعا كقتل القاتل عمدا بشرطه.
{ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} الإشارة إلى الوصايا الخمس التي تليت في هذه الآية. واللام فيها للدلالة على بعد مدى ما تدل عليه الوصايا المشار إليها من الحكم والأحكام والمصالح الدنيوية والأخروية - أو بعدها عن متناول أوضاع الجهل والجاهلية ولا سيما مع الأمية.
والوصية ما يعهد إلى الإنسان أن يعمله من خير أو ترك شر بما يرجى تأثيره، ويقال: أوصاه ووصاه. وجعلها الراغب عبارة عما يطلب من عمل مقترنا بوعظ. وأصل معنى " وصى " الثلاثي " وصل "، ومواصاة الشيء مواصلته. وهو خاص بالنافع كالمطر والنبات. يقال: وصى النبت اتصل وكثر، وأرض واصية النبات. وقال ابندريد في وصف صيب المطر.

جون أعارته الجنوب جانبا منها وواصت صوبه يد الصبا

أي وصاكم الله بذلك لما فيه من إعدادكم وباعث الرجاء في أنفسكم لأن تعقلوا ما فيه الخير والمنفعة في ترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به; فإن ذلك مما تدركه العقول الصحيحة بأدنى تأمل،
وفيه دليل على الحسن الذاتي وإدراك العقول له بنظرها، وإذا هي عقلت ذلك كان عاقلا لها ومانعا من المخالفة. وفيه تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها، مما لا تعقل له فائدة، ولا تظهر للأنظار الصحيحة فيه مصلحة.
{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} أي والسادس مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم فيما حرم وأوجب عليكم: ألا تقربوا مال اليتيم إذا وليتم أمره أو تعاملتم به ولو بوساطة وصيه أو وليه، إلا بالفعلة أو الأفعال التي هي أحسن ما يفعل بماله، من حفظه وتثميره وتنميته ورجحان مصلحته، والإنفاق منه على تربيته وتعليمه ما يصلح به معاشه ومعاده،
والنهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه; لأنه يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل التي تؤدي إليه وتوقع فيه، وعن الشبهات التي تحتمل التأويل فيه، فيحذرها التقي إذ يعدها هضما لحق اليتيم، ويقتحمها الطامع إذ يراها بالتأويل مما يحل له لعدم ضررها باليتيم، أو لرجحان نفعها له على ضررها، كأن يأكل من ماله شيئا بوسيلة له فيه ربح من جهة أخرى في عمل لولاه لم يربح ولم يخسر. وقد تقدم في تفسير الآيات المفصلة في اليتامى من أول سورة النساء وتفسير
{ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } [البقرة: 220] من البقرة ما يغني عن التطويل هنا في تحرير مسألة مال اليتيم ومخالطته في المعيشة والمعاملة. (راجع ص271 وما بعدها ج 2 ط الهيئة)
وقوله تعالى: {حتى يبلغ أشده} هو غاية للنهي عن هذا القرب لماله، وما فيه من المبالغة في الترهيب عن التعامل فيه - أو غاية لما يتضمنه الاستثناء، وهو ما يقابل النهي من إيجاب حفظ ماله حتى منه هو; فإن الولي أو الوصي لا يجوز له أن يسمح لليتيم بتبديد شيء من ماله وإضاعته أو الإسراف فيه.
وبلوغ الأشد عبارة عن بلوغه سن الرشد والقوة الذي يخرج به عن كونه يتيما أو سفيها أو ضعيفا، وقد اختلف أهل اللغة هل هو مفرد، أو جمع لا واحد له، أو له واحد. قال في اللسان: والأشد مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة - وهو موافق لتفسيرنا أو حجة له، ونقل عن ابن سيده: بلغ الرجل أشده إذا اكتهل،
ونقل عن علماء اللغة والشرع أقوالا في لفظه ومعناه بلغت ثلثي ورقة منه، وملخص المعنى أن له طرفين أدناهما الاحتلام الذي هو مبدأ سن القوة والرشد، ونهايته سن الأربعين وهي الكهولة إذا اجتمعت للمرء حنكته وتمام عقله - قال - فبلوغ الأشد محصور الأول محصور النهاية غير محصور ما بين ذلك. وقال الشعبي ومالك وآخرون من علماء السلف: يعني حتى يحتلم، والاحتلام يكون غالبا بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة:
وقال السدي: الأشد سن الثلاثين، وقيل: سن الأربعين، وقيل: الستين. والأخير باطل، وما قبله مأخوذ من قوله تعالى:
{ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة } [الأحقاف: 15] ولكن قال المفسرون هذا لا يظهر هنا.
وأقول: إن المراد بالنهي عن قرب مال اليتيم النهي عن كل تعد عليه وهضم له من الأوصياء وغيرهم من الناس، خلافا لمن جعل الخطاب فيه للأولياء والأوصياء خاصة، وحينئذ يظهر جعل {حتى} غاية للنهي، وجعل " الأشد " بمعناه اللغوي وهو سن القوة البدنية والعقلية بالتجارب، والحديث العهد بالاحتلام يكون ضعيف الرأي قليل التجارب فيخدع كثيرا. وقد كان الناس في الجاهلية كأهل هذا العصر من أصحاب الأفكار المادية لا يحترمون إلا القوة، ولا يعرفون الحق إلا للأقوياء، فلذلك بالغ الشرع في الوصية بالضعيفين: المرأة، واليتيم. وإنما كانت القوة التي يحفظ بها المرء ماله في ذلك الزمن قوة البدن مع الرشد العقلي، وهو قلما يحصل بمجرد البلوغ،
وأما هذا الزمان فلا يقدر على حفظ ماله فيه، إلا من كان رشيدا في أخلاقه وعقله وتجاربه لكثرة الغش والحيل، وإن سفه الشبان الوارثين في مصر مضرب المثل، فأكثر الشبان من أبناء الأغنياء مسرفون في الشهوات، فمتى مات من يرثونه أقبل على معاشرتهم أخدان الفسق وسماسرته ومنهومو القمار، فلا يتركونهم إلا فقراء منبوذين، وقلما يستيقظ أحدهم من غفلته إلا من سن الكهولة التي يكمل فيها العقل وتعرف تكاليف الحياة الكثيرة ويهتم فيها بأمر النسل،
وقد اشترط الشرع لإيتاء اليتامى أموالهم سن الحلم والرشد معا، وظهور رشدهم في المعاملات المالية بالاختبار بقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} إلى قوله:
{ فادفعوا إليهم أموالهم } [النساء: 6] وهذا خطاب للأولياء والأوصياء.
{وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} أي والسابع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن أوفوا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم، والميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون، فليكن كل ذلك وافيا تاما بالقسط أي العدل ولا تكونوا من المطففين
{ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } [المطففين: 2، 3] أي ينقصون الكيل والوزن، وهم الذين توعدهم الله بالويل والهلاك في أول السورة التي سميت باسمهم. فهذا هو النهي المقابل للأمر بالإيفاء وهو لازم له، فالجملة موجزة، فكلمة {بالقسط} هي التي بينت أن الإيفاء يجب أن يكون من الجانبين في الحالين، أي أوفوا مقسطين أو ملابسين للقسط متحرين له، وهو يقتضي طرفين يقسط بينهما، فدل على أنه يجب على الإنسان أن يرضى لغيره ما يرضاه لنفسه، وأين الذين يدعون اتباع القرآن في هذا الزمان من هذه الوصية! لا تكاد تجد في المائة منهم في مثل بلادنا هذه بائعا يوفي الكيل والميزان لمبتاع يسلم الأمر له ويرضى بذمته.
{لا نكلف نفسا إلا وسعها} هذه جملة مستأنفة لبيان حكم ما يعرض لأهل الدين والورع من الأمر بالقسط في الإيفاء; فإن أقامة القسط أمر دقيق جدا، لا يتحقق في كل مكيل وموزون إلا إذا كان بموازين كميزان الذهب الذي يضبط الوزن بالحبة وما دونها،
وفي التزام ذلك في بيع الحبوب والخضر والفاكهة حرج عظيم يخطر في بال الورع السؤال عن حكمه، فكان جوابه أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله بأن تأتيه بغير عسر ولا حرج، فهو لا يكلف من يشتري أو يبيع ما ذكر من الأقوات ونحوها أن يزنه ويكيله بحيث لا يزيد حبة ولا مثقالا، بل يكلفه أن يضبط الوزن والكيل له أو عليه على حد سواء بحسب العرف، بحيث يكون معتقدا أنه لم يظلم بزيادة ولا نقص يعتد به عرفا.
وقاعدة اليسر وحصر التكليف بما في وسع المكلف وما يقابله من رفع الحرج ونفي العسر، من أعظم قواعد هذا الشرع المبني على أقوى أساس من الحق والعدل، فلا يساويه فيه قانون من قوانين الخلق، ولو عمل المسلمون بهذه الوصية لاستقامت أمور معاملتهم وعظمت الثقة والأمانة بينهم، وكانوا حجة على غيرهم من المطففين والمفسدين. وما فسدت أمورهم وقلت ثقتهم بأنفسهم، وحل محلها ثقتهم بالأجانب الطامعين فيهم إلا بترك هذه الوصية وأمثالها، ثم تجد بعض المارقين الجاهلين منهم يهذون ويقولون: إن ديننا هو الذي أخرنا وقدم غيرنا!!.
قد قص التنزيل علينا فيما قص من أنباء الأمم لنعتبر ونتعظ بها أنه تعالى أهلك قوم شعيب بما كان من ظلمهم وفسادهم، ولا سيما التطفيف في الكيل والميزان، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان:
"إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم" رواه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعا بسند فيه راو ضعيف وقال: إنه روي موقوفا بسند صحيح وروى غيره ما يؤيده.
{وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} أي والثامن مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم هو أن تعدلوا في القول إذا قلتم قولا في شهادة أو حكم على أحد، ولو كان المقول في حقه ذلك القول صاحب قرابة منكم، فالعدل واجب في الأقوال كما أنه واجب في الأفعال كالوزن والكيل; لأنه هو الذي تصلح به شئون الناس، فهو ركن العمران وأساس الملك وقطب رحى النظام للبشر في جميع أمورهم الاجتماعية، فلا يجوز لمؤمن أن يحابي فيه أحدا لقرابته ولا لغير ذلك، وقد فصل الله تعالى هذا الأمر الموجز بآيتين مدنيتين أولاهما قوله:
{ ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } [النساء: 135] إلخ. والثانية قوله: { ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط } [المائدة: 8] إلخ. فيراجع تفسيرهما في أواخر الجزء الخامس ومنتصف الجزء السادس {ص370 ج 5 وما بعدها وص226 ج 6 وما بعدها ط الهيئة}.
{وبعهد الله أوفوا} أي والتاسع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن توفوا بعهد الله دون ما خالفه، وهو يشمل ما عهده الله تعالى إلى الناس على ألسنة رسله، وبما آتاهم من العقل والوجدان والفطرة السليمة، وما يعاهده الناس عليه، وما يعاهد عليه بعضهم بعضا في الحق موافقا للشرع. قال تعالى:
{ ولقد عهدنا إلى آدم } [طه: 115] وقال: { ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان } [يس: 60] وقال أيضا وهو من الثاني: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } [النحل: 91] وقال: { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم } [البقرة: 100] وقال في صفات المؤمنين: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177] فكل ما وصى الله به وشرعه للناس فهو من عهده إليهم. ومن آمن برسول من رسله فقد عاهد الله - بالإيمان به - أن يمتثل أمره ونهيه. وما يلتزمه الإنسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد ربه عليه. كما قال في بعض المنافقين: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به } [التوبة: 75، 76] إلخ. وكذلك من عاهد الإمام وبايعه على الطاعة في المعروف، أو عاهد غيره على القيام بعمل مشروع، والسلطان يعاهد الدول - فكل ذلك مما يجب الوفاء به إذا لم يكن معصية، ولكن لا يعد من عهد الله شيء من ذلك إلا إذا عقد باسمه أو بالحلف به، وكذا تنفيذ شرعه.
ومن نكت البلاغة هنا تقديم معمول الفعل " أوفوا " عليه، وهو يدل على الحصر. ولما لم يظهر الحصر لبعض المفسرين جعلوا التقديم لمجرد الاهتمام الذي هو الأصل في كل ما يقدم على غيره في هذه اللغة،
وهذا عجز منهم ألجأهم إليه تفسيرهم للعهد، بهذه الوصايا أو بكل ما عهد الله إلى الناس، على أن تدخل هذه الوصايا فيه دخولا أوليا. والأول باطل، والثاني قاصر. أما بطلان الأول; فلأن الوفاء بالعهد من الوصايا المقصودة المعدودة وله معنى خاص، فلا يصح أن يجعل عين ما قبله. وأما قصور الثاني، فظاهر مما ذكرنا من سائر أنواع العهد بالشواهد من القرآن. فالعهد إذا عام لكل ما شرع الله للناس، وكل ما التزمه الناس مما يرضيه ويوافق شرعه، ويقابله ما لا يرضي الله من عهد كنذر الحرام، والحلف على فعله، ومعاهدة الحربيين وغيرهم على ما فيه ضرر للأمة وهضم لمصالحها، أو غير ذلك من المعاصي. فحصر الله الأمر بالوفاء في الأول الذي يرضيه ليخرج منه هذا الأخير الذي يسخطه.
ونكتفي من السنة في تعظيم شأن هذه الوصية بحديث عبد الله بن عمرو المرفوع في الصحيحين وغيرهما:
"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها - إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" .
{ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {تذكرون} مخففة من الذكر، والباقون بالتشديد من التذكير، وأصله تتذكرون، وليس معناهما واحدا كما قيل; فإن الصيغ من المادة الواحدة تعطي معاني خاصة ويتجوز في بعضها ما لا يصح في بعض،
فالذكر يطلق في الأصل على إخطار معنى الشيء أو خطوره في الذهن ويسمى ذكر القلب، وعلى النطق باللفظ الدال عليه ويسمى ذكر اللسان،
ويستعمل مجازا بمعنى الصيت والشرف، وفسر به قوله تعالى
{ وإنه لذكر لك ولقومك } [الزخرف: 44] ويطلق بمعنى العلم وبه يسمى القرآن وغيره من الكتب الإلهية ذكرا، ومنه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
وأما التذكر فمعناه تكلف ذكر الشيء في القلب، أو التدرج فيه بفعله المرة بعد المرة، ويطلق على الاتعاظ ومنه قوله تعالى:
{ وما يتذكر إلا من ينيب } [غافر: 13] وقوله: { سيذكر من يخشى } [الأعلى: 10] والشواهد عليه في الذكر كثيرة، ومثله الادكار {فهل من مدكر} وهو افتعال من الذكر، والافتعال يقرب من التفعل. وحكمة القراءتين إفادة المعاني التي تدلان عليها من باب الإيجاز البليغ.
والمعنى: ذلكم المتلو عليكم في هذه الآية من الأوامر والنواهي - البعيدة مدى الفائدة ومسافة المنفعة لمن قام بها - وصاكم الله به في كتابه رجاء أن تذكروا في أنفسكم ما فيها من الصلاح لكم، فيحملكم ذلك على العمل بها، أو رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصي الذي أمر الله به بمثل قوله:
{ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [العصر: 3] ولكل من الذكر النفسي واللساني وجه هنا، ولا مانع من الجمع بينهما على مذهب الشافعية وابن جرير المختار عندنا - وكذا الجمع بينهما وبين معاني التذكر في القراءة الأخرى، والمعنى على هذه القراءة: وصاكم به رجاء أن يتكلف ذكر هذه الوصايا وما فيها من المصالح والمنافع من كان كثير النسيان والغفلة أو كثير الشواغل الدنيوية - أو رجاء أن يتذكرها المرة بعد المرة من أراد الانتفاع بها بتلاوة آياتها في الصلاة وغيرها وبغير ذلك - أو رجاء أن يتعظ بها من سمعها وقرأها أو ذكرها أو ذكر بها، وبعض هذه الوجوه عام يطلب من كل مسلم، وبعضها خاص.
{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} أي والعاشر مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم، هو أن هذا الذي أدعوكم إليه من الدين القويم والشرع الحنيفي العذب المورد السائغ المشرب بما تلوته عليكم من هذه السورة، المشتملة على هذه الوصايا التي لا يكابر ذو مسكة من عقل في حسنها وفضلها
- أو - أن هذا القرآن الذي أدعوكم به إلى ما يحييكم: هو صراطي ومنهاجي الذي أسلكه إلى مرضاة الله تعالى ونيل سعادة الدنيا والآخرة - أشير إليه مستقيما ظاهر الاستقامة لا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه فاتبعوه وحده ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه وهي كثيرة فتتفرق بكم عن سبيله، بحيث يذهب كل منكم في سبيل ضلالة منها ينتهي بها إلى الهلكة، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس أمام تارك النور إلا الظلمات.
وقد أضيف الصراط بهذا المعنى إلى الله تعالى، إذ هو الذي شرعه. وإلى الدعاة إليه والسالكين له من النبيين وغيرهم في سورة الفاتحة. والظاهر أن إضافته هنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو المخاطب للناس بهذه الوصية وفعلها مسند إليه تعالى بضمير الغيبة.
وقد جمع في هذه الوصية الجامعة بين الأمر بالحق والنهي عن مقابله وهو الباطل. قرأ حمزة والكسائي {وإن هذا صراطي} بكسر همزة " إن " والباقون بفتحها، فأما كسرها فعلى أن الكلام مستأنف في بيان وصية هي أم الوصايا الجامعة لما قبلها، ولغيرها - وأما الفتح فعلى تقدير لام التعليل فهو يقول: ولأجل أن هذا صراطي مستقيما لا عوج فيه، عليكم أن تتبعوه إن كنتم تؤثرون الاستقامة على الاعوجاج، وترجحون الهدى على الضلال.
أخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وأبو الشيخ، والحاكم وأكثر مصنفي التفسير المأثور عن عبد الله بن مسعود قال:
"خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ، ثم قرأ {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود أن رجلا سأله ما الصراط المستقيم؟ قال:
"تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه الجنة، وعن يمينه جواد {بالتشديد جمع جادة وهي الطريق} وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة" .
وروى أحمد، والترمذي، والنسائي، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه مرفوعا "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس هلم ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه {أي تدخله} فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم" وأقول: إن هذا الواعظ هو ما يعبر عنه الناس بالوجدان والضمير.
وقد أفرد الصراط المستقيم وهو سبيل الله، وجمع السبل المخالفة له لأن الحق واحد والباطل ما خالفه وهو كثير فيشمل الأديان الباطلة من مخترعة وسماوية محرفة ومنسوخة والبدع والشبهات، وبها فسرها مجاهد هنا، والمعاصي كما في حديث النواس بن سمعان
وقد نهى عن التفرق في صراط الحق وسبيله، فإن التفرق في الدين الواحد هو جعله مذاهب يتشيع لكل منها شيعة وحزب ينصرونه ويتعصبون له، ويخطئون ما خالفه، ويرمون أتباعه بالجهل والضلال، أو الكفر أو الابتداع، وذلك سبب لإضاعة الدين بترك طلب الحق المنزل فيه، لأن كل شيعة فيما يؤيد مذهبها ويظهرها على مخالفيها، لا في الحق لذاته، والاستعانة على استبانته وفهم نصوصه ببحث أي عالم من العلماء بغير تعصب ولا تشيع،
والحق لا يمكن أن يكون وقفا محبوسا من عند الله تعالى على عالم معين وعلى أتباعه فكل باحث من العلماء يخطئ ويصيب. وهذا أمر قطعي ثابت بالعقل والنقل والإجماع ولكن جميع المتعصبين للمذاهب الملتزمين لها مخالفون له، ومن كان كذلك لم يكن متبعا لصراط الله الذي هو الحق الواحد، وهذا ظاهر فيهم، فإنهم إذا دعوا إلى كتاب الله وإلى ما صح من سنة رسوله أعرضوا عنهما وآثروا عليهما قول أي مؤلف لكتاب منتم إلى مذاهبهم.
ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه هو الحق الموحد لأهل الحق الجامع لكلمتهم، وتوحيدهم وجمع كلمتهم هو الحافظ للحق المؤيد له والمعز لأهله - كان التفرق فيه بما ذكر سببا لضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم. فبهذا التفرق حل بأتباع الأنبياء السابقين ما حل من التخاذل والتقاتل والضعف وضياع الحق،
وقد اتبع المسلمون سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى حل بهم من الضعف والهوان ما يتألمون منه ويتململون ولم يردعهم عن ذلك ما ورد في التحذير منه في كتاب الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين ولا ما حل بهم من البلاء المبين، ولم يبق بينهم وبين من قبلهم فرق إلا في أمرين:
أحدهما حفظ القرآن من أدنى تغيير وأقل تحريف، وضبط السنة النبوية بما لم يسبق له في أمة من الأمم نظير.
وثانيهما وجود طائفة من أهل الحق في كل زمان تدعو إلى صراط الله وحده، وتتبعه بالعمل والحجة، كما بشر به صلى الله عليه وسلم.
ولكن هؤلاء قد قلوا في القرون الأخيرة، وكل صلاح وإصلاح في الإسلام متوقف على كثرتهم، فنسأله تعالى أن يكثرهم في هذا الزمان ويجعلنا من أئمتهم فقد بلغ السيل الزبى.
روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله: {فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} وقوله:
{ أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [الشورى: 3] ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات.
وقد سبق لنا سبح طويل في بحر هذه المسألة يراجع في مواضعه كتفسير
{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } [آل عمران: 103] وما بعدها في أوائل الجزء الرابع وتفسير { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } [النساء: 59] وتفسير { رسلا مبشرين ومنذرين } [النساء: 165] وتفسير { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3] وتفسير { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا } [الأنعام: 65]
وفيه بحث مستفيض في عذاب هذه الأمة وتداعي الأمم عليها وضعفها بالتفرق في الدين وغير ذلك مما يعلم من مظانه وفهارس أجزاء التفسير وسيعاد البحث فيه في تفسير: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} {159} من بعد بضع آيات.
{ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} أي ذلكم الأمر باتباع صراط الحق المستقيم، والنهي عن سبيل الضلالات والأباطيل المعوجة، وهو جامع الوصايا النافعة البعيدة المرمى، الموصل إلى ما لا يحيط به الوصف من السعادة العظمى، وصاكم الله به ليعدكم ويهيئكم لما يرجى لكل من اتبعه من اتقاء كل ما يشقيه ويرديه في دنياه وآخرته.
قال أبو حيان: ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وأمر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق ختم ذلك بالتقوى التي هي اتقاء النار; إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية.
وأقول: إن كلمة التقوى تشمل كل ما يتقى من الضرر العام والخاص مهما يكن نوعه وقد ذكرت في التنزيل في سياق الأوامر والنواهي المختلفة من عبادات ومعاملات، وآداب وقتال، وسنن اجتماع، وطعام وشراب، وعشرة وزواج وغير ذلك، فهي تفسر في كل موضع بحسبه كما بيناه من قبل.
وهي في هذا الموضع تشمل جميع الأنواع لأنها جاءت في سياق اتباع صراط الله المستقيم الشامل لجميع أنواع الهداية الشخصية والاجتماعية.
وقد أشرت إلى موضع ختم الآية التي قبل هذه بالذكر والتذكر وما قبلهما بالعقل. وبعد تفسير الآيات كلها راجعت ما لدي من كتب التفسير فرأيت السيد قد أتى بما لم يأت به غيره مما قاله علماء البلاغة في نكت هذه الخواتيم للآيات الثلاث وهذا نصه:
وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه: {لعلكم تعقلون} وهذه بقوله تعالى {لعلكم تذكرون} لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق (غير) مستنكفين ولا عاقلين قبحها، فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها،
وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاد الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به، فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان، قاله القطب الرازي
ثم قال: فإن قلت: إحسان الوالدين من قبيل الثاني أيضا، فكيف ذكر من الأول؟ قلت: أعظم النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوه الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر، ومنهما نعمة التربية والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر، فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين، تنبيها على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق الأولى ألا يرتكبوا الكفر.
وقال الإمام الرازي: السبب في ختم كل آية بما ختمت أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى ظاهرة جلية، فوجب تعقلها وتفهمها. والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر. انتهى.
قال الآلوسي: ويمكن أن يقال إن أكثر التكليفات الأول أدي بصيغة النهي وهو في معنى المنع، والمرء حريص على ما منع، فناسب أن يعلل الإيصاء بذلك بما فيه إيماء إلى معنى المنع والحبس، وهذا بخلاف التكليفات الأخر; فإن أكثرها قد أدي بصيغة الأمر وليس المنع فيه ظاهرا كما في النهي، فيكون تأكيدات الطلب والمبالغة فيه ليستمر عليه ويتذكر إذا نسي فليتدبر اهـ.
وإننا نختم هذه الوصايا العظيمة الشأن بأحاديث وردت فيها نقلا عن الدر المنثور، أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد الذي عليه خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى قوله: {لعلكم تتقون}
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ - ثم تلا {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى ثلاث آيات - ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه"
وأخرج عبد بن حميد، وأبو عبيد، وابن المنذر، عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتم؟ قلت: نعم، فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخر الآيات.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن علي بن أبي طالب قال:
"لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى منى وأنا معه وأبو بكر وكان أبو بكر رجلا نسابة، فوقف على منازلهم ومضاربهم بمنى فسلم عليهم وردوا السلام، وكان في القوم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق، وكان مفروق قد غلب عليهم بيانا ولسانا، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرني به، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد.
قال له: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} إلى قوله: {تتقون} فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] الآية. فقال له مفروق: دعوت والله يا قرشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وقال هانئ بن قبيصة: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش ويعجبني ما تكلمت به. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم - يعني أرض فارس وأنهار كسرى - ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45، 46} الآية. ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يد أبي بكر."
.